Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
في كل عمل.
وهذا يؤيده أن النبي ﷺ كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل؛ لأن الإنسان إذا تفاءل نشط واستبشر وحصل له خير، وإذا تشاءم فإنه يتحسر، وتضيق نفسه، ولا يقدم على العمل، ويعمل وكأنه مكره، فأنت بشر نفسك، كذلك بشر غيرك، فإذا جاءك إنسان، قال فعلت كذا وفعلت كذا وهو خائف فبشره، وأدخل عليه السرور.
لا سيما في عيادة المريض؛ فإذا عدت مريضاً فقل له أبشر بالخير، وأنت على خير، ودوام الحال من المحال، والإنسان عليه أن يصبر ويحتسب ويؤجر على ذلك، وما أشبه ذلك، وبشره قائلاً: أنت اليوم وجهك طيب، وما أشبه ذلك؛ لأنك بهذا تدخل عليه السرور، وتبشره، فاجعل طريقك هكذا فيما تعامل به نفسك وفيما تعامل به غيرك، الزم البشارة، وأدخل السرور على نفسك، وأدخل السرور على غيرك، فهذا هو الخير.
((ولا تنفروا)) يعني لا تنفروا الناس عن الأعمال الصالحة، ولا تنفروهم عن الطرق السليمة؛ بل شجعوهم عليها، حتى في العبادات لا تنفروهم.
ومن ذلك أن يطيل الإمام بالجماعة أكثر من السنة، فإن معاذ بن جبل ﵁ كان إذا صلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ذهب إلى قومه فصلى بهم تلك الصلاة، فدخل يوماً من الأيام في الصلاة، فشرع في سورةٍ طويلة، فانصرف رجلٌ وصلى وحده، فقيل نافق فلان، فذهب الرجل
стр. 1787
للنبي ﷺ ثم إن معاذاً أتى إلى رسول الله عليه الله عليه وسلم، فقال له: ((أفتان أنت يا معاذ)) .
وكذلك الرجل الآخر قال له الرسول ﷺ : ((إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليخفف)) .
فالتنفير لا ينبغي؛ فلا تنفر الناس بل لِنْ لهم، حتى في الدعوة إلى الله لا تدعُهم إلى الله دعوة منفر، لا تقل إذا رأيت إنساناً على خطأ: يا فلان أنت خالفت، أنت عصيت، أنت فيك. إلى آخر، هذا ينفرهم، ويزيدهم في التمادي في المعصية، ولكن ادعهم بهونٍ ولين حتى يألفك ويألف ما تدعو إليه، وبذلك تمتثل أمر النبي ﷺ في قوله: ((بشروا ولا تنفروا)) .
فخذ هذا الحديث أيها الأخ، خذه رأس مالٍ لك ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) سر إلى الله على هذا الأصل، وعلى هذا الطريق، وسر مع عباد الله على ذلك تجد الخير كله، والله الموفق.
* * *
стр. 1788
٧/٦٣٨- وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كُله)) رواه مسلم.
٨/٦٣٩- وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاٌ قال للنبي ﷺ : أوصني: قال: ((لا تغضب)) فردد مراراً: قال: ((لا تغضب)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ حديثاً فيه الأمر بالرفق والحث عليه، حيث قال النبي ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) يعني أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل
وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائماً رفيقاً حتى ينال الخير.
إما حديث أبي هريرة؛ فهو أن رجلاً قال يا رسول الله، أوصنى، قال ((لا تغضب)) فردد مراراً وهو يقول: أوصنى، فقال: ((لا تغضب)) والمعنى لا تكن سريع الغصب يستثيرك كل شيء؛ بل كل شيء؛ بل كن مطمئناً
стр. 1789
متأنياً؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يغلي القلب، ولهذا تنتفخ الأوداج؛ عروق الدم، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان حتى يفعل شيئاً يندم عليه.
وإنما أوصى النبي ﷺ هذا الرجل ألا يغضب دون أن يوصيه بتقوى الله أو بالصلاة أو بالصيام أو ما أشبه ذلك؛ لأن حال هذا الرجل تقتضي ذلك، ولهذا أوصى غيره بغير هذا الشيء؛ أوصى؟ أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يوتر قبل أن ينام، وأوصى أبا الدرداء بمثل ذلك، أما هذا فأوصاه ألا يغضب؛ لأن النبي ﷺ علم من حاله أنه غضوب كثير الغضب، فلذلك قال لا تغضب.
والغضب يحمل الإنسان على أن يقول كلمة الكفر، على أن يطلق زوجته، على أن يضرب أمه، على أن يعق أباه، كما هو مشاهد ومعلوم، ثم تجد الإنسان من حين أن يتصرف يبرد ثم يندم ندماً عظيماً، وما أكثر الذين يسألون: غضبت علي زوجتي فطلقت، غضبت عليها فطلقتها بالثلاثة، غضبت علي فلانة فحرمت عليه، وما أشبه ذلك، فأنت لا تغضب. لا تغضب، فإن الغضب لا شك أنه يؤثر على الإنسان حتى يتصرف تصرف المجانين.
ولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا غضب غضباً شديداً حتى لا يدري ما يقول؛ فإنه لا عبرة بقوله، ولا أثر لقوله؛ إن كان طلاقاً فإن امرأته لا تطلق، وإن كان دعاءً فإنه لا يستجاب؛ لأنه يتكلم بدون عقل وبدون تصور. نسأل الله لنا ولكم العافية والسلامة.
стр. 1790
٩/٦٤٠- وعن أبي يعلى شداد بن أوسٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدُكم شفرته، وليرح ذبيحتهُ)) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه رياض الصالحين في باب الحِِلم والرفق والأناة في سياق الأحاديث الواردة في ذلك، نقل عن شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) .
كتبه على كل شي: يعني في كل شيء كتب الإحسان في كل شيء، يعني أن الله شرع الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، وحتى في الذبح، وفي غير ذلك من الأمور. عليك أن تكون محسناً لما تقوم به.
((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) . وذلك لأن إزهاق النفوس يكون بالقتل أحياناً، وبالذبح أحياناً.
