Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
فإطلاق اللسان عندنا كثير، وقد قال الرسول ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت نسأل الله أن يعيننا وإياكم على أنفسنا، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه من القول والعمل
١٥٤٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
سبق لنا الكلام على الآيتين اللتين ذكرهما المؤلف ﵀ في صدر هذا الباب، باب تحريم الكذب، ثم ذكر الأحاديث، منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، وعليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا ففي هذا الحديث حذر النبي ﷺ من الكذب فقال: إياكم والكذب يعني ابتعدوا عنه واجتنبوه، وهذا يعم الكذب في كل شيء، ولا يصح قول من قال: إن الكذب إذا لم يتضمن ضررًا على الغير
стр. 3222
فلا بأس به، فإن هذا قول باطل؛ لأن النصوص ليس فيها هذا القيد، النصوص تحرم الكذب مطلقاً، ثم بين الرسول ﷺ أن الكذب يهدي إلى الفجور، يعني إذا كذب الرجل في حديثه فإنه لا يزال فيه الأمر حتى يصل به إلى الفجور والعياذ بالله، وهو الخروج عن الطاعة، والتمرد والعصيان، والفجور يهدي إلى النار، قال الله تعالى: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدرك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين ثم قال: ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا والعياذ بالله أي من الكذابين، لأن الكذب - نسأل الله لنا ولكم السلامة منه ومن سائر الآثام - إذا اعتاده الإنسان، صار يكذب في كل شيء، وصدق عليه وصف المبالغة فكتب عند الله كذابًا، وأما الصدق فحث عليه النبي ﷺ فقال: عليكم بالصدق، إذا تحدثتم فاصدقوا، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، قال الله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون﴾ فإذا صدق الإنسان وعود لسانه على الصدق، هداه إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، يعني يوصل إليها، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، والصديقية منزلة عالية، هي التي تلي منزلة النبوة، كما قال الله تعالى ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
стр. 3223
والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾ .
واعلم أن الكذب يتضاعف جرمه بحسب ما يؤدي إليه؛ فالكذب في المعاملات أشد من الكذب في مجرد الإخبار، فإذا صار الرجل يكذب في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه صار هذا أشد؛ لأنه إذا كذب في البيع والشراء تمحق بركة بيعه قال النبي ﷺ : البيعان بالخيار فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما.
وما ترتب على الكذب في البيع والشراء من زيادة في الثمن أو زيادة في المبيع فإنه سحت والعياذ بالله؛ لأنه مبني على الكذب، والكذب باطل، وما بني على الباطل فهو باطل، وكذلك الكذب في وصف السلعة، يقول الإنسان مثلاً: هذه السلعة فيها كذا وكذا من الصفات المرغوبة وهو كاذب، هذا أيضًا من أكل المال بالباطل، ومن ذلك ما يفعله بائعو السيارات كما يقولون: يعطي الإنسان سيارته هذا الدلال وهو يدري أن فيها العيب الفلاني ثم يقول عند عرضها للبيع كل عيب فيها ولا يظهر العيب الحقيقي، فهذا حرام لا يجوز، إذا كان البائع يعلم العيب لكن كتمه وقال للمشتري: اصبر في كل عيب، هذا حرام إذا كان يعلم أن فيها عيبًا، أما إذا كان لا يعلم لكنه يخشى أن يكون فيها عيب لا يطلع عليه، فلا بأس أن يترك البراءة من كل عيب مشبوه والله الموفق
стр. 3224
١٥٤٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.
متفق عليه.
وقد سبق بيانه مع حديث أبي هريرة بنحوه في باب الوفاء بالعهد.
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله تعالى في باب تحريم الكذب في كتابه (رياض الصاحين) : عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال:: أربع من كن فيه كان منافقاً خاصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها.
قوله: أربع من كن فيه أي من اتصف بهن كان منافقًا خالصًا؛ لأنه أتى بجميع الأعمال التي يتصف بها المنافقون والعياذ بالله، والمراد بالنفاق هنا النفاق العملي الذي يكون عليه أهل النفاق العقدي، وليس نفاق الاعتقاد؛ لأن نفاق الاعتقاد نفاق كفر والعياذ بالله؛ وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أما هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات فإنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا، ولكنهم يستعملون هذه الصفات وفيها شيء من النفاق،
стр. 3225
أولا قال: (إذا اؤتمن خان)) إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه فمثلا إذا أعطي وديعة وقيل له خذها احفظها، دراهم أو ساعة أو قلم أو متاع أو غير ذلك يكون فيها يستعملها لنفسه أو يتركها فلا يحفظها في مكانها أو يظفر بها من يتسلط عليه ويأخذها، المهم أنه لا يؤدي الأمانة فيها، كذلك إذا اؤتمن على حديث سري وقيل له: لا تخبر أحدا ذهب يخبر، قال لي فلان قال لي فلان، وبعض الناس والعياذ بالله يبتلى بحب الظهور والشهرة، إذا ائتمنه أحد من ولاة الأمور أو من كبراء القوم ووجهائهم ذهب يتحدث؛ قال لي الأمير كذا؛ قال لي الوزير كذا؛ قال لي الشيخ كذا؛ يتجمل عند الناس بأنه ممن يحادثه الكبراء والشرفاء وهذه من خيانة الأمانة والعياذ بالله، ومن ذلك أيضا الأمانات في الولايات يكون الإنسان وليا على يتيم على ماله وحضانته وتربيته فلا يقوم بالواجب؛ يهمل ماله وربما يستقرضه لنفسه ولا يدري هل يستطيع الوفاء فيما بعد أم لا؟ ولا يقربه بالتي هي أحسن، هذا أيضًا من خيانة الأمانة، ومن ذلك أيضًا أن الإنسان لا يقوم بواجب التربية في أهله وأولاده وقد ائتمنه الله عليهم فقال جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ولم يجعل الله لك سلطاناً عليهم إلا ليسألك عنهم يوم القيامة حتى تتمنى أنك لم يكن بينك وبينهم صلة قال الله تعالى: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ ومن خيانة الأمانة أن يكون الإنسان إمامًا للناس يصلي بهم الجمعة
стр. 3226
والجماعات فلا يقوم بالواجب، تجده مرة يتقدم ومرة يتأخر ومرة يطيل بهم إطالة غير مشروعة ومرة لا يطمئن في صلاته ولا يهتم بمن وراءه، هذا من خيانة الأمانة، والمهم أن خيانة الأمانة تكون في جميع الأحوال في الأمانات وفي المعاملات وفي الأخلاق وفي كل شيء.
إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب هذا الشخص إذا حدث الناس في الحديث قال فلان أو حصل كذا أو لم يحصل يكذب، هذا من علامات النفاق، ومن الناس من يفتن بهذا الأمر فتجده يكذب على الناس، يمزح عليهم ليورطهم فإذا تورطوا قال: أمزح، سبحان الله تكذب على الناس تمزح عليم لتورطهم! ومن الناس من يبتلى بالكذب لأجل أن يضحك الحاضرين، وقد قال النبي ﷺ : ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له وقد سبق أن أعظم الكذب الكذب على الله ورسوله ﷺ ثم الكذب على العلماء؛ فإن العلماء إذا كذب عليهم إنسان في الشرع، بأن قال: قال فلان هذا حرام، أو هذا حلال، أو هذا واجب، وهو يكذب عليه صار هذا كاذبًا على الشرع؛ لأن العلماء هم الذين يمثلون الشرع وهم الذين يبينونه للناس، فإذا كذب الإنسان عليهم قالوا: إن فلاناً العالم قال كذا وقال كذا وهو كاذب فإنه يقرب ممن كذب على رسول الله ﷺ .
والمهم أن من حدث فكذب فإنه فيه خصلة من خصال النفاق، أعاذنا الله
стр. 3227
وإياكم من ذلك
الثالثة: وإذا عاهد غدر يعني إذا أعطى عهدًا على أي شيء من الأشياء غدر به ونقض العهد، وهذا يشمل المعاهدة مع الكفار، والمعاهدة مع المسلم في بعض الأشياء ثم يغدر بذلك، فالمعاهدة مع الكفار إذا عاهدنا الكفار على ترك الحرب بيننا وبينهم مدة معينة، كما فعل النبي ﷺ مع قريش حين عاهدهم في صلح الحديبية على ترك القتال لمدة عشر سنوات، فإذا عاهدنا هؤلاء المشركين فلنا معهم ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينقضوا العهد، فحينئذ يبطل العهد الذي بيننا وبينهم، كما قال الله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون كما فعلت قريش في العهد الذي بينها وبين رسول الله ﷺ في الحديبية؛ فإنها لم تمض ثماني سنوات إلا ونقضت قريش من العهد حيث أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ .
الحالة الثانية: أن يستقيموا على العهد، فحينئذ يجب علينا أن نستقيم على العهد وأن نبقى حتى تنتهي المدة؛ لقول الله تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين﴾ الحالة الثالثة: أن نخشى أن ينقضوا العهد، يعني لم ينقضوه فعلاً ولم يظهر لنا استقامة تامة، فنخشى أن ينقضوا العهد، فهنا ننبذ إليهم العهد، ونقول لهم صراحة: إنه لا عهد بيننا وبينكم، دليل ذلك قول الله تعالى ﴿وأما
стр. 3228
تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ أما العهود التي بين المسلمين؛ بأن تعاهد شخصًا على أن تفعل كذا، أو لا تفعل، أو على أن تكتم سره، أو ما أشبه ذلك فيجب الوفاء به، يجب وجوبًا، واختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا وعدت شخصًا موعدًا فهل يجوز أن تخلفه بلا ضرورة أو لا؟ مثل أن تقول: سآتيك غدًا، لدعوة، دعاك على غداء أو عشاء أو ما أشبه ذلك، فهل يجوز أن تخلف الموعد؟ من العلماء من يقول: إنك إذا أخلفت الموعد لا تأثم، ولكن الصحيح أنك تأثم، إلا لعذر شرعي، فإذا وعدت أخاك موعدًا يجب أن توفي به لأنك وعدته، وإخلاف الموعد من علامات ماذا؟ النفاق، فهل ترضى أن تكون منافقًا؟ كل واحد لا يرضى، فالصواب الذي دلت عليه السنة وجوب الوفاء بالوعد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن إخلافه من النفاق لكن إذا كان لك عذر، أو لم تعط موعدًا صريحًا بأن قلت لصاحبك: آتيك إن شاء الله تعالى إذا لم يكن لي عذر، فهنا إذا كان لك عذر فلا بأس، أنت في حل لأنك لم تعطه موعدًا صريحًا، وكذلك أيضًا إذا أخلفت لعذر، مثل أن يكون تمام الوعد يحتاج إلى سيارة، وخرجت وتعطلت السيارة ولم تتمكن من الوصول إليه في موعده فإن هذا عذر بلا شك تعذر به.
