← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

هذا من قريش، هذا من خزاعة، وهكذا. فالله جعل هذه القبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، لأن من أجل أن يفخر بعضنا على بعض، فيقول: أنا عربي وأنت عجمي، أنا قبيلي وأنت خضيري، أنا غني وأنت فقير، هذا من دعوى الجاهلية والعياذ يالله، لم يجعل الله هؤلاء الأصناف إلا من أجل التعارف لا من أجل التفاخر، ولهذا قال النبي ﵊: ((إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب)) . فالفضل في الإسلام بالتقوى، أكرمنا عند الله هو أتقانا لله ، فمن كان لله أتقى فهو عند الله أكرم. ولكن يجب أن نعلم أن بعض القبائل أو بعض الشعوب أفضل من بعض، فالشعب الذي بعث فيه الرسول ﵊ هو أفضل الشعوب، شعب العرب أفضل الشعوب، لأن الله قال في كتابه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: ١٢٤) . وقال النبي ﷺ : ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) . ولا يعني هذا إهدار الجنس البشري بالكلية، لكن التفاخر هو

стр. 1717

الممنوع، أما التفاضل فإن الله يفضل بعض الأجناس على بعض، فالعرب أفضل من غيرهم، جنس العرب أفضل ن جنس العجم، لكن إذا كان العربي غير متقٍ والعجمي متقياً، فالعجمي عند الله أكرم من العربي. ثم ساق المؤلف الآيات الأخرى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) لا تزكوها: أي لا تصفوها بالزكاة افتخاراً، وأما التحدث بنعمة الله على العبد مثل أن يقول القائل: كان مسرفاً على نفسه، كان منحرفاً، فهداه الله ووفقه ولزم الإستقامة؛ تحدثاً بنعمة الله لا تزكيه لنفسه؛ فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه أن يذكر الإنسان نعمة الله عليه في الهداية والتوفيق، كما أنه لا حرج أن يذكر نعمة الله عليه بالغنى بعد الفقر. وقوله: (هوََ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) هو أي: الرب ، (أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) وكم ممن شخصين يقومان بعلم أو يدعان عملاً وبينهما في التقى مثل ما بين السماء والآرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) ؛ تجد الشخصين يصليان كل واحد جنب الآخر، لكن بين ما في قلوبهما من التقوى مثل ما بين السماء والأرض، شخصان يتجنبان الفاحشة لكن بينهما في التقوى مثل ما بين السماء والأرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) . ثم ذكر المؤلف آية أخرى وهي قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأعراف: ٤٨) ، أصحاب الأعراف: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا يدخلون الجنة ولا يدخلون النار، يحشر أهل النار في إلى النار، ويساق المتقون إلى الرحمن

стр. 1718

وفداً إلى الجنة زمراً، فيدخل أهل النار النار، وأهل الجنة والجنة، وأصحاب الاعراف في مكان مرتفع. فالأعراف جمع عرف، وهو المكان المرتفع، لكن ليسوا في الجنة وليسوا في النار، وهم يطلعون إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، وفي النهاية يدخلون الجنة؛ لأنه ليس هناك إلا جنة أو نار، هما الباقيتان أبداً، وأما ما سواهما فيزول. يقول الله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بعلاماتهم معرفة تامة، (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني جمعكم المال والأولاد والأهل، ما أغني عنكم هؤلاء، وما أغنى جمعكم من الناس الذين هم جنودكم، تجمعونهم إليكم وتستنصرون بهم، ما أغنوا عنكم شيئاً، (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني وما أغنى عنكم استكباركم على الحق. (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) يعني الضعفاء، وكان الملأ المكذبون للرسل يسخرون من المؤمنين ويقولون (أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) (الأنعام: ٥٣) ، يقولون أهؤلاء أصحاب الرحمة؟ أهؤلاء أهل الجنة؟ يسخرون منهم (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) (المطففين: ٢٩-٣١) . فيقولون لهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يعني قد قيل لهم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (لأعراف: ٤٩) .

стр. 1719

إذاً صار تواضعهم للحق واتباعهم الرسل هو الذي بلغهم هذه المنازل العالية، أما هؤلاء المستكبرون الذين فخروا بما أغناهم الله به من الجمع والمال؛ فإن ذلك لم يغن عنهم شيئاً، فدلَّ ذلك على فضل التواضع للحق، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتواضعين له وللحق الذي جاءت به رسله إنه على كل شيء قدير. * * * ١/٢٠٢- وعن عياضِ بن حمارٍ ﵁ قال: قال رسول الله لصلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ)) رواه مسلم. ٢/٦٠٣- وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحداً إلا رفعةُ الله)) رواه مسلم. ٤/٦٠٤- وعنه قال: إن كانت الأمةُ من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيثُ شاءت. رواه البخاري. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين

стр. 1720

في باب التواضع؛ فمنها حديث عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا)) يعني أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه؛ بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف- ﵏ إن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى من هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد، وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله ولإخوانه من المسلمين. وأما الكافر فقد أمر الله تعالى بمجاهدته والغلظة عليه وإغاظته وإهانته بقدر المستطاع، لكن من كان له عهد وذمة فإنه يجب على المسلمين أن يفوا له بعهده وذمته، وألا يخفروا ذمته، وألا يؤذوه ما دام له عهد. ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: ((ما نقصت صدقة من مال)) يعني أن الصدقات لا تنقص الأموال كما يتوهمه الإنسان، وكما يعد به الشيطان، فإن الشيطان كما قال الله : (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (البقرة: ٢٦٨) الفحشاء: كل ما يستفحش من بخل أو غيره، فهو يعد الإنسان الفقر، إذا أراد الإنسان أن يتصدق قال: لا تتصدق هذا ينقص مالك، هذا يجعلك فقيراً، لا تتصدق، أمسك، ولكن النبي ﷺ أخبرنا بأن الصدقة لا تنقص المال، فإن قال قائل: كيف لا تنقص المال، والإنسان إذا كان عنده مائة فتصدق بعشرة صار عنده تسعون، فيقال: هذا نقص كمًّ، ولكنها تزيد في

