← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

١٢٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب متفق عليه الاستحداد: حلق العانة، وهو حلق الشعر الذي حول الفرج. ١٢٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة قال وكيع وهو أحد رواته انتقاص الماء يعني: الاستنجاء رواه مسلم. البراجم بالباء الموحدة والجيم، وهي: عقد الأصابع وإعفاء اللحية معناه: لا يقص منها شيئا. ١٢٠٥ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى متفق عليه. [الشَّرْحُ] ساق المؤلف ﵀ أحاديث خصال الفطرة في باب فضل السواك وخصال الفطرة. والفطرة يعني التي فطر الخلق على استحسانها وأنها من الخير والمراد بذلك الفطر السليمة لأن الفطر المنحرفة لا عبرة بها لقول النبي ﷺ : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. وذكر منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الفطرة خمس وفي لفظ خمس من الفطر فعلى اللفظ الأول يكون المعنى أن الفطرة هي هذه الخمس، وعلى الثاني يكون المعنى أن هذه الخمس من الفطرة وهناك أشياء أخرى غيرها من الفطرة، وهذا اللفظ أقرب إلى الواقع لأن الخمس التي ذكرت في حديث أبي هريرة يوجد شيء من الفطرة غيرها

стр. 2767

فيكون الأقرب أن لفظ الحديث خمس من الفطرة. أما على اللفظ الأول على الحصر فقد يراد بذلك الفطرة تامة وأما الأخرى فتكون من الفطرة التي هي من مكملات الفطرة. أولا: الختان: الذي يسمى عند الناس الطهارة وهو للرجال والنساء، أما الرجال فختانهم واجب، وأما النساء فختانهن سنة وليس بواجب وذلك أن الرجل إذا لم يختن وبقيت الجلدة التي فوق الحشفة فإنه يحتقن بها البول وتكون سببا في النجاسة لأنه إذا احتقن بها البول ثم حصل ضغط عليها خرج البول الذي صار بينها وبين الحشفة فتلوثت الثياب وتنجست ثم هي أيضا عند الكبر وعندما يصل الإنسان إلى حد الزواج يكون هناك مشقة شديدة عند الجماع فلذلك كان من الفطرة أن تقص هذه الجلدة ولهذا كان كثير من الكفار الآن يختتنون لا لأجل الطهارة والنظافة لأنهم نجس لكنهم يختتنون من أجل التلذذ عند الجماع وعدم المشقة هذه واحدة. ومتى يكون الختان يكون الختان من اليوم السابع فما بعده، وكلما كان في الصغر فهو أفضل لأن ختان الصغير لا يكون فيه إلا الألم الجسمي دون الألم القلبي أما الكبير لو ختنا من له عشر سنوات مثلا فإنه يكون فيه ألم قلبي وجسمي ثم إن نمو اللحم ونبات اللحم وسرعة البرء في الصغار أكثر لهذا قال العلماء إن الختان في زمن الصغر أفضل وهو كذلك. الثاني الاستحداد: يعني حلق العانة والعانة هي الشعر

стр. 2768

الخشن الذي ينبت حول القبل وهو من علامات البلوغ فمن الفطرة أن يحلق الإنسان هذا الشعر لأنه إذا طال فربما يتلوث بالنجاسة من أسفل أو من القبل ويحصل في ذلك وسخ وقذر ولأنه مضر وإن كان بعض الناس مثل البهائم يبقي العانة ويجعلها تزداد وتطول نسأل الله السلامة. الثالث: قص الشارب: وهو الشعر النابت فوق الشفة العليا وحده: الشفة كل ما طال على الشفة العليا فهو شارب فهذا يحف لأن بقاءه & يكون فيه تلويث بما يخرج من الأنف من الأذى ثم عند الشرب أيضا يباشر الشعر المتلوث الماء فيقذره وربما يحمل ميكروبات مضرة وعلى كل حال فهو من السنة أهم شيء أنه من السنة والتقرب إلى الله إذا حففته. الرابع: قص الأظفار يعني تقليمها والمراد بذلك أظفار اليدين والرجلين ولا ينبغي أن نقص حتى يصل إلى اللحم لأن هذا يضر الإنسان وربما يحصل فيه خراج أو ما أشبه ذلك لكن نقصهما قصا معتدلا. الخامس: نتف الإبط إذا كان فيه شعر فإنها تنتف ولا تقص ولا تحلق بل نتفها أولى لأن النتف يزيلها بالكلية ويضعف أصولها حتى لا تنبت فيما بعد وهذا أمر مطلوب شرعا. هذه خمسة أشياء: الختان، الاستحداد، قص الشارب، تقليم الأظفار، نتف الإبط. أما الختان فيفعل مرة واحدة وينتهي أمره، وهنا أنبه على مسألة وهي أن بعض الناس قد يولد مختونا، ليس له قلفة تجد

стр. 2769

الحشفة بارزة ظاهرة من حين أن يولد وشهدنا ذلك بأعيننا فهذا لا يختن ما بقى شيء يختن من أجله أما الأربع الباقية الاستحداد، قص الشارب تقليم الأظفار، نتف الإبط، فإنها لا تترك فوق أربعين يوما لأن النبي ﷺ وقت لأمته بأن لا تترك هذه الأشياء فوق أربعين يوما فلها مدة محددة لا تتجاوزها، وأحسن ما يكون في ضبط الأربعين أن تجعل وقتا معينا، مثلا تقول أول جمعة من كل شهر أقوم بعملي هذا حتى لا تنسى لأنه أحيانا ينسى الإنسان وربما يمضي أربعون يوما، وخمسون يوما وما يذكر فإذا جعلت شيئا معينا بأن تقول مثلا أول جمعة من كل شهر أزيل هذه الأشياء الأربعة علمت الوقت ولكن هذا ليس بسنة إنما هو من أجل ضبط الوقت لفعل السنة وهو أن لا تتركها فوق الأربعين يوما. ولا يحلق الشارب بالموسى حتى إن الإمام مالك ﵀ قال: أرى أن يؤدب من حلق شاربه لأنه يشوه الخلقة ولأنه خلاف السنة السنة حفه أو تقصيره. وفي الإبط الأصل النتف إلا أن بعض الناس يشق عليه النتف جدا فلا بأس من استخدام الأدهان وشبيهها. ١٢٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص

стр. 2770

الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق الحانة وانتقاص الماء قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة قال وكيع وهو أحد رواته انتقاص الماء يعني الاستنجاء رواه مسلم. البراجم بالباء الموحدة والجيم وهي عقد الأصابع وإعفاء اللحية معناه لا يقص منها شيئا.. ١٢٠٥ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى متفق عليه. [الشَّرْحُ] هذه بقية خصال الفطرة، وقد سبق حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الفطرة خمس: الختان والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وذكرنا أن الأربعة التي سوى الختان لا تترك فوق أربعين يوما لأن النبي ﷺ وقت ذلك. أما حديث عائشة ففيه أن الفطرة عشر خصال منها ما سبق في حديث أبي هريرة ومنها ما ذكر في حديث عائشة دون حديث أبي هريرة فمن ذلك إعفاء اللحية فإنه من الفطرة وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ أمر بإعفاء اللحى. واللحية قال أهل اللغة إنها شعر الوجه واللحيين يعني: العوارض

стр. 2771

وشعر الخدين فهذه كلها من اللحية وأما الشارب فقد سبق الكلام عليه وإعفاء اللحية يعني إرخاءها وإطلاقها وتركها على ما هي عليه هذا من الفطرة التي فطر الله الناس عليها وعلى استحسانها وعلى أنها من علامة الرجولة بل ومن جمال الرجولة، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يحلق لحيته فإن فعل فقد خالف طريق النبي ﷺ وعصى أمره ووقع في مشابهة المشركين والمجوس لأن النبي ﷺ قال: خالفوا المجوس أو المشركين وفروا اللحى وحفوا الشوارب ولم يكن الناس يعرفون هذا يعني لم يكن المسلمون يعرفون حلق اللحية بل كان بعض الغلاة الظلمة إذا أرادوا أن يعزروا شخصا حلقوا لحيته وهذا حرام عليهم لأنه لا يجوز التعزير بمحرم لكن يقاس به أنهم كانوا يعدون حلق اللحية مثلة وتعزيرا وعذابا أما بعد أن استعمر الكفار ديار المسلمين في مصر والشام والعراق وغيرها وأدخلوا على المسلمين هذه العادة السيئة وهي حلق اللحية صار الناس لا يبالون بحلقها بل كان الذي يعفي لحيته مستنكرا من بعض البلاد الإسلامية وهذه لا شك أنها معصية للرسول ﷺ ومن يعص الرسول ﷺ فقد عصى الله ومن يطع الرسول ﷺ فقد أطاع الله وإذا ابتلى الإنسان بأحد من أقاربه يحلق لحيته فالواجب عليه أن ينصحه ويبين له الحق أما هجره فهذا حسب المصلحة إذا كان هجره يفيد في ترك المعصية فليهجره وإن

стр. 2772

كان لا يفيد أو لا يزيد الأمر إلا شدة فلا يهجره لأن الهجر دواء يستعمل حيث ينفع وإذا لم ينفع فإن الأصل تحريم هجر المؤمن لقول النبي ﷺ : لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. ومما زيد في هذا الحديث الاستنشاق، الاستنشاق من الفطرة لأنه تنظيف وإزالة لما في الأنف فهو طهارة والاستنشاق يكون في الوضوء ويكون في غير الوضوء كلما احتجت إلى تنظيف الأنف فاستنشق الماء ونظف أنفك وهذا يختلف باختلاف الناس من الناس من لا يحتاج إلى هذا إلا في الوضوء ومن الناس من يحتاج إليه كثيرا ومن ذلك أيضا أي من سنن الفطرة المضمضة فإنها من الفطرة لأن فيها تنظيف الفم والفم يحتاج إلى تنظيف لأنه يمر به الأكل والدهن وما أشبه ذلك فيحتاج إلى تنظيف فكانت المضمضة من خصال الفطرة. ومن ذلك أيضا الاستنجاء وقد فسر وكيع انتقاص الماء بأنه الاستنجاء لأن الاستنجاء تنظيف وتطهير وإزالة أذى. ومن ذلك أيضا غسل البراجم، والبراجم قال العلماء إنها مسقط الأصابع فإن مسقط الأصابع من الباطن يحتاج إلى تنظيف أكثر من

стр. 2773

ظاهرها لأن ظاهرها ممسوح ما فيه شيء يحتاج إلى تنظيف أكثر. وفي هذا الحديث دليل على أن إعفاء اللحية مع كونه مخالفة للمشركين من خصال الفطرة فيندفع بذلك شبهة من شبه وقال: إن من الكفار اليوم من يعفي لحيته أفلا يليق بنا أن نخالفهم ونحلق اللحى؟ انظر والعياذ بالله من الشيطان. فنقول: إن إعفاءهم اللحى تبع للفطرة ونحن مأمورون بالفطرة وإذا شابهونا هم بالفطرة فإنا لا نمنعهم ولا ينفع أن نعدل عن الفطرة من أجل أنهم وافقونا فيها كما أنهم إذا وافقونا في تقليم الأظفار فإننا لا نقول نترك تقليم الأظفار بل نقلمها وهكذا بقية الفطرة إذا وافقنا فيها الكفار فإننا لا نعدل عنها والله الموفق. ولنعلم أن الإكثار من استخدام الماء في الوضوء أو الغسل داخل في قول الله تعالى: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ولهذا قال الفقهاء ﵏ يكره الإسراف ولو كان على نهر جار فكيف إذا كان على مكائن تستخرج الماء فالحاصل أن الإسراف في الوضوء وغير الوضوء من الأمور المذمومة.

