Полный текст (3 784 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
١١٣٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال أوتروا قبل أن تصبحوا رواه مسلم
١١٣٦ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي صلاته بالليل وهي معترضة بين يديه فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترت رواه مسلم وفي رواية له فإذا بقي الوتر قال قومي فأوتري يا عائشة
١١٣٧ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال بادروا الصبح بالوتر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح
١١٣٨ - وعن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن
стр. 2697
صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بقية ما يتعلق بالوتر ذكرها المؤلف في رياض الصالحين منها أن النبي ﷺ قال أوتروا قبل أن تصبحوا لأن الوتر ينتهي وقته بطلوع الفجر فإذا طلع الفجر فلا وتر حتى ولو بين أذان الفجر والإقامة لا وتر ولكن إذا طلع الفجر والإنسان لم يوتر فإنه يصلي في النهار شفعا إن كان يوتر بثلاث صلى أربعا إن كان يوتر بخمس صلى ستا إن كان يوتر بسبع صلى ثماني لقول عائشة ﵂ كان النبي ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة واعلم أن الوتر له صفات الصفة الأولى أن يوتر بواحدة فقط وهذا جائز ولا يكره الوتر بها الثانية أن يوتر بثلاث وله الخيار إن شاء سلم من الركعتين ثم أتى بالثالثة وإن شاء سردها سردا بتشهد واحد الثالثة أن يوتر بخمس فيسردها سردا لا يتشهد إلا في آخرها الرابعة أن يوتر بسبع فيسردها سردا لا يتشهد إلا في آخرها الخامسة أن يوتر بتسع فيسردها سردا لكن يتشهد بعد الثامنة ولا
стр. 2698
يسلم ثم يصلي التاسعة ويسلم السادسة أن يوتر بإحدى عشرة فيسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة هذه صفة الوتر وقد سبق أنه سنة مؤكدة وأن من العلماء من أوجبه فلا تضيع الوتر ثم إن كنت ترجو أن تستوتر من آخر الليل فاجعل الوتر في آخر الليل وإن كنت تخاف ألا تقوم فاجعل الوتر من أول الليل لا تنم إلا موترا ولهذا أوصى النبي ﷺ أبا هريرة أن يوتر قبل أن ينام لأن أبا هريرة كان يقرأ أحاديث الرسول ﷺ في أول الليل وينام في آخره فأمره النبي ﷺ أن يوتر قبل أن ينام واعلم أن الوتر سنة في الحضر والسفر حتى في السفر لا تتركه ومن ذلك ليلة المزدلفة فإن الإنسان إذا صلى العشاء فإنه يصلي المغرب والعشاء جمعا ثم يوتر وإن كان جابر ﵁ لم يذكره في حديثه لكن الأصل بقاء ما كان على ما كان وأن الرسول ﷺ لا يدع الوتر حضرا ولا سفرا والله الموفق
стр. 2699
باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلها وأكثرها وأوسطها والحث على المحافظة عليها
١١٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد متفق عليه.
والإيتار قبل النوم إنما يستحب لمن لا يثق بالاستيقاظ آخر الليل فإن وثق فآخر الليل أفضل..
١١٤٠ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى رواه مسلم.
١١٤١ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله رواه مسلم.
١١٤٢ - وعن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ﵂ قالت ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل فلما فرغ من غسله صلى ثماني
стр. 2700
ركعات وذلك ضحى.
متفق عليه وهذا مختصر لفظ إحدى روايات مسلم.
[الشَّرْحُ]
باب فضل صلاة الضحى وبيان أقلها وأكثرها وأوسطها صلاة الضحى هي: ركعتان أو أكثر تفعلان من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى قبيل الزوال.
وارتفاع الشمس قدر رمح يكون بمقدار ربع ساعة أو نحوها بعد طلوع الشمس فمن ثم يبدأ وقت صلاة الضحى إلى أن يبقى على الزوال عشر دقائق أو قريب منها.
كل هذا وقت لها لكن فعلها في آخر الوقت أفضل لقول النبي ﷺ : صلاة الأوابين حين ترمض الفصال والفصال: أولاد النوق، وترمض يعني: تشتد عليها الرمضة.
وهذا في آخر الوقت.
وهذه من الصلوات التي يسن تأخيرها ونظيرها في الفرائض صلاة العشاء فإن صلاة العشاء لها أن تؤخر في آخر وقتها إلا إذا شق على الناس.
وصلاة الضحى مما عهد النبي ﷺ إلى بعض أصحابه عهد بها إلى أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي ذر قال النبي ﷺ لأبي هريرة رضي الله
стр. 2701
عنه حين أوصاه قال: أوصاني بثلاثة: صيام ثلاثة أيام من كل شهر ولم يعين وقتها من الشهر ولهذا قالت عائشة: كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره &.
ولا فرق بين أن تكون متوالية يعني متتابعة أو متفرقة كلها يحصل بها الأجر، لكن أفضل هذه الأيام الثلاثة أيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
وأوصاه ﷺ بركعتي الضحى ركعتان يركعهما ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى قبيل الزوال.