فالذبح والنحر يكون فيما يحل أي: فيما يؤكل، ويكون النحر للإبل، والذبح فيما سواها، والنحر يكون في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح يكون في أعلى الرقبة مما يلي الرأس، ولابد في الذبح والنحر من قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان اللذان يجري منهما الدم ويتوزع
стр. 1791
على بقية البدن؛ لأن النبي ﷺ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) "
ولا ينهر الدمَ إلا قطعُ الودجين، فالشرط في حل المذكى أو المنحور أن يقطع الودجان، أما الحلقوم الذي هو مجرى النفس، والمريء الذي هو مجرى الطعام، فقطعهما أكمل في الذبح والنحر، ولكن لي ذلك بشرط.
وأما القتل فيكون فيما لا يحل أكله، فيما أمر بقتله، وفيما أبيح قتله، ومما أمر بقتله الفأر كذلك العقرب، وكذلك الحية، وكذلك الكلب العقور، فتقتل هذه الأشياء، وكذلك كل مؤذٍ فإنه يقتل.
وعند العلماء قاعدة تقول: ما آذى طبعاً قتل شرعاً، يعني ما كان طبيعته الأذى فإنه يقتل شرعاً، وما لم يؤذ طبعاً ولكن صار منه أذية فلك قتله، لكن هذا الأخير مقيد، فلو آذاك النمل في البيت، وصار يحفر البيت ويفسده فلك قتله وإن كان منهياً عنه في الأصل، لكن إذا آذاك فلك قتله، وكذلك غيره مما لا يؤذي طبعاً ولكن تعرض منه الأذية فاقتله إذا لم يندفع إلا بالقتل. فمثلاً إذا أردت أن تقتل فأرة وقتلها مستحب فأحسن القتلة، أقتلها بما يزهق روحها حالاً، ولا تؤذها، ومن أذيتها ما يفعله بعض الناس حيث
стр. 1792
يضع لها شيئاً شيئاً لاصقاً تلتصق به، ثم يدعها تموت جوعاً وعطشاً، وهذا لا يجوز، فإذا وضعت هذا اللاصق؛ فلابد أن تكرر مراجعته ومراقبته، حتى إذا وجدت شيئاً لاصقاً قتلته.
أما أن تترك هذا اللاصق يومين أو ثلاثة وتقع فيه الفارة وتموت عطشاً أو جوعاً، فإنه يخشى عليك أن تدخل النار بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: ((دخلت النارَ امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض)) .
المهم أن ما يشرع قتله فاقتله بأقرب ما يكون من إهلاكه وإتلافه، ومن ذلك الوزغ الذي يسمى السام الأبرص، ويسمى البرصي أيضاً، اقتله واحرص على أن تقتله بأن يموت في أول مرة، فهو أفضل وأعظم أجراً وأيسر له، وكذلك بقية الأشياء التي تقتل.
ومن ذلك من يقتل قصاصاً، لكن الذي يقتل قصاصاً فإنه يفعل به كما فعل في المقتول، ودليل ذلك أن النبي ﷺ رفع إليه قضية امرأة أتاها يهودي، وكان معها حلي، فقتلها وأخذ الحلي، لكن كيف قتلها، وضع رأسها على حجر وقتلها بالحجر الثاني، فرض رأسها بين حجرين. فأُتي إليها وفيها رمق من حياة، فقيل لها من قتلك؟ فلان، فلان، فلان، حتى ذكروا اليهودي فأشارت برأسها أن نعم، فأخذوا اليهودي
стр. 1793
فاعترف، فأمر النبي ﷺ أن يرضّ رأسه بين حجرين، فوُضع رأسه على حجر ثم ضرب بالحجر الثاني حتى مات؛ لأن هذا قصاص، والله يقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) .
لكن لو وجب قتله بالحرابة، يعني أنه صار يقطع الطريق على الناس، يأخذ الأموال، ويقتل الناس، فهذا يقتل، لكن يقتل بالسيف إلا إذا كان قد مثل بمن قتله فيمثل به حسب ما فعل، يفعل به كما فعل.
فإن قال قائل: ما تقولون في الرجل إذا زنا وهو محصن فإنه يرجم بالحصى، أي بالحجر الصغير حتى يموت، وهذا يؤلمه ويؤذيه قبل أن يموت فهل يعارض ذلك هذا الحديث؟
فالجواب لا. لا يعارضه؛ لأنه يحمل على أحد أمرين:
الأول: إما أن يراد بإحسان القتلة ما وافق الشرع، وحينئذٍ يكون الرجم من إحسان القتلة؛ لأنه موافق للشرع.
والثاني: إما أن يُقال هذا مستثنى دلت عليه السنة؛ بل دل عليه القرآن الذي نسخ لفظه وبقي حكمه، ودل عليه صريح السنة.
فالزاني المحصن الذي تزوج وجامع زوجته، إذا زنا والعياذ بالله فإنه يؤتى به، وتؤخذ حجارة صغيرة أقل من البيضة ومثل التمرة تقريباً أو أكبر قليلاً يضرب ويرجم حتى يموت، ويتقى المَقاتل يعني لا يضرب في موضع يموت به سريعاً؛ بل يضرب علي ظهره وبطنه وما أشبه ذلك حتى يموت؛ لأن هذا هو الواجب.
والحكمة من هذا أن البدن الذي تلذذ بالشهوة المحرمة، عمَّت
стр. 1794
الشهوة جميع بدنه، فمن الحكمة أن تعم العقوبة جميع بدنه، وهذا من حكمة الله .
ثم قال النبي ﷺ : ((وليحد أحدكم شفرته)) ، اللام هنا للأمر، ويحد: يعني يجعلها حديدة سريعة القطع، والشفرة السكين.
يعني إذا أردت أن تذبح فاذبح بسكين مشحوذة أي مسنونة، بحيث يكون ذلك أقرب إلى القطع بدون ألم.
((وليرح ذبيحته)) هذا أمر زائد على شحذ الشفرة، وذلك بأن يقطع بقوة، يضع السكين على الرقبة ثم يجرها بقوة، حتى يكون ذلك أسرع من كونه يجرها مرتين أو ثلاث، وبعض الناس يوفقه الله من مرة واحدة حتى يقطع الودجين والحلقوم والمريء؛ لأنه يأخذ السكين بقوة، وتكون السكين جيدة مشحوذة، فليسهل على الذبيحة أو المنحورة الموت.