стр. 2774

باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها [الشَّرْحُ] قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها. الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام لقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵁: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله , أن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والله يذكرها كثيرا مع الصلاة في القرآن الكريم، ولهذا اختلف العلماء ﵏ هل تاركها يكفر كما يكفر تارك الصلاة أم لا؟ على قولين. والزكاة هي: التعبد لله تعالى في دفع مال مخصوص من أموال مخصوصة هذا المال المخصوص مقدر: ربع العشر، نصف العشر، العشر. وكذلك يدفع لطائفة مخصوصة كما سيأتي إن شاء الله والزكاة لها فوائد عظيمة منها تكميل إسلام العبد لأنها أحد أركان الإسلام وهي أفضل من الصدقة يعني لو أدى الإنسان مائة ريال زكاة أو مائة ريال صدقة تطوع كانت مائة ريال الزكاة أحب إلى الله وأفضل

стр. 2775

ومنها أن الإنسان يخرج بها عن دارة البخلاء إلى دائرة الكرماء لأنها بذل مال والبخل إمساك المال فإذا بذلها الإنسان خرج من كونه بخيلا إلى كونه كريما ومنها مضاعفة الحسنات لأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله مثلهم كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة يعني: ريال بمائة ريال أو أكثر ومنها أن فيها جبرا لقلوب الفقراء ودفعا لحاجتهم وحماية من غضبهم لأن الفقراء إذا لم يعطوا من مال الأغنياء ربما يغضبون ويتجرءون ويكرهون الأغنياء ويرون أنهم في واد والأغنياء في واد والأمة الإسلامية أمة واحدة يجب أن يعتقد كل إنسان أنه لبنة في سور قصر مع إخوانه المسلمين لقول النبي ﷺ : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ومنها أنها سبب في شرح الصدر لأن الإنسان كلما بذل شيئا من ماله شرح الله له صدره وهذا شيء مجرب وواقع لو يتصدق الإنسان بأدنى من واجب الزكاة لوجد في صدره انشراحا وفي قلبه محبة للخير ومنها أنها تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء وهذه فائدة عظيمة تدفع ميتة السوء يعني الإنسان يموت على أحسن حال

стр. 2776

وحسن الخاتمة أحسن الله لي ولكم الخاتمة أعز ما يكون على الإنسان لأنه وقت فراق الدنيا إلى الآخرة والشيطان أحرص ما يكون على بني آدم عند الموت لأنها هي الساعة الحاسمة إما من أهل النار أو من أهل الجنة وفي حديث ابن مسعود: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها فالأعمال بالخواتيم والصدقة وعلى رأسها الزكاة تدفع ميتة السوء ومنها أن النبي ﷺ أخبر أن كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة فالناس تكون الشمس فوق رءوسهم قدر ميل وهؤلاء المتصدقون وعلى رأس صدقاتهم الزكاة يكونون في ظل صدقاتهم يوم القيامة. وحكى لي بعض الصلحاء أن رجلا كان يمنع أهله من الصدقة من البيت يقول: لا تتصدقوا وفي يوم من الأيام نام ورأى في المنام كأن الساعة قد قامت ورأى فوق رأسه ظلا يظله من الشمس إلا أن فيه ثلاثة خروق يقول: فجاءت تمرات فسدت هذه الخروق فتعجب

стр. 2777

كيف الثوب متخرق وتجيء التمرات تسد الخروق فلما قصها على زوجته أخبرته أنها تصدقت بثوب وثلاث تمرات فكان الكساء الأول هو الثوب لكنه مخرق فجاءت التمرات الثلاث فسدت الخروق ففرح بذلك وأذن لها بعد هذا أن تتصدق بما شاءت فالحاصل أن هذه الرؤيا مصداق قول الرسول ﷺ كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة ومنها أنها تلين القلب وصدقات التطوع تلين القلب حيث إن الإنسان يعطيها الفقراء المحتاجين فيلين قلبه ويرحمهم وفي ذلك تعرض لرحمة الله لأن الله إنما يرحم من عباده الرحماء ولها فوائد كثيرة قد يطول في المقام ذكرها. وسيأتي إن شاء الله الكلام على الآيات التي ذكرها المؤلف والله الموفق. قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وقال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ وقال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ . [الشَّرْحُ] قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها ثم ذكر آيات ثلاث الآية الأولى

стр. 2778

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإقامة الصلاة أن تأتي بها مستقيمة على الوجه الذي ورد عن النبي ﷺ وإيتاء الزكاة هو إعطاؤها لمستحقها وقد سبق بيان معنى الزكاة وبيان فوائدها ما يسر الله تعالى. ثم ذكر الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ ﴿وما أمروا﴾ يعني بذلك الناس ﴿إلا ليعبدوا الله﴾ أي يتذللوا له بالعبادة بكل ما تعبدهم به من عقيدة أو قول أو عمل ﴿مخلصين له الدين﴾ أي مخلصين له العمل وإخلاص العمل لله ألا يبتغي الإنسان شيئا بعلمه سوى الله لا يبتغي به دنيا ولا جاها ولا رئاسة ولا غير ذلك لا يريد إلا ثواب الله وقوله ﴿حنفاء﴾ يعني مائلين عن الشرك إخلاص بلا إشراك وقوله ﴿ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ وهذا هو الشاهد في قوله ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ وقوله ﴿وذلك دين القيمة﴾ ﴿وذلك﴾ أي عبادة الله تعالى مخلصين له الدين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿دين القيمة﴾ أي دين الملة القيمة فهو العمل المرضي عند الله وقال سبحانه ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ الخطاب للنبي ﷺ ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ يعني بذلك الزكاة ﴿تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة أما كونها تطهر من الذنوب فلقوله

стр. 2779

صلى الله عليه وسلم: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وأما كونها تطهر الأخلاق الرذيلة فلأنها تلحق الإنسان بالكرماء والمحسنين بما يبذله من أموال الزكاة لمستحقيها ﴿وتزكيهم بها﴾ أي تنمي أخلاقهم بعد التطهير من الأخلاق الرذيلة تنمي الأخلاق الفاضلة ﴿وتزكيهم بها﴾ تزكيهم أيضا دينا فهي تزكية دين وتزكية أخلاق ﴿وصل عليهم﴾ أي ادع لهم بالصلاة عليهم وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوما بصدقة قال لهم: اللهم صل عليهم امتثالا لأمر الله ﴿إن صلواتك سكن لهم﴾ صلاتك عليهم يعني دعاءك لهم بالصلاة مسكن لهم تسكن إليه نفوسهم وتطمئن قلوبهم وتنشرح صدورهم ويسهل عليهم بذل المال ﴿والله سميع عليم﴾ ففي هذه الآيات الثلاث دليل على وجوب الزكاة وأنها من أفضل الأعمال وسيأتي إن شاء الله الأحاديث. ١٢٠٦ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان متفق عليه. ١٢٠٧ - وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله

стр. 2780

صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع فقال رسول الله ﷺ : وصيام شهر رمضان قال: هل علي غيره، قال: لا، إلا أن تطوع قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة فقال: هل علي غيرها قال: لا، إلا أن تطوع فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق متفق عليه. ١٢٠٨ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ بعث معاذا ﵁ إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم متفق عليه. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث الثلاثة ذكرها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تأكيد وجوب الزكاة أما حديث ابن عمر ﵄ وهو

стр. 2781

قول النبي ﷺ : بني الإسلام.. .. فقد تقدم الكلام عليه مفصلا ولا حاجة إلى إعادته وأما حديث طلحة بن عبيد الله في قصة الرجل النجدي الذي جاء ثائر الرأس يسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول وسأل النبي ﷺ عن الإسلام فذكر له خمس صلوات وصيام رمضان والزكاة ولم يذكر شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لعلمه ﷺ بأنه قد نطقها وشهد بها لأنه جاء مسلما لكن يريد أن يستفسر عن تفاصيل بعض الأشياء وفيه قوله ﷺ لهذا الرجل لما ذكر ﷺ خمس صلوات وصيام رمضان والزكاة وقال الرجل هل علي غيرها قال: لا، إلا أن تطوع فدل هذا على أنه لا يجب في اليوم والليلة أكثر من خمس صلوات، فالوتر ليس بواجب لكنه سنة مؤكدة وتحية المسجد ليست بواجبة لكنها سنة مؤكدة وصلاة العيدين ليست بواجبة لكنها سنة مؤكدة وكذلك أيضا ما اختلف فيه العلماء. هكذا ذهب بعض أهل العلم وجعل هذا الحديث أصلا في عدم وجوب ما ذكر ولكن عند التأمل تجد الحديث ليس فيه دليل على ذلك يعني أنه لا يدل على عدم وجوب تحية المسجد وعلى عدم وجوب صلاة العيد وما أشبهها لأن هذه الصلوات لها أسباب عارضة تجب بوجود أسبابها إلا أن القول الراجح أن تحية المسجد ليست بواجبة ولكنها سنة مؤكدة أما صلاة العيد فواجبة لأن النبي ﷺ أمر حتى الحيض من النساء وذوات الخدور والعواتق أن يخرجن ويصلين إلا أن الحيض يعتزلن المصلى، وأما الوتر

стр. 2782

فنعم في الحديث دليل على أنه ليس بواجب لأن الوتر يتكرر يوميا فلو كان واجبا لبينه الرسول ﷺ لهذا الرجل فالصواب أن الوتر سنة مؤكدة وليس بواجب لو تركه الإنسان لا يأثم لكن من داوم على تركه سقطت عدالته قال الإمام أحمد ﵀ من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة. وأما صيام رمضان تعم لا يجب على الإنسان أن يصوم غيره اللهم إلا إن نذر فإن النبي ﷺ قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه. وأما الزكاة فلا يجب غيرها أيضا في المال إلا ما كان له سبب كالنفقة على الزوجة والأقارب وما شابه ذلك مما له سبب معين يجب بوجوب السبب. وأما قول الرجل لما أدبر والله لا أزيد على هذا ولا أنقص عاهد الله عهدا بيمين ألا يزيد على هذا ولا ينقص فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق، أفلح إن صدق وهذا دليل على أن الإنسان إذا اقتصر على الواجب في الشرع فإنه مفلح ولكن لا يعني هذا أنه لا يسن أن يأتي بالتطوع لأن التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة وكم من إنسان أدى الفريضة وفيها خلل وفيها خروق وفيها خدوش تحتاج إلى تكميل وإلى رتق الصدع. أما حديث ابن عباس ﵄ في بعث النبي ﷺ معاذا إلى

стр. 2783

اليمن فقد سبق الكلام عليه أيضا فلا حاجة إلى إعادته لكن فيه أن الرسول ﷺ قال: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فهذا هو الشاهد في هذا الباب والله الموفق. ١٢٠٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله متفق عليه. ١٢١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁ وكفر من كفر من العرب فقال عمر ﵁ كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق متفق عليه..

стр. 2784

[الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها ذكر منها ما سبق الكلام عليه وذكر منها حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. قوله (أمرت) الآمر له هو الله وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ عبد مأمور مكلف يؤمر وينهى كما يؤمر وينهى سائر الناس لأنه عبد من عباد الله ﵊ ليس ربا ولا يملك شيئا من حقوق الربوبية بل هو عبد يؤمر وينهى وربما يحصل له أكبر من ذلك لقول الله ﵎ له عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين وكقوله تعالى ﴿لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ يعاتبه ربه ويقول له ﴿واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ فمن زعم أن محمدا ﷺ له شيء من الربوبية وأن ينفع ويضر ويجيب الدعوة ويكشف السوء فقد أشرك بالله وكفر بمحمد ﷺ . يقول ﵊: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا

стр. 2785

إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة يقاتل من امتنع عن واحدة من هذه الأربع: من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومن إقامة الصلاة ومن إيتاء الزكاة يقاتلهم حتى يذعنوا ويرضخوا لهذه الأربع فإذا فعلوا ذلك يعني شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله يعني: إذا فعلوا ذلك فقد استسلموا ظاهرا فيعصمون دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، لأن من الناس من يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وقلبه منطوي على الكفر ولهذا قال: حسابهم على الله فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله لكن لا يذكرون الله إلا قليلا ويقولون لرسول الله ﷺ نشهد إنك لرسول الله ويقيمون الصلاة ولكن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ويتصدقون ولكن لا ينفقون إلا وهم كارهون ومع ذلك قلوبهم منطوية على الكفر نسأل الله العافية ولهذا قال: وحسابهم على الله . ثم ذكر ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ في تحاور أبي بكر الصديق ﵁ الخليفة الأول لرسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ في مسألة دينية مع أن كل واحد منهما يحب الآخر حبا عظيما لكن هذه المحبة لا تمنع من المحاورة والمراجعة الدينية لأن الدين فوق كل شيء لما كان أبو بكر ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ باختيار الصحابة له أن يكون الخليفة بعد الرسول