стр. 1721

الكيف، ثم يفتح الله للإنسان أبواباً من الرزق تردّ عليه ما أنفق، كما قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩) ، إي يجعل بدله خلفاً، فلا تظن أنك إذا تصدقت بعشرة من مائة فصارت تسعين أن ذلك ينقص المال؛ بل يزيده بركة ونماءً، وترزق من حيث لا تحتسب. ((وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً)) ، يعني أن الإنسان إذا عفا عمن ظلمه فقد تقول له نفسه: إن هذا ذل وخضوع وخذلان، فبين الرسول ﵊ أن الله ما يزيد أحداً بعفو إلا عزاً، فيعزه الله ويرفع من شأنه، وفي هذا حثّ على العفو، ولكن العفو مقيد بما إذا كان إصلاحاً؛ لقول الله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) . أما إذا لم يكن إصلاحاً بل كان إفساداً؛ فإنه لا يؤمر به، مثال ذلك: اعتدى شخص شرير معروف بالعدوان على آخر، فهل نقول للآخر الذي اعتُدي عليه: اعف عن هذا الشرير؟ لا نقول: اعف عنه؛ لأنه شرير، إذا عفوت عنه تعدَّى على غيرك من الغد، أو عليك أنت أيضاً، فمثل هذا نقول: الحزم، والأفضل أن تأخذه بجريرته، يعني أن تأخذ حقك منه، وألا تعفو عنه؛ لأن العفو عن أهل الشر والفساد ليس بإصلاح؛ بل لا يزيدهم إلا فساداً وشراًّ. فأما إذا كان في العفو خير وإحسان، وربما يخجل الذي عفوت عنه ولا يتعدى عليك ولا على غيرك فهذا خير. ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) هذا الشاهد من الحديث: ((ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) .

стр. 1722

والتواضع لله له معنيان: المعني الأول: أن تتواضع لدين الله، فلا تترفع عن الدين ولا تستكبر عنه وعن أداء أحكامه. والثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، لا خوفاً منهم، ولا رجاء لما عندهم، ولكن لله . والمعنيان صحيحان، فمن تواضع لله؛ رفعه الله في الدنيا وفي الآخرة، وهذا أمر مشاهد، أن الإنسان المتواضع يكون محل رفعة عند الناس وذكر حسن، ويحبه الناس، وانظر إلى تواضع الرسول ﵊ وهو أشرف الخلق، حيث كانت الأمة من إماء المدينة تأتي إليه، وتأخذ بيده، وتذهب به إلى حيث شاءت ليعينها في حاجتها، وهذا هو أشرف الخلق، أمة من الإماء تأتي وتأخذ بيده تذهب به إلى حيث شاءت ليقضى حاجتها، ولا يقول أين تذهبين بي، أو يقول: اذهبي إلى غيري، بل كان يذهب معها ويقضي حاجتها، لكن مع هذا ما زاده الله بذلك إلا عزّاً ورفعة صلوات الله وسلامه عليه. * * * ٣/٦٠٥- وعن أنس ﵁ ُأنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعلهُ. متفق عليه. ٥/٦٠٦- وعن الأسود بن يزيد ﵁ قال: سئلت عائشة رضي الله

стр. 1723

عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة. رواه البخاري. ٦/٦٠٧- وعن أبي رفاعة تميم بن أُسيد ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريبٌ جاء يسألُ عن دينه لا يدري ما دينُهُ؟ فأقبل عليّ رسول الله ﷺ ، وترك خُطبتهُ حتى انتهى إليّ، فأتي بكرسي، فقعد عليه، وجعل يُعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبتهُ، فأتم آخرها. رواه مسلم. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في رياض الصالحين في بيان تواضع النبي ﵌، منها أنه كان يسلم على الصبيان إذا مرّ عليهم، مع أنهم صبيان غير مكلفين ومع ذلك كان ﵌ يسلم عليهم، واقتدى به أصحابه ﵃، فعن أنس ﵁ أنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، يمر بهم في السوق يلعبون فيسلم عليهم ويقول: إن النبي ﷺ كان يفعله: أي: كان يسلم على الصبيان إذا مَر عليهم، وهذا من التواضع وحسن الخلق، ومن التربية وحسن التعليم والإرشاد والتوجيه؛ لأن الصبيان إذا سلَّم الإنسان عليهم، فإنهم يعتادون ذلك، ويكون ذلك

стр. 1724

كالغريزة في نفوسهم. إن الإنسان إذا مرّ على أحد سلم عليه، وإذا كان هذا يقع من النبي ﷺ على الصبيان، فإننا نأسف لقوم يمرون بالكبار البالغين ولا يسلمون عليهم والعياذ بالله، قد لا يكون ذلك هجراً أو كراهة، لكن عدم مبالاة، وعدم اتباع للسنة، جهل، غفلة، وهم إن كانوا غير آثمين؛ لأنهم لم يتخذوا ذلك هجراً، لكنهم قد فاتهم خيرٌ كثير. فالسنة أن تسلم على كل من لقيت، وأن تبدأه بالسلام ولو كان أصغر منك؛ لأن النبي ﷺ كان يبدأ من لقيه بالسلام، وهو ﵊ أكبر الناس قدراً، ومع ذلك كان يبدأ من لقيه بالسلام. وأنت إذا بدأت من لقيته بالسلام؛ حصلت على خير كثير، منه اتباع الرسول ﷺ . ومنه أنك تكون سبباً لنشر هذه السنة التي ماتت عند كثير من الناس، ومعلوم أن إحياء السنن يؤجر الإنسان عليه مرتين، مرة على فعل السنة، ومرة على إحياء السنة. ومنه أن تكون السبب في إجابة هذا الرجل وإجابته فرض كفاية، فتكون سبباً في إيجاد فرض الكفاية من هذا الرجل. ولهذا كان ابتداء السلام أفضل من الرد، وإن كان الرد فرضاً وهذا سنة، لكن لما كان الفرض ينبني على هذه السنة؛ كانت السنة أفضل من هذا الفرض؛ لأنه مبني عليها. وهذه من المسائل التي ألغز بها بعض العلماء وقال: عندنا سنة أفضل

стр. 1725

من الفريضة؛ لأنه من المتفق عليه أن الفرض أفضل، مثلاً صلاة الفجر ركعتان أفضل من راتبتها ركعتين؛ لأنها فرض والراتبة سنة، لكن ابتداء السلام سنة، ومع ذلك صار أفضل من رده؛ لأن رده مبنى عليه. فالمهم أنه ينبغي لنا إحياء هذه السنة، أعني إفشاء السلام، وهو من أسباب المحبة، ومن كمال الإيمان، ومن أسباب دخول الجنة، قال النبي صلى ﵊: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم)) . ومن تواضع النبي ﷺ أنه كان في بيته في خدمة أهله، يحلب الشاة، يخصف النحل، يخدمهم في بيتهم؛ لأن عائشة سئلت ماذا كان النبي صلى اله عليه وسلم يضع في بيته؟، قالت: ((كان في مهنة أهله، يعني في خدمتهم ﵊. فمثلاً الإنسان إذا كان في بيته فمن السنة أن يصنع الشاي مثلاً لنفسه، ويطبخ إذا كان يعرف، ويغسل ما يحتاج إلى غسله، كل هذا من السنة، أنت إذا فعلت ذلك تثاب عليه ثواب سنة، اقتداء بالرسول ﵊ وتواضعاً لله ؛ ولأن هذا يوجد المحبة بينك وبين أهلك، إذا شعر أهلك أنك تساعدهم في مهنتهم أحبوك، وازدادت قيمتك عندهم، فيكون في هذا مصلحة كبيرة. ومن تواضع الرسول ﵊ أنه جاءه رجلٌ وهو يخطب

