← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

[الشَّرْحُ] في هذا الحديث الأخير في هذا الباب أن النبي ﷺ حذّر الإنسان من أن يعجب بنفسه، فلا يزال في نفسه يترفع ويتعاظم حتى يكتب من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم. والجبارون والعياذ بالله، لو لم يكن من عقوبتهم إلا قول الله ﵎: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: ٣٥) ، والعياذ بالله؛ لكان عظيماً. فالجبار والعياذ بالله يُطبع على قلبه، حتى لا يصل إليه الخير، ولا ينتهي عن الشر. وخلاصة هذا الباب أنه يدور على شيئين: الأول: تحريم الكبر، وأنه من كبائر الذنوب. والثاني: تحريم الإعجاب، إعجاب الإنسان بنفسه، فإنه أيضاً من المحرمات، وربما يكون سبباً لحبوط العمل إذا أعجب الإنسان بعبادته، أو قراءته القرآن، أو غير ذلك، ربما يحبط أجره وهو لا يعلم.

стр. 1752

٧٣- باب حُسن الخُلق قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: ١٣٤) . ١/٦٢١- وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً) . متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق، يعني باب الحث عليه، وفضيلته، وبيان من اتصف به من عباد الله، وحسن الخلق يكون مع الله ويكون مع عباد الله. أما حسن الخلق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعاً وقدراً، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، فإذا قدر الله على المسلم شيئاً يكرهه رضي بذلك واستسلم وصبر، وقال بلسانه وقلبه: رضيت بالله رباّ، وإذا حكم الله عليه بحكم شرعي؛ رضي واستسلم، وانقاد لشريعة الله بصدر منشرح ونفس مطمئنة، فهذا حسن الخلق مع الله . أما مع الخَلق فيحسن الخُلق معهم بما قاله بعض العلماء: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقه الوجه، وهذا حسن الخلق.

стр. 1753

كف الأذى بألا يؤذي الناس لا بلسانه ولا بجوارحه، وبذل الندى يعني العطاء، يبذل العطاء من مال وعلم وجاه وغير ذلك، وطلاقة الوجه بأن يلاقي الناس بوجه منطلق، ليس بعبوس، ولا مصعّرٍ خده، وهذا هو حسن الخلق. ولا شك أن الذي يفعل هذا؛ فكيف الأذى ويبذل الندى ويجعل وجه منطلقاً؛ لا شكل أنه سيصبر على أذى الناس أيضاً، فإن الصبر على أذى الناس لا شك أنه من حسن الخُلق، فإن من الناس من يؤذي أخاه، وربما يعتدي عليه بما يضرّه؛ بأكل ماله، أو جحد حق له، أو ما أشبه ذلك، فيصبر ويحتسب الأجر من الله ، والعاقبة للمتقين، وهذا كله من حسن الخلق مع الناس. ثم صدّر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقوله تعالى مخاطباً نبيه ﷺ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وهذا معطوف على جواب القسم (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (القلم: ١-٤) . إنك: يعني يا محمد، لعلى خلق عظيم لم يتخلق أحد بمثله، في كل شيء؛ خلق مع الله، خلق مع عباد الله، في الشجاعة والكرم وحسن المعاملة وفي كل شيء، وكان ﵊ خلقه القرآن يتأدب بآدابه؛ يمتثل أوامره ويجتنبُ نواهيه. ثم ساق المؤلف جزءاً من آية آل عمران في قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران١٣٤) ، وهذه من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ

стр. 1754

رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) . (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) يعني الذين يكظمون غضبهم، إذا غضب، ملك نفسه وكظم غيظه، ولم يتعد على أحدٍ بموجب هذا الغضب. (َ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس) إذا أساءوا إليهم، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فإن هذا من الإحسان أن تعفو عمّن ظلمك، ولكن العفو له محل؛ إن كان المعتدي أهلاً للعفو فالعفو محمود، وإن لم يكن أهلاً للعفو؛ فإن العفو ليس بمحمود؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: ٤٠) . فلو أن رجلاً اعتدى عليك بضربك، أو أخذ مالك، أو إهانتك، أو ما أشبه ذلك، فهل الأفضل أن تعفو عنه أم لا؟ نقول في هذا تفصيل: إن كان الرجل شريراً، سيئاً، إذا عفوت عنه ازداد في الاعتداء عليك وعلى غيرك، فلا تعفُ عنه، خذ حقك منه بيدك، إلا أن تكون تحت ولاية شرعية فترفع الأمر إلى من له الولاية الشرعية، وإلا فتأخذه بيدك ما لم يترتب على ذلك ضرر أكبر. والحاصل أهه إذا كان الرجل المعتدى سيئاً شريراً هذا ليس أهلاً للعفو فلا تعفُ عنه، بل الأفضل أن تأخذ بحقك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) ، والعفو في مثل هذه الحال ليس بإصلاح.

стр. 1755

والنفس ربما تأمرك أن تأخذ بحقك، ولكن كما قلت إذا كان الإنسان أهلاً للعفو فالأفضل أن تعفو عنه وإلا فلا. * * * ٢/٦٢٢- وعنه ﵁ قال: ما مسستُ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممتُ رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، فلما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلتهُ: لم فعلتهُ؟ ولا لشيءٍ لم أفعلهُ: ألا فعلت كذا؟. متفق عليه. ٣/٦٢٣-وعن الصعب بن جثامة ﵁ قال: أهديتُ رسول الله ﷺ حماراً وحشياً، فردهُ على، فلما رأى ما في وجهي قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق ما نقله عن أنس بن مالك ﵁ قال ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من يدي رسول الله ﷺ . وكان أنس بن مالك ﵁ قد خدم النبي ﷺ عشر سنين؛

стр. 1756

جاءت به أمه حين قدم النبي ﷺ المدينة، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل ﵊ أن يخدمه لله، ودعا له أن يبارك الله له في ماله وولده، فبارك الله له في ماله وولده، حتى قيل إنه كان له بستان يثمر في السنة مرتين، من بركة المال الذي دعا له رسول الله ﷺ به، أما أولاده فبلغوا مائة وعشرين ولداً، أولاده من صلبه، كل هذا ببركة دعوة النبي ﷺ . يقول إنه ما مس ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ ، فكانت يده ﷺ لينة إذا مسها الإنسان فإذا هي لينة. وكما ألان الله يده فقد ألان الله قلبه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم) ْ يعني صرت ليناً لهم (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران: ١٥٩) . وكذلك أيضاً رائحته ﷺ ، ما شم طيباً قط أحسن من رائحة النبي ﷺ ، وكان ﵊ طيب الريح كثير استعمال الطيب، قال: ((حُبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)) هو نفسه طيب ﷺ ، حتى كان الناس يتبادرون إلى أخذ عرقه ﷺ من حسنه وطيبه، ويتبركون بعرق؛ لأن من خصائص الرسول ﷺ أننا نتبرك بعرقه وبريقه وبثيابه، أما غير الرسول فلا يتبرك بعرقه ولا بثيابه ولا بِريقه.