стр. 2786

وكذلك بإشارة الرسول ﷺ إليه حيث خلفه عنه في الحج وهي إمامة كبرى بالنسبة للناس وفي الصلاة وهي إمامة صغرى لأن أمير الحج يؤم من الناس أكثر ما يؤمه أمير المسجد خلفه النبي ﷺ إماما للمسجد حين مرض وخلفه في الحج بالناس عام تسع من الهجرة واتفق الصحابة بعد موت الرسول ﷺ على أن الخليفة من بعده أبو بكر ارتد من ارتد من العرب والعياذ بالله وقد أشار الله إلى ذلك في قوله ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ وقد حصل ارتد من ارتد من العرب ومنعوا الزكاة وكفروا بالله فقاتلهم أبو بكر ﵁ فحاوره عمر قال: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال النبي ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وهذا هو الذي سمعه عمر من النبي ﷺ وإلا فإن ابنه سمع من الرسول أكثر من ذلك، سمع من الرسول ﷺ أنه قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة لكن عمر روى ما سمع: (حتى يقولوا لا إله إلا الله) فقال أبو بكر: (والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا يعني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك) وهذا دليل على حزمه ﵁ حزم أبي بكر مع أنه ألين من عمر لكن في مواقف الشدة والضيق يكون أبو بكر أحزم من عمر. نضرب لكم أمثلة منها هذا المثال: عمر رأى ألا يقاتل الناس لكن بعد مراجعة أبي بكر له علم أنه الحق لما رأى أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال وهو

стр. 2787

الخليفة من بعد الرسول عرف أنه الحق إذ إن الله لم يشرح صدر هذا الخليفة الراشد (أول خليفة في الأمة الإسلامية) إلا لحق عرف أنه الحق لما شرح الله صدر أبي بكر له هذا موقف صار أبو بكر أجلد من عمر وأشد وأثبت. والموضع الثاني: لما مات الرسول ﷺ أظلمت المدينة واضطرب الناس وصار يوما عظيما واجتمع الناس في المسجد وقام عمر وقال: إن النبي ﷺ لم يمت ولكنه صعد يعني غشي عليه وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم اهتز قلبه يقولها بجد وحزم وكان أبو بكر ﵁ حين مات الرسول ﷺ خارج المدينة في حائط له فذهبوا فأخبروه أخبروا أبا بكر فجاء إلى الرسول ﷺ وكشف عن وجهه وقد غطي ﵊ كشف عن وجهه وقبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة الأولى فقد متها ثم خرج إلى الناس وإذا عمر يتكلم ينكر ويقول: (ما مات غشي عليه وليبعثنه الله) فقال أبو بكر: (على رسلك) يعني أرفق فجلس عمر أو بقي قائما فصعد أبو بكر المنبر وخطب الناس خطبة عظيمة بليغة في هذا المقام الضنك قال: (أما بعد أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ﵁ وهو أشد الناس فجيعة به ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ وقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا﴾

стр. 2788

يقول عمر: (حتى عثرت فما تقلني رجلاي يعني: لا يقدر أن يقف فجلس لأنه علم أن هذا هو الحق فانظر إلى ثبات أبي بكر في هذا المقام. أما الموضع الثالث: فهو في صلح الحديبية صلح الحديبية فيه شروط ظاهرها أنه فيه غضاضة على المسلمين منها: أن من جاء من قريش مسلما انتبه من جاء من قريش مسلما رده الرسول إلى قريش ومن ذهب من المسلمين إلى قريش فلا يلزمهم رده. هذا الشرط ظاهره أنه إجحاد عجز عمر فلا يقدر على هذا فقال: (يا رسول الله كيف؟ كيف؟ من خرج منهم مسلما وجاء مهاجرا إلينا نرده، ومن ذهب منا لا يردونه كيف نعطي الدنية في ديننا ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال: بلى لكن هذا أمر الله وأنا عبد الله ورسوله ولن أعصي الله وسينصرنا الله فعجز عمر فذهب إلى أبي بكر يستنجد به لعله يشير على الرسول ﷺ بعدم الموافقة فكان جواب أبي بكر ﵁ كجواب الرسول ﷺ حرفا بحرف مواقف عظيمة في هذا المقام الضنك قال: إنه لرسول الله وإن الله ناصره فاستمسك بغرزه يقول لعمر يعني: احذر أن تخالفه فإنه على الحق. في هذه المواقف الثلاثة العظيمة تبين ثبات أبي بكر ﵁ وأنه

стр. 2789

أثبت الصحابة وأحق الصحابة بالخلافة وأحزمهم وأعقلهم وهكذا يتبين حال الإنسان الثابت الذي ينظر إلى الأمور من بعيد ويسبر غورها والإنسان الذي عنده غيرة لكنه لا يريد أن يتعجل فالتعجل قد يكون فيه غرر. المهم من هذا الحديث أو الفائدة منه في هذا الباب الذي بوبه النووي ﵀ في رياض الصالحين أن من امتنع عن الزكاة وجب على الإمام قتاله حتى يؤدي الزكاة والله الموفق. ١٢١١ - وعن أبي أيوب ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم متفق عليه. ١٢١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا فلما ولى قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا متفق عليه.