والثالث بأن توتر قبل أن تنام وإنما أوصاه بالوتر قبل أن ينام لأن أبا هريرة ﵁ كان يدرس في أول الليل أحاديث رسول الله ﷺ فلا ينام إلا متأخرا ويخشى ألا يقوم من آخر الليل فلهذا أوصاه أن يوتر قبل أن ينام الشاهد من هذا وركعتي الضحى.
ثم ذكر حديث أبي ذر أنه يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس.
السلامى هي الأعضاء أو العظام والمفاصل وقد ذكر العلماء السابقون ﵏ أن في كل إنسان ثلاثمائة وستين مفصلا كل مفصل يطالبك كل يوم بصدقة لأن الذي أحياه وأمده وعافاه له
стр. 2702
عليك منة وفضل، كل يوم كل عضو يطالبك بصدقة، لكنها ليست بصدقة مال، بل هي كل ما يقرب إلى الله من قول أو عمل أو بذل مال أو غير ذلك فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة فكل ما يقرب إلى الله فهو صدقة، ومثل هذا يسير على المرء أن يؤدي ثلاثمائة وستين صدقة كل يوم قال: ويجزئ من ذلك يعني بدلا عن ذلك يجزئ ركعتان يركعهما في الضحى هذه نعمة كبيرة بدلا من أن تطالب عن كل عضو من أعضائك بصدقة يكفيك أن تصلي ركعتين من الضحى.
وهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يواظب عليهما أي على ركعتي الضحى حضرا وسفرا.
ولكن هل لها عدد معين؟ نقول إن أقلها ركعتان، وأما أكثرها فما شاء الله، لو تبقى تصلي كل الضحى، فأنت على خير ولهذا تقول عائشة ﵂ كان النبي ﷺ يصلي من الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله، ولم تحدد.
وأما قول من قال: إن أكثرها ثمان، ففيه نظر، لأن حديث أم هانئ في فتح مكة: أن رسول الله ﷺ صلى ثماني ركعات، لا يدل على أن هذا هو أعلاه، فقد وقع اتفاقا وما يقع اتفاقا ليس فيه دليل على الحصر.
وعلى هذا فنقول: أقلها ركعتان ولا حد لأكثرها، صل ما شئت، لكن كان النبي ﷺ يصلي أربعا وربما صلى ثماني فينبغي للإنسان أن يغتنم عمره بصالح الأعمال لأنه سوف يندم إذا جاءه الموت أن أمضى
стр. 2703
ساعة من دهره لا يتقرب بها إلى الله كل ساعة تمر عليك وأنت لا تتقرب إلى الله بها فهي خسارة لأنها راحت عليك لم تنتفع بها.
فانتهز الفرصة بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والتعلق بالله اجعل قلبك دائما مع الله ربك في السماء وأنت في الأرض لا تغفل عن ذكر الله بلسانك وفي فعالك وبجنانك بالقلب فإن الدنيا زائلة لن تبقى لأحد.
انظر الأولين من سبقك من الأمم السابقة والماضية البعيدة المدى وانظر من سبقك من أصحابك بالأمس كانوا معك يتمتعون ويأكلون كما تأكل ويشربون كما تشرب والآن هم في أعمالهم مرتهنون وأنت سيأتي عليك هذا طالت الدنيا أم قصرت قال تعالى: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فانتهز الفرصة يا أخي انتهز الفرصة لا ينفعك يوم القيامة لا مال ولا بنون ولا أهل لا ينفعك إلا أن تأتي الله بقلب سليم أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يأتي ربه بقلب سليم وأن يتوفانا & على الإيمان والتوحيد إنه على كل شيء قدير
стр. 2704
/٠L٢ باب الحث على صلاة تحية المسجد بركعتين وكراهية الجلوس قبل أن يصلي ركعتين في أي وقت دخل/٠
١١٤٤ - عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين متفق عليه.
١١٤٥ - وعن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: صل ركعتين متفق عليه.
стр. 2705
باب استحباب ركعتين بعد الوضوء
стр. 2706
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النبي ﷺ فيه وبيان ساعة الإجابة ...
قال الله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل الجمعة وذكر أشياء من خصائص يوم الجمعة، ويوم الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وهو اليوم الذي خصت به هذه الأمة، وأضل الله عنه اليهود والنصارى، اليهود كان لهم السبت، والنصارى كان لهم الأحد، فكانوا تبعا لنا مع أنهم قبلنا في الزمن، وهذا من فضائل هذه الأمة ولله الحمد، وهذا اليوم هو يوم الخصائص، ويوم السبت والأحد ليس فيه خصائص، لكن ضل اليهود والنصارى عن يوم الجمعة، فصار لنا ولله الحمد والمنة.
ويوم الجمعة له خصائص متعددة، ومن أحسن من ذكرها ابن القيم ﵀ في زاد المعاد فليرجع إليه فإنه واف شاف.