أما الخصلة الرابعة فهي: إذا خاصم فجر نسأل الله العافية، إذا وقعت خصومة بينه وبين غيره فجر، والفجور في الخصومة ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يجحد ما كان عليه.
стр. 3229
والثاني: أن يدعي ما ليس له.
مثال الأول إنسان مطلوب لشخص بألف ريال، فأقام الطالب دعوى على المطلوب، وأنكر المطلوب، قال: ما عندي لك شيء، والطالب قد وثق منه ولم يشهد عليه، فهنا يقول القاضي للمطلوب: احلف وتبرأ ذمتك، فحلف المطلوب أنه ليس له عندي شيء، فهنا سوف يقضي الحاكم بأن هذا المدعى عليه المطلوب ليس عليه شيء، هذا فجور في الخصومة.
أما القسم الثاني: فأن يدعي ما ليس له، بأن يقول عند القاضي أنا أطالب هذا الرجل بمائة ريال فينكر المطلوب، فيقول الطالب: عندي بينة، ويأتي ببينة سوء يشهدون بأنه له عند فلان (المطلوب) مائة ريال، فالقاضي سوف يحكم بالبينة، فإذا حكم لهذا المدعي ببينة الزور، فإن هذا يعتبر ممن خاصم ففجر والعياذ بالله، فلهذا يجب التحرز في الخصومات من الكذب أو الالتواء أو المخادعة، لأن كل هذا من الفجور في الخصومة.
نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا وقلوبكم من النفاق والشك والشرك والرياء إنه على كل شيء قدير
١٥٤٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر متفق عليه.
وقد سبق بيانه مع حديث أبي هريرة بنحوه في باب الوفاء بالعهد.
[الشَّرْحُ]
سبق لنا الكلام على جملتين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب الخصلة
١٥٤٤ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور
стр. 3230
صورة، عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ رواه البخاري.
تحلم أي: قال أنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وهو كاذب والآنك بالمد وضم النون وتخفيف الكاف: وهو الرصاص المذاب.
[الشَّرْحُ]
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) في باب تحريم الكذب فيما نقله عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال: من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد يعني من كذب في الرؤيا قال: رأيت في المنام كذا وكذا وهو كاذب، فإنه يوم القيامة مكلف أن يعقد بين شعيرتين، والمعلوم أن الإنسان لو حاول مهما حاول أن يعقد بين شعيرتين فإنه لا يستطيع، ولكن لا يزال يعذب ويقال: لابد أن تعقد بينهما، وهذا وعيد يدل على أن التحلم بحلم لم يره الإنسان من كبائر الذنوب، وهذا يقع من بعض السفهاء، يتحدث ويقول،: رأيت البارحة كذا وكذا؛ لأجل أن يضحك الناس وهذا حرام عليه، وأشد من ذلك أن يقول: رأيت النبي ﷺ وقال لي كذا وكذا وما أشبه ذلك، فإنه أشد وأشد، لأنه كذب على رسول الله ﷺ ، أما من تحلم بحلم رآه فهذا لا بأس به ولكن ينبغي للإنسان أن يعلم أن ما يراه الإنسان في منامه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم: يكون خيرًا ويستبشر به الإنسان ويفرح به الإنسان، فهذا لا يحدث به إلا من يحب، لأن الإنسان له حساد كثيرون، فإذا رأى رؤيا حسنة
стр. 3231
وحدث بها من لا يحب فإنه ربما يكيد له كيدًا، يحول بينه وبين هذا الخير الذي رآه، كما فعل إخوة يوسف ﷺ فإن يوسف بن يعقوب ﷺ وعلى أبيه قال لأبيه: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين يعني رأيت هؤلاء أحد عشر كوكبًا يعني نجومًا والشمس والقمر كلها تسجد لي فقال له ﴿يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾ فلا تخبر إنسانًا ليس من أحبائك وأصدقائك الذين لا يودون لك ما يودون لأنفسهم، لا تخبرهم بما ترى من رؤيا الخير.
القسم الثاني: رؤيا شر، هذا القسم الثاني مما يراه الإنسان في المنام، رؤيا شر تزعج وتخوف، هذا لا تخبر به أحدًا أبدًا لا صديقك ولا عدوك، وإذا قمت من منامك فاتفل عن يسارك ثلاثًا وقل: أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت.
وإن كنت تريد أن تواصل النوم فنم على الجنب الآخر، يعني لا على الجنب الذي رأيت فيه ما تكره فإنها لا تضر، فمن رأى ما يكره يعمل ما يلي: أولاً: إن استيقظ يتفل عن يساره ثلاث مرات ويقول: أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت.