ومن إراحة الذبيحة أن تضع رجلك على رقبتها، وتمسك الرأس باليد اليسرى وتذبح باليمنى، وحينئذٍ تكون مضجعة على الجنب الأيسر، ودع القوائم اليدين والرجلين وخلِّها تتحرك بسهولة؛ لأنك إذا أمسكت بها فإن هذا ضغط عليها، وإذا تركتها تتحرك بيدها ورجليها كان هذا أيسر لها، وفيه أيضاً فائدة وهي تفريغ الدم بهذه الحركة؛ لأنه مع الحركة والاضطراب يتفرغ الدم أكثر، وكلما تفرغ فهو أحسن.
وأما ما يفعله بعض العامة من أنه يأخذ بيدها اليسرى ويلويها على عنقها، ثم يبرك على قوائمها الثلاث رجل ويمسك بها حتى لا تتحرك أبداً؛ فهذا خلاف السنة، السنة أنك تضع الرجل على الرقبة ثم تدع القوائم
стр. 1795
تتحرك؛ لأن ذلك أيسر لها وأشد فراغاً أو تفريغاً للدم.
فالشاهد من هذا الحديث قوله ﷺ : ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) فإن هذا من الرفق.
ولننتبه إذا قتل الإنسان بحدٍّ، يعني قتل وهو زانٍ أو قتل قصاصاً، فإنه يصلى عليه، ويدعى له بالرحمة والعفو مثل سائر المسلمين، لعل الله أن يعفو عنه ويرحمه.
أما من قُتل كافراً مرتدّاً فإنه لا يدعى له بالرحمة، ولا يغسل. مثل أن يقتل إنسان لا يصلى، فإنه يقتل مرتداً كافراً، هذا لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يدعى له بالرحمة، ومن دعا له بالرحمة فإنه آثم متبع غير سبيل المؤمنين؛ لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .
стр. 1796
٧٥- باب العفو والإعراض عن الجاهلين
قال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) . وقال تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر: ٨٥)
وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: ٢٢) .
وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .
وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
١/٦٤٣- وعن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحُدٍ؟ قال: ((لقد لقيتُ من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمُرهُ بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم على ثم قال: يا محمدُ إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي
стр. 1797
إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت: إن شئت اطبقتُ عليهم الأخشبين" فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)) متفق عليه.
((الأخشبان)) : الجبلان المُحيطان بمكة. والأخشبُ: هو الجبل الغليظ.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب العفو والإعراض عن الجاهلين. ثم ساق آياتٍ تكلمنا عليها سابقاً في أبواب سبقت.
ثم ذكر حديث عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ : هل مر عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ لأن يوم أحد كان شديداً على رسول الله ﷺ .
ويوم أحد كان غزوة غزاها النبي ﷺ حين تجمعت قريش لغزوه، لينتقموا من النبي ﷺ فيما حصل من قتل زعمائهم في بدر؛ لأنه قتل في بدر- وهي في السنة الثانية من الهجرة- من زعمائهم أناس لهم شرفٌ وجاه في قريش.
وفي شوال من السنة التي تليها، وهي الثالثة من الهجرة، اجتمعت قريش فجاءوا إلى المدينة ليغزوا النبي ﷺ ، ولما سمع بهم النبي ﷺ ،
стр. 1798
استشار أصحابه هل يخرج إليهم، أو يبقى بالمدينة؛ فإذا دخلوا المدينة قاتلهم؟ فأشار عليه الشبان والذين لم يحضروا بدراً أشاروا عليه أن يخرج إليهم، فخرج إليهم ﷺ في نحو ألف مقاتل.
إلا أنه انخذل نحو ثلث الجيش؛ لأنهم كانوا منافقين والعياذ بالله، وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناك، فبقي النبي ﷺ في نحو سبعمائة نفر، ورتبهم الرسول ﷺ أحسن ترتيب في سفح جبل أحد، وحصل القتال، وانهزم المشركون في أول النهار، وبدأ المسلمون يجمعون الغنائم.
وكان النبي ﷺ قد جعل على ثغر الجبل خمسين رجلاً رامياً يحمون ظهور المسلمين، ولما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين هزموا المشركين وصاروا يجمعون الغنائم، قالوا لننزل من هذا الجبل حتى نساعد المسلمين على جمع الغنائم، ظنوا هكذا، فذكرهم أميرهم عبد الله بن جبير ذكرهم ما قال النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ لما وضعهم في هذا المكان قال لا تبرحوا مكانكم، ولا تتعدوه سواء لنا أو علينا، لكنهم - عفا الله عنهم- تعجَّلوا ونزل أكثرهم.
فلما رأى فرسان قريش أن المكان - مكان الرماة- خالياً كروا على المسلمين من الخلف، ومنهم خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل اللذان أسلما فيما بعد وصارا فارسين من فوارس المسلمين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فدخلوا على المسلمين من خلفهم واختلطوا بهم، واستشهد من المسلمين سبعون رجلاً، على رأسهم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد
стр. 1799
المطلب عم النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يحبه ويجله.
وحدث للنبي ﷺ ما حدث؛ ضربوا وجهه وشجوه وصار الدم ينزف على وجهه، وفاطمة ﵂ تغسله، تغسل الدم حتى إذا لم يتوقف أحرقت حصيراً يعني خصافاً من سعف النخل، ودرته عليه حتى وقت، وكسروا رباعيته ﷺ ، وحصل من البلاء ما حصل.
حصل بلاء عظيمٌ قال الله تعالى فيه: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٦، ١٦٥) .
فما دام الأمر بإذنه فهو خير، وحدث في هذا ما حدث من الشدة على النبي ﷺ وعلى أصحابه، وحملوا الشهداء إلى المدينة، ولكن النبي ﷺ أمر أن يردوا إلى مصارعهم إلى المكان الذي استشهدوا فيه ودفنوا هناك؛ ليخرجوا يوم القيامة من هذا المكان الذي استشهدوا فيه ﵃ وأرضاهم.
فقال النبي ﷺ لعائشة لما سألته: هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: نعم، وذكر لها قصة ذهابه إلى الطائف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسل لما دعا قريشاً في مكة، ولم يستجيبوا له خرج إلى الطائف؛ ليبلغ كلام الله ، ودعا أهل الطائف لكن كانوا أسفه من أهل مكة، حيث اجتمعوا هم وسفهاؤهم، وصاروا صفين متقابلين في طريق النبي ﷺ ، وجعلوا يرمونه بالحجارة، يرمونه بالحصى حتى أدموا عقبه ﷺ وخرج مغموماً مهموماً.