стр. 1757

يقول: ولقد خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفّ قط، يعني ما تضجر منه أبداً، عشر سنوات يخدمه ما تضجر منه، والواحد منا إذا خدمه أحد أو صاحبه أحد لمدة أسبوع أو نحوه لابد أن يجد منه تضجراً، لكن الرسول ﷺ عشر سنوات وهذا الرجل يخدمه، ومع ذلك ما قال له أفّ قط. ولا قال لشيءٍ فعلت لما فعلت كذا؟ حتى الأشياء التي يفعلها أنس اجتهاداً منه ما كان الرسول ﷺ يؤنبه أو يوبخه أو يقول لما فعلت كذا، مع أنه خادم، وكذلك ما قال لشيء لم أفعله لم لم تفعل كذا وكذا؟ فكان ﵊ يعامله بما أرشده الله إليه في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) . والعفو ما عفا من أخلاق الناس وما تيسر، يعني خذ من الناس ما تيسر، ولا تريد أن يكون الناس لك على ما تريد في كل شيء، من أراد أن يكون الناس له على ما يريد في كل شيء فاته كل شيء، ولكن خذ ما تيسر، عامل الناس بما إن جاءك قبلت وإن فاتك لم تغضب، ولهذا قال: ما قال لشيء لم أفعله لِمَ لَم تفعل كذا وكذا، وهذا من حسن خلقه ﵊. ومن حسن خلقه ﷺ أنه كان لا يُداهن الناس في دين الله، ولا يفوته أن يطيب قلوبهم، فالصعب بن جثامة ﵁ مرّ به النبي ﷺ ، والنبي ﷺ محرم، وكان الصعب بن جثامة عداءً رامياً، عداء: يعني سبوقاً، رامياً: يعني يجيد الرمي.

стр. 1758

فلما نزل به النبي ﷺ ضيفاً رأى أنه لا أحد أكرم ضيفاً منه، فذهب يصيد للرسول ﷺ صيداً، فصاد له حماراً وحشياً وكان في الجزيرة العربية في ذلك الوقت كثيرٌ من الصيد، لكنها قلت صاد له حماراً وحشياً وجاء به إليه فرده النبي ﷺ فَصَعُبَ ذلك على الصعب؛ كيف يرد النبي ﷺ هديته؟ فتغير وجهه، فلما رأى ما في وجهه طيب قلبه وقال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم)) يعنى محرمون، والمحرم لا يأكل من الصيد الذي صيد من أجله. فلو أن محرماً مر بك وأنت في بلدك وهو محرم وصدت له صيداً أو ذبحت له صيداً عندك، فإنه لا يحل له أن يأكل منه، وذلك لأنه ممنوع من أكل ما صيد من أجله، أما إذا لم تصده من أجله، فالصحيح أنه حلال له إذا لم تصده لأجله. ولهذا أكل النبي ﷺ من الصيد الذي صاده أبو قتادة ﵁؛ لأن أبا قتادة لم يصده من أجل الرسول ﷺ ، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة، إنه إذا صيد الصيد من أجل المحرم كان حراماً عليه، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس. قال بعض العلماء: إن المحرم لا يأكل من الصيد مطلقاً؛ صيد من أجله أم لم يصد، قالوا لأن حديث الصعب بن جثامة متأخر عن حديث أبي قتادة، فإن حديث أبي قتادة كان في غزوة الحديبية في السنة السادسة، وحديث الصعب بن جثامة في حجة الوداع في السنة العاشرة، ويؤخذ بالأخر فالآخر.

стр. 1759

ولكن القاعدة الأصولية الحديثية تأبى هذا القول؛ لأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ، والجمع هنا ممكن، وهو أن يقال: إن صيدَ لأجل المُحرم فحرام، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس. ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((صيد البر حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصد لكم)) ، وهذا تفصيل واضح؛ ما لم تصيدوه أو يصد لكم. والحاصل أن هذا الحديث؛ حديث الصعب بن جثامة ﵁ فيه فائدتان عظيمتان. الأولي: أن النبي ﷺ لا يداهن أحداً في دين الله، وإلا قبل الهدية من الصعب، وسكت إرضاءً له ومداهنة له، لكنه ﵊ لا يمكن أن يفعل هذا. الثانية: أنه ينبغي للإنسان أن يجبر خاطر أخيه إذا فعل معه ما لا يحب، ويبين له السبب؛ لأجل أن تطيب نفسه، ويطمئن نفسه، ويطمئن قلبه، فإن هذا من هدي النبي ﷺ ؛ والله الموفق. * * *

стр. 1760

٤/٦٢٤- وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: ((البر حُسنُ الخُلق، والإثمُ ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناسُ)) رواه مسلم. ٥/٦٢٥- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً. وكان يقولُ: " إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً: متفق عليه. ٦/٦٢٦- وعن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((ما من شيءٍ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلقِ، وإن الله يبغضُ الفاحش البذي)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. (البذي) : هو الذي يتكلم بالفحش، ورديء الكلامِ. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في باب حسن الخلق من كتاب رياض الصالحين، وقد سبق شيء من هذه الأحاديث. أما حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق) ، وقد تقدم شرح هذه الجملة، وبينا أن حسن الخلق يحصل

стр. 1761

فيه الخير الكثير؛ لأن البر هو الخير الكثير. وأما الإثم فقال هو: (ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) يعني بما حاك في النفس، يعني لم تطمئن إليه النفس، بل ترددت فيه، وكرهت أن يطلع عليه الناس. ولكن هذا خطاب للمؤمن، أما الفاسق فإن الإثم لا يحيك في صدره، ولا يهمه أن يطلع عليه الناس؛ بل يجاهر به ولا يبالى، لكن المؤمن لكون الله قد أعطاه نوراً في قلبه، إذا هم بالإثم حاك في صدره، وتردد فيه، وكره أن يطلع عليه الناس، فهذا الميزان إنما هو في حق المؤمنين. أما الفاسقون فإنهم لا يهمهم أن يطلع الناس على آثامهم، ولا تحيك الآثام في صدورهم؛ بل يفعلوها والعياذ بالله بانطلاق وانشراح؛ لأن الله يقول: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: ٨) . فقد يزين للإنسان سوء العمل فينشرح له صدره، مثل ما نرى من أهل الفسق الذين يشربون الخمر، وتنشرح صدورهم له، والذين يتعاملون بالربا وتنشرح صدورهم لذلك، والذين يتعودون العهر والزنا وتنشرح صدورهم لذلك، ولا يبالون بهذا؛ بل ربما إذا فعلوا ذلك سراً ذهبوا يشيعونه ويعلنونه، مثل ما يوجد من بعض الفساق إذا ذهبوا إلى البلاد الخارجية الماجنة الفاجرة ورجعوا، قاموا يتحدثون فعلت كذا وفعلت كذا، يعني أنهم زنوا بكذا وزنوا بكذا والعياذ بالله- وشربوا الخمر وما أشبه ذلك.

