← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وكرهوه. فالإنسان ينبغي أن يكون نظيفاً في مظهره وفي ثيابه وفي غير ثيابه، حتى لا يتقزر الناس مما يشاهدونه منه. والشاهد من هذا أن الرسول ﷺ تأثر وعُرف في وجهه الكراهية لما رأى النخامة في قبلة المسجد، والله الموفق.

стр. 1822

٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) . وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) . ١/٦٥٣- وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته والإمام راعي ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)) متفق عليه. ٢/٦٥٤- وعن أبي يعلى معقلِ بن يسارٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيتةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) متفق عليه.

стр. 1823

وفي رواية: ((فلم يحُطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)) . وفي رواية لمسلم: ((ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة)) . [الشَّرْحُ] هذا الباب الذي عقده المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين هو باب عظيم مهم يُخاطب به ولاة الأمور ويخاطب به الرعية، ولكل منهم على الآخر حق يجب مراعاته. أما ولاة الأمور فيجب عليهم الرفق بالرعية، والإحسان إليهم، واتباع مصالحهم، وتوليه من هو أهل للولاية، ودفع الشر عنهم؛ وغير ذلك من مصالحهم؛ لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله . وأما الرعية فالواجب عليهم السمع والطاعة في غير المعصية، والنصح للولاة، وعد التشويش عليهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وطي مساوئهم، وبيان محاسنهم؛ لأن المساوئ يمكن أن ينصح فيها الولاة سراً بدون أن تُنشر على الناس؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يُستفاد منه؛ بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ فتحمل صدور الناس البغضاء والكراهية لولاة الأمور.

стр. 1824

وإذا كره الناس ولاة الأمور وأبغضوهم وتمردوا عليهم، ورأوا أمرهم بالخير أمراً بالشر، ولم يسكتوا عن مساوئهم، وحصل بذلك إيغار الصدور والشر والفساد. والأمة إذا تفرقت وتمزقت حصلت الفتنة بينها ووقعت، مثل ما حصل في عهد عثمان بن عفان ﵁ ن حين بدأ الناس يتكلمون فيه، فأوغروا الصدور عليه، وحشدوا الناس ضده، وحصل ما حصل من الفتن والشرور إلى يومنا هذا. فولاة الأمور لهم حق وعليهم حق. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيات من كتاب الله فقال: وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني لا تتعالى عليهم، ولا ترتفع في الجو؛ بل اخفض الجناح، حتى وإن كنت تستطيع أن تطير في الجو فاخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. وأما من خالفك وعصاك فأقم عليه العقوبة اللائقة به؛ لأن الله تعالى لم يقل اخفض جناحك لكل أحد، بل قال: لمن اتبعك من المؤمنين. وأما المتمردون والعصاة فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٣٤، ٣٣) ، وقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ

стр. 1825

وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) . إن الله يأمر بهذه الأمور الثلاثة: بالعدل: وهو واجب، فيجب على الإنسان أن يقيم العدل في نفسه، وفي أهله، وفيمن استرعاه الله عليهم. فالعدل في نفسه بألا يثقل عليها في غير ما أمر الله، وأن يراعيها حتى في أمر الخير، فلا يثقل على نفسه أو يحملها فوق ما تطيقه. ولهذا لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، دعاه النبي ﵊ ونهاه عن ذلك وقال: ((إن لنفسك عليك حقاً، ولربك حقاً، ولأهلك عليك حقاً؛ فأعط كل ذي حقٍّ حقه)) . وكذلك يأمر بالعدل كذلك في أهل الإنسان، فمن كان له زوجتان وجب عليه العدل بينهما، " ومن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل". وعليك العدل بين الأولاد؛ فإذا أعطيت أحدهم ريالاً؛ فأعط الآخر مثله، وإذا أعطيت الولد ريالين، فأعط البنت ريالاً، وإذا أعطيت الابن

стр. 1826

ريالاً؛ فأعط البنت نصف ريالٍ. حتى إن السلف- ﵏ كانوا يعدلون بين الأولاد في القُبل؛ يعني إذا حبَّ الولد الصغير وأخوه عنده، حبَّ الولد الثاني؛ لئلا يجحف معهم في التقبيل. وكذلك أيضاً في الكلام، يجب أن تعدل بينهم، فلا تتكلم مع أحدهم بكلام خشن ومع الآخر بكلام لين. وكذلك يجب العدل فيمن ولاَّك الله عليهم، فلا تحابِ قريبك لأنه قريبك، ولا الغني لأنه غني، ولا الفقير لأنه فقير، ولا الصديق لأنه صديق، لا تحابِ أحداً فالناس سواء. حتى إن العلماء ﵏ قالوا: يجب العدل بين الخصمين إذا دخلا على القاضي؛ في لفظه ولحظه وكلامه ومجلسه ودخولهما عليه. لا تنظر لهذا نظرة غضب ولهذا نظرة رضا، لا تلن الكلام لهذا والثاني بعكسه. لا تقل لأحدكم كيف أنت؟ كيف أهلك؟ كيف أولادك؟ والثاني لا تقول له مثله، بل اعدل بينهما حتى في هذا. وكذلك في المجلس لا تجعل أحدهما يجلس على اليمين قريباً منك والثاني تجعله بعيداً عنك؛ بل اجعلها أمامك على حدٍّ سواء. حتى المؤمن والكافر إذا تخاصما عند القاضي، يجب أن يعدل بينهما في الكلام والنظر والجلوس، فلا يقل للمسلم تعال بجانبي والكافر يبعده؛ بل يجعلهما يجلسان جميعاً أمامه، فالعدل واجب في كل الأمور. أما الإحسان فهو فضل زائد على العدل، ومع ذلك أمر الله به، لكن

стр. 1827

أمره بالعدل واجب، وأمره بالإحسان سنة وتطوع. (وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) يعني إعطاء ذي القربي، أي القريب حقه. فإن القريب له حق؛ حق الصلة، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله. (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ينهي عن الفحشاء: الفحشاء هي كل ما يُستفحش من الذنوب؛ كعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والزنا، ونكاح المحارم، وغير ذلك مما يُستفحش شرعاً وعرفاً، والمنكر: هو ما يُنكر، وهو دون الفحشاء كعامة المعاصي. َوالبغي: تجاوز الحد، وهو الاعتداء على الخلق بأخذ أموالهم، والاعتداء على دمائهم وأعراضهم، كل هذا يدخل في البغي. وبيَّن الله أنه أمر ونهي ليعظنا ويصلح أحوالنا، ولهذا قال: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) . وسبق لنا الكلام على حديث ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته)) ، وأما حديث معقل بن يسار الذي ذكره المؤلف، فإن فيه التحذير من غش الرعية، وأنه ما من عبد يسترعيه الله على رعيته ثم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأنه إذا لم يحطهم بنصيحته فإنه لا يدخل معهم الجنة. وهذا يدل على أنه يجب على ولاة الأمور مسؤولون عن الصغيرة والكبيرة، وعليهم أن ينصحوا لمن ولاهم الله عليهم، وأن يبذلوا لهم