стр. 1800
ولم يفق ﷺ إلا وهو في قرن الثعالب، فأظلّته غمامة فرفع رأسه، فإذا في هذه الغمامة جبريل ﵇، وقال له: هذا ملك الجبال يقرؤك السلام فسلم عليه وقال: إن ربي أرسلني إليك، فإن شئت إن أطبق عليهم - يعني - الجبلين- فعلت.
ولكن النبي ﷺ لحلمه وبُعد نظره وتأنيه في الأمر قال: لا؛ لأنه لو أطبق عليهم الجبلين هلكوا، فقال: ((لا، وإني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)) .
وهذا الذي حدث؛ فإن الله تعالى قد أخر من أصلاب هؤلاء المشركين الذين آذوا الرسول ﷺ هذه الأذية العظيمة أخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً.
فهذا يبين أن الرسول ﷺ حدث له أشد مما حدث له في أحد، وحدث له أنواع من الأذى لكنه صابر.
ومن أعظم ما كان أنه كان ذات يوم ساجداً تحت الكعبة، يصلي لله- والمسجد الحرام لو يجد الإنسان قاتل أبيه فيه ما قتله-، وكان ساجداً، فقال بعض السفهاء من قريش والمعتدين منهم: أذهبوا إلى جزور آل فلان فأتوا بسلاها فضعوه على محمد وهو ساجد، فذهبوا وأتوا بسلا الجزور- الناقة -، والرسول ﷺ ساجدٌ تحت الكعبة، فوضعوه على ظهره، إهانة له وإغاظة له.
فبقي الرسول ﷺ ساجداً حتى جاءت بنته فاطمة ﵂ وألقت السلا عن ظهره، فقام من السجود، ولما سلم رفع يديه يدعو الله تعالى
стр. 1801
على هؤلاء الملأ من قريش. فالشاهد أن الرسول ﷺ كان يؤذى أشد الأذى، ومع ذلك يعفو ويصفح ويتأنى ويترجى، فبلغه الله- ولله الحمد- مراده وحصل له النصر المبين المؤزر.
وهكذا ينبغي للإنسان أن يصبر على الأذى، لا سيما إذا أوذي في الله، فإنه يصبر ويحتسب وينتظر الفرج، وقد قال النبي ﷺ ، ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)) " والله أعلم.
* * *
٢/٦٤٤-عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يُجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيءٌ قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيءٌ من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى. رواه مسلم.
٣/٦٤٥- وعن أنس ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظٌ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجبذهُ بردائه جبذةٌ شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشيةُ البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمدُ مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء متفقٌ عليه.
стр. 1802
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في باب العفو والإعراض عن الجاهلين، منها حيث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ ما ضرب أحداً لا خادماً ولا غيره بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله، وهذا من كرمه ﷺ ؛ أنه لا يضرب أحداً على شيءٍ من حقوقه هو الخاصة به؛ لأن له أن يعفو عن حقه، وله أن يأخذ بحقه.
ولكن إذا انتهكت محارم الله؛ فإنه ﷺ لا يرضى بذلك، ويكون أشد ما يكون أخذاً بها؛ لأنه ﷺ لا يقرّ أحداً على ما يغضب الله ، وهكذا ينبغي للإنسان أن يحرص على أخذ العفو، وما عفي من أحوال الناس وأخلاقهم ويعرض عنهم، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإنه لا يقر أحداً على ذلك.
ومن الأحاديث التي ساقها قصة هذا الأعرابي، الذي لحق النبي ﷺ وعليه جبة نجرانية غليظة الحاشية، فجبذه، يعني: جذبه جذباً شديداً، حتى أثرت حاشية الجبة في عنق الرسول ﷺ من شدة الجذب، فالتفت فإذا هو أعرابي يطلب منه عطاءً، فضحك النبي ﷺ وأمر له بعطاء.
فانظر إلى هذا الخلق الرفيع؛ لم يوبِّخه النبي ﷺ ، ولم يضربه، ولم يكهر في وجهه، ولم يعبس؛ بل ضحك صلى الله عليه وسل ومع هذا أمر له بعطاء، ونحن لو أن أحداً فعل بنا هذا الفعل ما أقررناه عليه؛ بل لقاتلناه، وأما الرسول
стр. 1803
صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، فإنه التفت إليه وضحك إليه، وأعطاه العطاء.
وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون ذا سعة، وإذا اشتد الناس أن يسترخي هو.
وسئل معاوية ﵁ بم سُست الناس؟ ؛ وذلك لأن معاوية معروف بالسياية والحكمة، فقال: أجعل بيني وبي الناس شعرة؛ إن جذبوها تبعتهم، وإن جذبتها تبعوني لكن لا تنقطع.
ومعنى كلامه أنه سهل الانقياد؛ لأن الشعرة إذا جعلتها بينك وبين صاحبك إذا جذبها أدنى جذب انقطعت، لكن من حسن سياسته ﵁ أنه كان يسوس الناس بهذه السياسية؛ إذا رأهم مقبلين استقبلهم، وإذا رأهم مدبرين تبعهم حتى يتمكن منهم.
فهكذا ينبغي للإنسان أن يكون دائماً في سياسته رفيقاً حليماً، كما كان النبي ﷺ هكذا، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم حسن الآداب والأخلاق.
٤/٦٤٦- وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: كأني أنظرُ على رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء، صلواتُ الله وسلامهُ عليهم، ضربهُ قومهُ فأدموهُ، وهو يمسحُ الدمَ عن وجههِ، ويقولُ: ((اللهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمُون)) متفق عليه.
стр. 1804
٥/٦٤٧- وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسهُ عند الغضب)) متفقٌ عليه.
[الشَّرْحُ]
ومن الأحاديث التي نقلها النووي ﵀ في رياض الصالحين، في باب العفو والإعراض عن الجاهلين هذا الحديث، عن ابن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء؛ ضربه قومه حتى أدموا وجه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) .