стр. 1762

وفي هذه الأحاديث بيان صفة الرسول ﷺ وأنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، يعني أنه ﷺ بعيد عن الفحش طبعاً وكسباً، فلم يكن فاحشاً في نفسه ولا في غريزته؛ بل هو لين سهل، ولم يكن متفحشاً أي متطبعأً بالفحشاء؛ بل كان ﷺ أبعد الناس عن الفحش في مقاله وفي فعاله ﷺ . وفيه أيضاً الحث على حسن الخلق، وأنه من أثقل ما يكون في الميزان يوم القيامة، وهذا من باب الترغيب فيه، فعليك يا أخي المسلم أن تحسن خلقك مع الله ؛ في تلقي أحكامه الكونية والشرعية، بصدر منشرح منقاد راضٍ مستسلم، وكذلك مع عباد الله فإن الله تعالي يحب المحسنين، والله الموفق. * * * ٧/٦٢٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسنُ الخلقِ" وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: " الفمُ والفرجُ". رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٨/٦٢٨- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم" رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ

стр. 1763

[الشَّرْحُ] هذه الأحاديث في بيان فضل حسن الخلق، ذكرها النووي ﵀ في رياض الصالحين في باب حسن الخلق، ومنها عن أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي ﷺ سئل: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ يعني ما هو الشيء الذي يكون سبباً لدخول الجنة كثيراً؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) . تقوى الله تعالى، وهذه كلمة جامعة لفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه هذه هي التقوى، أن تفعل ما أمرك الله به وأن تدع ما نهاك عنه؛ لأن التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا فعل الأوامر واجتناب النواهي. وأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. الفم يعني بذلك قول اللسان فإن الإنسان قد يقول كلمة لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً، والعياذ بالله أي سبعين سنة، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: (أفلا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: (كف عليك هذا) قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بالكلام؟ قال (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم-. أو قال: " على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) .

стр. 1764

ولما كان عمل اللسان سهلاً صار إطلاقه سهلاً؛ لأن الكلام لا يتعب به الإنسان، ليس كعمل اليد، وعمل الرجل، وعمل العين يتعب فيه الإنسان. فعلم اللسان لا يتعب في الإنسان، فتجده يتكلم كثيراً بأشياء تضره؛ كالغيبة، والنميمة، واللعن، والسب، والشتم، وهو لا يشعر بذلك، فيكتسب بهذا آثاماً كثيرة. أما الفرج فالمراد به الزنا، وأخبث منه اللواط، فإن ذلك أيضاً تدعو النفس إليه كثيراً- ولا سيما من الشباب- فتهوي بالإنسان وتدرِّجه حتى يقع في الفاحشة وهو لا يعلم. ولهذا سدَّ النبي ﷺ كل باب يكون سبباً لهذه الفاحشة، فمنع من خلو الرجل بالمرأة، ومنع المرأة من كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، ونهى المرأة أن تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، إلى غير ذلك من السياج المنيع الذي جعله النبي ﷺ حائلاً دون فعل هذه الفاحشة، لأن هذه الفاحشة تدعو إليها النفس، فهذا أكثر ما يدخل الناس النار: أعمال اللسان وأعمال الفرج، نسأل الله الحماية. ثم ذكر أيضاً من فضائل حسن الخلق أن أحسن الناس أخلاقاً هم أكمل الناس إيماناً، قال النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وفي هذا دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت، وأن الناس يختلفون فيه، فبعضهم في الإيمان أكمل من بعض بناء على الأعمال، وكلما كان الإنسان أحسن خلقاً كان أكمل إيماناً، وهذا حثٌ واضحٌ على أن الإنسان ينبغي له أن يكون حسن الخلق بقدر ما يستطيع.

стр. 1765

قال: (وخياركم خياركم لنسائهم) المراد خيركم خيركم لأهله كما جاء ذلك في السنن أن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فينبغي للإنسان أن يكون مع أهله خير صاحب وخير محب وخير مُربًّ؛ لأن الأهل أحق بحسن خلقك من غيرهم. أبدا بالأقرب فالأقرب. على العكس من ذلك حال بعض الناس اليوم وقبل اليوم؛ تجده مع الناس حسن الخلق، لكن مع أهله سيء الخلق والعياذ بالله، وهذا خلاف هدي النبي ﷺ ، والصواب أن تكون مع أهلك حسن الخلق ومع غيرهم أيضاً، لكن هم أولى بحسن الخلق من غيرهم. ولهذا لما سئلت عائشة: ماذا كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله. أي يساعدهم على مهمات البيت، حتى أنه ﷺ كان يحلب الشاة لأهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، وهكذا ينبغي للإنسان مع أهله أن يكون من خير الأصحاب لهم. * * * ٩/٦٢٩- وعن عائشة ﵂، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (إن المؤمن ليدركُ بحسن خُلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود.

стр. 1766

١٠/٦٣٠- وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراء، وإن كان مُحقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح. الزعيم: الضامنُ. ١١/٦٣١- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إلى، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحسانكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلى، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارُون والمتشدقون والمتفيهقون" قالوا: يا رسول الله قد علمنا (الثرثارُون والمتُشدقون) فما المُتفيهقُون؟ قال: (المتكبرون) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ. (الثرثارُ) : هو كثيرُ الكلامِ تكلفاً. (والمُتشدقُ) : المتطاولُ على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه؛ والمتفيهقُ أصلهُ من الفهق وهو الامتلاءُ، وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسعُ فيه، ويغربُ به تكبراً وارتفاعاً، وإظهاراً للفضيلة على غيره. وروى الترمذي عن عبد الله بن المبارك ﵀ في تفسير حُسن الخُلقِ قال: هُو طلاقةُ الوجه، وبذلُ المعروف. وكف الأذى.