стр. 1726

الناس فقال: ((رجل غريب جاء يسأل عن دينه)) كلمة استعطاف؛ بل كلمة غريب، وجاء يسأل، يسأل مالاً، بل جاء يسأل عن دينه، فأقبل إليه النبي ﵊ وقطع خطبته، حتى انتهى إليه، ثم جيء إليه بكرسي، فجعل يعلم هذا الرجل؛ لأن هذا الرجل جاء مشفقاً محباً للعلم، يريد أن يعلم دينه حتى يعمل به، فأقبل إليه النبي ﵊ وقطع الخطبة، ثم بعد ذلك أكمل خطبته، وهذا من تواضع الرسول ﵊ وحسن رعايته. فإن قال قائل: أليست المصلحة العامة أولى بالمراعاة من المصلحة الخاصة؟ وحاجة هذا الرجل خاصة، وهو ﷺ يخطب في الجماعة؟ قلنا: نعم لو كانت مصلحة العامة تفوت؛ لكان مراعاة المصلحة العامة أولى، لكن مصلحة العامة لا تفوت، بل إنهم سيستفيدون مما يعلمه الرسول ﷺ لهذا الرجل الغريب، والمصلحة العامة لا تفوت. وهذا الغريب الذي جاء يسأل عن دينه إذا أقبل إليه الرسول ﵊ وعلمه كان في هذا تأليف لقلبه على الإسلام، ومحبة للإسلام، ومحبة للرسول ﷺ ، وهذا من حكمة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى. * * * ٧/٦٠٨- وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: ((إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)) وأمر أن تسلت القصعة قال: ((فإنكم لا تدرون في

стр. 1727

أي طعامكم البركة)) رواه مسلم. ٩/٦١٠- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لو دعيت إلى كراع أو ذراع لآجبتُ، ولو أهدي إلى ذراعٌ أو كراعٌ لقبلتُ)) رواه البخاري. ١٠/٦١١- وعن أنس ﵁ قال: كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء لا تسبق، أو لا تكادُ تسبقُ، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي ﷺ ، فقال: ((حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعهُ)) رواه البخاري. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب التواضع، فمنها حديث أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من الأكل لعق أصابعه الثلاث. لعقها: يعني لحسها حتى يكون ما بقي من الطعام فيها داخلاً في طعامه الذي أكله من قبل، وفيه فائدة ذكرها بعض الأطباء؛ أن الأنامل تفرز عند الأكل شيئاً يعين على هضم الطعام. فيكون في لعق الأصابع بعد الطعام فائدتان: فائدة شرعية: وهي الأقتداء بالنبي ﷺ . وفائدة صحية طبيه: وهي هذا الإفراز الذي يكون بعد الطعام يعين

стр. 1728

على الهضم. والمؤمن لا يهمه ما يتعلق بالصحة البدينة، أهم شيء عند المؤمن هو اتباع الرسول ﷺ والاقتداء به؛ لأن فيه صحة القلب، وكلما كان الإنسان للرسول ﷺ أتبع؛ كان إيمانه أقوى. وكذلك قال ﵊: ((إذا سقطت لقمة أحدكم)) يعني على الأرض أو على السفرة ((فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)) فإذا سقطت اللقمة أو التمرة أو ما أشبه ذلك على السفرة؛ فخذها وأزل ما فيها من الأذى إن كان فيها أذى من تراب أو عيدان وكلها؛ تواضعاً لله ، وامتثالاً لأمر النبي ﷺ ، وحرماناً للشيطان من الأكل معك، لأنك إذا تركتها أكلها الشيطان. والشيطان ربما يشارك الإنسان في أكله في مثل هذه المسألة، وفيما إذا أكل ولم يسم، فإن الشيطان يشاركه في أكله. والثالث أمر بسلت الصحن أو القصعة، وهو الإناء الذي فيه الطعام، فإذا انتهيت فأسلته، بمعنى أن تلحسه، تمر يدك عليه وتتبع ما علق فيه من طعام بأصابعك وتلعقه. وهذا أيضاً من السنة التي غفل عنها كثيرٌ من الناس مع الأسف كثير من الناس حتى من طلبة العلم أيضاً، إذا فرغوا من الأكل وجدت الجهة التي تليهم ما زال الأكل باقياً فيها، لا يلعقون الصحفة، وهذا حلاف ما أمر به النبي ﷺ ، ثم بين الرسول ﵊ الحكمة من ذلك فقال: ((لا تدرون في أي طعامكم البركة)) قد تكون البركة من هذا الطعام في

стр. 1729

هذا الذي سلته من القصعة. وفي هذا الحديث حسن تعليم الرسول ﵊، وأنه إذا ذكر الحكم ذكر الحكمة منه؛ لأن ذكر الحكمة مقروناً بالحكم يفيد فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيانه سمو الشريعة، وأنها شريعة مبنية على المصالح، فما من شيء أمر الله به ورسوله ﷺ إلا والمصلحة في وجوده، وما من شيء نهى الله عنه ورسوله ﷺ إلا والمصلحة في عدمه. الفائدة الثانية: زيادة اطمئنان النفس؛ لأن الإنسان بشر قد يكون عنده إيمان وتسليم بما حكم الله به ورسوله، لكن إذا ذكرت الحكمة ازداد إيماناً، وازداد يقيناً، ونشط على فعل المأمور أو ترك المحظور. ثم ذكر المؤلف حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الأعرابي الذي جاء بقعود له، ناقة ليست كبيرة، أو جمل ليس بكبير، وكانت ناقة النبي ﷺ العضباء وهي غير القصواء التي حجّ عليها، هذه ناقة أخرى، وكان من هدي الرسول ﵊ أنه يسمي دوابه وسلاحه وما أشبه ذلك. فالعضباء هذه كان الصحابة ﵃ يرون أنها لا تُسبق أو لا تكاد تُسبق، فجاء هذا الأعرابي بقعوده فسبق العضباء، فكأن ذلك شقَّ على الصحابة ﵃، فقال النبي ﷺ لما عرف ما في نفوسهم: ((حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)) . فكل ارتفاع يكون في الدنيا فإنه لابد أن يئول إلى انخفاض، فإن