وهذا من حلم الأنبياء وصبرهم على أذى قومهم، وكم نال الأنبياء من أذى قومهم؟! قال الله تعالى (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام: ٣٤) فهذا النبي ﷺ ضربه قومه حتى أدموا وجهه يقول: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" وكأن هؤلاء القوم كانوا مسلمين، لكن حصل منهم مغاضبة مع نبيهم ففعلوا هذا معه، فدعا لهم بالمغفرة، إذ لو كانوا غير مسلمين لكان يدعوا لهم بالهداية، فيقول اللهم اهد قومي، لكن هذا الظاهر أنهم كانوا مسلمين.
والحق حقه؛ فله أن يسامح وأن يتنازل عنه، ولهذا كان القول الراجح
стр. 1805
فيمن سبَّ النبي ﷺ ثم تاب أن توبته تقبل، ولكنه يقتل، وأما من سب الله ثم تاب فإن توبته تقبل ولا يقتل، وليس هذا يعني أن سب الرسول ﷺ أعظم من سبّ الله، بل سبّ الله أعظم، لكن الله قد أخبرنا أنه يعفو عن حقه لمن تاب منه، فهذا الرجل تاب فعلمنا أن الله تعالى قد عفا عنه.
أما الرسول ﷺ فهو قد مات، فإذا سبَّه أحد فقد امتهن حقه، فإذا تاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له كفره الذي كفره بسبب سبِّه، ولكن حق الرسول باقٍ فيقتل.
ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ليس الشديد بالصرعة)) يعني ليس القوي الصرعة الذي يصرع الناس إذا صارعهم، والمصارعة معروفة وهي من الرياضة النبوية المباحة، فإن الرسول ﷺ صارع ركانة بن يزيد، وكان هذا الرجل لا يصرعه أحد، فصارعه النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ .
فهذا الصرعة هو الذي إذا صارع الناس صرعهم، وليس هذا هو الشديد حقيقة، لكن الشديد الذي يصرع غضبه، إذا غضب غلب غضبه، ولهذا قال: ((وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) هذا هو الشديد.
وذلك لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم فيفور دمه، فإن كان قوياً ملك نفسه، وإن كان ضعيفاً غلبه الغضب، وحيئنذٍ ربما يتكلم بكلام يندم عليه، أو يفعل فعلاً يندم عليه.
ولهذا قال رجلٌ للرسول ﷺ : أوصني، قال: ((لا تغضب)) قال: أوصني، قال: ((لا تغضب)) ، ردد مراراً
стр. 1806
وهو يقول: ((لا تغضب)) ؛ لأن الغضب ينتج عنه أحياناً مفاسد عظيمة؛ ربما سب الإنسان نفسه، أو سب دينه، أو سب ربه، أو طلق زوجته، أو كسر إناءه، أو أحرق ثيابه، وكثيرٌ من الوقائع تصدر من بعض الناس إذا غضبوا، كأنما صدرت من المجنون.
ولهذا كان القول الراجح أن الإنسان إذا غضب حتى لا يملك نفسه، ثم طلَّق زوجته، فإنها لا تطلق؛ لأن هذا حصل عن غلبته ليس عن اختيار، والطلاق عن الغلبة لا يقع كطلاق المكره، الله الموفق.
стр. 1807
٧٦- باب احتمال الأذى
قال الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .
وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .
وفي الباب: الأحاديث السابقة في الباب قبله.
١/٦٤٨- وعن أبي هُريرة رضي الهُ عنهُ أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعُوني، وأحسن إليهم ويُسيئون إليّ، وأحلمُ عنهم ويجهلون عليّ! فقال: " ((لئن كُنتَ كما قلتَ فكأنما تُسفهم المل، ولا يزالُ معك من الله تعالى ظهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك)) رواه مسلم. وقد سبق شرحه في ((باب صلة الأرحام)) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الصبر على الأذى الأذى: هو ما يتأذى به الإنسان من قول أو عمل أو غير ذلك، والأذى إما أن يكون في أمر ديني أو أمر دنيوي، فإذا كان في أمرٍ ديني بمعنى أن الرجل يؤذى من أجل دينه، كان في هذا الصبر على الأذى أسوة بالرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ لأن الله يقول: (لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
стр. 1808
فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام: ٣٤) ، أوذوا حتى أتاهم نصر الله .
والإنسان إذا كان معه دين، وكان معه أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر فلابد أن يؤذى، ولكن عليه بالصبر، وإذا صبر؛ فالعاقبة للمتقينن، وقد يُبتلى المرء على قدر دينه، فيسلط الله عليه من يؤذيه امتحاناً واختباراً، كما قال الله تعالى: (َمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: ١٠) ، يعني إذا أوذي في الله من جهة دينه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ودعوته للخير، جعل هذه الفتنة كالعذاب، فنكص على عقبيه والعياذ بالله.
وهذا كقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج: ١١) .
يعني أن بعض الناس يعبد الله على طرف، وليس عنده عبادة متمكنة، فإن أصابه خير ولم يأته فتنة ولا أذية استمر، مشى وأطمأن، وإن أصابته فتنة من شبهه أو أذية أو ما أشبه ذلك؛ انقلب ذلك؛ انقلب على وجهه- والعياذ بالله- خسر الدنيا والآخرة.
فالواجب الصبر على الأذى في ذات الله .
وأما الأذى فيما يتعلق بأمور الدنيا ومعاملة الناس؛ فأنت بالخيار إن شئت فاصبر، وإن شئت فخذ بحقك، والصبر أفضل، إلا إذا كان في الصبر عدوان واستمرار في العدوان، فالأخذ بحقك أولى.
стр. 1809
ولنفرض أن لك جاراً يؤذيك؛ بأصوات مزعجة، أو دق الجدار، أو إيقاف السيارة أمام بيتك، أو ما أشبه ذلك، فالحق إذاً لك، وهو لو يؤذك في ذات الله، فإن شئت فاصبر وتحمل وانتظر الفرج، والله يجعل لك نصيراً عليه، وإن شئت فخذ بحقك؛ لقول الله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: ٤١) ، ولكن الصبر أفضل ما لم يحصل بذلك زيادة عدوان من المعتدي، فحينئذٍ الأفضل أن يأخذ بحقه ليردعه عن ظلمه.