ثم صدر المؤلف ﵀ هذا الباب بقول الله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا في فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وكان هذا آخر آية سبقت وهو قوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة..
..
﴾ فخاطب الله المؤمنين أن يتركوا البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، والمراد به النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الإمام أما & النداء الأول فإن عثمان بن عفان ﵁ لم كثر & الناس في المدينة أمر أن يؤذن أذان سابق ليستعد الناس للحضور فكان هذا من سنة الخليفة الراشد عثمان الذي أمرنا باتباع سنته كما قال النبي ﷺ : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ولقد ضل من قال إنه بدعة، وسفه الصحابة ﵃ وسفه الخليفة الراشد، ونحن نقول له: أنت المبتدع في هذا القول الذي ادعيت أن هذا بدعة وكيف يكون بدعة وقد سماه الرسول ﷺ سنة، سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
لكن هؤلاء سفهاء الأحلام وإن كانوا كبار السن، كيف تضلل الصحابة ﵃ بقائدهم عثمان بن عفان، وتدعي أنك أنت صاحب السنة؟، بل أنت صاحب البدعة في هذا القول.
يقول : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر
стр. 2707
الله﴾ والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة أما الخطبة فيذكر الله فيها بالتشهد وذكر الأحكام والموعظة وغير ذلك، وأما ذكر الله في الصلاة فهذا ظاهر: ﴿وذروا البيع﴾ اتركوا البيع، ولهذا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع إلا على من لا تجب عليه كالنساء مثلا، وأما من تجب عليه الجمعة فإنه يحرم عليه البيع ولو باع لم يصح، حتى لو كان في طريقه إلى المسجد، وسمع أذان الجمعة ومعه زميل له فتبايعا فإن البيع باطل لا ينتقل به المبيع إلى المشتري ولا الثمن إلى البائع لأنه باطل وكل شيء نهى الله عنه فهو باطل لقول النبي ﷺ : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ يشمل، المسافر الذي في البلد إذا سمع أذان الجمعة يجب أن يحضر الجمعة، لأنه مؤمن، فمن الذي أخرجه، فإذا قال أنا مسافر قلنا ألست مؤمنا؟ فيقول: بلى إذا قال: بلى، قلنا اسمع ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم﴾ يعني خير لكم من البيع لأن فيه إقامة شعيرة من شعائر الإسلام وقياما بواجب فهو خير من البيع & ﴿إن كنتم تعلمون﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم فاعلموا أنه خير، والمراد بهذه الجملة الشرطية الحث على ترك البيع والتوجه إلى الجمعة.
стр. 2708
﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ يعني انتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله في البيع والشراء لكن لا يلهيكم ذلك عن ذكر الله.
ولهذا قال: ﴿واذكروا الله كثيرا﴾ يعني: لا تظنوا أنكم إذا فرغتم من ذكر الله في الخطبة والصلاة أنكم انتهيتم من ذكر الله، لا، ذكر الله في كل حال وفي كل وقت وفي كل مكان، قال الله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ من ذوي الألباب؟ ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ فالحاصل أنه إذا قضيت الصلاة فلا جلوس بعدها ملزم، اخرج، ابتغ الرزق، ابتغ من فضل الله، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا قدم الصلاة على البيع والشراء ثم اشترى وباع بعد ذلك فإنه يرزق، لأنه قال: ﴿وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا
стр. 2709
لعلكم تفلحون﴾ وفي هذا إشارة إلى أنه لا خطبة بعد صلاة الجمعة، لأن الله قال: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ ما في خطبة ولا كلام ولا موعظة تكفي المواعظ التي في الخطبة التي قبل الصلاة والتي كانت مشروعة في هدي النبي ﷺ ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ إذا تكلم أحد بعد الصلاة فلا تستمع له إلا أن يكون كتابا من السلطان، لأن الكتابات الموجهة من السلطان لابد أن تستمعها الرعية، لأن السلطان له حق على
стр. 2710
الرعية يوجهها ويدلها على الخير، أما غير ذلك من النصائح فإن في الخطبتين كفاية، خير الهدي، هدي من؟ محمد ﷺ ولم يكن يخطب بعد الصلاة، ولم يرو عنه ذلك بحرف صحيح ولا ضعيف.
يوجد بعض الناس يتخذها سنة راتبة، كلما انتهت صلاة الجمعة قام يتكلم، فتكون الجمعة فيها كم خطبة؟، ثلاث خطب، من أين هذا؟ أما لو طرأ أمر لابد منه، لو جاء كتاب من السلطان أو من نائب السلطان من أحد الوزراء أو من غيرهم ممن له أن يتكلم، فهذا نعم، يقرأ على الناس ويسمع.
وقوله ﵎: ﴿لعلكم تفلحون﴾ لعل هنا للتعليل وليست للترجي، وكلما جاءتك لعل في كتاب الله فهي للتعليل، لأن الرجاء إنما يكون في شأن من يتعسر عليه الأمر، وأما الرب فكل شيء يسير عليه، فإذا وجدت لعل في القرآن فهي للتعليل مثل: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ وما أشبه ذلك.