стр. 1730

صحب هذا الارتفاع ارتفاع في النفوس وعلو في النفوس، فإن الوضع إليه أسرع؛ لأن الوضع يكون عقوبة، وأما إذا لم يصحبه شيء، فإنه لابد أن يرجع ويوضع؛ كما قال الله ﵎: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ) (يونس: ٢٤) أي ظهر فيه من كل نوع. (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) (يونس: ٢٤) ذهبت كلها. كل هذه الزينة، وكل هذا النبات الذي اختلط من كل صنف، كله يزول كأن لم يكن، وهكذا الدنيا كلها تزول كأن لم تكن، حتى الإنسان نفسه يبدو صغيراً ضعيفاً، ثم يقوى، فإذا انتهت قوته عاد إلى الضعف والهرم، ثم إلى الفناء والعدم، فما من شيء ارتفع من الدنيا إلا وضعه الله . وفي قوله ﵊: " ((من الدنيا)) دليلٌ على أن ما ارتفع من أمور الآخرة فإنه لا يضعه الله، فقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: ١١) ، هؤلاء لا يضعهم الله ما داموا على وصف العلم والإيمان، فإنه لا يمكن أن يضعهم الله؛ بل يرفع لهم الذكر، ويرفع درجاتهم في الآخرة، والله الموفق.

стр. 1731

٧٢- باب تحريم الكبر والإعجاب قال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣) وقال تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) (الاسراء: ٣٧) . وقال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨) . ومعنى (تُصَعِّرْْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي: تميلُه وتعرضُ به عن الناس تكبراً عليهم "والمرح": التبختُر. وقال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص: ٧٦) إلى قوله تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (القصص: ٨١) الآيات. [الشَّرْحُ] قال المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين: فيما جاء في الكبر والإعجاب. والكبر: هو الترفع واعتقاد الإنسان نفسه أنه كبير، وأنه فوق الناس، وأن له فضلاً عليهم. والإعجاب: أن يرى الإنسان عمل نفسه فيعجب به، ويستعظمه

стр. 1732

ويستكثره. فالإعجاب يكون في العمل، والكبر يكون في النفس، وكلاهما خلق مذموم الكبر والإعجاب. والكبر نوعان: كبر على الحق، وكبر على الخلق، وقد بيّنهما النبي ﷺ في قوله: ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) فبطر الحق يعني رده والإعراض عنه، وعدم قبوله، وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم وألا يرى الناس شيئاً، ويرى أنه فوقهم. وقيل لرجل: ماذا ترى الناس؟ قال لا أراهم إلا مثل البعوض، فقيل له: إنهم لا يرونك إلا كذلك. وقيل لآخر: ما ترى الناس؟ قال: أرى الناس أعظم مني، ولهم شأن، ولهم منزلة، فقيل له: إنهم يرونك أعظم منهم، وأن لك شأناً ومحلاً. فأنت إذا رأيت الناس على أي وجه؛ فالناس يرونك بمثل ما تراهم به، إن رأيتهم في محل الإكرام والإجلال والتعظيم، ونزلتهم منزلتهم عرفوا لك ذلك، ورأوك في محل الإجلال والإكرام والتعظيم، ونزلوك منزلتك، والعكس بالعكس. أما بطر الحق: فهو ردّه، وألا يقبل الإنسان الحق بل يرفضه ويرده اعتداداً بنفسه ورأيه، فيرى والعياذ بالله أنه أكبر من الحق، وعلامة ذلك أن

стр. 1733

الإنسان يؤتى إليه بالأدلة من الكتاب والسنة، ويُقال: هذا كتاب الله، هذه سنة رسول الله، ولكنه لا يقبل؛ بل يستمر على رأيه، فهذا ردٌّ الحق والعياذ بالله. وكثيرٌ من الناس ينتصر لنفسه، فإذا قال قولاً لا يمكن أن يتزحزح عنه، ولو رأى الصواب في خلافه، ولكن هذا خلاف العقل وخلاف الشرع. والواجب أن يرجع الإنسان للحق حيثما وجده، حتى لو خالف قوله فليرجع إليه، فإن هذا أعز له عند الله، وأعز له عند الناس، وأسلم لذمته وأبرأ ولا يضره. فلا تظن أنك إذا رجعت عن قولك إلى الصواب أن ذلك يضع منزلتك عند الناس؛ بل هذا يرفع منزلتك، ويعرف الناس أنك لا تتبع إلى الحق، أما الذي يعاند ويبقى على ما هو عليه ويرد الحق، فهذا متكبر والعياذ بالله. وهذا الثاني يقع من بعض الناس والعياذ بالله حتى من طلبة العلم، يتبين له بعد المناقشة وجه الصواب وأن الصواب خلاف ما قاله بالأمس، ولكنه يبقى على رأيه، يملي عليه الشيطان أنه إذا رجع استهان الناس به، وقالوا هذا إنسان إمعه كل يوم له قول، وهذا لا يضر إذا رجعت إلى الصواب، فليكن قولك اليوم خلاف قولك بالأمس، فالأئمة الأجلة كان لهم في المسألة الواحدة أقوال متعددة. وها هو الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة، وأرفع الأئمة من حيث اتباع الدليل وسعة الاطلاع، نجد أن له في المسألة الواحدة في بعض

стр. 1734

الأحيان أكثر من أربعة أقوال، لماذا؟ لأنه إذا تبين له الدليل رجع إليه، وهكذا شأن كل إنسان منصف عليه أن يتبع الدليل حيثما كان. ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات تتعلق بهذا الباب بيّن فيها رحمة الله أنها كلها تدل على ذم الكبر، وآخرها الآيات المتعلقة بقارون. وقارون رجل من بني إسرائيل من قوم موسى، أعطاه الله مالاً كثيراً، حتى إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، أي: مفاتيح الخزائن تثقل وتشق على العصبة، أي الجماعة من الرجال أولي القوة لكثرتها. (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) فإن هذا الرجل بطر والعياذ بالله وتكبّر، ولما ذكر بآيات الله ردها واستكبر (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) ، فأنكر فضل الله عليه، وقال أنا أخذته بيدي وعندي علم أدركت به هذا المال. وكانت النتيجة أن الله خسف به وبداره الأرض، وزال هو وأملاكه، (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) (القصص: ٨٢، ٨١) . فتأمل نتيجة الكبر والعياذ بالله والعجب والاعتداد بالنفس، وكيف كان عاقبة ذلك من الهلاك والدمار. ثم ذكر المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)