стр. 1828

النصيحة، وأهمها النصيحة في دين الله، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير. ومنها أيضاً: من النصيحة لهم أن يسلك بهم الطرق التي فيها صلاحهم في معادهم ومعاشهم، فيمنع عنهم كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، يمنع عنهم الأفكار السيئة، والأخلاق السافلة، وما يؤدى إلى ذلك من المجلات والصحف وغيرها؛ ولهذا يجب على ولي الأمر في البيت وهو الرجل في بيته أن يمنع من وجود هذه الأشياء في بيته؛ الصحف السيئة الفاسدة، الأفكار المنحرفة، الأخلاق السافلة. وكذلك على ولي الأمر العام يجب عليه أن يمنع هذه الأشياء؛ وذلك لأن هذه الأشياء إذا شاعت بين الناس؛ صار المجتمع مجتمعاً بهيمياً؛ لا يهمه إلا إشباع البطن وشهوة الفرج، وتحل الفوضى، ويزول الأمن، ويكون الشر والفساد، فإذا منع ولي الأمر ما يفسد الخلق سواء كان ولي الأمر صغيراً أو كبيراً، حصل بهذا الخير الكثير. لو أن كل واحد منا في بيته منع أهله من اقتناء هذه الصحف والمجلات الخليعة الفاسدة، ومن مشاهدة التمثيليات الفاسدة، والمسلسلات الخبيثة، لصلح الناس؛ لأن الناس هم أفراد الشعب؛ أنت في بيتك، والثاني في بيته، والثالث في بيته، وهكذا إذا صلحوا صلح كل شيء. نسأل الله تعالى أن يصلح ولاة أمورنا أن يرزقهم البطانة الصالحة.

стр. 1829

٣/٦٥٥- وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفُق به)) رواه مسلم. ٤/٦٥٦- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كُلما هلك نبي خلفهُ نبيٌّ، وإنهُ لا نبيَّ بعدي، وسيكون بعدي خُلفاء فيكثُرون)) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: ((أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهُم)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف الحافظ النووي في رياض الصالحين في باب أمر ولاة الأمور بالرفق واللين، ورعاية مصالح من استرعاهم الله عليهم. قال في سياق الأحاديث ما نقله عن عائشة ﵂، قالت: سمعت النبي ﷺ في بيتي هذا يقول: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)) . وهذا دعاء من النبي ﷺ على من تولى أمور المسلمين الخاصة والعامة؛ حتى الإنسان يتولى أمر بيته، وحتى مدير المدرسة يتولى أمر

стр. 1830

المدرسة، وحتى المدرس يتولى أمر الفصل، وحتى الإمام يتولى أمر المسجد. ولهذا قال: ((من ولي من أمر أمتي شيئاً)) . ((وشيئاً)) نكرة في سياق الشرط، وقد ذكر علماء الأصول أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ أي شيء يكون، ((فرفق بهم فارفق به)) ، ولكن ما معنى الرفق؟ قد يظن بعض الناس أن معنى الرفق أن تأتي للناس على ما يشتهون ويريدون، وليس الأمر كذلك؛ بل الرفق أن تسير بالناس حسن أمر الله ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق الناس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله؛ فإنك تدخل في الطرف الثاني من الحديث؛ وهو الدعاء أن الله يشقق عليك والعياذ بالله. يشق عليه إما بآفات في بدنه، أو في قلبه، أو في صدره، أو في أهله، أو في غير ذلك؛ لأن الحديث مطلق ((فاشقق عليه)) بأي شيء يكون، وربما لا تظهر للناس المشقة، وقد يكون في قلبه نار تلظى والناس لا يعلمون، لكن نحن نعلم أنه إذا شق على الأمة بما لم ينزل به الله سلطاناً؛ فإنه مستحق لهذه الدعوة من رسول الله ﷺ . أما الحديث الثاني فإن النبي ﵊ أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء؛ أي تُبعث فيهم الأنبياء فيصلحون من أحوالهم، " وإنه لا نبي بعدي" فإنّ النبي ﷺ خاتم النبيين بالنص والإجماع كما قال الله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ

стр. 1831

رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: ٤٠) . ولهذا من ادَّعى النبوة بعده؛ فهو كافر مرتد يجب قتله، ومن صدّق من ادعى النبوة بعده؛ فهو كاذب مرتد يجب قتله إلا أن يتوب، فالنبي ﵊ هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له خلفاء؛ خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث: خلفاء السلطة. ولهذا قال: ((سيكون خلفاء ويكثرون)) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ يعني: من نفي ببيعته؟ قال: ((الأول فالأول)) فإذا بايعوا الخليفة وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كلّ من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على من أراد الخلافة في حياته، لأن كل من نازع السلطان في سلطانه؛ فإنه يجب أن يُقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة، فإن الناس لو تركوا فوضى، وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزباً يقاتل به السلطان؛ فسدت الأمور. وفي آخر الحديث أن النبي ﷺ حمل هؤلاء الخلفاء ما عليهم، وأمرنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، ونسأل الله الذي لنا، لا نقل هؤلاء ظلموا هؤلاء جاروا، هؤلاء لم يقوموا بالعدل، ثم ننابذهم ولا نطيعهم فيما أمرنا الله به، لا، هذا لا يجوز، يجب أن نوفي لهم بالحق، وأن نسأل الله الحق الذي لنا، كالإنسان الذي له قريب إذا قطعك فصِله، وأسأل الله الذي لك، أما أن تقول لا أصلُ إلا من وصلني، أو لا أطيع من السلطان إلا من لا يظلم ولا يستأثر بالمال ولا غيره، فهذا خطأ، قم أنت بما يجب عليك، واسأل

стр. 1832

الله الذي لك. وفي قول النبي ﷺ : ((تسوسهم الأنبياء)) دليلٌ على أن دين الله- وهو دين الإسلام في كل مكان وفي كل زمان- هو السياسة الحقيقية النافعة، وليست السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار. السياسة حقيقة ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول إن الإسلام شريعة وسياسة، ومن فرق بين السياسة والشريعة فقد ضلّ؛ ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله، وبيان العبادات، وسياسة الإنسان مع أهله، ومع جيرانه، ومع أقاربه، ومع أصحابه، ومع تلاميذه، ومع معلميه، ومع كل أحد؛ كل له سياسة تخصه، سياسة مع الأعداء الكفار، ما بين حربيين ومعاهدين ومستأمنين وذميين. وكل طائفة قد بيّن الإسلام حقوقهم، وأمر أن نسلك بهم كما يجب، فمثلاً الحربيون نحاربهم، ودماؤهم حلال لنا، وأموالهم حلال لنا، وأراضيهم حلال لنا. والمستأمنون يجب أن نؤمنهم، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: ٦) . والمعاهدون يجب أن نوفي لهم بعهدهم، ثم إما أن نطمئن إليهم، أو نخاف منهم، أو ينقضوا العهد. ثلاث حالات كلها مبينة في القرآن؛ فإن اطمأننا إليهم وجب أن نفي لهم بعهدهم، وإن خفناهم فقد قال الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨) ، قل لهم: ليس