إن أراد أن يواصل النوم ينام على الجنب الثاني إذا قام، فلا يخبر بها أحدًا؛ لأن ذلك لا يضره، فإذا فعل هذا فإنه لا يضره بإذن الله، وكان الصحابة يرون الرؤيا تمرضهم وتقلقهم فلما حدثهم النبي ﷺ بهذا الحديث فعلوا ما أرشدهم إليه واستراحوا، وكثير من الناس مبتلى يبحث عن الشر لنفسه؛ يرى الرؤيا يكرهها ثم يحاول أن يقصها على الناس ليعبروها له، وهذا غلط إذا رأيت الرؤيا تكرهها فهذا عندك دواء من أحسن الأدوية بل هو
стр. 3232
أحسن الأدوية، علمك إياه رسول الله ﷺ .
القسم الثالث: رؤيا أضغاث أحلام، ليس لها رأس ولا قدم، يرى الإنسان أشياء متناقضة ويرى أشياء غريبة، وهذه لا تحدث بها أحدًا ولا تهتم بها، وقد حدث رجل رسول الله ﷺ حديثًا قال: يا رسول الله رأيت في المنام أن رجلاً قد قطع رأسي، فذهب الرأس شاردًا، فذهبت وراءه لاحقًا له.
فقال له النبي ﷺ : لا تحدث الناس بما يتلعب بك الشيطان في منامك.
وهذا من الشيطان يقطع رأسك ويشرد بها وأنت تلاحقه، هذا ما له أصل، فمثل هذه الأشياء لا تهتم بها ولا تحدث بها أحدًا، أما من رأى الرسول ﷺ فإذا رأى الرسول ﷺ على الوصف المعروف الذي وصف السيرة النبوية، ورآه على هيئة حسنة فهذا يدل على خير لهذا الرائي وأنه قد تأسى به أسوة حسنة، وإن رآه على خلاف ذلك فليحاسب نفسه، فإذا رآه مثلاً أنه يحدث الرسول ولكن الرسول معرض عنه أو الرسول قد ولى وتركه ورآه على هيئة غير حسنة، يعني مثلاً من ثيابه أو ردائه أو إزاره أو مل شابه ذلك، فليحاسب نفسه، فإنه مقصر في اتباع الرسول ﷺ .
أما المسألة الثانية: من تسمع قومًا وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة يعني الذي يتسمع إلى أناس وهم يكرهون أن يسمع فإنه يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة.
قال العلماء: الآنك هو الرصاص المذاب والعياذ بالله، والرصاص
стр. 3233
المذاب بنار جهنم أعظم من نار الدنيا بتسع وستين مرة، وسواء كانوا يكرهون أن يسمع لغرض صحيح أو لغير غرض؛ لأن بعض الناس يكره أن يسمعه غيره ولو كان الكلام ما فيه خطأ ولا فيه سب، ولكن لا يريد أن أحدًا يسمعه، وهذا يقع فيه بعض الناس، تجده مثلاً إذا رأى اثنين يتكلمون يأخذ المصحف ويجلس قريبًا منهم ثم يبدأ يطالع المصحف كأنه يقرأ، وهو يستمع إليهم وهم يكرهون ذلك، هذا الرجل يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة فيعذب هذا العذاب والعياذ بالله.
وأما الشطر الثاني من الحديث وهو التصوير فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله في درس قادم
١٥٤٤ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة، عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ رواه البخاري.
تحلم أي: قال أنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وهو كاذب والآنك بالمد وضم النون وتخفيف الكاف: وهو الرصاص المذاب.
١٥٤٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا رواه البخاري.
ومع ناه: يقول: رأيت فيما لم يره.
١٥٤٦ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق،
стр. 3234
وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا.
فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى.
قال: قلت لهما سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا.
فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه.
ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى.
قال: قلت: سبحان الله، ما هذان.
قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.
فأتينا على مثل التنور، فأحسب أنه قال: فإذا فيه لغط، وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضئوا، قلت ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.
فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيغفر له فاه، فيلقمه حجرًا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما
стр. 3235
رجع إليه، فغر فاه له، فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.
فأتينا على رجل كريه المرآة، أو كأكره ما أنت راء رجلاً مرأى، فإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها، قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا.
فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان ما رأيتهم قط، قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا.
فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها، ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها، إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، وإذا هو نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة.
قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك، فسما بصري صعدًا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء.
قالا لي: هذا منزلك.
قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله.
قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله.
стр. 3236
قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا؟ فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: إنا سنخبرك.
أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.
وأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.
وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.
وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا.
وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم.
وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة وفي رواية البرقاني: ولد على الفطرة.
فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم.
رواه البخاري.
وفي رواية له: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض
стр. 3237
مقدسة ثم ذكره.
وقال: فانطلقنا إلى نقب مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نارًا، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا خمدت، رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة.
وفيها: حتى آتينا على نهر من دم، ولم يشك - فيه رجل قائم على وسط النهر، وعلى شط النهر رجل، وبين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج جعل يرمي في فيه بحجر، فيرجع كما كان.
وفيها: فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب.
وفيها: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة وفيها: الذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، فيفعل به إلى يوم القيامة.
والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني ادخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته، أتيت منزلك رواه البخاري.
قوله: يثلغ رأسه وهو بالثاء المثلثة والغين المعجمة، أي: يشدخه
стр. 3238
ويشقه.
قوله: يتهدهده أي: يتدحرج، والكلوب بفتح الكاف، وضم اللام المشددة، وهو معروف.