стр. 1767

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ أحاديث متعددة في بيان حسن الخلق، وأن من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ أحاسنهم أخلاقاً، فكلما كنت أحسن خلقاً؛ كنت أقرب إلى الله ورسوله من غيرك، وأبعد الناس منزلة من رسول الله ﷺ الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. الثرثارون الذين يكثرون الكلام ويأخذون المجالس عن الناس، فإذا جلس في المجلس أخذ الكلام عن غيره، وصار كأن لم يكن في المجلس إلا هو؛ يتكلم ولا يدع غيره يتكلم، وهذا لا شك أنه نوع من الكبرياء. لكن لو فرضنا أن أهل المجلس فوضوه وقالوا أعطنا نصحية، أعطنا موعظة فتكلم فلا حرج، إنما الكلام العادي كونك تملك المجلس ولا تدع أحداً يتكلم، حتى إن بعض الناس يحب أن يتكلم لكن لا يستطيع أن يتكلم، يخشي من مقاطعة هذا الرجل الذي ملك المجلس بكلامه. كذلك أيضاً المتشدقون، والمتشدق هو الذي يتكلم بملء شدقيه، تجده يتكلم وكأنه أفصح العرب تكبيراً وتبختراً، ومن ذلك من يتكلم باللغة العربية أمام العامة، فإن العامة لا يعرفون اللغة العربية، لو تكلمت بينهم باللغة العربية لعدّوا ذلك من باب التشدق في الكلام والتنطع، أما إذا كنت تدرس لطلبة فينبغي أن تتكلم باللغة العربية، لأجل أن تمرّنهم على اللغة العربية وعلى النطق بها، أما العامة الذين لا يعرفون فلا ينبغي أن تتكلم بينهم باللغة العربية، بل تكلم معهم بلغتهم التي يعرفون، ولا تغرب في الكلمات، يعني لا تأتي بكلمات غريبة تُشكِل عليهم، فإن ذلك من

стр. 1768

التشدق في الكلام. أما المتفيهقون فقد وصفهم النبي ﷺ بالمتكبرين، المتكبر الذي يتكبر على الناس ويتفيهق، وإذا قام يمشي كأنه يمشي على روق من تكبره وغطرسته، فإن هذا لا شك خلق ذميم، ويجب على الإنسان أن يحذر منه؛ لأن الإنسان بشر فينبغي أن يعرف قدر نفسه، حتى لو أنعم الله عليه بمال، أو أنعم الله عليه بعلم، أو أنعم الله عليه بجاه، فينبغي أن يتواضع، وتواضع هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والعلم والجاه افضل من تواضع غيرهم، ممن لا يكون كذلك. ولهذا جاء في الحديث من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: (عائل مستكبر) لأن العائل لا داعي لاستكباره، والعائل هو الفقير، فهؤلاء الذين منَّ الله عليهم بالعلم والمال والجاه كلما تواضعوا؛ صاروا أفضل ممن تواضع من غيرهم الذين لم يمنّ الله عليهم بذلك. فينبغي لكل من أعطاه الله نعمة أن يزداد شكراً لله، وتواضعاً للحق وتواضعاً للخلق، وفقني الله وإياكم لأحاسن الأخلاق والأعمال، وجنبنا وإياكم سيئات الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم.

стр. 1769

٧٤- باب الحلم والأناة والرفق قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) . وقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) . وقال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: ٣٥) . وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) . [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحلم، والأناة، والرفق. هذه ثلاثة أمور متقاربة: الحلم، والأناة، والرفق. أما الحلم: فهو أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، إذا حصل غضب وهو قادر فإنه يحلم، ولا يعاقب، ولا يعاجل بالعقوبة. وأما الأناة فهو التأني في الأمور، وعدم العجلة، وألا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجل، ويحكم على الشيء قبل أن يتأنى فيه وينظر. وأما الرفق فهو معاملة الناس بالرق والهون، حتى وإن استحقوا ما يستحقون من العقوبة والنكال فإنه يرفق بهم. ولكن هذا فيما إذا كان الإنسان الذي يرفق به محلاً للرفق، أما إذا لم

стр. 1770

يكن محلاً للرفق فإن الله قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور: ٢) . ثم ساق المؤلف أيات. قال في الأية الأولى قول الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) ، هذه من جملة الأوصاف التي يتصف بها المتقون الذين أعدت لهم الجنة: أنهم يكظمون إذا غضبوا. وفي قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) دليلٌ على أنهم يشق عليهم ذلك، لكنهم يغلبون أنفسهم فيكظمون غيظهم، ولهذا قال النبي ﷺ : ((ليس الشديد بالصرعة)) الصرعة: يعني الذي يصرع الناس إذا صارعوه: ((وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) . أما قوله تعالى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقد سبق الكلام عليه، وبيان التفصيل فيمن يستحق العفو ومن لا يتسحق، فالإنسان الشرير الذي لا يزداد بالعفو عنه إلا سواءاً وشراسة ومعاندة هذا لا يعفى عنه. والإنسان الذي هو أهل للعفو. ينبغي للإنسان أن يعفوعنه؛ لأن الله يقول (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) . وأما الأية الثانية فهي قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ

стр. 1771

الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، قال خذ العفو ولم يقل أعف ولا أفعل العفو، بل قال: (خُذِ الْعَفْوَ) والمراد بالعفو هنا ما عفا وسهل من الناس؛ لأن الناس يعامل بعضهم بعضاً، فمن أراد من الناس أن يعاملوه على الوجه الذي يحب وعلى الوجه الأكمل؛ فهذا شيء يصعب عليه ويشق عليه ويتعب وراء الناس. وأما من استرشد بهذه الأية، وأخذ ما عفا من الناس وما سهل، فما جاء منهم قبله، وما أضاعوه من حقه تركه، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإن هذا هو الذي أرشد الله إليه؛ أن نأخذ العفو، فخذ ما تيسر من أخلاق الناس معاملتهم لك، والباقي أنت صاحب الفضل فيه إذا تركته. (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) يعني: مُر بما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع من أمور الخير، ولا تسكت عن الأمر بالخير إذا كان الناس أخلوا به فيما بينك وبينهم أفعل ما تشاء في حقك، لكن الشيء المعروف ينبغي أن تأمر به. (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين) المراد بالجاهل هنا ليس هو الذي لا يعلم الحكم؛ بل الجاهل السفيه في التصرف، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي بسفاهة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِم) (النساء: ١٧) . فالجاهلون هنا هم السفهاء الذين يجهلون حقوق الغير، ويفرطون فيها، فأعرض عنهم ولا تبال بهم، وأنت إذا أعرضت عنهم ولم بتبال بهم فإنهم سوف يملون يوتعبون، ثم بعد ذلك يرجعون إلى صوابهم، ولكن إذا عاندتهم أو خاصمتهم أو أردت منهم أن يعطوك حقك كاملاً، فإنهم ربما بسفههم يعاندون ولا يأتون بالذي تريد.