стр. 1833

بيننا عهدٌ إذا خفت منهم، ولا تنقض العهد بدون أن تخبرهم. والثالث هم الذين نقضوا العهد (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (التوبة: ١٢) ، إذا نقضوا العهد فلا إيمان لهم ولا عهد لهم، فالمهم أن الدين دين الله وأن الدين سياسة: سياسة شرعية، سياسة اجتماعية، سياسة مع الأجانب، ومع المسالمين، ومع كل أحد. ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل؛ وهو بين أمرين: إما جاهل بالدين ولا يعرف، ويظن أن الدين عبادات بين الإنسان وربه، وحقوق شخصية وما أشبه ذلك؛ يطن أن هذا هو الدين فقط. أو أنه قد بهره الكفرة وما هم عليه من القوة المادية، فظن أنهم هم المصيبون. وأما من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أنه شريعة وسياسة، والله الموفق. ٥/٦٥٧- وعن عائذ بن عمرو ﵁ أنهُ دخل على عُبيد الله بن زياد، فقال له: أي بُني، إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إن شر الرعاء الحُطمة)) فإياك أن تكون منهم. متفق عليه. ٦/٦٥٨- وعن أبي مريم الآزدي ﵁، أنه قال لمعاوية ﵁: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين،

стр. 1834

فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)) فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس. رواه أبو داود والترمذي. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث في بيان ما يجب على الرعاة لرعيتهم من الحقوق، من ذلك قول النبي ﷺ : ((إن شر الرعاء الحطمة)) الرعاء: جمع راعٍ. الحطمة: الذي يحطم الناس ويشق عليهم ويؤذيهم، فهذا شر الرعاء. وإذا كان هذا شر الرعاء؛ فإن خير الرعاء اللين السهل، الذي يصل إلى مقصوده بدون عنف. فيُستفاد من هذا الحديث فائدتان: الفائدة الأولى: أنه لا يجوز للإنسان الذي ولاّه الله تعالى على أمر من أمور المسلمين أن يكون عنيفاً عليهم؛ بل يكون رفيقاً بهم. الفائدة الثانية: وجوب الرفق بمن ولاه الله عليهم بحيث يرفق بهم في قضاء حوائجهم وغير ذلك، مع كونه يستعمل الحزم والقوة والنشاط، يعني لا يكون ليناً مع ضعف، ولكن ليناً بحزم وقوة ونشاط. وأما الحديث الثاني: ففيه التحذير من اتخاذ الإنسان الذي يوليه الله تعالى أمراً من أمور المسلمين حاجباً يحول دون خلتهم وفقرهم

стр. 1835

وحاجتهم، وأن من فعل ذلك فإن الله يحول بينه وبين حاجته وخلته وفقره. لما حُدث معاوية ﵁ بهذا الحديث؛ اتخذ رجلاً لحوائج الناس يستقبل الناس وينظر ما حوائجهم، ثم يرفعها إلى معاوية ﵁ بعد أن كان أميراً للمؤمنين. وهكذا أيضاً، له نوع من الولاية وحاجة الناس إليه؛ فإنه لا ينبغي أن يحتجب دون حوائجهم، ولكن له أن يرتب أموره بحيث يجعل لهؤلاء وقتاً ولهؤلاء وقتاً، حتى لا تنفرط عليه الأمور، الله الموفق.

стр. 1836

٧٩- باب الوالي العادل قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) وقال تعالى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: ٩) ١/٦٥٩- وعن أبي هُريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمالٍ، فقال: إني أخافُ الله، ورجلٌ تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينهُ، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) متفقٌ عليه. ٢/٦٦٠- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حُكمهم وأهليهم وما ولُوا" رواه مسلم.

стр. 1837

[الشَّرْحُ] قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين في باب الوالي العادل. والوالي هو الذي يتولى أمراً من أمور المسلمين الخاصة أو العامة، حتى الرجل في أهل بيته يُعتبر والياً عليهم؛ لقول النبي ﷺ ((الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته)) والعدل واجب حتى في معاملة الإنسان نفسه؛ لقول النبي ﷺ : ((إن لنفسك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك- أي الزائر - عليك حقاً فأعط كل ذي حقّ حقه)) . فالعدل واجبٌ في كل شيء، لكنه في حق ولاة الأمور أوكد وأولى وأعظم؛ لأن خلاف العدل إذا وقع من ولاة الأمور؛ حصلت الفوضى والكراهة لولي الأمر حيث لم يعدل. ولكن موقفنا نحو الإمام الوالي الذي لم يعدل أو ليس بعادل أن نصبر؛ نصبر على ظلمه، وعلى جوره، وعلى استئثاره، حتى أن رسول الله ﷺ أوصى الأنصار ﵃ وقال لهم" ((إنكم ستلقون بعدي أثرة)) يعني استئثاراً عليكم ((فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) ؛ ذلك لأن منازعة ولي الأمر يحصل بها الشر والفساد الذي هو أعظم من جوره

стр. 1838

وظلمه، ومعلوم أن العقل والشرع ينهى عن ارتكاب أشد الضررين، ويأمر بارتكاب أخف الضررين إذا كان لابد من ارتكاب أحدهما. ثم ساق المؤلف ﵀ آيات وأحاديث منها قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ) العدل واجب والإحسان فضل وزيادة فهو سنة, وحسبته أن يذكر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء: ٥٨) . فالعدل من الوالي ألا يفرق بين الناس، ولا يجور على أحد، ولا يحابي غنياً لغناه، ولا قريباً لقرابته، ولا فقيراً لفقره، ولكن يحكم بالعدل، حتى إن العلماء ﵏ قالوا: يجب على القاضي أن يستعمل العدل مع الخصمين، ولو كان أحدهما كافراً؛ يعني لو دخل كافر ومسلم على القاضي؛ فإن الواجب أن يعدل بينهما في الجلوس والكلام والملاحظة بالعين وغير ذلك؛ لأن المقام مقام حكم يجب فيه العدل، وإن كان بعض الجهال يقول: لا، قدّم المسلم. نقول: لا يجوز أن نقدم المسلم؛ لأن المقام مقام محاكمة ومعادلة، فلا بد من العدل في كل شيء. ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) سبعة يظلهم الله، وليس هذا على سبيل الحصر، هناك أناس آخرون يظلهم الله غير هؤلاء، وقد جمعهم الحافظ ابن حجر في شرح البخاري فزادوا على العشرين.