стр. 1735

الآخرة هي آخر دور بني آدم؛ لأن ابن آدم له أربعة دور كلها تنتهي بالآخرة. الدار الآولى: في بطن أمه. الدار الثانية: إذا خرج من بطن أمه إلى دار الدنيا. الدار الثالثة: البرزخ؛ ما بين موته وقيام الساعة. والدار الرابعة: الدار الآخرة. وهي النهاية، وهي القرار، هذه الدار قال الله تعالى عنها: (نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً) (القصص: ٨٣) ، لا يريدون التعالي على الحق، ولا التعالي على الخلق، وإنما هم متواضعون، وإذا نفى الله عنهم إرادة العلو والفساد، فهو من باب أولى ألا يكون منهم علو ولا فساد، فهم لا يعلون في الأرض، ولا يفسدون، ولا يكون منهم علو ولا فساد، فهم لا يعلون في الأرض، ولا يفسدون، ولا يريدون ذلك؛ لأن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ١- قسم علا وفسد وأفسد، فهذا اجتمع في حقه الإرادة والفعل. ٢- وقسم لم يرد الفساد ولا العلو فقد انتفى عنه الأمران. ٣- وقسم ثالث يريد العلو والفساد ولكن لا يقدر عليه. فهدا الثالث بين الأول والثاني، لكن عليه الوزر؛ لأنه أراد السوء، فالدار الآخرة إنما تكون (لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ) أي تعالياً على الحق أو على الخلق (وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) . فإن قال قائل: ما هو الفساد في الأرض؟ فالجواب أن الفساد في الأرض ليس هدم المنازل ولا إحراق الزروع، بل الفساد في الأرض بالمعاصي، كما قال أهل العلم ﵏ في قوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف: ٥٦) ، أي لا تعصوا الله؛ لأن المعاصي

стр. 1736

سبب للفساد. قال الله ﵎: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦) ، فلم يفتح الله عليهم بركات من السماء ولا من الأرض، فالفساد في الأرض يكون بالمعاصي نسأل الله العافية. وقال الله ﵎: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا) (لقمان: ١٨) ، يعنيلا تمش مرحاً مستكبراً متبختراً متعاظماً في نفسك وفي الآية الثانية قال: (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) (الاسراء: ٣٧) ، يعني مهما كنت فأنت لا تقدر أن تنزل في الأرض ولا تتباهى حتى تساوي الجبال؛ بل إنك أنت أنت. أنت ابن آدم حقير ضعيف، فكيف تمشي في الأرض مرحاً. وقال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨) . تصعير الخد للناس: أن يعرض الإنسان عن الناس، فتجده والعياذ بالله مستكبراً لاوياً عنقه، تحدثه وهو يحدثك وقد صد عنك، وصعّر خده. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا) يعني لا تمش تبختراً وتعاظماً وتكبراً (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨) ، المختال في هيئته، والفخور بلسانه وقوله، فهو بهيئته مختال؛ في ثيابه، في ملابسه، في مظهره، في مشيته، فخور بقوله ولسانه، والله تعالى لا يحب هذا، إنما يحب المتواضع الغني الخفي التقي, هذا هو الذي يحبه الله . نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال وأن يجنبنا سيئات

стр. 1737

الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم. * * * ١/٦١٢- وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة نم كبر" فقال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة؟ قال: ((إن الله جميل يحبٌ الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناسِ)) رواه مسلم. ٢/٦١٣- وعن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: ((كل بيمينك)) . قال: لا أستطيع! قال: ((لا استطعت)) ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها على فيه. رواهُ مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والعجب، عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) . وهذا الحديث من أحاديث الوعيد التي يطلقها الرسول ﷺ تنفيراً عن الشيء، وإن كانت تحتاج إلى تفصيل حسب الأدلة الشرعية. فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبراً عن الحق وكراهة له، فهذا كافر

стр. 1738

مخلداً في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٩) ، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢١٧) . وأما إذا كان كبراً على الخلق وتعاظماً على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولاً كاملاً مطلقاً لم يسبق بعذاب؛ بل لابد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق ثم إذا طهر دخل الجنة. ولما حدث النبي ﷺ بهذا الحديث قال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. يعني فهل هذا من الكبر؟ فقال النبي ﷺ : ((إن الله جميل يحب الجمال)) جميل في ذاته، جميل في أفعاله، جميل في صفاته، كل ما يصدر عن الله فإنه جميل وليس بقبيح؛ بل حسن، تستحسنه العقول السليمة، وتستسيغه النفوس. وقوله: ((يحب الجمال)) أي يحب التجمل يعني أنه يحب أن يتجمل الإنسان في ثيابه، وفي نعله، وفي بدنه، وفي جميع شؤونه؛ لأن التجمل يجذب القلوب إلى الإنسان، ويحببه إلى الناس، بخلاف التشوه الذي يكون فيه الإنسان قبيحاً في شعره أو في ثوبه أو في لباسه، فلهذا قال: ((إن الله جميل يحب الجمال)) أي يحب أن يتجمل الإنسان. أما الجمال الخلقي الذي منّ الله ، فهذا إلى الله ، ليس للإنسان فيه حيلة، وليس له فيه كسب، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1739

ما للإنسان فيه كسب وهو التجمل. أما الحديث الثاني فهو حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلاً أكل عند النبي ﷺ بيده اليسرى، فقال: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع. ما منعه إلا الكبر، فقال النبي ﷺ : " لا استطعت" لأن الرسول ﷺ عرف أنه متكبر، فقال: " لا استطعت" أي دعا عليه بأن الله تعالى يصيبه بأمر لا يستطيع معه رفع يده اليمنى إلى فمه، فلما قال ((لا استطعت)) أجاب الله دعوته فلم يرفعها إلى فمه بعد ذلك، صارت والعياذ بالله قائمة كالعصا، لا يستطيع رفعها؛ لأنه استكبر على دين الله . وفي هذا دليلٌ على وجوب الأكل باليمين والشرب باليمين، وأن الأكل باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان، وكذلك الشرب باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان؛ لأنه إذا فعل ذلك أي أكل بشماله أو شرب بشماله شابه الشيطان وأولياء الشيطان، قال النبي صلى ﵊: " لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)) . وإذا نظرنا الآن إلى الكفار، وجدنا أنهم يأكلون بيسارهم ويشربون بيسارهم، وعلى هذا فالذي يأكل بشماله أو يشرب بشماله متشبه بالشيطان وأولياء الشيطان. ويجب على من رآه أن ينكر عليه، لكن بالتي هي أحسن، أما أن يُعرض إذا كان يخشى أن يخجل صاحبه أو أن يستنكف ويستكبر، يُعرض