﴿لعلكم تتقون﴾ يعني: لأجل أن تتقوا ﴿ولعلكم تفلحون﴾ يعني لأجل أن تفلحوا.
رزقنا الله وإياكم الفلاح والصلاح والإصلاح والهداية، نسأل الله أن يهدينا وأن يهدي لنا وأن يهدي بنا، إنه على كل شيء قدير.
وأنبه على أنه لا يشتري المساويك، حتى المساويك بعد نداء الجمعة الثاني لا يجوز بيعها
стр. 2711
ولا شراؤها ولذلك نبه صاحب المساويك.
وأقول لك عبارة أحسن من المساويك جمع (سيئ) لكن قل: أعواد الأراك، والله أعلم..
١١٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الجمعة وما يتعلق بها فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة والمراد بذلك خير يوم من أيام الأسبوع، وإنما قلنا هذا لئلا يتعارض مع قول النبي ﷺ : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة: فإن يوم عرفة أفضل باعتبار العام، وهذا أفضل باعتبار الأسبوع، فيه خلق آدم، وآدم هو أبو البشر خلقه الله بيده، خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون خلق يوم الجمعة وفيه أدخل الجنة وهي جنة المأوى التي يأوي إليها البشر، أدخله الله الجنة هو وزوجه وقال: اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأذن الله لهما أن يأكلا من جميع أشجار الجنة مما شاءا ونهاهما عن شجرة معينة اختبارا وابتلاء
стр. 2712
﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو & تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ وأقسم لهما أن يأكلا من هذه الشجرة وأنه بذلك يحصل لهما الخلد والملك الذي لا يبلى، وما زال بهما حتى أكلا من الشجرة، وكان الله تعالى قد وضع على عورتيهما هيبة فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوءاتهما، وصار كل إنسان ينظر إلى عورته، آدم ينظر إلى عورته، وحواء تنظر إلى عورتها، انكشفت لأنهما هتكا حرمة الله بأكلهما من الشجرة، وقال الله تعالى عن ذلك: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ لما أكلا منها أمرهما الله أن يخرجا من الجنة فهبطا إلى الأرض، وهذا من حكمة الله ، لأنه لولا ذلك ما وجدت هذه البشرية وهذه الخليقة وحصل هذا الامتحان، ولكن الله تعالى بحكمته قدر لكل شيء سببا، فانظر كيف نزل من الجنة العالية إلى الأرض الهابطة بمعصية واحدة؟ فما بالك بنا نحن معاصينا كثيرة بالليل والنهار، نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بعفوه، ومع ذلك نؤمل أملا ما هو إلا أوهام، نؤمل أننا في الدرجات العليا مع أننا هابطون بكثرة المعاصي والتهاون بالواجبات وما يعتري القلوب من الحقد والبغضاء والكراهية، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وأن يصحح قلوبنا وقلوبكم.
وهذه الجنة التي أهبط منها آدم، اختلف فيها هل هي جنة المأوى أو أنها جنة بستان عظيم على ربوة طيبة الهواء كثيرة الماء؟ والصواب أنها جنة الخلد، وفي هذا يقول ابن القيم:
стр. 2713
فحي على جنات عدن فإنها ...
منازلنا الأولى وفيها المخيم
والله على كل شيء قدير، فهذا فضل يوم الجمعة أنه فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وكلاهما حكمة: خلق آدم حكمة، إدخاله الجنة حكمة، إنزاله إلى الأرض بسبب المعصية حكمة، ولكن اعلموا أن آدم تاب إلى الله هو وزوجه ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وقال الله تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ فكان بعد التوبة خيرا منه قبل التوبة، والله الموفق
١١٤٨ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى، فقد لغا رواه مسلم.
١١٤٩ - وعنه عن النبي ﷺ قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر رواه مسلم.
١١٥٠ - وعنه وعن ابن عمر ﵃، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول
стр. 2714
على أعواد منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم.
١١٥١ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل متفق عليه.
١١٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم متفق عليه المراد بالمحتلم: البالغ والمراد بالوجوب: وجوب اختيار، كقول الرجل لصاحبه حقك واجب علي، والله أعلم.
стр. 2715
١١٥٤ - وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري..
стр. 2716
١١٥٦ - وعنه أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه
стр. 2717
وأشار بيده يقللها.
متفق عليه.
١١٥٧ - وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة رواه مسلم.
стр. 2718
/٠L٢ باب استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة ظاهرة أو اندفاع بلية ظاهرة
١١٥٩ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبا من عزوراء نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال: إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا لربي رواه أبو داود
[الشَّرْحُ]
قال رحمه الله تعالى: باب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم.