стр. 1839

لكن الرسول ﵊ يتحدث أحياناً بما يناسب المقام، فتجده يقول سبعة، ثلاثة، أربعة، أو ما أشبه ذلك، مع أن هناك أشياء أخرى لم يذكرها؛ لأنه ﵊ أفصح الخلق وأقواهم بلاغة فيتحدث بما يناسب المقام. وقوله: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذلك يوم القيامة؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك شجر، ولا بناء، ولا جبال، ولا ثياب، ولا غير ذلك، حتى الناس يحشرون حفاة عراة غرلاً ليس هناك ظل إلا ظل الله، أي ظل يخلقه الله يظلل من يظلهم الله تعالى في ذلك اليوم؛ لأنه ليس هناك ظل بناء، ولا ظل شجر، ولا ظل ثياب، ولا ظل مصنوعات أبداً، ليس هناك إلا الظل الذي ييسره الله تعالى للإنسان، يخلق جل وعلا ظلاً من عنده، والله أعمل بكيفيته، ويظلل الإنسان. الأول: إمام عادل: بدأ بالإمام العادل الذي يعدل بين الناس، وأهم عدل في الإمام أن يحكم بني الناس بشريعة الله؛ لأن شريعة الله هي العدل، وأما من حكم بالقوانين الوضعية المخالفة للشريعة؛ فهو من أشد الولاة جوراً- والعياذ بالله- وأبعد الناس من أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ لأنه ليس من العدل أن تحكم بين عباد الله بشريعة غير شريعة الله، من جعل لك هذا؟ احكم بين الناس بشريعة ربهم ، فأعظم ما يدخل في ذلك أن يحكم الإمام بشريعة الله. ومن ذلك أن يقتص الحق حتى من نفسه ومن أقرب الناس إليه؛ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (النساء: ١٣٥) .

стр. 1840

ومن ذلك أيضاً ألا يفرق بين قريبه وغيره، فتجده إذا كان الحق على القريب تهاون في تنفيذه وجعل يسوف ويؤخر، وإذا كان لقريبه على غيره بادر فاقتص منه. فإن هذا ليس من العدل. والعدل في ولي الأمر له فروع كثيرة وأنواع كثيرة لا يتسع المقام الآن لذكرها، فنسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لأئمة عادلين يحكمون فيهم بكتاب الله وبشريعته التي اختارها لعباده. َأما الثاني فهو ((شاب نشأ في طاعة الله)) ، الشاب صغير السن الذي نشأ في طاعة الله واستمر على ذلك، هذا أيضاً ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ لأنه ليس له صبوة، والغالب أن الشاب يكون لهم صبوة وميل وانحراف، ولكن إذا كان هذا الشاب نشأ في طاعة الله، ولم يكن له ميل ولا انحراف واستمر على هذا؛ فإن الله تعالى يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. والثالث: ((رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) رجلان تحابا في الله، يعني ليس بينهما صلة من نسب أو غيره، ولكن تحابا في الله. كل واحد منهم رأى أن صاحبه ذو عبادة وطاعة لله ، وقيام بما يجب لأهله ولمن له حق عليه، فرآه على هذه الحال فأحبه. " اجتمعا عليه وتفرقا عليه" يعني اجتمعا عليه في الدنيا، وبقيا على ذلك إلى أن ماتا فتفرقا على ذلك؛ هذان أيضاً ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. والرابع: ((رجلٌ قلبه معلق بالمساجد)) يعني أنه يألف الصلاة ويحبها

стр. 1841

وكلما فرغ من صلاة إذا هو يتطلع إلى صلاة أخرى، فالمساجد أماكن السجود، سواء بُنيت للصلاة فينا أم لا، المهم أنه دائماً يرغب الصلاة قلبه معلق بها؛ كلما فرغ من صلاة تطلع للصلاة الأخرى. وهذا يدل على قوة صلته بالله ؛ لأن الصلاة صلى بين العبد وبين ربه، فإذا أحبها الإنسان وألفها فهذا يعني أنه يحب الصلة التي بينه وبين الله، فيكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. والخامس: ((رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال)) يعني دعته لنفسها لفجر بها، ولكنه كان قوي العفة، طاهر العرض ((قال إني أخاف الله)) فهو رجل ذو شهوة، والدعوة التي دعته إليها هذه المرأة توجب أن يفعل؛ لأنها هي التي طلبته، والمكان خال ليس فيه أحد، ولكن منعه من ذلك خوف الله . قال إني أخاف الله، لم يقل: أخشى أن يطلع علينا أحد، ولم يقل إنه لا رغبة له في الجماع، ولكن قال ((إني أخاف الله)) فهذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله لكمال عفته. والسادس: ((رجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) تصدق بصدقة مخلصاً بذلك لله ، حتى انه لو كان أحداً على يساره ما علم بذلك من شدة الإخفاء فهذا عنده كمال الإخلاص، فيظله الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا ما لم يكون إظهار الصدقة فيه مصلحة وخير، فإذا كان في إظهار الصدقة مصلحة وخير كان إظهارها أولى، لكن إذا لم يكن فيه مصلحة فالإسرار أولى. والسابع: ((رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) ذكر الله خالياً في مكان

стр. 1842

لا يطلع عليه أحد، خالياً قلبه من التعلق بالدنيا، فخشع من ذلك وفاضت عيناه. هؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قد توجد صفتان فأكثر في شخص واحد، وقد لا يوجد في الإنسان إلا صفة واحدة وهي كافية. ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: " ((المقسطون على منابر من نور يوم القيامة، الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا)) يعني أن المقسطين العادلين في أهليهم وفيمن ولاهم الله عليه، يكونون على منابر من نور يوم القيامة على يمين الله . وهذا دليلٌ على فضل العدل في الأهل، وكذلك في الأولاد، وكذلك أيضاً في كل من ولاك الله عليه، اعدل حتى تكون على منبر من نور عن يمين الله يوم القيامة، والله الموفق. * * * ٣/٦٦١- وعن عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم!)) قال: قلنا: أي رسول الله، أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)) رواه مسلم. قوله: ((تُصلونَ عليهم)) : تدعُون لهم.