قوله: فيشرشر أي: يقطع.
قوله: ضوضئوا وهو بضادين معجمتين، أي صاحوا.
قوله: فيغفر هو بالفاء والغين المعجمة، أي: يفتح.
قوله: المرآة هو بفتح الميم، أي: المنظر.
قوله: يحشها هو بفتح الياء وضم الحاء المهملة والشين المعجمة، أي: يوقدها، قوله روضة معتمة هو بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم، أي: وافية النبات طويلته.
قوله: دوحة وهي بفتح الدال، وإسكان الواو وبالحاء المهملة: وهي الشجرة الكبيرة، قوله المحض هو بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وبالضاد المعجمة: وهو اللبن.
وقوله: فسما بصري أي: ارتفع.
وصعدا: بضم الصاد والعين: أي: مرتفعا.
والربابة: بفتح الراء وبالباء الموحدة مكررة، وهي السحابة.
[الشَّرْحُ]
سبق الكلام على أول حديث عبد الله بن عباس ﵄، على جملتين منه، الجملة الأولى (من تحلم بحلم لم يره) ، والثانية (من استمع إلى قوم هم له كارهون) .
أما الثالثة فهو (من صور صورة فإنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ) واعلم أن الصورة تنقسم إلى قسمين: صور مجسمة، بأن يصنع الإنسان تمثالاً على صورة
стр. 3239
إنسان أو حيوان، فهذا محرم، سواء أراده لغرض محرم أو لغرض مباح، مجرد هذا التصوير محرم، بل هو من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ لعن المصورين وبين أن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله.
والقسم الثاني: الملون، يعني ليس له جسم بل هو بالتلوين، فهذا قد اختلف العلماء فيه فمنهم من أجاز وقال لا بأس به إلا إذا قصد به غرضا محرما مثل أن يقصد به التعظيم - تعظيم المصور - فإنه يخشى إذا طال بالناس زمن أن يعبدوه كما جرى لقوم نوح فيما يذكر أنهم صوروا صورة لرجال صالحين ثم عبدوها لما طال الزمن وقال بعض العلماء: إنه لا بأس به إذا كان ملونا واستدلوا بحديث زيد بن خالد وفيه: (إلا رقما في ثوب) قالوا: هذا يدل على أن هذا مستثنى فيدل على أن المحرم ما له روح فقط، ولكن الراجح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا فرق بين المجسم وبين الملون الذي يكون بالرقم كله محرم؛ لأن الذي يرقم باليد صورة يحاول أن يكون مبدعا مشابها لخلق الله فيدخل في العموم، وأما الصور التي تلتقط التقاطا بالآلة المعروفة، آلة التصوير الفوتوغرافية، فهذه من المعلوم أنها لم تكن معروفة في عهد الرسول ﷺ ، والمعروف في عهده إنما هو التصوير باليد الذي يضاهي به الإنسان خلق الله أما هذه الآلة فغير معروفة، وليس الإنسان يصورها بيده ويخططها،
стр. 3240
يخطط الوجه مثلا، والعينين، والأنف، والشفتين، وما أشبه ذلك لكنه هو يلقي ضوء معينا تقدمت به معرفة الناس فتنطبع هذه الصورة في ورقة، وهو لم يحدث شيئا في الصورة لم يصورها إطلاقا وإنما التقطت هذه الصورة بواسطة الضوء فهذا لا شك أنه فيما نرى أنه لم يصور، غاية ما هنالك أن الصورة طبعت بالورقة، فكان الذي بالورقة هو خلق الله يعني هذه الصورة هي الصورة التي خلقها الله، والدليل على ذلك أن الإنسان لو كتب كتابا بيده ثم صوره بالآلة، آلة التصوير، فإنها إذا طلعت الصورة لا يقال إن هذا هو كتابة الذي حرك الآلة وصور (الشخص القائم بالتصوير) بل يقال هذا كتابة الأول الذي خطه بيده، فهذا مثله، ولكن يبقى النظر لماذا صور الإنسان هذه الصور الفوتوغرافية، إذا كان لغرض محرم فهو حرام من باب تحريم الوسائل، كما لو اشترى الإنسان سلاحا في فتنة أو بيضا لقمار أو ما أشبه ذلك، يعني أن هذا مباح ولكن لغرض محرم فلا يجوز من باب تحريم الوسائل، أما إذا كان الغرض مباحا كتصوير لاستخراج رخصة السيارة أو البطاقة الشخصية وما أشبه ذلك فهذا لا بأس به، هذا هو الذي نراه في هذه المسألة، والناس ابتلوا بها الآن بلوى عظيمة وصارت منتشرة في كل شيء، ولكن يجب على الإنسان أن يعرف ويحقق ويميز بين ما حرمه الله ورسوله وبين ما لم يأت تحريمه، فلا نضيق على عباد الله ولا نوقعهم في محارم الله هذا إذا كان المصور له روح لقوله (كلف أن ينفخ فيها الروح) أما إذا كان المصور لا روح له، كتصوير الأشجار والشمس والقمر والنجوم والجبال
стр. 3241
والأنهار، فهذا لا بأس به لأنه ليس فيه روح، وقال بعض العلماء: ما كان ناميا كالشجر والزرع فإنه لا يجوز تصويره، لأنه جاء في الحديث فليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة وهذا نام فيشبه ما كان له روح لكن هذا خلاف قول جمهور العلماء، والصحيح أنه لا بأس به، أما ما يصنعه الإنسان فلا شك أنه يجوز تصويره كالقصور والسيارات وما أشبهها فصارت الآن الأقسام متعددة، ما يصنعه الإنسان بيده فهذا لا بأس من تصويره، مثل السيارات والقصور والأبواب وما أشبه ذلك وما هو خلق الله وليس بنام لا ينمو كالشمس والقمر والنجوم والجبال والأقمار، فهذا أيضا لا بأس به وهذا محل اتفاق، وما كان من خلق الله وليس له روح ولكنه ينمو كالشجر والزرع وما أشبهه فجمهور العلماء على أنه لا بأس به، وذهب بعض العلماء ومنهم مجاهد بن جبر - تابعي مشهور - إلى أنه حرام والصحيح أنه لا بأس به، وأما ما فيه روح فهذا لا يجوز أن يصور، لأن النبي ﷺ لعن المصورين وأما مسألة التقاط الصور فهذا لا نرى أنه داخل في التصوير إطلاقا، لأن الملتقط لم يحصل منه فعل يكون به التصوير ولكن يبقي النظر خلف أنه يلتقط هذه الصور لشيء محرم أو لا هذا هو محل التفصيل والله الموفق