стр. 1772

فهذه ثلاثة أوامر من الله فيها الخير لو أننا سرنا عليها: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الاعراف: ١٩٩) . قوله تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) . صبر: يعني على الأذي، وغفر: يعني تجاوز عنه إذا وقع به، إن ذلك لمن عزم الأمور: أي لمن معزومات الأمور، أي من الأمور التي تدل على عزم الرجل، وعلى حزمه، وعلى أنه قادر على نفسه مسيطر عليها، وذلك لأن الناس ينقسمون إلى أقسام بالنسبة لسيطرتهم على أنفسهم. فمن الناس من لا يستطيع أن يسيطر على نفسه أبداً، ومن الناس من يستطيع لكن بمشقة شديدة، ومن الناس من يستطيع لكن بسهولة، يكون قد جلبه الله على مكارم الأخلاق، فيسهل عليه الصبر والغفران. فالذي يصبر على أذى الناس ويتحمل ويحتسب الأجر من الله ويغفر لهم، هذا هو الذي صنع هذه المعزومة من الأمور أي من الشؤون، وهذا حث واضح على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويغفر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة العفو عن الجناة والمعتدين، وأنه لا يمدح مطلقاً ولا يذم مطلقاً، يل ينظر إلى الإصلاح. * * * ١/٦٣٢- وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يُحبهما الله: الحلمُ والأناةُ)) رواهُ مسلم. ٢/٦٣٣- وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن الله رفيقٌ

стр. 1773

يحبٌ الرفق في الأمر كله" متفق عليه. ٣/٦٣٤- وعنها ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه)) رواه مسلم. ٤/٦٣٥- وعنها ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ" رواه مسلم. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ هنا في سياق الأحاديث ما قاله النبي ﷺ لأشج عبد القيس، قال له: " إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". الحلم: عندما يثار الإنسان ويجنى عليه ويعتدى عليه يحلم، لكنه ليس كالحمار لا يبالي بما فعل به، يتأثر لكن يكون حليماً لا يتعجل بالعقوبة، حتى إذا صارت العقوبة خيراً من العفو أخذ بالعقوبة. والأناة: التأني في الأمور وعدم التسرع، وما أكثر ما يهلك الإنسان ويزل بسبب التعجل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك. فمن الناس مثلاً من يتخطف الأخبار بمجرد ما يسمع الخبر يحدِّث به

стр. 1774

وينقله، وقد جاء في الحديث ((كفي بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) . ومن الناس من يتسرع في الحكم، سمع عن شخص شيئاً من الأشياء، ويتأكد أنه قاله أو أنه فعله ثم يتسرع في الحكم عليه، أنه أخطأ أو ضلّ أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط، التأني في الأمور، كله خير. ثم ذكر المؤلف أحاديث عائشة ﵂ الثلاثة في باب الرفق، وأن الرفق محبوب إلى الله ، وأنه ما كان في شيءٍ إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه، ففيه الحثّ على أن يكون الإنسان رفيقاً في جميع شؤونه، رفيقاً في معاملة أهله، وفي معاملة إخوانه، وفي معاملة أصدقائه، وفي معاملة عامة الناس يرفق بهم، فإن الله رفيقٌ يحب الرفق. ولهذا فإن الإنسان إذا عامل الناس بالرفق يجد لذة وانشراحاً، وإذا عاملهم بالشدة والعنف ندم، ثم قال ليتني لم أفعل، لكن بعد أن يفوت الأوان، أما إذا عاملهم بالرفق واللين والأناة انشرح صدره، ولم يندم على شيء فعله. وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح وحسن الأخلاق والآداب. * * * ٥/٦٣٦- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: بال أعرابيٌ في المسجد، فقام الناسُ إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : ((دعوهُ وأريقُوا على بوله سجلاً من ماءٍ، أو ذنوباً من ماءٍ، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا مُعسرين)) رواه البخاري.

стр. 1775

"السجل" بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وهي الدلو المُمتلئة ماءً، وكذلك الذنوبُ. [الشَّرْحُ] ساق المؤلف ﵀ في باب الحلم والأناة والرفق في كتابه رياض الصالحين، حديث أبي هريرة ﵁؛ أن أعرابياً بال في المسجد. أعرابي: يعني بدوي؛ والبدوي في الغالب لا يعرف أحكام الشرع؛ لأنه يعيش في البادية في إبله أو في غنمه، وليس له علم بشريعة الله، كما قال الله تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) (التوبة: ٩٧) ، يعني أقرب ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، لأنهم في باديتهم بعيدون عن الناس وعن العلم والشرع. هذا الأعرابي دخل المسجد واحتاج إلى أن يبول، فبال في طائفة المسجد، أي تنحى وبال في المسجد، فهمّ الناس به أن يقعوا فيه وزجروه، ولكن النبي ﷺ قال: لهم: ((دعوه)) دعوه يقضي بوله، ((وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) فتركه الناس. فلما قضى بوله صبّوا عليه ذنوباً من الماء، يعني دلواً من الماء، فطهر المحل، وزال المحذور، ثم دعا بالأعرابي وقال له: " إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن، والتكبير" أو كما قال الرسول ﷺ .

стр. 1776

ففي هذا الحديث فوائد كثيرة: منها: العذر بالجهل، وأن الإنسان الجاهل لا يعامل كما يعامل العالم؛ لأن العالم معاند، والجاهل متطلع للعلم فيعذر بجهله، ولهذا عذره النبي ﷺ ورفق به. ومنها: أن الشرع يقتضي دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، يعني إذا كان هناك مفسدتان ولابد من ارتكاب أحدهما؛ فإن يرتكب الأسهل. فهنا أمامنا مفسدتان: الأولى: استمرار هذا الأعرابي في بوله، وهذه مفسدة. والثانية: إقامته من بوله، وهذه مفسدة أيضاً، لكن هذه أكبر؛ لأن هذه يترتب عليها. أولاً: الضرر على هذا البائل؛ لأن البائل إذا منع البول المتهيىء للخروج ففي ذلك ضرر، فربما تتأثر مجاري البول ومسالك البول. ثانياً: أنه إذا قام فإما أن يقطع رافعاً ثوبه؛ لئلا تصيبه قطرات البول، وحينئذٍ تكون القطرات منتشرة في المكان، وربما تأتي على أفخاذه ويبقى مكشوف العورة أمام الناس وفي المسجد، وإما أن يدلي ثوبه، وحينئذٍ يتلوث الثوب ويتلوث البدن وهذه أيضاً مفسدة. فلهذا ترك النبي ﷺ هذا الرجل يبول حتى انتهى، ثم أمر بأن يصب عليه ذنوباً من ماء. وعلى هذا فيكون لدينا قاعدة: إذا اجتمعت مفسدتان لابد من ارتكاب إحداهما، فإنه يرتكب الأسهل والأخف، دفعاً للأعلى، كما إنه