стр. 2790

١٢١٣ - وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم متفق عليه. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث الثلاثة في باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها حديث أبي أيوب وأبي هريرة وجرير وكلها تدل على ما سبق من أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من فرائض الإسلام وفي حديث أبي أيوب زيادة وتصل الرحم والرحم: هم القرابة من جهة الأب أو من جهة الأم وصلتهم بما جرى به العرف والعادة لأن النبي ﷺ لم يبين كيفية الصلة، وكل شيء جاء في الكتاب والسنة ولم يبين فإن مرجعه إلى عادة الناس وعرفهم وهذا يختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأزمان واختلاف البلدان ففي حالة الحاجة والفقر وشدة المؤونة تكون صلتهم بإعطائهم ما يتيسر من المال وما يسد حاجتهم وكذلك إذا كان هناك مرضي في القرابة فإن صلتهم أن تعودهم وتتكرر عليهم بحسب ما فيهم من مرض وبحسب القرابة , وإذا كانت الأمور ميسرة وليست هناك حاجة كما في عرفنا اليوم، فإنه يكفي أن تصلهم بالهاتف أو بالمكاتبة أو في المناسبات البعيدة كالأعياد وغير ذلك، والمهم أن صلة الرحم واجبة، ولكن غير محددة في الشرع فيرجع فيها على ما جرى به العرف وتعارفه الناس بينهم

стр. 2791

وأما في حديث جرير بن عبد الله ففيه زيادة على ما سبق من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة النصح لكل مسلم أن الإنسان ينصح لكل مسلم بحيث يعامله كما يعامل نفسه وكما يحب أن يعامله الناس فلا يشتمه ولا يقذفه ولا يخدعه ولا يغشه ولا يخونه ويكون له ناصحا من كل وجه وإذا استشاره في شيء وجب عليه أن يشير عليه بما هو الأصلح له في دينه ودنياه وقد ذكر أن جرير بن عبد الله ﵁ حينما بايع النبي ﷺ على هذه البيعة النصح لكل مسلم ذكر عنه أنه اشترى فرسا من شخص بثمن ثم إنه لما ركبه ورأى الفرس لقاه جيدا فرجع إلى البائع وقال: (إن فرسك هذا يساوي أكثر فزاده إلى أن زاده قسطا بثمن الأول مرة أو مرتين) لأنه بايع النبي ﷺ على (النصح لكل مسلم) فعلى المرء أن يكون واصلا لرحمه وأن يكون ناصحا لإخوانه المسلمين وفي حديث تميم الداري أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة ثلاث مرات قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم والله الموفق ١٢١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له

стр. 2792

صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها، حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها، رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالخيل؟ قال: الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله

стр. 2793

له عدد آثارها وأرواثها حسنات ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات. قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ متفق عليه. وهذا لفظ مسلم. ومعنى القاع: المكان المستوى من الأرض الواسع والقرقر: الأملس. [الشَّرْحُ] هذا الحديث الذي أورده المؤلف ﵀ في باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وهو حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم مطولا فيه ذكر النبي ﷺ الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والخيل والحمر وذكر حكم كل منها ﵊ وهكذا كان ﷺ يبين للناس بيانا شافيا كافيا حتى ترك أمته وقد أكلم به لله الدين وأتم به النعمة على المؤمنين فقال ﷺ : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى به جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى

стр. 2794

الجنة وإما إلى النار فالذهب والفضة تجب الزكاة في أعيانهما في كل حال، فالزكاة واجبة في أعيان الذهب والفضة في كل حال سواء أعدها الإنسان للنفقة أو للزواج أو لشراء بيت يحتاج إلى سكناه أو شراء سيارة يحتاج إلى ركوبها أو ادخرهما ليستكثر بهما المال أو غير ذلك ففيهما الزكاة تجب على كل حال حتى ذهب المرأة الذي تلبسه والفضة التي تلبسها تجب عليها الزكاة تجب الزكاة فيها على كل حال لكن لابد من بلوغ النصاب وهو في الذهب خمسة وثمانون جراما ونصف جرام، والفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جراما، فإذا كان عند الإنسان من الفضة هذا المقدار ومن الذهب ذلك المقدار وجب عليه الزكاة على كل حال فإن لم يفعل فجزاؤه ما ذكره النبي ﷺ : إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار لا من ذهب وفضة، من نار والعياذ بالله قطع نارية ويحمي عليها في نار جهنم ونار جهنم فضلت على نار الدنيا كلها بتسعة وستين جزءا نار الدنيا كلها حتى نار الغاز وما هو أشد حرارة نار جهنم فضلت عليها بتسعة وستين جزءا نسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها يحمى عليها في نار جهنم فيكوى به جنبه يعني الجنب الأيمن والأيسر وجبينه يعني وجهه وظهره واضح معناه كلما بردت أعيدت لا تبقى حتى تبرد وتسكت عنه، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ليس ساعة ولا ساعتين ولا شهرا ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين خمسون ألف سنة وهو يعذب هذا العذاب والعياذ بالله حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار نسأل الله العافية.

стр. 2795

وعلى هذا يكون هذا الحديث كالتفسير لقول الله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ومعنى يكنزونها أي: لا يؤدون زكاتها، كما فسرها بذلك أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لأن ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، ولو كان على رؤوس الجبال، وما تؤدى زكاته فليس بكنز ولو كان في باطن الأرض فالكنز ما لا تؤدى زكاته. ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ وهذا عذاب وألم جسدي ويعذبون عذابا قلبيا فيقال لهم ﴿هذا ما كنزتم لأنفسكم فذقوا ما كنتم تكنزون﴾ فيحصل لهم العذاب الجسدي والعذاب القلبي بالتوبيخ والتأنيب فكيف يكون قلبه في تلك الساعة وهو يقال له هذا ما كنزت لنفسك سيتقطع قلبه ألم جسدي وألم قلبي والعياذ بالله هذا جزاء من لا يؤدي الزكاة من الذهب أو الفضة وما قام مقام الذهب والفضة بالنقدية فله حكمه وعلى هذا فمن عنده أوراق تساوي هذا المبلغ من الذهب والفضة فعليه أن يزكي عنها ومعاملة الناس الآن في غالب الدول كلها بالأوراق فئة ريال فئة خمسة فئة عشرة.. .. هذه الأوراق تقوم مقام الذهب والفضة لأنها جعلت بدلا عنها في التعامل بين الناس فإذا ملك الإنسان أوراقا تساوي هذا القدر من الفضة فعليه زكاته يعني تساوي (٥٦) ريالا عربيا من الفضة فعليه الزكاة، ومعلوم أن الفضة ترتفع أحيانا وتنزل أحيانا، فيقدر قيمتها إذا