стр. 3242
باب بيان ما يجوز من الكذب أعلم أن الكذب وإن كان أصله محرما، فيجوز في بعض الأحوال بشروط قد أوضحتها في كتاب الأذكار ومختصر ذلك أن الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا وإن كان واجبا كان الكذب واجبا فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وأخفى ماله وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة، وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائها والأحوط في هذا كله أن يوري ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودا صحيحا ليس هو كاذبا بالنسبة إليه وإن كان كاذبا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال واستدل العلماء بجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا متفق عليه.
стр. 3243
زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعني الحرب، والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
:
[الشَّرْحُ]
سبق لنا أن الكذب محرم وأن منه ما هو كبيرة من كبائر الذنوب كالكذب على الله ورسوله، ذكر المؤلف في هذا الباب أن الكذب يجوز أحيانا إذا كانت المصلحة كبيرة عظيمة، وأنه قد يجب الكذب إذا كان فيه دفع مضرة وظلم، مثال ذلك في دفع المضرة والظلم أن يكون شخص ظالم يريد أن يقتل شخصا معصوما، فيختفي هذا الشخص المعصوم عن الظالم، وأنت تعلم مكانه، فسألك هذا الظالم الذي يريد قتله بغير حق: أين فلان؟ هل فلان في هذا؟ فتقول: لا ليس فلان في هذا، وأنت تدري أنه فيه.
فهذا لا بأس به بل هو واجب لإنقاذ المعصوم من الهلكة فإن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولكن الأفضل أن توري يعني تنوي معنى صحيحا ليس فيه كذب وإن كان ظاهر اللفظ أنه كذب فتقول مثلا إذا قال هذا الظالم فلان في هذا؟ تقول ليس في هذا وتشير إلى شيء معين ليس فيه كما يذكر أن الإمام أحمد
стр. 3244
رحمه الله جاءه رجل يسأل عن أحد التلاميذ: أين فلان، فقال الإمام أحمد: ليس فلان هاهنا وما يصنع فلان هاهنا ويلمس يده يعني ليس في يدي وما يصنع في يدي هذه تورية فإذا قيل مثلا إذا جاءك هذا الظالم الذي يريد أن يقتل هذا الشخص بغير حق، وقال هل فلان هاهنا تقول لا وتلمس يدك بيدك الأخرى يعني ليس في يدي أو إنسان ألح بشيء وأنت لا تريد أن تعطيه لأنه يفسد المال فتقول: والله ما بيدي شيء ويدك ليس فيها شيء ليس فيها دراهم ولا غير تقول: ليس في يدي شيء وأنت صادق وهو يفهم أنه ليس عندك شيء أو يكون عندك وديعة لشخص فيأتي إنسان ظالم ويقول أين وديعة فلان، يعني إنسان وضع عندك أمانة مثلا دراهم قال لك احفظها لي فجاء شخص ظالم يريد أن يأخذ هذه الدراهم جاء إليك قال أين الوديعة التي أعطاها لك فلان، أعطني إياها فقلت والله ما عندي له وديعة تأول فتنوي بقولك والله ما عندي له وديعة يعني والله إن الذي عندي له وديعة تجعل ما بمعنى الذي وأنت صادق الذي لفلان عندك وديعة لكن يفهم المخاطب أن ما نافية وأنه ليس له عندك وديعة فالحاصل أنه إذا كان هناك ظلم وأراد الإنسان أن يدفعه وكذب فهذا لا بأس به ولكن الأولي والأحسن أن يوري يعني ينوي معنى صحيحا ليس فيه كذب والمخاطب يظن أنه كذب وكذلك أيضا إذا كانت المصلحة كبيرة كالكذب في الحرب لا بأس به لأنه فيه مصلحة كبيرة مثل أن تأتي عيون العدو يعني جواسيسه يسألون يقولون مثلا هل الجيش كبير وهل معه عدة، وهل هو قوي، تقول: نعم
стр. 3245
الجيش كبير وعظيم وقوي ومعه عدة ولو كنت تعرف أن هذا لا بأس به لأن فيه مصلحة كبيرة وهي إلقاء الرعب في قلوب الأعداء وكذلك الإصلاح بين الناس يأتيك شخص قد ذكر له أن شخصا آخر يغتابه ويسبه فيأتي إليك ويقول سمعت أن فلانا قال في كذا وكذا، فتقول: أبدا ما قال فيك شيئا هذا لا بأس به لأن فيه إصلاحا بين الناس كذلك من المصلحة حديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها فيها يوجب الألفة والمودة مثل أن يقول لها أنت عندي غالية وأنت أحب إلي من سائر النساء وما أشبه ذلك وإن كان كاذبا لكن من أجل إلقاء المودة والمصلحة تقتضي هذا فالمهم أن الكذب يجب إذا كان لإنقاذ معصوم من هلكة أو حماية مال معصومة من تلف ويباح إذا كان فيه مصلحة عظيمة ومع ذلك فمن الأولى أن يوري أي يجعل الكلام تورية حتى يسلم من الكذب والله الموفق
стр. 3246
باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه
قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ وقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾
١٥٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع رواه مسلم.