стр. 1777

إذا اجتمعت مصالح ولا يمكن فعل جميعها، فإنه يؤخذ بالأعلى فالأعلى، ففي المصالح يقدم الأعلى، وفي المفاسد يقدم الأسهل والأدنى. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب تطهير المسجد وأنه فرض كفاية؛ لقول الرسول ﷺ : ((أريقوا على بوله سجلاً من ماء)) فيجب على من رأى نجاسة في المسجد أن يطهرها بنفسه، أو يبلغ من هو معني بالمسجد ومسؤول عنه حتى يقوم بتطهيرها. ومنها: اشتراط طهارة مكان المصّلي، فالمصلّي يجب عليه أن يطهر ثوبه وبدنه ومكان صلاته، لابد من ذلك سواءً كانت أرضاً أو فراشاً أو غير ذلك، المهم أنه لابد من طهارة مكان المصلي. ومنها: أن الأرض يكفي في تطهيرها أن يصب على النجاسة ماء مرة واحدة، فإذا عمرت بالماء طهرت، لكن إن كانت النجاسة ذات جرم كالغائط والروث وما أشبهها؛ فلابد من زوال هذا الجرم، وبعدها يطهر المحل بصب ماءٍ عليه. ومنها: أنه لابد من الماء في تطهير النجاسة؛ لقوله:: ((أريقوا على بوله سجلاً من ماء)) وأن النجاسة لا تطهر بغير الماء، وهذا ما عليه أكثر العلماء. والصحيح أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء أو بنزين، أو غيره، وإنما أمر النبي ﷺ بصب الماء على مكان البول؛ لأنه أسرع في تطهير المكان، وإلا فمن الممكن أن يبقى المكان لا يصب عليه الماء، ثم مع الرياح والشمس تزول النجاسة ويطهر، لكن هذا أسرع وأسهل.

стр. 1778

ومن المعلوم أنه في عهد الرسول ﷺ لا توجد هذه المزيلات الكيماوية أو البترولية، فلذلك كانوا يعتمدون في إزالة النجاسة على الماء، ولكن متى زالت النجاسة طهر المحل بأي مزيل كان؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجسة، متى زالت عاد المحل إلى طهارته بأي شيءٍ كان. ولهذا يطهر البول والغائط بالأحجار؛ يستجمر الإنسان بالحجر ثلاث مرات مع الإنقاء ويكفي. وثوب المرأة الذي تجره إذا مر بالنجاسة ثم مر بعد ذلك بأرض طاهرة طهرته، وكان من عادة النساء في عهد الرسول ﷺ أن المرأة إذا خرجت واتخذت ثوباً ضافياً يستر قدميها، وينجر من ورائها إلى شبر أو شبرين أن ذراع، ولكن لا يزيد على ذراع. هذا في عهد الرسول ﷺ ، عهد النساء الطاهرات في الزمن الطاهر، فما بالك اليوم؟! لكن مع الأسف أن المسلمين اليوم لا ينظرون إلى من سلف من هذه الأمة، ولكنهم ينظرون إلى من تأخر من هذه الأمة؛ إلى الخلف الذين قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم: ٥٩) . أصبحنا ننظر الآن إلى من خلف بل ننظر إلى ما دون ذلك؛ ننظر إلى أعدائنا؛ إلى اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين وما أشبه ذلك، فنقتدي بهم في مثل هذه الألبسة، فترى النساء الآن كلما جاءت المجلة التي يسمونها البردة، ذهبن ينظرن إليها، ثم تذهب المرأة وتفعل مثل ما فعلوا. وأقول: يجب على أولياء الأمور أن يمنعوا من تداول هذه المجلات،

стр. 1779

وهذه البردات بين أيدي النساء؛ لأن المرأة ضعيفة؛ ضعيفة العقل وضعيفة الدين كما وصفها بهذا الرسول ﷺ : ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) فتغتر وتنخدع بهذه المظاهر. وكثيرٌ من الرجال مع الأسف الشديد هم رجال في ثياب رجال وإلا فهم نساء، التدبير للنساء عليهم، وهن القوامات عليهم، عكس ما أمر الله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: ٣٤) ، لكن أصبح الآن في كثير من الناس النساء قوامات على الرجال، هي التي تدبر الرجل، وهي التي تلبس ما شاءت، وتفعل ما شاءت، ولا تبالي بزوجها ولا بوليها. فالواجب على الأولياء أن يمنعوا من تداول هذه المجلات التي تأتينا بهذه الأزياء البعيدة عن الزي الإسلامي، فالنساء في عهد الرسول ﷺ إذا خرجن إلى السوق لبسن ثياباً طويلة حتى لا تبدو أقدامهن. وأما في البيوت فكما يقول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: المرأة في بيتها في عهد الرسول عليها لباس يستر من كف اليد إلى كعب الرجل، وهي في البيت، ليس عندها إلا النساء أو رجال محارم، ومع ذلك تتستر من الكف إلى الكعب، كلها متسترة. وبهذا نعرف فساد تصور من تصور قول الرسول ﷺ لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، أن المرأة يجوز لها أن تقتصر في لباسها على لباسٍ يستر ما

стр. 1780

بين السرة والركبة، يردن أن تخرج المرأة كاشفة كل بدنها إلا ما بين السرة والركبة، فمن قال هذا؟! إن الرسول ﷺ يخاطب الناظرة لا اللابسة يقول: ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) ، يعني ربما تكون اللابسة قد كشفت ثوبها لقضاء حاجة من بول أو غائط، فيقول لا تنظر لعورتها، لم يقل الرسول ﷺ للمرأة أن تلبس ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، من توهّم هذا فإنه من وحي الشيطان، ولننطر كيف كانت النساء في عهد الرسول ﷺ تلبس الثياب. لذلك يجب أن نصَّحح هذا المفهوم الذي تدندن به كل امرأة ليس عندها فهم، وليس عندها نظر لمن سبق، نقول لها: هل تظنين أن الشرع الإسلامي يبيح للمرأة أن تخرج بين النساء ليس عليها إلا سروال قصير يستر ما بين السرة والركبة، فمن قال إن هذا هو الشرع الإسلامي؟ ومن قال إن هذا هو معنى قول رسول الله ﷺ : ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) من قال هذا؟! والرسول ﷺ قال: ((ولا الرجل إلى عورة الرجل)) ومع ذلك كان الرجال في عهده يلبسون رداءً وإزاراً، ويلبسون قميصاً، ولا يلبسون إزاراً فقط. حتى أن الرجل الفقير الذي طلب من النبي ﷺ أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول ولم يردها، قال: زوجنيها، قال: ((ما معك من صداق)) قال: إزاري، لأنه فقير، كيف يكون الإزار مهراً للمرأة إن