стр. 2796

وجبت عليه الزكاة فإذا بلغت النصاب أي (٥٦) ريالا من الفضة فعليه زكاته، ومقدار الزكاة ربع العشر. ثم ذكر النبي ﷺ الإبل والبقر والغنم وجعل من حق الإبل حلبها يوم وردها إذا وردت على الماء فإنها تحلب وجرت العادة أنهم يحلبونها ويتصدقون بها على الحاضرين هذا من حقها لأن الإبل روايا كبيرة فيها ألبان فإذا وردت الماء درت وإذا درت صار فيها فضل كبير من اللبن فإذا جاء الفقراء يوزع عليهم هذا من حقها. وذكر ﵊ الخيل وأنها ثلاثة أنواع أجر وستر ووزر. أما الحمر فإنه قال: لم ينزل علي فيها شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ فإن استعملت الحمير في خير فهو خير وإن استعملتها في شر فهي شر والله أعلم.

стр. 2797

باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ إلى قوله تعالى ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ الآية. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصوم وما يتعلق به. ذكره ﵀ بعد الكلام على الزكاة لأن هذا هو الترتيب الذي جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ في مسألة جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها. صوم رمضان: هو التعبد لله بترك الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هذا هو الصيام أن يتعبد الإنسان لله بترك هذه الأشياء لا أن يتركها على العادة أو من أجل البدن ولكنه يتعبد لله بذلك يمسك عن الطعام والشراب والنكاح وكذلك سائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من هلال رمضان إلى هلال شوال.

стр. 2798

وصيام رمضان أحد أركان الإسلام هذه منزلته في دين الإسلام وهو فرض بإجماع المسلمين لدلالة الكتاب والسنة على ذلك. ثم ذكر المؤلف الآيات التي تدل على هذا فقال: يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فوجه الله الخطاب للمؤمنين لأن صيام رمضان من مقتضيات الإيمان ولأن صيام رمضان يكمل به الإيمان ولأن ترك صيام رمضان ينتقص به الإيمان. واختلف العلماء فيما لو تركه تهاونا أو كسلا هل يكفر أم لا؟ والصحيح أنه لا يكفر وأنه لا يكفر الإنسان بترك شيء من أركان الإسلام سوى الشهادتين والصلاة وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ أي: فرض وقوله ﴿كما كتب﴾ أي: كما فرض ﴿على الذين من قبلكم﴾ وإنما ذكر الله تعالى أنه فرض على من قبلنا ولم يذكر مثل ذلك في الصلاة لأن الصيام فيه مشقة فيه تعب فيه ترك المألوف ولا يخفى أنه في أيام الحر وطول النهار يكون شديدا على النفوس فذكر الله أنه فرضه على من قبلنا تسلية لنا لأن الإنسان إذا علم أن هذا الشيء له ولغيره هان عليه وذكره أيضا من أجل أن يبين أنه جل وعلا أكمل لنا الفضائل كما أكمل لمن سبقنا ما شاء من الفضائل. وقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ أي: لأجل أن تتقوا الله، لأن الصيام جنة. يقيك من المعاصي، ويقيك من النار لأن من صام رمضان إيمانا

стр. 2799

واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ﴿لعلكم تتقون﴾ أي من أجل التقوى وهذه هي الحكمة من إيجاب الصوم ويدل على هذا قوله ﷺ : من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه لأن الله لم يرد أن يعذب العباد بترك ما يشتهون ويألفون ولكنه أراد أن يدعوا قول الزور والعمل به والجهل. ثم قال: ﴿أياما معدودات﴾ ذكرها على وجه التقرير ليبين أن المسألة ليست شهورا ولا سنوات ولكنها أيام وليست طويلة أياما معدودات. ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وهذا أيضا تفسير آخر، أولا: الأيام قليلة أيام معدودة ثانيا: أن من كان يشق عليه الصوم أو سافر فإنه يفطر وعليه عدة من أيام أخر. ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ وهم مقيمون ﴿فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾ هذا في أول الأمر أول ما فرض الله الصوم قال للذين يطيقونه عليكم فدية طعام مسكين فإن تصدقتم فهو خير لكم وأن تصوموا خير لكم فخير الله الناس في أول الأمر بين أن يصوم الإنسان أو يطعم عن كل يوم مسكينا ثم تعين الصيام

стр. 2800

في الآية التي بعدها. ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كنتم من ذوي العلم الذين يفهمون. ووجه ذلك أن الصوم أشق على كثير من الناس من إطعام المسكين فلما كان أشق علم أنه أفضل لأن الإنسان إذا عمل عبادة شاقة بأمر الله كان أجرها أعظم ومن ثم كان الأبعد من المسجد أعظم أجرا من الأدنى من المسجد لأنه أكثر عملا لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب المشقة في العبادات التي يسرها الله هذا من التنطع في الدين لكن إذا كلفك الله بعبادة وشقت عليك صار هذا أعظم أما أن تتطلب المشقة كما يفعل بعض الجهال في أيام الشتاء مثلا يذهب فيتوضأ بالماء البارد يقول: لأن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات ويمحو به الخطايا نقول: يا أخي ما هذا أراد الرسول ﷺ إنما أراد الرسول ﷺ أن الإنسان إذا توضأ بماء بارد في أيام الشتاء كان أعظم أجرا ولكنه لم يقل: اقصد الماء البارد فإذا من الله عليك بالماء الساخن تستطيع أن تسبغ الوضوء فيه إسباغا كاملا فهذا أفضل. ﴿فمن كان منكم مريضا﴾ والمرض ثلاثة أقسام: ١ - قسم مرضي لا يرجى برؤه بل هو مستمر فهذا لا صيام على المريض ولكن عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا لأنه من جنس الكبير العاجز عن الصوم الذي لا يرجى زوال عجزه. ٢ - القسم الثاني: المريض مرضا يضره الصوم، ويخشى عليه أن يهلك