من & المعلوم أن نعمة الله لا تحصى، كما قال الله ﵎: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وأضرب مثلا بالنفس الذي يتكرر في الدقيقة الواحدة إلى ستين مرة، هذا النفس لو قبض لهلك الإنسان، فهو نعمة كبرى ولا يمكن عدها، وكذلك الصحة والعافية، الأكل والشرب، البراز والبول، كلها نعم عظيمة، لكنها نعم مستمرة، ولو كلف الإنسان أن يسجد عند كل نعمة منها لبقي ساجدا مدى
стр. 2719
الدهر، لكن هناك نعم تتجدد للإنسان، كإنسان ولد له، أو تسهل له الزواج، أو قدم له غائب ميئوس منه، أو حصل له مال أو ما أشبه ذلك من النعم التي تتجدد أو بشر بنصر المسلمين، أو ما أشبه ذلك، فهذا يستحب للإنسان أن يسجد لله ﵎ شكرا له.
فمثلا إذا بشر بولد قيل له: أبشر بولد هذه نعمة متجددة، فيسجد لله كما يسجد في الصلاة ويقول: سبحان ربي الأعلى، سبحانك الله ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، ثم يشكر الله على النعمة المعينة التي حصلت، فيقول: أشكرك يا ربي على هذه النعمة ويثني على الله تعالى في ذلك.
هكذا أيضا في اندفاع النقم، الإنسان في سلامة دائمة، ودائما هو معرض للآفات وللنقم، لكن أحيانا تنعقد أسباب النقمة ويشاهدها فيرفعها الله عنه، ولنضرب لذلك مثلا بحادث، إنسان مثلا يمشي في الطريق فانقلبت السيارة فنجا، هذه اندفاع نقمة، فيسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، أو إنسان مثلا يمشي وبينما هو كذلك انخسفت به حفرة في الأرض فنجا، فحضره اندفاع نقمة، يحمد الله على ذلك.
واندفاع النقم كثير، فإذا دفع الله عنك نقمة فاسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، وقل مثلا في السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، اللهم إني أشكرك على أن نجيتني من هذه المصيبة ويذكرها، هذا سجود الشكر.
واختلف العلماء ﵏، هل تشترط له الطهارة أو لا؟
стр. 2720
والصحيح أنها لا تشترط، وذلك لأن هذا يأتي بغتة والإنسان غير متأهب فلو ذهب يتوضأ لطال الفصل بين السبب ومسببه فإذا كان & على غير طهارة فليسجد.
والله الموفق..
стр. 2721
/٠L٢ باب فضل قيام الليل
قال الله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وقال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ وقال تعالى: ﴿كانوا قليلا & من الليل ما يهجعون﴾
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل.
قيام الليل يعني: الصلاة فيه وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة، كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث.
وقد ذكر الله الثناء على القائمين في الليل، فأمر نبيه ﷺ أن يتهجد، قال: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فأمر الله نبيه أن يتهجد من الليل يعني لا كل الليل، لأن قيام كل الليل ليس من السنة إلا أحيانا، كقيام عشر رمضان، وأما البقية فالسنة أن ينام ويقوم.
قوله: ﴿فتهجد به نافلة لك﴾ اختلف العلماء في قوله: ﴿نافلة لك﴾ فقيل: المعنى أن هذا خاص بك يعني الوجوب، وجوب التهجد، لأن غير النبي ﷺ لا يجب عليه التهجد إلا أن ينذره، إن نذر أن يتهجد لزمه الوفاء بالنذر وإلا فلا.
أما النبي ﷺ فإنه يجب عليه أن يتهجد من الليل، وقيل: المعنى ﴿نافلة لك﴾ يعني أنه نافلة أي زيادة، فضل وهذا له ولغيره عليه الصلاة
стр. 2722
والسلام.
ثم قال تعالى مبينا ما يكون من ثمرات التهجد، قال: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال العلماء: إذا قال الله تعالى في القرآن عسى فهو واجب يعني أن الله سيبعثك مقاما محمودا أي يبعثك يوم القيامة مقاما تحمد عليه من كل الخلائق.
فلرسول الله ﷺ المقام المحمود يوم القيامة، ومنه الشفاعة العظمى، يعني من المقام المحمود للنبي ﷺ الشفاعة العظمى، وهي أن الناس يوم القيامة يبعثون في صعيد واحد ليس هناك جبال ولا أشجار ولا بناء ولا أنهار، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لا يحول بينهم وبين الداعي شيء ولا بينهم وبين الرائي شيء في صعيد واحد.
وتدنو الشمس، تدنو الشمس منهم حتى تكون & على قدر ميل، ويطول هذا اليوم حتى يكون مقداره خمسين ألف سنة، سبحان الله، الإنسان ما يستطيع أن يقف ولا أربعا وعشرين ساعة، لكن هذا اليوم مقداره خمسون ألف سنة.