стр. 1740

فيقول: من الناس من يأكل بشماله أو يشرب بشماله، وهذا حرام ولا يجوز. أو إذا كان معه طالب علم سأل طالب العلم وقال له: ما تقول فيمن يأكل بالشمال ويشرب بالشمال، حتى ينتبه الآخر، فإن انتبه فهذا المطلوب، وإن لم ينتبه قيل له- ولو سراً-: لا تأكل بشمالك ولا تشرب بشمالك، حتى يعلم دين الله تعالى وشرعه. يوجد بعض المترفين يأكل باليمين ويشرب باليمين، إلا إذا شرب وهو يأكل فإنه يشرب بالشمال، يدعي أنه لو شرب باليمين لوث الكأس، فيُقال له: المسألة ليست هينة، وليست على سبيل الاستحباب حتى تقول الأمر هين، بل أنت إذا شربت بالشمال فأنت عاصٍ لأنه محرم، والمحرم لا يجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة للشرب بالشمال خوفاً من أن يتلوث الكأس بالطعام. ثم إنه يمكن أن يتلوث، يمكن أن تمسكه بين الإبهام والسبابة من أسفله وحينئذٍ لا يتلوث، والإنسان الذي يريد الخير والحق يسهل عليه فعله، أما المعاند أوالمترف أو الذي يقلد أعداء الله من الشيطان وأوليائه، فهذا له شأن آخر، والله الموفق. * * * ٣/٦١٤-وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: ((ألا أخبركم بأهل النار، كل عُتُل جواظٍ مُستكبرٍ)) متفق عليه. وتقدم

стр. 1741

شرحُه في باب ضعفة المسلمين. ٤/٦١٥- وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((احتجت الجنة والنار، فقالت النارُ: فيَّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتى، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاءُ، ولكليكما عليّ ملؤها)) رواهُ مسلم. ٥/٦١٦- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزارهُ بطراً" متفق عليه. [الشَّرْحُ] هذه أحاديث ساقها المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والعجب، وقد سبق لنا الكلام على الآيات الواردة في هذا، وكذلك الكلام على الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب. ثم ذكر المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بأهل النار)) ، وهذا من الأسلوب الذي كان النبي ﷺ يستعمله، أن يورد الكلام على

стр. 1742

صيغة الاستفهام، من أجل أن ينتبه المخاطب ويعي ما يقول، فهو يقول ((ألا أخبركم)) ، الكل سيقول نعم أخبرنا يا رسول الله. قال: ((كل عتلًّ جواظٍ مستكبر)) . العتل: معناها الشديد الغليظ، ومنه العتلة التي تحفر بها الأرض، فإنها شديدة غليظة، فالعتل هو الشديد الغليظ، والعياذ بالله. الجواظ: يعني أنه فيه زيادة من سوء الأخلاق. والمستكبر- وهذا هو الشاهد-: هو الذي عنده كِبر والعياذ بالله وغطرسة، وكِبر على الحق، وكِبر على الخلق، فهو لا يلين للحق أبداً، ولا يرحم الخلق والعياذ بالله. هؤلاء هم أهل النار، أما أهل الجنة فهم الضعفاء المساكين الذين ليس عندهم ما يستكبرون به؛ بل هم دائماً متواضعون ليس عندهم كبرياء ولا غلظة؛ لأن المال أحياناً يفسد صاحبه، ويحمله على أن يستكبر على الخلق ويردّ الحق، كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) . وكذلك أيضاً ذكر حديث احتجاج النار والجنة؛ احتجت النار والجنة، فقالت النار: إن أهلها هم الجبارون المتكبرون، وقالت الجنة: إن أهلها هم الضعفاء والمساكين، فاحتجت كل واحدة منها على الأخرى. فحكم الله بينهما ، وقال في الجنة ((أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء)) وقال للنار ((أنت عذابي أعذب بك من أشاء)) فصارت النار دار

стр. 1743

العذاب والعياذ بالله، والجنة دار الرحمة، فهي رحمة الله ويسكنها الرحماء من عباده، كما قال النبي ﷺ ((وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) . وقال: ((ولكل منكما عليّ ملؤها)) فوعد الله النار ملأها، ووعد الجنة ملأها، وهو لا يخلف الميعاد . ولكن أتدرون ماذا تكون العاقبة؟ تكون العاقبة- كما ثبتت بها الأحاديث الصحيحة- أن النار لا يزال يلقى فيها، وهي تقول كما قال تعالى (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (قّ: ٣٠) ، يعني تطلب الزيادة؛ لأنها لم تمتليء، فيضع الرب عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض أي ينضم بعضها إلى بعض وتقول ((قط قط)) أي حسبي، حسبي، لا أريد زيادة فصارت النار تملأ بهذه الطريقة. أما الجنة: فإن الجنة (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) (آل عمران: ١٣٣) ويسكنها أولياء الله، جعلني الله وإياكم منهم، ويسكنها أهلها، ويبقى فيها فضل؛ يعني مكان ليس فيه أحد، فينشىء الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة برحمته. وهذه هي النتيجة؛ امتلأت النار بعدل الله ، وأمتلأت الجنة

стр. 1744

بفضل الله ورحمته. ثم ذكر المؤلف ﵀ حديثاً في الإنسان المسبل، فقال ﵊: ((لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خُيلاء)) وهذه مسألة خطيرة وذلك أن الرجل منهي عن أن ينزل ثوبه أو سرواله أو مشلحه أو إزاره عن الكعب، لابد أن يكون من الكعب فما فوق، فمن نزل عن الكعب؛ فإن فعله هذا من الكبائر والعياذ بالله. لأنه إن نزل كبراً وخيلاء فإنه لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذابٌ أليم، وإن كان نزل لغير ذلك كأن يكون طويلاً ولم يلاحظه، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار)) . فكانت العقوبة حاصلة على كل حال فيما نزل عن الكعبين، لكن إن كان بطراً وخيلاء فالعقوبة أعظم؛ لا يكلم الله صاحبه يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذابٌ إليم، وإن كان غير خيلاء، فإنه يعذب بالنار والعياذ بالله. فإذا قال قائل: ما هي السنة؟ قلنا: من الكعب إلى نصف الساق هذه هي السنة، نصف الساق سنة، وما دونه سنة، وما كان إلى الكعبين فهو سنة؛ لأن هذا هو لبس النبي ﷺ وأصحابه، فإنهم كانوا لا يتجاوز لباسهم الكعبين، ولكن يكون إلى نصف الساق أو يرتفع قليلاً، وما بين

стр. 1745

ذلك كله من السنة، والله الموفق. ٦/٦١٧- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ)) رواه مسلم. ٧/٦١٨- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله : العز إزاري، والكبرياءُ ردائي، فمن ينازعني عذبته" رواه مسلم. ٨/٦١٩- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بينما رجلٌ يمشي في حلة تعجبه نفسُه، مُرجلٌ رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)) متفق عليه. ((مرجل رأسهُ)) أي: ممشطه ((يتجلجل)) بالجيمين، أي: يغوصُ وينزل. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والإعجاب، فذكر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم)) ثلاثة: يعني ثلاثة أصناف، وليس المراد ثلاثة رجال، بل قد يكون