стр. 1843

٤/٦٦٢- وعن عياض بن حمارٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أهل الجنة ثلاثةٌ: ذُو سلطان مقسط موفق، ورجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال)) رواهُ مسلم. [الشَّرْحُ] قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الإمام العادل: عن عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم)) . الأئمة: يعني ولاة الأمور، سواء كان الإمام الكبير في البلد وهو السلطان الأعلى أو كان من دونه. هؤلاء الأئمة الذين هم ولاة أمورنا، ينقسمون إلى قسمين: قسم نحبهم ويحبوننا، فتجدنا ناصحين لهم وهم ناصحون لنا، ولذلك نحبهم، لأنهم يقومون بما أوجب الله عليهم من النصيحة لمن ولاهم الله عليه، ومعلوم أن من قام بواجب النصيحة فإن الله تعالى يحبه، ثم يحبه أهل الأرض. فهؤلاء الأئمة الذين قاموا بما يجب عليهم محبوبون لدى رعيتهم. وقوله: ((ويصلون عليكم، وتصلون عليهم)) الصلاة هنا بمعنى الدعاء، يعني تدعون لهم ويدعون لكم، تدعون لهم بأن الله يهديهم ويصلح

стр. 1844

بطانتهم، ويوفقهم للعدل إلى غير ذلك من الدعاء الذي يدعى به للسطان، وهم يدعون لكم: اللهم أصلح رعيتنا، اللهم اجعلهم قائمين بأمرك، وما اشبه ذلك. أما شرار الأئمة: فهم ((الذين تبغضونهم ويبغضونكم)) تكرهونهم؛ لأنهم لم يقوموا بما يجب عليهم من النصيحة للرعية، وإعطاء الحقوق إلى أهلها، وإذا فعلو ذلك فإن الناس يبغضونهم، فتحصل البغضاء من هؤلاء وهؤلاء؛ تحصل البغضاء من الرعية للرعاة؛ لأنهم لم يقوموا بواجبهم، ثم تحصل البغضاء من الرعاة للرعية؛ لأن الرعية إذا أبغضت الوالي؛ تمردت عليه وكرهته، ولم تطع أوامره ولم تتجنب ما نهى عنه، وحينئذ ((تلعنونهم ويلعنونكم)) والعياذ بالله؛ يعني يسبونكم وتسبونهم، أو يدعون عليكم باللعنة وتدعون عليهم باللعنة. إذاً الأئمة ينقسمون إلى قسمين: قسم وفقوا وقاموا بما يجب عليهم فأحبهم الناس وأحبوا الناس، وصار كل واحد منهم يدعو للآخر. وقسم آخر بالعكس شرار الأئمة، يبغضون الناس والناس يبغضونهم، ويسبون الناس والناس يسبونهم. أما حديث عياض بن حمار ﵁ فهو أن النبي ﷺ قال ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق)) وهذا هو الشاهد؛ يعني صاحب سلطان، والسلطان يعم السلطة العليا وما دونها. ((مقسط)) أي عادل بين من ولاه الله عليه. ((موفق)) أي مهتدٍ لما فيه التوفيق والصلاح، وقد هُدي إلى ما فيه

стр. 1845

الخير، فهذا من أصحاب الجنة. وقد سبق أن الإمام العادل ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث ((ذو سلطان مقسط موفق، ورجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)) رجل رحيم يرحم عباد الله، يرحم الفقراء، يرحم العجزة، يرحم الصغار، يرحم كل من يستحق الرحمة. ((رقيق القلب)) ليس قلبه قاسياً ((لكل ذي قربى ومسلم)) ، وأما للكفار فإنه غليظ عليهم. هذا أيضاً من أهل الجنة، أن يكون هذا الإنسان رقيق القلب يعني فيه لين، وفيه شفقة على كل ذي قربى ومسلم. والثالث ((رجل عفيف متعفف ذو عيال)) يعني أنه فقير ولكنه متعفف، لا يسأل الناس شيئاً، يحسبه الجاهل غنياً من التعفف. ((ذو عيال)) يعني أنه مع فقره عنده عائلة، فتجده صابراً محتسباً يكد على نفسه، ربما يأخذ الحبل يحتطب ويأكل منه، أو يأخذ المخلب يحتش فيأكل منه، المهم أنه عفيف متعفف ذو عيال، ولكنه صابر على البلاء، صابر على عياله، فهذا من أهل الجنة. نسأل الله أن يجعل لنا ولكم من هؤلاء نصيباًن والله الموفق.

стр. 1846

٨٠- باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) . ١/٦٦٣- وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصيةٍ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) متفقٌ عليه. ٢/٦٦٤- وعنه ﵁ قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمعِ والطاعةِ يقول لنا: ((فيما استطعتم)) متفقٌ عليه. ٣/٦٦٥- وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من خلع يدا من طاعةٍ؛ لقي الله يوم القيامة ولا حُجة لهُ، ومن مات وليس في عُنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية)) رواه مسلم. وفي رواية له: ((ومن مات وهو مفارقٌ للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية)) ((الميتة)) بكسر الميم.

стр. 1847

[الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين: باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في معصية الله ثم استدل لذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) . ولاة الأمور، ذكر أهل العلم أنهم قسمان: العلماء والأمراء. أما العلماء فهم ولاة أمور المسلمين في بيان الشرع، وتعليم الشرع، وهداية الخلق إلى الحق، فهم ولاة أمور في هذا الجانب، وأما الأمراء فهم ولاة الأمور في ضبط الأمن وحماية الشريعة وإلزام الناس بها، فصار لهم وجهة لهؤلاء وجهة. والأصل: العلماء؛ لأن العلماء هم الذين يبينون الشرع ويقولون للأمراء هذا شرع الله فاعملوا به، ويلزمُ الأمراءُ بذلك، لكن الأمراء إذا علموا الشرع ولا طريق لهم إلى علم الشرع إلا عن طريق العلماء؛ نفذوه على الخلق. والعلماء يؤثرون على من في قلبه إيمان ودين؛ لأن الذي في قلبه إيمان ودين ينصاع للعلماء ويأخذ بتوجيهاتهم وأمرهم. والأمراء ينصاع لهم من خاف من سطوتهم وكان عنده ضعف إيمان، يخاف من الأمير أكثر مما يخاف من العالم، أو يخاف بعضهم أكثر مما يخاف من الله والعياذ بالله. فلذلك كان لابد للأمة الإسلامية من علماء وأمراء، وكان واجباً على