فيلحق الناس من الهم والكرب ما لا يطيقون، فيطلب بعضهم إلى بعض النظر في الأمر لعل أحدا يشفع لهم عند الله لكي يريحهم من هذا الموقف، يلهمهم الله أن يذهبوا إلى آدم، آدم أبو البشر، كل البشر أبوهم واحد وهو آدم ﵊، وكما هو العادة أن الإنسان يفر إلى أقرب من يراه أنه أنفع، فيذهبون إلى أبيهم، ألا ترى ما نحن فيه، إن الله خلقك بيده، وعلمك أسماء كل شيء وأسجد لك الملائكة، يعني أعطاك خيرا كثيرا، فاشفع لنا إلى
стр. 2723
الله، فيعتذر يعتذر بماذا؟ يقول: إن الله نهاه عن أكل الشجرة فأكل منها، وهذه معصية، فهو خجلان من الله ، فكيف يشفع لكم عند الله؟ فيذهبون إلى نوح وهو أول الرسل من البشر، أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض هو نوح ﷺ فيذكرونه بنعمة الله عليه، أنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ولكنه يعتذر، يعتذر بماذا؟ بقوله: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ لأن الله وعده أن ينجيه وأهله وكان أحد أبنائه كافرا لم ينج من الماء حتى قال له نوح: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ يعني ولا أركب معك لأن المياه عظيمة، فكيف كانت؟ السماء فتحها، في قراءة ﴿فَفَتَحْنَا أبواب السماء﴾ وفي قراءة ﴿فَفَتَّحْنَا أبواب السماء﴾ وهي أعظم فتح الله أبواب السماء بماء منهمر غزير أشد من القرب وفجرنا الأرض عيونا حتى التنور الذي هو محل النار وهو أشد الأرض يبوسة وأبعدها من الماء، بدأ التنور يفور فجرنا الأرض عيونا، كل الأرض إذا كان السماء فتحت بماء منهمر، والأرض فجرت بالعيون كيف يكون منسوب المياه؟ يكون عظيما عظيما حتى صعد الماء إلى قمم الجبال.
وكانت امرأة معها صبي من الكفار الذين كفروا بنوح معها صبي، كلما ارتفع الماء في الجبل صعدت عليه، كلما ارتفع صعدت عليه، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل فارتفع المنسوب ووصل إلى كعبيها ثم إلى ركبتيها ثم ألجمها الماء فرفعت صبيها هكذا من أجل أن ينجو من الغرق، فتغرق هي والولد & ترجو أن ينجو من
стр. 2724
الغرق، قال النبي ﷺ : لو نجا الله أحدا لنجى أم الصبي لكن والعياذ بالله قضى الله على أهل الأرض أن يغرقوا كلهم إلا من ركب في هذه السفينة.
ابن نوح الذي كفر بأبيه أبى أن يركب، قال: ﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ قال له أبوه ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ غرق لكن نوحا ﵊ قال: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ سبحان الله كلام الله لنبي من الأنبياء من أولي العزم: ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ فيأتون إلى نوح في ذلك اليوم نسأل الله أن ينجينا وإياكم من عذابه يأتون إلى نوح ويقولوا اشفع لنا، فيذكر ذنبه أنه سأل ما ليس له به علم، والمذنب ليس له وجه يشفع، المذنب لا يمكن أن يشفع عند من عصاه، لأنه ليس له وجه فيعتذر.
فيذهبون إلى إبراهيم ﷺ أبو الأنبياء الذي أمرنا أن نتبع ملته ويذكرونه بنعمة الله عليه ولكنه يعتذر، يعتذر بأشياء ما تضره، ولكنه ﵊ بكمال إيمانه جعلها من الأشياء الضارة، فيذكر ما يذكر من العذر، ويقول: اذهبوا إلى موسى.
يأتون موسى ويذكرونه بنعمة الله عليه، ولكنه يعتذر، بماذا
стр. 2725
يعتذر؟ يقول: إنه قتل نفسا لم يؤذن له بقتلها حين قتل القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، إسرائيلي من بني إسرائيل كان مع قبطي يتنازعان، وكان موسى من أشد الناس صرامة قويا شديدا، وهذا من حكمة الله، لأن بني إسرائيل لا ينفعهم إلا الأقوياء الأشداء، فبعثه الله إلى بني إسرائيل، فلما رأى هذا القبطي قد استغاثه الإسرائيلي عليه وكزه موسى يعني أعطاه وكزة بيده، فقضى عليه.
فقال يعتذر أنه قتل نفسا لم يؤم بقتلها، اذهبوا إلى عيسى، فيذهبون إلى عيسى ابن مريم ﵊، الذي هو آخر الرسل قبل محمد ﵊، ليس بينه وبينه نبي ولا رسول، ولكنه يعتذر بدون أن يذكر شيئا، لكنه يدلهم على من هو أكمل منه، وهو محمد صلوات الله وسلامه عليه أسأل الله تعالى أن يدخلني وإياكم في شفاعته يأتون إلى محمد فيقول: أنا لها ويذهب ويسجد تحت العرش بعد إذن الله ، ثم يؤذن له بالشفاعة فيشفع، فينزل الرب للقضاء بين عباده، فيقضي بينهم ويستريحون من هذا الموقف.