стр. 1746

آلاف الناس، لكن المراد ثلاثة أصناف. وهكذا كلما جاءت كلمة ثلاثة أو سبعة أو ما أشبه ذلك فالمراد أصنافاً لا أفراداً. فهؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. الأول: شيخ زانٍ: شيخ يعني رجلاً كبيراً مسناً، زانٍ يعني أنه زنى، فهذا لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر اليه، ولا يزكيه، وله عذاب اليم، وذلك لأن الشيخ إذا زنى فليس هناك شهوة تجبره على أن يفعل هذا الفعل. فالشاب قد يكون عنده شهوة ويعجز أن يملك نفسه، لكن الشيخ قد بردت شهوته وزالت أو نقصت كثيراً، فكونه يزني هذا يدل على أنه- والعياذ بالله- سيءٌ للغاية؛ لأنه فعل الفاحشة من غير سبب قوي يدفعه إليها. والزنى كله فاحشة سواء من الشاب أو من الشيخ، لكنه من الشيخ أشد وأعظم والعياذ بالله، إلا أن هذا الحديث مقيدٌ بما ثبت في الصحيحين أن من أتى شيئاً من هذه القاذورات، وأقيم عليه الحد في الدنيا، فإن الله تعالى لا يجمع عليه عقوبتين بل يزول عنه ذلك، ويكون الحد تطهيراً له. الثاني: ملك كذَّاب: وكذاب هذه صيغة مبالغة أي كثير الكذب،

стр. 1747

وذلك لأن الملك لا يحتاج أن يكذب، كلمته هي العليا بين الناس، فلا حاجة إلى أن يكذب، فإذا كذب صار يعدُ الناس ولكن لا يوفي، يقول سأفعل كذا ولكن لا يفعل، سأترك كذا ولكن لا يترك، ويحدث الناس يلعب بعقولهم ويكذب عليهم، فهذا والعياذ بالله داخل في هذا الوعيد، لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم. والكذب حرامٌ من الملك وغير الملك، لكنه من الملك أعظم وأشد؛ لأنه لا حاجة إلى أن يكذب، كلمته بين الناس هي العليا فيجب عليه أن يكون صريحاً، إذا كان يريد الشيء، يقول نعم يوافق عليه ويفعل، وإذا كان لا يريده، يقول لا يرفضه ولا يفعل، الواحد من الرعية قد يحتاج إلى الكذب فيكذب، ولكن الملك لا يحتاج. والكذب حرام، ومن صفات المنافقين والعياذ بالله، فإن المنافق إذا حدث كذب، ولا يجوز لأحد أن يكذب مطلقاً، وقول بعض العامة: إن الكذب إذا كان لا يقطع مُحلاًّ من حلاله فلا بأس به، هذه قاعدة شيطانية، ليس لها أساس من الصحة ولا من الدين، والصواب أن الكذب حرامٌ بكل حال. الثالث: عائل مستكبر: وهذا هو الشاهد من الحديث، عائل يعني فقيراً، مستكبر يعني يتكبر على الناس والعياذ بالله، فإن هذا العائل الفقير ليس عنده ما يوجب الكبر، والغني ربما يخدعه غناه ويغرّه؛ فيتكبر على عباد الله، أو يتكبر عن الحق، لكن الفقير حشف وسوء كيلة، ما دام فقيراً فكيف يستكبر؟! فالعائل المستكبر هذا لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر

стр. 1748

إليه، ولا يزكيه وله عذاب أليم. والكبر حرامٌ من الغني ومن الفقير، لكنه من الفقير أشد، ولهذا تجد الناس إذا رأوا غنياً متواضعاً استغربوا ذلك منه، واستعظموا ذلك منه، ورأوا أن هذا الغني في غاية ما يكون من الخلق النبيل، لكن لو يجدون فقيراً متواضعاً لكان من سائر الناس؛ لأن الفقر يوجب للإنسان أن يتواضع؛ لأنه لأي شيء يستكبر؟! فإذا جاء إنسان والعياذ بالله عائل فقير يستكبر على الخلق، أو يستكبر عن الحق، فليس هناك ما يوجب الكبرياء في حقه فيكون والعياذ بالله داخلاً في الحديث. ثم ذكر المؤلف ﵀ فيما ساقه من الأدلة على تحريم الكبر والإعجاب، وأنه من كبائر الذنوب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((العز إزاري والكبرياء ردائى فمن ينازعني عذبته)) . هذا من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي صلى الله عيه وسلم عن الله، وهي ليست في مرتبة القرآن، فالقرآن له أحكام تخصه، منها أنه معجزٌ للبشر عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور منه، أو بسورة أو بحديث مثله، وأنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وأن الصلاة تصح إذا قرأ المصلى من القرآن؛ بل تجب القراءة بالفاتحة، أما الأحاديث القدسية فليست كذلك. ثم القرآن محفوظ لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا ينقل بالمعنى، وليس

стр. 1749

فيه شيء ضعيف، أما الأحاديث القدسية فإنها تروى بالمعنى، وفيها أحاديث ضعيفة، وفيها أحاديث مكذوبة على الرسول ﷺ ليست بصحيحة وهو كثير، فالمهم أنه ليس في منزلة القرآن إلا أنه يُقال إن النبي ﷺ يرويه عن ربه. فالله تعالى يقول: ((العز إزاري والكبرياء ردائي)) وهذا من الأحاديث التي تمر كما جاءت عن النبي ﷺ ، ولا يتعرض لمعناها بتحريف أو تكييف، وإنما يُقال هكذا قال الله تعالى فيما رواه النبي ﷺ عنه، فمن نازع الله في عزته وأراد أن يتخذ سلطاناً كسلطان الله، أو نازع الله في كبريائه وتكبر على عباد الله، فإن الله يعذبه، يعذبه على ما صنع ونازع الله تعالى فيما يختص به. ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث أبي هريرة الآخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجلٌ رأسه، يختال في مشيته)) أي عنده من الخيلاء والكبرياء والغطرسة ما عنده " إذ خسف الله به" أي خسف به الأرض ((فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)) يعني انهارت به الأرض وانغمس فيها واندفن، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة؛ لأنه والعياذ بالله لما صار عنده هذا الكبرياء وهذا التيه وهذا الإعجاب خسف به. وهذا نظير قارون الذي ذكره المؤلف ﵀ في صدر الباب، فإن قارون خرج على قومه في زينته (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

стр. 1750

وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (القصص: ٧٩-٨١) . وقوله: " يتجلجل في الأرض" يحتمل أنه يتجلجل وهو حي حياة دنيوية، فيبقى هكذا معذباً إلى يوم القيامة، معذباً وهو في جوف الأرض وهو حي، فيتعذب كما يتعذب الأحياء، ويحتمل أنه لما اندفن مات، كما هي سنة الله ، مات ولكن مع ذلك يتجلجل في الأرض وهو ميت، فيكون تجلجله هذا تجلجلاً برزخياً لا تُعلم كيفيته، والله أعلم. المهم أن هذا جزاؤه والعياذ بالله. وفي هذا وما قبله وما يأتي بعده دليلٌ على تحريم الكبر وتحريم الإعجاب، وأن الإنسان يجب عليه أن يعرف قدر نفسه وينزلها منزلتها، والله الموفق. * * * ٩/٦٢٠- وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتبَ في الجبارين، فيصيبهُ ما أصابهم)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. " يذهب بنفسه: أي: يرتفع ويتكبر.