ثم ذكر المؤلف ﵀ آيتين سبق الكلام عليهما؛ قوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .، وقوله (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .
ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في رجلٍ قال للنبي ﷺ : إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلىَّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ، يعني: فماذا أصنع؟ فقال النبي ﷺ : ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال لك من الله تعالى ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك)) يعني ناصر، فينصرك الله عليهم ولو في المستقبل.
لأن هؤلاء القرابة والعياذ بالله يصلهم قريبهم لكن يقطعونه، ويحسن إليهم فيسيئون إليه، ويحلم عليهم ويعفو ويصفح ولكن يجهلون عليه ويزدادون، فهؤلاء قال النبي ﷺ : ((فكأنما تسفهم المل)) ، المل: الرماد الحار، وتسفهم: يعني تلقمهم إياه في أفواههم، وهو كناية عن أن هذا الرجل منتصر عليهم.
стр. 1810
وليس الواصل لرحمه من يكافئ من وصله، ولكن الواصل حقيقة هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، هذا هو الواصل حقاً، فعلى الإنسان أن يصبر ويحتسب على أذية أقاربه وجيرانه وأصحابه وغيرهم، فلا يزال له من الله ظهيرٌ عليهم، وهو الرابح، وهم الخاسرون، وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.
стр. 1811
٧٧- باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشّرع والانتصار لدين الله تعالى
قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِِ) (الحج: ٣٠) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: ٧)
وفي الباب أحاديث منها.
١/٦٤٩- وعن أبي مسعودٍ عُقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخرُ عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا! فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ؛ فقال: ((يا أيها الناس: إن منك منفرين، فأيكم أم الناس فليتجوز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، والانتصار لدين الله.
والغضب له عدة أسباب؛ منها أن ينتصر الإنسان لنفسه؛ يفعل أحدٌ معه ما يغضبه فيغضب لينتصر لنفسه، وهذا الغضب منهيٌّ عنه؛ لأن رجلاً سأل النبي ﷺ قال له: أوصني، قال: ((لا تغضب)) فردد مراراً يقول:
стр. 1812
أوصني، وهو يقول: ((لا تغضب)) .
والثاني من أساب الغضب: الغضب لله ، بأن يرى الإنسان شخصاً ينتهك حرمات الله فيغضب غيرة لدين الله، وحمية لدين الله، فإن هذا محمود ويُثاب الإنسان عليه؛ لأن الرسول ﷺ كان هذا من سنته، ولأنه داخل في قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) ، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) ، فتعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله أن يجدها الإنسان عظيمة، وأن يجد امتهانها عظيماً فيغضب ويثأر لذلك، حتى يفعل ما أُمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.
ثم ذكر المؤلف آية ثانية، وهي قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: ٧) ، والمراد بنصر الله نصر دينه، فإن الله بنفسه لا يحتاج إلى نصر، هو غني عمن سواه، لكن النصر هنا نصر دين الله، بحماية الدين، والذب عنه، والغيظ عند انتهاكه، وغير ذلك من أسباب نصر الشريعة.
ومن هذا الجهاد في سبيل الله القتال؛ لتكون كلمة الله هي العليا، هذا من نصر الله، وقد وعد الله من ينصره بهذين الأمرين: (يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ينصركم على من عاداكم، ويثبت أقدامكم على دينه حتى لا تزالّوا، فتأمل الآن إذا نصرنا الله مرة؛ أثابنا مرتين؛ (ينْصُرْكُمْ
стр. 1813
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) . ثم قال بعدها: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٨) ، يعني أن الكافرين أمام المؤمنين الذين ينصرون الله لهم التعس، وهو الخسران والذل والهوان، وأضل أعمالهم يعني يكون تدبيرهم تدميراً عليهم، وتكون أعمالهم ضالة لا تنفعه ولا ينتفعون بها.
ثم ذكر حديث عقبة بن عمرو البدري ﵁، أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ قال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح- الفجر- من أجل فلان مما يطيل بنا، وكان هذا الإمام يطيل بهم إطالة أكثر من السنة، فغضب النبي ﷺ يقول: فما رأيته غضب في موعظةٍ قط أشد مما غضب يومئذٍ.
وقال" ((يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليتجوز)) منفرين: يعني ينفرون الناس عن دين الله، وهذا الرجل لم يقل للناس لا تصلوا صلاة الفجر، لكنه نفرهم بفعله؛ بالتطويل الذي هو خارجٌ عن السنة، فنفر الناس، وفي هذا إشارة إلى أن كلَّ شيء ينفر الناس عن دينهم- ولو لم يتكلم الإنسان بالتنفير؛ فإنه يدخل في التنفير عن دين الله.
ولهذا كان الرسول ﷺ يداري في الأمور الشرعية، فيترك ما هو حسن لدرء ما هو أشد منه فتنة وضرراً، فإنه ﷺ هم أن يبني الكعبة على قواعد إبراهيم، ولكن خاف من الفتنة فترك ذلك، وكان يصوم في السفر فإذا رأى أصحابه صائمين- وقد شق عليهم الصوم- أفطر ليسهل عليهم.
فكون الإنسان يحرص على أن يقبل الناس دين الله بطمأنينة ورضى وإقبال بدون محذور شرعي؛ فإن هذا هو الذي كان من هدي الرسول ﷺ .
стр. 1814
والشاهد من هذا الحديث غضب النبي ﷺ من هذا الفعل الذي فعله هذا الإمام، وفيه أيضاً إشارة إلى أن النبي ﷺ كان يغضب عند الموعظة لانتهاك حرمات الله، وقد قال جابر ﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب يوم الجمعة؛ احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.
ثم قال ﷺ : ((فأيكم أم الناس فليتجوز)) يعني فليخفف الصلاة، على حسب ما جاءت به السنة.
((فأن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة)) أي في المأمومين ضعيف البينة، وضعيف القوة، وفيهم مريض، وفيهم ذو حاجة؛ قد وعد أحداً يذهب إليه، أو ينتظر أحداً، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإمام أن يثقل بالناس أكثر مما جاءت به السنة.
وأما صلاته بالناس بحسب ما جاءت به السنة فليفعل، غضب من غضب، ورضي من رضي، والذي لا ترضيه السنة فلا أرضاه الله، السنة تتبع ولكن ما زاد عليها فلا.