стр. 1781

أعطيتها أياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بلا مهر؟! ارجع فالتمس ولو خاتماً من حديد ولكنه لم يجد. فلم يكونوا - وهم الرجال- يقتصرون على ما بين السرة والركبة أبداً. والحاصل أن العلم يحتاج إلى فقه، ويحتاج إلى نظر في حال الصحابة ﵃؛ كيف فهموا النصوص فنطبقها، حتى دول الغرب الكافرة الآن أكثرهم يلبس ما يستر الصدر والفخذين، ولم يفهم أحد من هذا الحديث أن المعنى للمرأة ان تبقى مكشوفة البدن إلا ما بين السرة والركبة، ما فهم هذا أحدٌ أبداً. فالحاصل أن الرسول ﷺ جعل ذيل المرأة - أي طرف ثوبها الذي يمشي على الأرض- إذا التقى بنجاسة ثم مرت على أرض طاهرة فإن الطاهر يطهره، فدل ذلك على أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء وغيره. ومن فوائد حديث الأعرابي: حسن خلق الرسول ﷺ ، وتعليمه، ورفقه، وأن هذا هو الذي ينبغي لنا إذا دعونا إلى الله، أو أمرنا بمعروف، أو نهينا عن منكر أن نرفق؛ لأن الرفق يحصل به الخير، والعنف يحصل به الشر، ربما إذا عنفت أن يحصل من قبيلك ما يسمونه برد الفعل ولا يقبل منك شيئاً، يرد الشرع من أجلك، لكن إذا رفقت وتأنيت فهذا هو الأقرب إلى الإجابة. ومنها: أن الرسول ﷺ جعل هذه الأمة مبعوثة، فقال: ((فإنما بعثتم)) مع أن المبعوث هو، لكن أمته يجب أن تقوم مقامه في الدعوة إلى دينه

стр. 1782

صلى الله عليه وسلم، وأن يكون الإنسان كأنه المبعوث وكأنه الرسول في تبليغ الشرع، ولهذا قال الرسول ﷺ : ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) فنحن أمة محمد ﷺ علينا أن نبلغ شرعه إلى جميع الناس، ولهذا قال: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) . وفي هذا الحديث أن الرسول ﷺ لما كلم الأعرابي بهذا اللطف واللين، وقال إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من الأذى والقذر، قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، انظر كيف انشرح صدره بكلام محمد ﷺ . أما الجماعة من الصحابة ﵃ لما أغضبوه وانتهروه- وهو أعرابي لا يعرف- رأى أن الجنة والرحمة تكون له ولمحمد، وغيرهما لا يرحمون، وليته قال اللهم ارحمني ومحمداً وسكت، بل قال ولا ترحم معنا أحداً، فتحجر الرحمة، لكنه جاهل، والجاهل له حكمه. فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يرفق في الدعوة، وفي الأمر، وفي النهي. وجربوا وانظروا أيهما أصلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الاصلح هو الرفق؛ لأن هذا هو الذي قاله الرسول ﷺ ، وهو الذي أتبعه في هديه ﷺ ، والله الموفق. * * *

стр. 1783

٦/٦٣٧- وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يسروا ولا تُعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] هذا الحديث ذكره النووي ﵀ في باب الحلم والرفق والأناة في كتابه رياض الصالحين، وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) . هذه أربع جمل: الأولى قوله: ((يسروا)) يعني اسلكوا ما فيه اليسر والسهولة سواء كان فيما يتعلق بأعمالكم أو معاملاتكم مع غيركم، ولهذا كان النبي ﷺ من هديه أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه. فاختر الأيسر لك في كل أحوالك، في العبادات، في المعاملات مع الناس، في كل شيء؛ لأن اليسر هو الذي يريده الله منا، ويريده بنا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) . فمثلاً إذا كان لك طريقان إلى المسجد؛ أحدهما صعب فيه حصى وأحجار وأشواك والثاني سهل، فالأفضل أن تسلك الأسهل، وإذا كان هناك ماءان وأنت في الشتاء، وكان أحدهما بارد يؤلمك والثاني ساخن

стр. 1784

ترتاح له، فالأفضل أن تستعمل الساخن، لأنه أيسر وأسهل، وإذا كان يمكن أن تحج على سيارة أو تحج على بعير والسيارة أسهل، فالحج على السيارة أفضل. فالمهم أنه كل ما كان أيسر فهو أفضل ما لم يكن إثماً؛ لأن أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: كان الرسول ﷺ ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. أما إذا كان فعل العبادة لا يتأتى إلا بمشقة، وهذه المشقة لا تسقطها عنك ففعلتها على مشقة، فهذا أجر يزداد لك، فإن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطأيا، لكن كون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل هذا خلاف الآفضل، فالأفضل اتباع الأسهل في كل شيء. وانظر إلى الصوم، قال فيه الرسول ﷺ : ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) ، وفي حديث آخر ((وأخروا السحور)) لماذا؟ لأن تأخير السحور أقوى على الصوم مما لو تقدم، والمبادرة بالفطر أسهل وأيسر على النفس لا سيما مع طول النهار وشدة الظمأ. فهذا وغيره من الشواهد يدل على أن الأيسر أفضل، فأنت يسِّر على

стр. 1785

نفسك. كذلك أيضاً في مزاولة الأعمال إذا رأيت أنك إذا سلكت هذا العمل فهو أسهل وأقرب ويحصل به المقصود؛ فلا تتعب نفسك في أعمال أخرى أكثر من اللازم وأنت لا تحتاج إليها؛ فافعل ما هو أسهل في كل شيء، وهذه قاعدة: أن اتباع الأسهل والأيسر هو الأرفق بالنفس والأفضل عند الله. ((ولا تعسروا)) يعني لا تسلكوا طرق العسر لا في عبادتكم، ولا في معاملاتكم، ولا في غير ذلك، فإن هذا منهي عنه فلا تعسر، ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلاً واقفاً في الشمس، سأل عنه، قالوا يا رسول الله، هو صائم؛ نذر أن يصوم ويقف في الشمس، فنهاه وقال له لا تقف في الشمس؛ لأن هذا فيه عسر على الإنسان ومشقة، والرسول ﷺ يقول لا تعسر. الجملة الثانية قال: ((وبشروا)) بشروا يعني اجعلوا طريقكم دائماً البشارة، بشروا أنفسكم وبشروا غيركم، يعني إذا عملت عملاً فاستبشر وبشر نفسك، فإذا عملت عملاً صالحاً فبشر نفسك بأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه، لأن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧) ، وإذا دعوت الله فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله يقول: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) . ولهذا قال بعض السلف من وفق للدعاء فليبشر بالإجابة؛ لأن الله قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) ، فأنت بشِّر نفسك