هذا المقام يا إخواني هل يحمد عليه الرسول؟ نعم لا شك كل الأنبياء الكرام والرسل، أولو العزم كلهم يعتذرون حتى تصل إلى الرسول ﷺ وانظر كيف كانت هذه السلسلة، يعني لو شاء الله تبارك وتعالى
стр. 2726
لدلهم على محمد من أول الأمر، لكن ليظهر فضل هذا النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، ويتحقق قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ ونعم هذا المقام مقاما، فصلوات الله وسلامه عليه، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآيات.
стр. 2727
باب فضل قيام الليل
قال الله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وقال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ وقال تعالى ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، ثم ذكر قول الله ﵎: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وسبق الكلام على هذه الآية، ثم ذكر قول الله ﵎ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾ هذا في سياق قوله تعالى: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ فوصفهم الله بهذه الأوصاف الجليلة: إذا ذكروا بآيات الله خروا سجدا، أي خروا سجدا فيما يتطلب السجود فلا يستكبرون عن وضع جباههم وأنوفهم على الأرض بل يتذللون لله إذا أمر بالسجود سجدوا، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿خروا سجدا﴾ أي: أن المراد بذلك كمال التذلل لله بالعبادة، سواء كان سجدة أو غيرها، ﴿وسبحوا بحمد ربهم﴾
стр. 2728
أي: سبحوا الله ، وتسبيح الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، هذا هو التسبيح، سبحت الله يعني نزهته وبرأته من كل نقص وعيب، لأنه جل وعلا كامل الصفات، إذ ينتفى عنه جميع النقائص.
وقوله: ﴿بحمد ربهم﴾ الباء للمصاحبة، أي سبحوا الله تسبيحا مقرونا بالحمد مصاحبا به.
والحمد هو: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
هذا معنى الحمد، حمدت الله يعني: اعتقدت أن له أوصافا كاملة، وذكرت بلساني ذلك، فإن كرر المدح صار ثناء، كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي ﴿وهم لا يستكبرون﴾ يعني: لا يستكبرون عن عبادة الله، إذا أمرهم الله امتثلوا الأمر بذل وخضوع، وشعور بالعبودية، وشعور بكمال الألوهية والربوبية لله .
﴿تتجافى﴾ أي: تتباعد جنوبهم، عن المضاجع، أي: عن المراقد فهم يحيون الليل بالصلاة وذكر الله ، وإذا أتموا صلاتهم ختموا ذلك بالاستغفار، كما قال تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ & قال بعض السلف: هذا يدل على كمال معرفتهم بأنفسهم، يقومون
стр. 2729
الليل، ثم يستغفرون في آخر الليل خوفا من أن يكونوا قصروا مع الله .
﴿يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ يدعون الله دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
دعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر لنا، يا ربنا أغننا، يا ربنا يسر أمورنا، يا ربنا اشرح صدورنا هذا دعاء المسألة.
أما دعاء العبادة أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويحجوا البيت، ويبروا الوالدين، ويصلوا الأرحام إلى غير ذلك من العبادات، وكانت العبادة دعاء لأنك لو سألت العبد: لأي شيء تعبد الله؟ لقال: لنيل رضوان الله فهو داع بلسان الحال وقد يصحبه دعاء بلسان المقال، فالصلاة مثلا فيها دعاء، يدعو الإنسان فيها بدعاء ركن في الصلاة، إذا لم تدع في الصلاة بهذا الدعاء بطلت صلاتك، في أي موضع؟ ! في الفاتحة ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ هذا دعاء ركن في العبادة لو تركته ما صحت صلاتك، فالصلاة دعاء بلسان الحال ودعاء بلسان المقال، ولهذا قال: ﴿يدعون ربهم﴾ أي: يعبدونه ويسألونه.
﴿خوفا وطمعا﴾ خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، لأنهم إن فعلوا المحرم عوقبوا، وإن تركوا المحرم وقاموا بالواجب أثيبوا، فهم خائفون طامعون، وقيل: خوفا من ذنوبهم وطمعا في فضل الله، فالإنسان إذا نظر إلى نفسه وإلى ذنوبه خاف، لأنها ذنوب أثقل من الجبال، وأكثر من الرمال نسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه وإن نظر إلى سعة رحمة الله وسعة عفوه، وأن العفو أحب إليه من
стр. 2730
العقوبة، وأنه يفرح بتوبة عبده المؤمن، أشد من أي فرح في الدنيا كلها، قال النبي ﵊: لله أشد فرحا اللام هذه للابتداء، وهي للتوكيد، لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم كان معه راحلته عليها طعامه وشرابه فأضلت ضاعت منه في أرض فلاة ما حوله أحد، فضاعت، طلبها فلم يجدها، فيئس من الحياة، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، ما بقي إلا أن يموت، فإذا بخطام الناقة متعلقا بالشجرة خطام يعني: زمام فقام وأخذه وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك هو يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكن من شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك , فالله جل وعلا أشد فرحا بتوبة عبده من هذا الرجل براحلته.