стр. 1751

[الشَّرْحُ] في هذا الحديث الأخير في هذا الباب أن النبي ﷺ حذّر الإنسان من أن يعجب بنفسه، فلا يزال في نفسه يترفع ويتعاظم حتى يكتب من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم. والجبارون والعياذ بالله، لو لم يكن من عقوبتهم إلا قول الله ﵎: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: ٣٥) ، والعياذ بالله؛ لكان عظيماً. فالجبار والعياذ بالله يُطبع على قلبه، حتى لا يصل إليه الخير، ولا ينتهي عن الشر. وخلاصة هذا الباب أنه يدور على شيئين: الأول: تحريم الكبر، وأنه من كبائر الذنوب. والثاني: تحريم الإعجاب، إعجاب الإنسان بنفسه، فإنه أيضاً من المحرمات، وربما يكون سبباً لحبوط العمل إذا أعجب الإنسان بعبادته، أو قراءته القرآن، أو غير ذلك، ربما يحبط أجره وهو لا يعلم.

стр. 1752

٧٣- باب حُسن الخُلق قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: ١٣٤) . ١/٦٢١- وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً) . متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق، يعني باب الحث عليه، وفضيلته، وبيان من اتصف به من عباد الله، وحسن الخلق يكون مع الله ويكون مع عباد الله. أما حسن الخلق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعاً وقدراً، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، فإذا قدر الله على المسلم شيئاً يكرهه رضي بذلك واستسلم وصبر، وقال بلسانه وقلبه: رضيت بالله رباّ، وإذا حكم الله عليه بحكم شرعي؛ رضي واستسلم، وانقاد لشريعة الله بصدر منشرح ونفس مطمئنة، فهذا حسن الخلق مع الله . أما مع الخَلق فيحسن الخُلق معهم بما قاله بعض العلماء: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقه الوجه، وهذا حسن الخلق.

стр. 1753

كف الأذى بألا يؤذي الناس لا بلسانه ولا بجوارحه، وبذل الندى يعني العطاء، يبذل العطاء من مال وعلم وجاه وغير ذلك، وطلاقة الوجه بأن يلاقي الناس بوجه منطلق، ليس بعبوس، ولا مصعّرٍ خده، وهذا هو حسن الخلق. ولا شك أن الذي يفعل هذا؛ فكيف الأذى ويبذل الندى ويجعل وجه منطلقاً؛ لا شكل أنه سيصبر على أذى الناس أيضاً، فإن الصبر على أذى الناس لا شك أنه من حسن الخُلق، فإن من الناس من يؤذي أخاه، وربما يعتدي عليه بما يضرّه؛ بأكل ماله، أو جحد حق له، أو ما أشبه ذلك، فيصبر ويحتسب الأجر من الله ، والعاقبة للمتقين، وهذا كله من حسن الخلق مع الناس. ثم صدّر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقوله تعالى مخاطباً نبيه ﷺ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وهذا معطوف على جواب القسم (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (القلم: ١-٤) . إنك: يعني يا محمد، لعلى خلق عظيم لم يتخلق أحد بمثله، في كل شيء؛ خلق مع الله، خلق مع عباد الله، في الشجاعة والكرم وحسن المعاملة وفي كل شيء، وكان ﵊ خلقه القرآن يتأدب بآدابه؛ يمتثل أوامره ويجتنبُ نواهيه. ثم ساق المؤلف جزءاً من آية آل عمران في قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران١٣٤) ، وهذه من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ

стр. 1754

رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) . (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) يعني الذين يكظمون غضبهم، إذا غضب، ملك نفسه وكظم غيظه، ولم يتعد على أحدٍ بموجب هذا الغضب. (َ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس) إذا أساءوا إليهم، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فإن هذا من الإحسان أن تعفو عمّن ظلمك، ولكن العفو له محل؛ إن كان المعتدي أهلاً للعفو فالعفو محمود، وإن لم يكن أهلاً للعفو؛ فإن العفو ليس بمحمود؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: ٤٠) . فلو أن رجلاً اعتدى عليك بضربك، أو أخذ مالك، أو إهانتك، أو ما أشبه ذلك، فهل الأفضل أن تعفو عنه أم لا؟ نقول في هذا تفصيل: إن كان الرجل شريراً، سيئاً، إذا عفوت عنه ازداد في الاعتداء عليك وعلى غيرك، فلا تعفُ عنه، خذ حقك منه بيدك، إلا أن تكون تحت ولاية شرعية فترفع الأمر إلى من له الولاية الشرعية، وإلا فتأخذه بيدك ما لم يترتب على ذلك ضرر أكبر. والحاصل أهه إذا كان الرجل المعتدى سيئاً شريراً هذا ليس أهلاً للعفو فلا تعفُ عنه، بل الأفضل أن تأخذ بحقك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) ، والعفو في مثل هذه الحال ليس بإصلاح.

стр. 1755

والنفس ربما تأمرك أن تأخذ بحقك، ولكن كما قلت إذا كان الإنسان أهلاً للعفو فالأفضل أن تعفو عنه وإلا فلا. * * * ٢/٦٢٢- وعنه ﵁ قال: ما مسستُ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممتُ رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، فلما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلتهُ: لم فعلتهُ؟ ولا لشيءٍ لم أفعلهُ: ألا فعلت كذا؟. متفق عليه. ٣/٦٢٣-وعن الصعب بن جثامة ﵁ قال: أهديتُ رسول الله ﷺ حماراً وحشياً، فردهُ على، فلما رأى ما في وجهي قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق ما نقله عن أنس بن مالك ﵁ قال ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من يدي رسول الله ﷺ . وكان أنس بن مالك ﵁ قد خدم النبي ﷺ عشر سنين؛
следующие страницы →