стр. 1848

الأمة الإسلامية أن يطيعوا العلماء وأن يطيعوا الأمراء، ولكن طاعة هؤلاء وهؤلاء تابعة لطاعة الله؛ لقوله تعالى:: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل أطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن طاعة ولاة الأمر تابعة لا مستقلة، أما طاعة الله ورسوله فيهي مستقلة، ولهذا أعاد فيها الفعل فقال: أطيعوا وأطيعوا، أما طاعة ولاة الأمور فإنها تابعة ليست مستقلة. وعلى هذا فإذا أمر ولاة الأمور بمعصية الله؛ فإنه لا سمع لهم ولا طاعة؛ لأن ولاة الأمور فوقهم ولي الأمر الأعلى جل وعلا وهو الله، فإذا أمروا بمخالفته فلا سمع لهم ولا طاعة أما الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀؛ فمنها حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) . قوله ((على المرء)) هذه كلمة تدل على الوجوب، وأنه يجب على المرء المسلم بمقتضى إسلامه أن يسمع ويطيع لولاة الأمور فيما أحب وفيما كره، حتى لو أمر بشيء يكرهه؛ فإنه يجب عليه أن يقوم به ولو كان يرى خلافه، ولو كان يكره أن ينفذه. فالواجب عليه أن ينفذ، إلا إذا أمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فطاعة الله تعالى فوق كل طاعة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي هذا دليلٌ على بطلان مسلك من يقول: لا نطيع ولاة الأمور إلا فيما أمرنا الله به، يعني إذا أمرونا أن نصلي صلينا، إذا أمرونا أن نزكي

стр. 1849

زكينا. أما إذا أمرونا بشيء ليس فيه أمر شرعي؛ فإنه لا يجب علينا طاعتهم؛ لأننا لو وجبت علينا طاعتهم لكانوا مشرعين، فإن هذه نظرة باطلة مخالفة للقرآن والسنة؛ لأننا لو قلنا: إننا لا نطيعهم إلا فيما أمرنا الله به لم يكن بينهم وبين غيرهم فرق، كل إنسان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فإنه يطاع. ثم نقول: بل نحن قد أمرنا بطاعتهم فيما لم يأمرنا الله ؛ إذا لم يكن ذلك منهياً عنه أو محرماً، فإننا نطيعهم حتى في التنظيم إذا نظموا شيئاً من الأعمال، يجب علينا أن نطيعهم؛ وذلك أن بطاعتهم يكون امتثال أمر الله ، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ، وحفظ الأمن، والبعد عن التمرد على ولاة الأمور، وعن التفرق، فإذا قلنا لا نطيعهم إلا في شيء أمرنا به؛ فهذا معناه أنه لا طاعة لهم. يأتي بعض الأنظمة: مثلاً تنظم فيها الحكومة شيئاً نظاماً لا يخالف الشرع، لكن لم يأتِ به الشرع بعينه، فيأتي بعض الناس ويقول: لا نطيع في هذا، فيقال: بل يجب عليك أن تطيع، فإن عصيت فإنك آثم مستحق لعقوبة الله، ومستحق لعقوبة ولاة الأمور. وعلى ولاة الأمور أن يعزروا مثل هؤلاء الذين يعصون أوامرهم التي يلزمهم أن يقوموا بها؛ لأنهم إذا عصوا أوامر ولاة الأمور - وقد أمر الله تعالى بطاعتهم فيها- فهذا معصية لله. وكل إنسان يعص الله فإنه مستحق التعزيز يعني التأديب بما يراه ولي الأمر. ومن ذلك مثلاً أنظمة المرور؛ أنظمة المرور هذه مما نظمه ولي

стр. 1850

الأمر، وليس فيها معصية، فإذا خالفها الإنسان فهو عاصٍ وآثم، مثلاً السير على اليسار، والسير على اليمين، والسير في الاتجاه الفلاني، وفي السير يجب أن يقف إذا كانت الإشارة حمراء وما أشبه ذلك، كل هذا يجب أن ينفذ وجوباً، فمثلاً إذا كانت الإشارة حمراء؛ وجب عليك الوقوف. لا تقل: ما أمرنا اله بذلك، ولاة الأمور نظموا لك هذا التنظيم وقالوا التزم به، فإذا تجاوزت فإنك عاص آثم؛ لأنك قلت لربك لا سمع ولا طاعة والعياذ بالله. فإن الله يقول:: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) كذلك أيضاً في التقاطع، معروف أن الذي في الخط العام هو الذي له الحق أن يتجاوز، إذا كنت أنت في خط فرعي ووجدت إنساناً مقبلاً من الخط العام فلا تتجاوز؛ لأن النظام يقتضي منع ذلك. وهكذا أيضاً الأنظمة في الإمارة، والأنظمة في القضاء، وكل الأنظمة التي لا تخالف الشرع؛ فإنه يجب علينا أن نطيع ولاة الأمور فيها، وإلا أصبحت المسألة فوضى، وكل إنسان له رأي، وكل إنسان يحكم بما يريد، وأصبح ولاة الأمور لا قيمة لهم، بل هم أمراء بلا أمر، وقضاة بلا قضاء. فالواجب على الإنسان أن يمتثل لأمر ولاة الأمور إلا فيما كان فيه معصية الله. فلو قالوا لنا مثلاً: لا تخرجوا إلى المساجد لا تصلوا الجمعة، لا تصلوا الجمعة والجماعة، قلنا لهم: لا سمع ولا طاعة. ولو قالوا: اظلموا الناس في شيء قلنا: لا سمع ولا طاعة. كل شيء أمر الله به أو

стр. 1851

نهى عنه فإنه لا سمع ولا طاعة لهم فيه أبداً. كذلك لو قالوا مثلاً: احلقوا اللحى- مثل بعض الدول يأمرون رعيهتم بحلق اللحى ولا سيما جنودهم الذين عندهم- لو قالوا: احلقوا اللحى قلنا: لا سمع لكم ولا طاعة. وهم آثمون في قولهم لجنودهم مثلاً: احلقوا اللحى، وهم بذلك آثمون مضادون لله ورسوله، منابذون لله ورسوله. كذلك لو قالوا مثلاً: انزلوا ثيابكم إلى أسفل من الكعبين، فإننا نقول: لا، لا سمع ولا طاعة؛ لأن هذا مما حرمه الله وتوعد عليه، فإذا أمرتمونا بمعصية فإننا لا نسمع لكم ولا نطيع؛ لأن لنا ولكم ربا حكمه فوق حكمنا وحكمكم. إذاًَ أوامر ولاة الأمور تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يأمروا بما أمر الله به، فهنا تجب طاعتهم لوجهين: الوجه الأول: أنه مما أمر الله به. والوجه الثاني: أنه مما أمروا به كغيرهم من الناس؛ إذا أمرك شخص بالمعروف وهو واجب، فالواجب عليك أن تقوم به. الثاني: أن يأمروا بمعصية الله، فهنا لا سمع لهم ولا طاعة مهما كان، وأنت إذا نالك عذاب منهم بسبب هذا فسيُعاقبون عليهم هم يوم القيامة. الوجه الأول: لحق الله؛ لأن أمرهم بمعصية الله منابذة لله لوجهين. الوجه الثاني: لحقك أنت؛ لأنهم اعتدوا عليك، وأنت وهم كلكم