стр. 1786

في كل عمل. وهذا يؤيده أن النبي ﷺ كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل؛ لأن الإنسان إذا تفاءل نشط واستبشر وحصل له خير، وإذا تشاءم فإنه يتحسر، وتضيق نفسه، ولا يقدم على العمل، ويعمل وكأنه مكره، فأنت بشر نفسك، كذلك بشر غيرك، فإذا جاءك إنسان، قال فعلت كذا وفعلت كذا وهو خائف فبشره، وأدخل عليه السرور. لا سيما في عيادة المريض؛ فإذا عدت مريضاً فقل له أبشر بالخير، وأنت على خير، ودوام الحال من المحال، والإنسان عليه أن يصبر ويحتسب ويؤجر على ذلك، وما أشبه ذلك، وبشره قائلاً: أنت اليوم وجهك طيب، وما أشبه ذلك؛ لأنك بهذا تدخل عليه السرور، وتبشره، فاجعل طريقك هكذا فيما تعامل به نفسك وفيما تعامل به غيرك، الزم البشارة، وأدخل السرور على نفسك، وأدخل السرور على غيرك، فهذا هو الخير. ((ولا تنفروا)) يعني لا تنفروا الناس عن الأعمال الصالحة، ولا تنفروهم عن الطرق السليمة؛ بل شجعوهم عليها، حتى في العبادات لا تنفروهم. ومن ذلك أن يطيل الإمام بالجماعة أكثر من السنة، فإن معاذ بن جبل ﵁ كان إذا صلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ذهب إلى قومه فصلى بهم تلك الصلاة، فدخل يوماً من الأيام في الصلاة، فشرع في سورةٍ طويلة، فانصرف رجلٌ وصلى وحده، فقيل نافق فلان، فذهب الرجل

стр. 1787

للنبي ﷺ ثم إن معاذاً أتى إلى رسول الله عليه الله عليه وسلم، فقال له: ((أفتان أنت يا معاذ)) . وكذلك الرجل الآخر قال له الرسول ﷺ : ((إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليخفف)) . فالتنفير لا ينبغي؛ فلا تنفر الناس بل لِنْ لهم، حتى في الدعوة إلى الله لا تدعُهم إلى الله دعوة منفر، لا تقل إذا رأيت إنساناً على خطأ: يا فلان أنت خالفت، أنت عصيت، أنت فيك. إلى آخر، هذا ينفرهم، ويزيدهم في التمادي في المعصية، ولكن ادعهم بهونٍ ولين حتى يألفك ويألف ما تدعو إليه، وبذلك تمتثل أمر النبي ﷺ في قوله: ((بشروا ولا تنفروا)) . فخذ هذا الحديث أيها الأخ، خذه رأس مالٍ لك ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) سر إلى الله على هذا الأصل، وعلى هذا الطريق، وسر مع عباد الله على ذلك تجد الخير كله، والله الموفق. * * *

стр. 1788

٧/٦٣٨- وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كُله)) رواه مسلم. ٨/٦٣٩- وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاٌ قال للنبي ﷺ : أوصني: قال: ((لا تغضب)) فردد مراراً: قال: ((لا تغضب)) رواه البخاري. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ حديثاً فيه الأمر بالرفق والحث عليه، حيث قال النبي ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) يعني أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائماً رفيقاً حتى ينال الخير. إما حديث أبي هريرة؛ فهو أن رجلاً قال يا رسول الله، أوصنى، قال ((لا تغضب)) فردد مراراً وهو يقول: أوصنى، فقال: ((لا تغضب)) والمعنى لا تكن سريع الغصب يستثيرك كل شيء؛ بل كل شيء؛ بل كن مطمئناً

стр. 1789

متأنياً؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يغلي القلب، ولهذا تنتفخ الأوداج؛ عروق الدم، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان حتى يفعل شيئاً يندم عليه. وإنما أوصى النبي ﷺ هذا الرجل ألا يغضب دون أن يوصيه بتقوى الله أو بالصلاة أو بالصيام أو ما أشبه ذلك؛ لأن حال هذا الرجل تقتضي ذلك، ولهذا أوصى غيره بغير هذا الشيء؛ أوصى؟ أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يوتر قبل أن ينام، وأوصى أبا الدرداء بمثل ذلك، أما هذا فأوصاه ألا يغضب؛ لأن النبي ﷺ علم من حاله أنه غضوب كثير الغضب، فلذلك قال لا تغضب. والغضب يحمل الإنسان على أن يقول كلمة الكفر، على أن يطلق زوجته، على أن يضرب أمه، على أن يعق أباه، كما هو مشاهد ومعلوم، ثم تجد الإنسان من حين أن يتصرف يبرد ثم يندم ندماً عظيماً، وما أكثر الذين يسألون: غضبت علي زوجتي فطلقت، غضبت عليها فطلقتها بالثلاثة، غضبت علي فلانة فحرمت عليه، وما أشبه ذلك، فأنت لا تغضب. لا تغضب، فإن الغضب لا شك أنه يؤثر على الإنسان حتى يتصرف تصرف المجانين. ولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا غضب غضباً شديداً حتى لا يدري ما يقول؛ فإنه لا عبرة بقوله، ولا أثر لقوله؛ إن كان طلاقاً فإن امرأته لا تطلق، وإن كان دعاءً فإنه لا يستجاب؛ لأنه يتكلم بدون عقل وبدون تصور. نسأل الله لنا ولكم العافية والسلامة.

стр. 1790

٩/٦٤٠- وعن أبي يعلى شداد بن أوسٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدُكم شفرته، وليرح ذبيحتهُ)) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه رياض الصالحين في باب الحِِلم والرفق والأناة في سياق الأحاديث الواردة في ذلك، نقل عن شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) . كتبه على كل شي: يعني في كل شيء كتب الإحسان في كل شيء، يعني أن الله شرع الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، وحتى في الذبح، وفي غير ذلك من الأمور. عليك أن تكون محسناً لما تقوم به. ((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) . وذلك لأن إزهاق النفوس يكون بالقتل أحياناً، وبالذبح أحياناً. فالذبح والنحر يكون فيما يحل أي: فيما يؤكل، ويكون النحر للإبل، والذبح فيما سواها، والنحر يكون في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح يكون في أعلى الرقبة مما يلي الرأس، ولابد في الذبح والنحر من قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان اللذان يجري منهما الدم ويتوزع
следующие страницы →