والأئمة في هذه الحال، أو في هذه المسألة ينقسمون إلى ثلاثة أٌقسام:
قسم مُفرّط، يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، وهذا مخطئ، وآثم ولم يؤد الأمانة التي عليه.
وقسم مُفرِط إي زائد، يثقل بالناس وكأنه يصلي لنفسه، فتجده يثقل
стр. 1815
بالقراءة، والركوع، والسجود، والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، وهذا أيضاً مخطئ ظالمٌ لنفسه.
والثالث: يصلي بهم كصلاة النبي ﷺ ، فهذا خير الأقسام، وهو الذي قام بالأمانة على الوجه الأكمل، والله الموفق.
* * *
٢/٦٥٠- وعن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفرٍ وقد سترتُ سهوة لي بقرامٍ فيه تماثيلُ، فلما رآهُ رسولُ الله ﷺ هتكه وتلون وجهه وقال: ((يا عائشةُ: أشدُّ الناس عذاباً ((السهوةُ)) : كالصُّفة تكون بين يدي البيت. و ((القِرام)) بكسر القاف: ستر رقيق، و ((هتكه)) أفسد الصورة التي فيه.
٣/٦٥١- وعنها ﵂ أن قريشاً أهمهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامةُ بن زيد حب رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامةُ؛ فقال رسول الله ﷺ : أتشفع في حد من حُدودِ الله تعالى؟! " ثم قام فاختطب ثم قال: ((إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريف تركوهُ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله، لو أن فاطمة بنت مُحمدٍ سرقت لقطعتُ يدها)) متفقٌ عليه.
стр. 1816
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب الغضب إذا انتهك شرع الله- وسبق لنا الكلام على الآيات التي صدر بها المؤلف هذا الباب، وأما الأحاديث فمنها حديث عائشة ﵂؛ والأول أن النبي ﷺ قدم من سفر فوجدها قد سترت سهوةً لها بقرامٍ فيه تماثيل، يعني فيه صورة، فهتكه النبي ﷺ ، وأخبر ((أن أشد الناس عذاباً الذين يضاهون بخلق الله)) يعني المصورين، فهم أشد الناس عذاباً، لأنهم أرادوا أن يضاهوا الله في خلقه، وفي تصويره.
وكانوا فيما سبق يصورون باليد؛ لأنه ليس عندهم آلات وأجهزة تلتقط الصور بدون عمل يدوي، فكانوا يخططون بأيديهم، فيأتي الحاذق منهم ويصور صورة بيده على أنها كالذي صوره ويتقنها لتشابه صورة الله، ليُقال: ما أشد مهارة هذا الرجل، وما أعرفه، كيف استطاع أن يقلد خلق الله ؟
فهم يريدون بذلك أن يشاركون الله في تصويره، وهو لا شريك له: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) (آل عمران: ٦) ، (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (غافر: ٦٤) .
فهتكه: يعني مزقه ﵊.
стр. 1817
وفي هذا دليلٌ على مشروعية تمزيق الصور التي تصور باليد؛ لأنه يضاهي بها خلق الله ، وإقرار المنكر كفعل المنكر، وفيه العضب إلذا انتهكت حرمات الله ؛ لأن النبي ﷺ غضب وهتكه.
وأما في الحديث الثاني عن عائشة ﵂ في قصة المخزومية وهي امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع فتجحده، يعني تأتي للناس تقول: أعرني قدراً، أعرني إناءً، أعرني كذا، فإذا أعاروها جحدت وقالت: لم آخذ منكم شيئاً، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها؛ لأن هذا نوع من السرقة.
وكانت هذه المرأة من بني مخزوم، من قبيلة من أشرف قبائل العرب ذات الأهمية والشأن، فأهم قريشاً شأنُها، وقالوا كيف تُقطع يد مخزومية، ثم طلبوا شفيعاً إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أسامة بن زيد حِب رسول الله ﷺ . حِبّه يعني محبوبه، يعني أنه يحبه.
وأسامة هو ابن زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان عبداً وهبته خديجة للنبي ﷺ فأعتقه، وأسامة أبنه، وكان النبي ﷺ يحبهما، وقالوا: ليس إلا أسامة بن زيد، فتقدم أسامة بن زيد ﵁ إلى النبي ﷺ ليشفع، فأنكر عليه وقال: ((أتشفع في حدّ من حدود الله؟)) .
ثم قام فأختطب، فخطب الناس وقال لهم ﵊: ((إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله- يعني أقسم بالله - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) .
стр. 1818
والشاهد من هذا أن الرسول ﵊ غضب لشفاعة أسامة بن زيد في حدّ من حدود الله. فالغضب لله محمود، وأما الغضب للانتقام وحظ النفس فإنه مذموم، وقد نهى عنه النبي ﷺ حين طلب أحد الصحابة أن يوصيه، فقال: ((لا تغضب)) ، قال: أوصني، قال: ((لا تغضب)) ، قال: أوصني، قال: ((لا تغضب")) فالفرق بين الغضبين ظاهر.
الغضب لله ولشرائع الله محمود، وهو من هدي الرسول ﷺ ، ودليل على غيرة الإنسان وعلى محبته لإقامة شريعة الله، أما الغضب للنفس فينبغي للإنسان أن يكتمه وأن يحلم، وإذا أصابه الغضب فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائماً فليجلس، وإن كان جالساً فليضطجع كل هذا مما يخفف عنه الغضب والله الموفق.
* * *
٤/٦٥٢- وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى نُخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رُئي في وجهه، فقام فحكه بيده فقال: ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنهُ يناجي ربهُ، وإن ربه بينهُ وبين القبلةِ فلا يبزقن أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه، ثُم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضهُ على بعضٍ فقال: ((أو يفعل هكذا)) متفقٌ عليه.
стр. 1819
والأمرُ بالبُصاقِ عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما في المسجد فلا يبصقُ إلا في ثوبه.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث الذي ذكره النووي ﵀ في رياض الصالحين في باب الغضب إذا انتهك شرع الله ، أن الرسول ﷺ رأى نخامة في القبلة، أي: في قبلة المسجد، فغضب ﵊ وحكها بيده وقال: ((إن أحدكم يناجي ربه)) يعني إذا كان يصلي فإنه يناجي الله يعني يخاطبه، والله يرد عليه.