стр. 1852

عبيد الله، ولا يحل لكم أن تعصوا الله. الثالث: إذا أمروا بشيء ليس فيه أمر ولا نهي، فيجب عليك أن تطيعهم وجوباً، فإن لم تفعل فأنت آثم، ولهم الحق أن يعزروك وأن يؤدبوك بما يرون من تعزير وتأديب؛ لأنك خالفت أمر الله في طاعتهم، ولهذا قال النبي ﵊ ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) . ثم أشد من ذلك من لا يعتقد للإمام بيعة؛ من يقول: أنا ما بايعت الإمام، ولا له بيعة علىّ؛ لأن مضمون هذا الكلام أنه لا سمع له ولا طاعة له ولا ولاية، وهذا أيضاً من الأمر المنكر العظيم؛ فإن الرسول ﵊ أخبر أن من مات من غير بيعة وليس له إمام؛ فإنه يموت ميتة جاهلية، يعني ليست ميتة إسلامية؛ بل ميتة أهل الجهل والعياذ بالله، وسيجد جزاءه عند الله . فالواجب أن يعتقد الإنسان أن له إماماً، وأن له أميراً يدين له بالطاعة في غير معصية الله، فإذا قال مثلاً: أنا لن أبايع، قلنا: البيعة لا تكون في رعاع الناس وعوام الناس، إنما تكون لأهل الحل والعقد. ولهذا نقول: هل بايع كل الناس أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً؟ هل بايعهم كل الناس حتى الأطفال والعجوز والمرأة في خدرها؟ أبداً لم يبايعوهم. ولم يأت أهل مكة يبايعون أبا بكر، ولا أهل الطائف ولا غيرهم، إنما بايعه أهل الحل والعقد في المدينة، وتمت البيعة بذلك. وليست البيعة لازمة لكل واحد من الناس أن يجيء يبايع، ولا يمكن

стр. 1853

لعوام الناس، ورعاع الناس تابعون لأهل الحل والعقد، فإذا تمت البيعة من أهل الحل والعقد؛ صار المُبايع إماماً، وصار ولي أمر تجب طاعته في غير معصية الله، فمن مات وهو يعتقد أنه ليس له ولي أمر، وأنه ليست له بيعة، فإنه يموت ميتة جاهلية. نسأل الله العافية والحماية، والله الموفق. ٤/٦٦٦- وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا واطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كان رأسه زبيبة)) رواه البخاري. ٥/٦٦٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليك السمع والطاعةُ في عسرِك ويُسرك ومنشطك ومكرهك وأثرهٍ عليك)) رواهُ مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى في سياق الأحاديث الواردة في وجوب طاعة ولاة الأمور. قال فيما نقله عن أنس بن مالك رضي اله عنه أن النبي ﷺ قال: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) . اسمعوا وأطيعوا: يعني الزموا السمع والطاعة، السمع لمن؟ لولاة الأمور، حتى لو استعمل عليكم عبدٌ حبشٌّي. والنبي ﷺ هنا يخاطب العرب يقول: ولو استعمل عليكم عبد

стр. 1854

حبشي غيرعربي؛ عبد حبشي أصلاً وفرعاً وخلقة، كأن رأسه زبيبة؛ لأن شعر الحبشة ليس كشعر العرب؛ فالحبشة يكون في رؤوسهم حلق كأنها الزبيب، وهذا من باب المبالغة في كون هذا العامل عبداً حبشياً أصلاً وفرعاً، هذا يشمل قوله: ((وإن استُعمل)) فيشمل الأمير الذي هو أمير السلطان، وكذلك السلطان. فلو فُرض أن سلطاناً غلب الناس واستولى وسيطر وليس من العرب؛ بل كان عبداً حبشياً فإن علينا أن نسمع ونطيع؛ لأن العلة واحدة وهي أنه إن لم نسمع ونطع حصلت الفوضى، وزال النظام، وزال الأمن، وحل الخوف. فالمهم أن علينا أن نسمع ونطيع لولاة أمورنا إلا إذا أمروا بمعصية. وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرةٍ عليك)) السمع والطاعة لولاة الأمور في المنشط والمكره في المنشط: يعني في الأمر الذي إذا أمرك به نشطت عليه، لأنه يوافق هواك، وفي المكره: في الأمر الذي أمروك به لم تكن نشيطاً فيه؟؛ لأنك تكرهه، اسمع في هذا وهذا، وفي العسر واليسر، حتى إن كنت غنياً فأمروك فاسمع ولا تستكبر لأنك غني، وإذا كنت فقيراً فاسمع ولا تقل لا أسمع وهم أغنياء وأنا فقير. اسمع وأطع في أي حال من الأحوال، حتى في الأثرة؛ يعني إذا استأثر ولاة الأمور على الشعب، فعليهم أيضاً السمع والطاعة في غير معصية الله .

стр. 1855

فلو أن ولاة الأمور سكنوا القصور الفخمة، ركبوا السيارات المريحة، ولبسوا أحسن الثياب، وتزوجوا وصار عندهم الإماء، وتنعموا في الدنيا أكبر تنعم، والناس سواهم في بؤس وشقاء وجوع، فعليهم السمع والطاعة؛ لأننا لنا شيء والولاة لهم شيء آخر. فنحن علينا السمع والطاعة، وعلى الولاة النصح لنا، وأن يسيروا بنا على هدي رسول الله ﷺ ، لكن لا نقول إذا استأثروا علينا وكانت لهم القصور الفخمة، والسيارات المريحة، والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، لا نقول: والله لا يمكن أن نسمع وهم في قصورهم وسياراتهم ونحن في بؤس وحاجة، والواحد منا لا يجد السكن وما أشبه ذلك. هذا حرامٌ علينا، يجب أن نسمع ونطيع حتى في حال الأثرة. وقد قال النبي ﵊ لأصحابه للأنصار ﵃: ((إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) يقول للأنصار ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة: ستلقون بعدي أثرة من ذاك الوقت والولاة يستأثرون على الرعية، ومع هذا يقول: ((اصبروا حتى تقلوني على الحوض)) . فليس استئثار ولاة الأمور بما يستأثرون به مانعاً من السمع والطاعة لهم، الواجب السمع والطاعة في كل ما أمروا به ما لم يأمروا بمعصية وقد سبق لنا أن ولاة الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 1856