стр. 2801

به كمريض لا يستطيع الاستغناء عن الماء مثل بعض أنواع المرض السكري وما أشبه ذلك فهذا يحرم عليه الصوم لقول الله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ . ٣ - والقسم الثالث: مرض يشق معه الصوم لكن لا ضرر فيه والأفضل أن يفطر ولا يصوم ويقضي بعد ذلك وأما المرض الذي لا يتأثر به الصيام كمرض العين اليسير ومرض السن وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز فيه الفطر لأن الحكمة من الرخصة هي إزالة المشقة وهذا لا مشقة عليه إطلاقا فلا يحل له الفطر والأصل وجوب الصوم في وقته إلا بدليل بين واضح يبيح للإنسان أن يفطر ثم يقضي بعد ذلك. وأما السفر فإنه ينقسم كالمرض أيضا إلى ثلاثة أقسام قسم يضره الصوم ويشق عليه مشقة شديدة بسبب سفره مثل أن يسافر في أيام الحر والأيام الطويلة ويعلم أن لو صام لتضرر به وشق عليه مشقة غير محتملة فهذا يكون عاصيا إذا صام والدليل لذلك أن النبي ﷺ شكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصوم وهم في سفر فدعا بماء فشربه والناس ينظرون إليه حتى لا يكون في صدورهم حرج إذا أفطروا وكان ذلك بعد العصر ولكن بعض الصحابة ﵃ بقوا على صومهم فجيء إلى النبي ﷺ وقيل له إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة فوصفهم بالعصيان لأنهم لم يقبلوا

стр. 2802

رخصة الله مع مشقة ذلك عليهم مشقة شديدة. والقسم الثاني من يشق عليه مشقة ولكنها محتملة فهذا يكره له الصوم وليس من البر أن يصوم ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، قال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال ﷺ : ليس من البر الصيام في السفر. والقسم الثالث: من لا يتأثر بالسفر إطلاقا يعني صائم ولا يتأثر لأن النهار قصير والجو بارد ولا يهمه فهذا اختلف فيه العلماء أيهما أفضل يفطر أو يصوم أو يخير والصحيح أن الأفضل أن يصوم لأن ذلك أشد اتباعا لسنة النبي ﷺ ولأنه أيسر على المكلف فإن الصيام مع الناس أيسر من القضاء ولأنه أسرع في المبادرة في إبراء الذمة ولأنه يوافق الزمن الذي يكون فيه الصوم أفضل وهو شهر رمضان فمن أجل هذه الأربعة كان الصوم أفضل. قال أبو الدرداء ﵁ (كنا مع النبي ﷺ في رمضان في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وكان الصيام في السفر وأكثرنا ظلا صاحب الكساء وما فينا صائم إلى رسول الله وعبد الله بن رواحة) .

стр. 2803

هذا حكم الصوم في السفر والسفر عام فيمن يسافر للعمرة أو يسافر لغير ذلك وفيمن سفره دائم وسفره عارض وعلى هذا فإن أصحاب سيارات الحمولة يفطرون ولو كان سفرهم مستمرا لأن لهم وطنا يأوون إليه فإذا فارق الرجل الوطن فهو مسافر فإن سأل سائل متى يصومون قلنا يصومون في أيام الشتاء أو إذا قدموا إلى بلدهم. ١٢١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه متفق عليه. وهذا لفظ رواية البخاري وفي رواية له: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشرة أمثالها. وفي رواية لمسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى

стр. 2804

سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطره فرحة عند لقاء ربه ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك. [الشَّرْحُ] هذا الحديث حديث أبي هريرة نقله المؤلف ﵀ في باب وجوب الصوم في رياض الصالحين بعد أن ذكر الآيات. وذكر فيه فوائد: ١ - أن الله جعل الصوم له وعمل ابن آدم الثاني أي غير الصوم لابن آدم يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي. والمعنى أن الصيام يختصه الله من بين سائر الأعمال لأنه أي الصيام أعظم العبادات إطلاقا فإنه سر بين الإنسان وربه لأنه الإنسان لا يعلم إذا كان صائما أو مفطرا هو مع الناس ولا يعلم به نيته باطنة فلذلك كان أعظم إخلاصا فاختصه الله من بين سائر الأعمال قال بعض العلماء ومعناه إذا كان الله يوم القيامة وكان على الإنسان مظالم للعباد فإنه يؤخذ للعباد من حسناته إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه شيء لأنه لله وليس للإنسان وهذا معنى جيد أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه ولا

стр. 2805

يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئا. ومنها أن عمل ابن آدم يزاد من حسنة إلى عشرة أمثالها إلا الصوم فإنه يعطى أجره بغير حساب يعني أنه يضاعف أضعافا كثيرة قال أهل العلم ولأن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة ففيه صبر على طاعة الله وصبر & وصبر عن معصية الله وصبر على أقدار الله. أما الصبر على طاعة الله فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصيام مع كراهته له أحيانا يكرهه لمشقته لا لأن الله فرضه لو كره الإنسان الصوم لأن الله فرضه لحبط علمه لكنه كرهه لمشقته ولكنه مع ذلك يحمل نفسه عليه فيصبر عن الطعام والشراب والنكاح لله ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي النوع الثاني من أنواع الصبر: الصبر عن معصية الله، وهذا حاصل للصائم فإنه يصبر نفسه عن معصية الله فيتجنب اللغو والرفث والزور وغير ذلك من محارم الله. الثالث: الصبر على أقدار الله وذلك أن الإنسان يصيبه في أيام الصوم (ولاسيما في الأيام الحارة والطويلة) من الكسل والملل والعطش ما يتألم ويتأذى به ولكنه صابر لأن ذلك في مرضاة الله. فلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاث كان أجره بغير حساب قال الله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. ومن الفوائد التي اشتمل عليها هذا الحديث أن للصائم فرحتين الفرحة الأولى عند فطره إذا أفطر فرح بفطره فرح بفطره من وجهين
следующие страницы →