فقد ثبت في الصحيح أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين، أجابه الله فقال: ((حمدني عبدي)) ، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: ((أثنى على عبدي)) ، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: ((مجدني عبدي)) وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين"، فإذا قال: أهدنا الصراط المستقيم، قال: ((هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)) .
فأنت تناجي الله بكلامه، وتدعوه ، وتسبحه؟، وتمجده، وتعظمه. فهو أمامك بينك وبين القبلة، وإن كان في السماء فوق عرشه، فإنه أمامك؛ لأنه محيط بكل شيء و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: ١١) .
стр. 1820
ثم إن النبي ﷺ لما ذكر منع التنخم أمام القبلة يعني في قبلة الإنسان ذكر الشيء المباح؛ لأن هذا هو الهدي، وهذه هي الحكمة، أنك إذا ذكرت للناس ما هو ممنوع أن تذكر لهم ما هو جائز حتى لا تسد الأبواب عليهم. فأمر الإنسان أن يبصق عن يساره، أو تحت قدمه، أو في ثوبه ويحك بعضه ببعض؛ ثلاثة أمور: إما تحت قدمه يبصق ويطؤ عليها، وإما عن يساره، وهذا والذي قلبه متعذر إذا كان الإنسان في المسجد؛ لأنه يلوثه، وقد قال النبي ﷺ : ((البصاقُ في المسجد خطيئة")) ، وإما في ثوبه، فيبصق في ثوبه ويحك بعضه ببعض.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أن النخامة ليست نجسة؛ لأن النبي ﷺ أمر أن يبصق المصلي تحت قدمه أو في ثوبه، ولو كانت نجسة ما أذن له أن يبصق في ثوبه، وفيه التعليم بالفعل؛ لقول النبي ﷺ : ِ ((أو يقول هكذا، وبصق في ثوبه وحك بعضه ببعض)) وفيه أيضاً إطلاق القول على الفعل في قوله: ((أو يقول هكذا)) وهو يريد الفعل.
وفيه أيضاً: أن الإنسان لا حرج عليه أن يبصق أمام الناس، ولا سيما إذا كان للتعليم.
وفيه أن من المروءة ألاَّ يرى في ثوبك شيء يستقذره الناس- لأنه حكَّ بعضها ببعض- لئلا تبقى صورتها في ثوبك فإذا رآها الناس تأذوا منه
стр. 1821
وكرهوه. فالإنسان ينبغي أن يكون نظيفاً في مظهره وفي ثيابه وفي غير ثيابه، حتى لا يتقزر الناس مما يشاهدونه منه.
والشاهد من هذا أن الرسول ﷺ تأثر وعُرف في وجهه الكراهية لما رأى النخامة في قبلة المسجد، والله الموفق.
стр. 1822
٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .
١/٦٥٣- وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته والإمام راعي ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)) متفق عليه.
٢/٦٥٤- وعن أبي يعلى معقلِ بن يسارٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيتةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) متفق عليه.
стр. 1823
وفي رواية: ((فلم يحُطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)) . وفي رواية لمسلم: ((ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة)) .
[الشَّرْحُ]
هذا الباب الذي عقده المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين هو باب عظيم مهم يُخاطب به ولاة الأمور ويخاطب به الرعية، ولكل منهم على الآخر حق يجب مراعاته.
أما ولاة الأمور فيجب عليهم الرفق بالرعية، والإحسان إليهم، واتباع مصالحهم، وتوليه من هو أهل للولاية، ودفع الشر عنهم؛ وغير ذلك من مصالحهم؛ لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله .
وأما الرعية فالواجب عليهم السمع والطاعة في غير المعصية، والنصح للولاة، وعد التشويش عليهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وطي مساوئهم، وبيان محاسنهم؛ لأن المساوئ يمكن أن ينصح فيها الولاة سراً بدون أن تُنشر على الناس؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يُستفاد منه؛ بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ فتحمل صدور الناس البغضاء والكراهية لولاة الأمور.
стр. 1824
وإذا كره الناس ولاة الأمور وأبغضوهم وتمردوا عليهم، ورأوا أمرهم بالخير أمراً بالشر، ولم يسكتوا عن مساوئهم، وحصل بذلك إيغار الصدور والشر والفساد.
والأمة إذا تفرقت وتمزقت حصلت الفتنة بينها ووقعت، مثل ما حصل في عهد عثمان بن عفان ﵁ ن حين بدأ الناس يتكلمون فيه، فأوغروا الصدور عليه، وحشدوا الناس ضده، وحصل ما حصل من الفتن والشرور إلى يومنا هذا.
فولاة الأمور لهم حق وعليهم حق.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيات من كتاب الله فقال: وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني لا تتعالى عليهم، ولا ترتفع في الجو؛ بل اخفض الجناح، حتى وإن كنت تستطيع أن تطير في الجو فاخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.
وأما من خالفك وعصاك فأقم عليه العقوبة اللائقة به؛ لأن الله تعالى لم يقل اخفض جناحك لكل أحد، بل قال: لمن اتبعك من المؤمنين.
وأما المتمردون والعصاة فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٣٤، ٣٣) ، وقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
стр. 1825
وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) .
إن الله يأمر بهذه الأمور الثلاثة:
بالعدل: وهو واجب، فيجب على الإنسان أن يقيم العدل في نفسه، وفي أهله، وفيمن استرعاه الله عليهم.
فالعدل في نفسه بألا يثقل عليها في غير ما أمر الله، وأن يراعيها حتى في أمر الخير، فلا يثقل على نفسه أو يحملها فوق ما تطيقه. ولهذا لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، دعاه النبي ﵊ ونهاه عن ذلك وقال: ((إن لنفسك عليك حقاً، ولربك حقاً، ولأهلك عليك حقاً؛ فأعط كل ذي حقٍّ حقه)) .
وكذلك يأمر بالعدل كذلك في أهل الإنسان، فمن كان له زوجتان وجب عليه العدل بينهما، " ومن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل".
وعليك العدل بين الأولاد؛ فإذا أعطيت أحدهم ريالاً؛ فأعط الآخر مثله، وإذا أعطيت الولد ريالين، فأعط البنت ريالاً، وإذا أعطيت الابن
следующие страницы →