الأول: ما أمر الله به فهذا يجب طاعتهم فيه لوجهين: لأمر الله به، ولأمرهم به. والثاني: ما حرم الله فلا يجوز السمع والطاعة لهم حتى لو أمروه. والثالث: ما ليس فيه أمر ولا نهي من الله فتجب علينا طاعتهم فيه؛ لأن الرسول ﷺ لم يمنع من طاعتهم إلا إذا أمروا المعصية. نسأل الله أن يصلحنا جميعاً رعية ورعاة وأن يهب لنا منه رحمه إنه هو الوهاب. * * * ٦/٦٦٨- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذا نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن نبيٌ قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمتهُ على خير ما يعلمهُ لهم، وينذرهم شر ما يعلمهُ لهم، وإن أمتك هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصبُ آخرها بلاءٌ وأمورُ تنكرونها وتجيءُ فتنٌ يرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنةُ فيقول المؤمن: هذه مهلكتي: ثم تنكشفُ؛ وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ: هذه هذهِ، فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيتُه وهو يؤمن بالله واليوم الأخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليُطعهُ إن استطاع؛ فإن

стр. 1857

جاء آخرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر)) رواهُ مسلم. قوُله: ((ينتضل)) أي: يُسابق بالرمي بالنبل والنشاب ((والجشر)) بفتح الجيم والشين المعجمة وبالراء: وهي الدواب التي ترعى وتبيتُ مكانها. وقوله: ((يرقق بعضها بعضا)) أي: يُصير بعضها رقيقاً، أي خفيفاً لعظم ما بعدهُ، فالثاني يرققُ الأول، وقيل: معناهُ: يشوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها، وقيل: يشبهُ بعضها بعضاً. [الشَّرْحُ] هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب وجوب طاعة ولاة الأمور. وعن ابن عمرو ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ في سفر فنزلنا منزلاً، فنزل الناس فتفرقوا، منهم من كان يصلح خباءه، ومنهم من ينتضلُ، ومنهم من هو في جشرِه. كعادة أن الناس إذا نزلوا وهم سفر كلٌّ يشتغل بما يرى أنه لابد من الاشتغال فيه. فنادى منادي رسول الله ﷺ يقول: الصلاة جامعة، وهذا النداء يُنادى به لصلاة الكسوف، وينادى به إذا أراد الإمام أو الأمير أن يجتمع بالناس، بدلاً من أن يقول: يا أيها الناس هلمّوا إلى المكان الفلاني، يقول: الصلاة جامعة حتى يجتمع الناس. فاجتمع الناس؟، فخطبهم النبي ﵊، وأخبرهم أنه ما

стр. 1858

نبي بعثه الله إلا دلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وأنذرهم عن شر ما يعلمه لهم؛ كلٌّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان منهم النصيحة لأقوامهم، يعلمونهم الخير ويدلونهم عليه ويحثونهم عليه، ويبينون الشر ويحذرونهم منه. وهكذا يجب على أهل العلم وطلبة العلم أن يبينوا للناس الخير ويحثوهم عليه، ويبينوا الشر ويحذروهم منه؛ لأن علماء هذا الأمة ورثة الأنبياء، فإن النبي ﷺ ليس بعده نبي، ختمت النبوة به، فلم يبق إلا العلماء الذي يتلقون شرعه ودينه، فيجب عليهم ما يحب على الأنبياء من بيان الخير والحث عليه ودلالة الناس إليه، وبيان الشر والتحذير منه. ثم أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة- يعني أمة محمد- جعل الله عافيتها في أولها، يعني أن أول الأمة في عافية ليس فيها فتن، ففي عهد النبي ﵊ لم تكن هناك فتن، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر ﵄. وحين قتل عمر ﵁ قتله غلام المغيرة؛ غلام يُقال له أبو لؤلؤة، وهو مجوسي خبيث، كان في قلبه غل على أمير المؤمنين عمر، فلما تقدم لصلاة الصبح ضربه بخنجر له رأسان، وقيل إنه كان مسموماً، فضربه حتى قدَّ بطنه ﵁، وحُمل فبقي ثلاثة أيام ثم مات ﵁. ثم إن هذا الرجل الخبيث هرب، فلحقه الناس فقتل ثلاثة عشر رجلاً؛ لأن الخنجر الذي معه مقبضه في الوسط وله رأسان، فهو يضرب الناس

стр. 1859

يميناً وشمالاً، حتى ألقى عليه أحد الصحابة بساطاً فغمه فقتل نفسه والعياذ بالله. ومن هذا الوقت بدأت الفتنة ترفع رأسها، وأخبر النبي ﵊ في هذا الحديث أنه تأتي فتن يرقق بعضها بعضاً، أي أن بعضها يجعل ما قبله رقيقاً وسهلاً، لأن الثانية أعظم من الأولى، كل واحدة أعظم من الأخرى فترقق ما قبلها، ولهذا قال: ((يرقق بعضها بعضاً)) فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، لأنه يستعظمها عند بداية إتيانها فيقول: من هنا نهلك. ثم تأتي الأخرى فترقق الأولى وتكون الأولى سهلة بالنسبة إليها، فيقول المؤمن: هذه هذه، يعني هذه التي فيها البلاء كل البلاء، ولكن نسأل الله أن ((أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) . ثم قال النبي ﵊: " فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر" نسأل الله أن يميتنا وإياكم على ذلك؛ من كان يحب أن يزحزح عن الناس ويدخل الجنة- وكلنا يحب أن يزحزح عن النار ينجو منها ويدخل الجنة- فلتأته منيته وهو يؤمن

стр. 1860

بالله واليوم الآخر. ((وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه)) يعني يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فينصح للناس كما ينصح لنفسه، ويكره للناس ما يكره لنفسه، فيكون هذا قائماً بحق الله، مؤمناً بالله واليوم الآخر، وقائماً بحق الناس، لا يعامل الناس إلا بما يحب أن يعاملوه به، فلا يكذب عليهم، ولا يغشهم، ولا يخدعهم، ولا يحب لهم الشر، يعني يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فإذا جاء يسأل مثلاً هل هذا حرام أم حلال؟ قلنا له: هل تحب أن يعاملك الناس بهذا؟ إذا قال: لا قلنا له: اتركه سواء كان حلالاً أم حراماً ما دمت لا تحب أن يعاملك الناس به فلا تعامل الناس به، واجعل هذا ميزاناً بينك وبين الناس في معاملتهم؛ لا تأت الناس إلا ما تحب أن يؤتى إليك؛ فتعاملهم باللطف كما تحب أن يعاملوك باللطف واللين، بحسن الكلام، بحسن المنطق، بالبيان باليسر كما تحب أن يفعلوا بك هذا، هذا الذي يزحزح عن النار ويدخل الجنة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم. * * * ٧/٦٦٩- وعن أبي هنيدة وائل بن حجر ﵁ قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله "، ارأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأَعرضَ عنه، ثم سأله، فقال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُملوا، وعليكم ما حملتم)) رواهُ
следующие страницы →