١٥٤٨ - وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين رواه مسلم
١٥٤٩ - وعن أسماء ﵂ أن امرأة قالت: يا رسول الله إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني، فقال النبي ﷺ : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور متفق عليه.
المتشبع: هو الذي يظهر الشبع وليس بشبعان، ومعناها هنا أنه يظهر أنه حصل له فضيلة وليست حاصلة ولابس ثوبي زور أي: ذي زور
стр. 3247
وهو الذي يزور على الناس بأن يتزي بزي أهل الزهد أو العلم أو الثروة ليغتر به الناس وليس هو بتلك الصفة وقيل غير ذلك والله أعلم:
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب التثبت فيما يقول وما يتكلم به - لما ذكر ﵀ تحريم الكذب - والكذب أن يخبر الإنسان بما لم يكن على وجهه الصحيح أعقبه بهذا الباب، أن الإنسان يتثبت فيما ينقل ويتكلم به، لاسيما في زمن الأهواء وكثرة القيل والقال والتحدث بما كان أو لم يكن، ثم استدل لذلك بالآيات والأحاديث قال الله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم (لا تقف) يعني لا تتبع ما ليس لك به علم ولا تتكلم إلا بما تعلم وقد قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ يعني إلا عنده رقيب أي مراقب يراقب ما تقول، عتيد حاضر فلا يغيب عنه، وهذا تحذير من أن يتكلم الإنسان بشيء لا يعلم عنه، لأنه بذلك آثم ثم ذكر في ذلك أحاديث: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع يعني أن الإنسان إذا صار يحدث بكل ما سمع من غير تثبت وتأن، فإنه يكون عرضة للكذب، وهذا هو الواقع ولهذا يجيء إليك بعض الناس يقولون: صار كذا وكذا، ثم إذا بحثت وجدت أنه لم يكن، أو يأتي إليك ويقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا بحثت
стр. 3248
وجدته لم يقل، وأعظم شيء أن يكون هذا فيما يتعلق بحكم الله وشريعته بأن يكذب على الله فيقول في القرآن برأيه ويفسر القرآن بغير ما أراد الله أو يكذب على النبي ﷺ يقول: قال النبي ﷺ كذا.
وهو كاذب، أو ينقل حديثا يرى أنه كذب وهو لم يكذبه ولكن يقول: قال فلان كذا وكذا عن رسول الله ﷺ وهو يرى أنه كذب فإنه يكون أحد الكاذبين كما بين ذلك النبي ﷺ ويزداد إثم التقول إذا تشبع الإنسان بما لم يعط، كما في حديث المرأة أنها يكون لها ضرة يعني زوجة أخرى مع زوجها فتقول إن زوجي أعطاني كذا وأعطاني كذا وهي كاذبة، لكن تريد أن تراغم (تغيظ) ضرتها وتفسدها على زوجها، فهذا كما قال النبي ﷺ : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور أي كذب.
والحاصل أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما يقول ويتثبت فيمن ينقل إليه الخبر، هل هو ثقة، أو غير ثقة كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ ولاسيما إذا كثرت الأهواء وصار الناس يتخبطون ويكثرون من القيل والقال بلا تثبت ولا بينة، فإنه يكون التثبت أشد وجوبا، حتى لا يقع الإنسان في المهلكة.