إذا نحن نطمع في فضل الله، ذنوبنا كثيرة عظيمة، لكن فضل الله أوسع، ورحمته أوسع، إذا كانت الصلوات الخمس تكفر ما بينها إذا لم ترتكب الكبائر فهذا فضل عظيم، فعلى كل حال، هم يدعون الله خوفا وطمعا، خوفا من عذابه، وطمعا في ثوابه، خوفا من ذنوبهم، وطمعا في فضله، كل الأوجه صحيحة.
﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ من: للتبعيض يعني: ينفقون بعض ما رزقناهم، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بكل ماله، ولهذا لما قال أبو لبابة يا رسول الله إني أتصدق بكل مالي.
قال: يكفيك
стр. 2731
الثلث، تصدق بالثلث حتى إن العلماء قالوا: إذا نذر الصدقة بماله كله أجزأه ثلثه، لأن هذا هو المذكور فعلى هذا تكون (من) للتبعيض، يعني: ينفقون شيئا مما رزقناهم.
وقيل: إن (من) للبيان، لبيان الجنس، فينفقون حسب الحال، قد ينفقون قليلا أو كثيرا، الثلث، أو النصف، أو الكل، كما فعل أبو بكر ﵁ عندما حث النبي ﷺ على الصدقة، فتصدق أبو بكر بكل ماله، وتصدق عمر بشطر ماله بالنصف قال: الآن أسبق أبا بكر، لأن الصحابة يتسابقون، ليس حسدا ولكن تسابق في الخيرات فلما جاء بنصف ماله وإذا أبو بكر قد تصدق بكل ماله، قال النبي ﷺ لأبي بكر: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله.
قال لعمر: ما تركت؟ ! قال: تركت النصف، ثم قال عمر: والله لا أسابقه على شيء أبدا بعد اليوم.
لأن أبا بكر ﵁ له سوابق، فضائل لا يلحقه لا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا من دونهم.
المهم أنهم ينفقون مما رزقهم الله.
فما هو الجزاء وما هي الثمرة؟ ! ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ اللهم اجعلنا منهم يا رب.
стр. 2732
لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وذلك في جنات النعيم، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أتظنون أن قول الله تعالى: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ أتظنون أن النخل والرمان والفاكهة كالذي في الدنيا؟ لا والله، ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء، اسم الرمان لكن لا يمكن أن يخطر على بالك، اسم النخل لكن لا يخطر على بالك، اسم الفاكهة لكن ما تخطر على بالك: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء الأبرار الكرام البررة إنه على كل شيء قدير.
قال تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾
١١٦٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، وذكر آيات ثلاثا، تكلمنا عن اثنتين منها، فهذه هي الثالثة، وهي قوله تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون هذه من
стр. 2733
أوصاف المتقين الذين أعد الله لهم الجنات والعيون، من أوصافهم أنهم كانوا لا يهجعون من الليل إلا قليلا، وذلك أنهم يشتغلون بالقيام والتهجد وقراءة القرآن وغير ذلك.
قال الله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك﴾ فكانوا يقومون من الليل، ثم إذا فرغوا من القيام رأوا أنهم مقصرون، فجعلوا يستغفرون الله ، وبالأسحار يستغفرون.
وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ أي في آخر الليل.
ثم ذكر الأحاديث في ذلك، ومنها حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل ويطيل القيام حتى تتفطر قدماه، لأن الدم ينزل فيها، فتتفطر، فقيل: كيف تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأعمال من شكر نعمة الله ، فدل ذلك على أن الشكر هو القيام بطاعة المنعم، وليس الإنسان إذا قال: أشكر الله.
هذا شكر باللسان، ولكن لا يكفي، لابد من الشكر بالجوارح والقيام بطاعة الله ، وفي هذا دليل على تحمل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعبادة ومحبته لها، لأنه لا يمكن لأحد أن يفعل ذلك إلا لمحبة شديدة، ولهذا قال: جعلت قرة عيني في الصلاة فالصلاة أحب الأعمال إلى الرسول ﵊، وقد قام معه من الليل من أصحابه عبد الله بن مسعود ﵁ قام معه ذات ليلة فأطال
стр. 2734
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القيام قال عبد الله: حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.
وهو شاب، أقل سنا من الرسول ﵊، ومع ذلك عجز أن يكون كالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولكن لو قال قائل: هل الأفضل في قراءة الليل أن أطيل القيام، أو أن أطيل السجود والركوع؟ قلنا: انظر ما هو أصلح لقلبك، قد يكون الإنسان في حال السجود أخشع وأحضر قلبا، وقد يكون في حال القيام يقرأ القرآن ويتدبر القرآن، ويحصل له لطائف من كتاب الله ما لا يحصل له في حال السجود، ولكن الأفضل أن يجعل صلاته متناسبة إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا قصر القيام قصر الركوع والسجود، حتى تكون متناسبة كصلاة النبي ﷺ والله أعلم.
١١٦٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه
стр. 2735
متفق عليه.
следующие страницы →