والله الموفق
стр. 3249
باب بيان تغليظ تحريم شهادة الزور
قال الله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ ، وقال تعالى: ﴿لا تقف ما ليس لك به علم﴾ ، وقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ ، وقال تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ ، وقال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾
١٥٥٠ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب تغليظ تحريم شهادة الزور، شهادة الزور أن يشهد بما يعلم أن الأمر بخلافة، أو يشهد بما لا يعلم أن الأمر بخلافه أو بوفاقه، أو يشهد بما يعلم أن الأمر على وفاقه لكنه على صفة غير الواقع، هذه ثلاثة أحوال وكلها حرام، لا يحل لإنسان أن يشهد إلا بما علم على الوجه الذي علمه، فإن شهد بما يعلم أن الأمر بخلافه مثل أن يشهد لفلان بأنه يطلب فلانا كذا وكذا وهو يعلم أنه كاذب، فإن هذا والعياذ بالله
стр. 3250
شهادة زور، ومثل أن يشهد لفلان أنه فقير يستحق الزكاة وهو يعلم أنه غني، ومثل ما يفعله بعض الناس عند الحكومة يشهد بأن فلانا له عائلة عدد أفرادها كذا وكذا وهو يعلم أنه كاذب والأمثلة على هذا كثيرة ويظن هذا المسكين الذي شهد بشهادة الزور يظن أنه نافع لأخيه أنه بار به والواقع أنه ظالم لنفسه وظالم لأخيه، أما كونه ظالما لنفسه فظاهر، لأنه آثم وأتى كبيرة من كبائر الذنوب، وأما كونه ظالما لأخيه فلأنه أعطاه ما لا يستحقه وجعله يأخذ المال بالباطل، وقد قال النبي ﷺ : انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم كيف ننصر الظالم، قال: تمنعه من الظلم فذلك نصره فهؤلاء الذين يشهدون بالزور والعياذ بالله يظنون أنهم ينفعون إخوانهم وهم يضرون أنفسهم وإخوانهم.
ثم استشهد المؤلف بآيات بعضها سبق قريبا وبعضها لم يسبق فقال: قول الله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور وأول ما يدخل في قول الزور شهادة الزور، وقد جعل الله تعالى ذلك مع الرجس من الأوثان أي مع الشرك فدل هذا على عظم شهادة الزور، وقال الله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ يمدحهم وإذا كان هؤلاء مدحوا بعدم شهود الزور فأولى أن يمدحوا إذا لم يقولوا الزور، وإذا كان عدم شهادة الزور مدحا دل ذلك على أن شهادة الزور
стр. 3251
أو القول بالزور قدح وضرر.
ثم ذكر حديث أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ألا) أداة عرض استفتح بها النبي ﷺ كلامة للتنبيه، تنبيه المخاطب إلى أمر ذي شأن، ولهذا قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول الله قال: الشرك بالله وهذا أعظم الظلم وأكبر الكبائر وأشد الذنوب عقوبة، لأن من يشرك بالله فإن الله قد حرم عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.
والثاني عقوق الوالدين يعني قطع برهما، والوالدان هم الأب والأم، والواجب على الإنسان أن يبر بهما، وأن يخدمهما بقدر ما يستطيع وأن يطيعهما إلا ما فيه ضرر أو معصية لله فإنه لا يطيعهما.
قال: وكان متكئا فجلس تعظيما لما سيقول قال: ألا وقول الزور وشهادة الزور وإنما عظم النبي ﷺ أمرها لكثرة الوقوع فيها وعدم اهتمام الناس بها فأرى الناس أن أمرها عظيم، كان يحدث عن الشرك وعقوق الوالدين وهو متكئ، ثم جلس اهتماما بالأمر: ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها قال: حتى قلنا: ليته سكت.
وهذا دليل على عظم شهادة الزور وقول الزور وعلى الإنسان أن يتوب إلى الله من هذا لأنه يتضمن كما قلت ظلم نفسه وظلم من شهد له.
والله الموفق
стр. 3252
باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
١٥٥١ - عن أبي زيد ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁ وهو من أهل بيعة الرضوان قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه ولعن المؤمن كقتله متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم لعن المعين من آدمى أو دابة اللعن معناه: الطرد والإبعاد عن رحمة الله فإذا قلت: اللهم العن فلانا، فإنك تعني أن الله يبعده ويطرده عن رحمته والعياذ بالله.
ولهذا كان لعن المعين من كبائر الذنوب، يعني لا يجوز أن تلعن إنسانا بعينه، فتقول اللهم العن فلانا أو تقول لعنه الله عليك، أو ما أشبه ذلك حتى لو كان كافرا وهو حي فإنه لا يجوز أن تلعنه، لأن النبي ﷺ لما صار يقول: اللهم العن فلانا، اللهم العن فلانا يعينهم قال الله له: ليس لك من الامر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ومن الناس من تأخذه الغيرة فيلعن الرجل المعين إذا كان كافرا وهذا لا يجوز، لأنك لا تدري لعل الله أن
стр. 3253
يهديه وكم من إنسان كان من أشد الناس عداوة للمسلمين والإسلام هداه الله وصار من خيار عباد الله المؤمنين، ونضرب لهذا مثلا: عمر بن الخطاب الرجل الثاني بعد أبي بكر في هذه الأمة، كان من ألد أعداء الإسلام ففتح الله عليه فأسلم.
خالد بن الوليد كان يقاتل المسلمين في أحد وهو من جملة من كر عليهم وداهمهم، عكرمة بن أبي جهل.
وغيرهم من كبار الصحابة الذين كانوا من أول ألد أعداء المسلمين فهداهم الله .
ولهذا قال: ﴿ليس لك من الامر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ أما إذا مات الإنسان على الكفر وعلمنا أنه مات كافرا فلا بأس أن نلعنه لأنه ميئوس من هدايته والعياذ بالله لأنه مات على الكفر.
ولكن ما الذي نستفيده من لعنه ربما يدخل هذا - أعني لعنه - في قول النبي ﷺ : لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا ونحن نقول لهذا الرجل الذي يلعن الكافر أو الذي مات على الكفر نقول: إن لعنك إياه لا فائدة منه في الواقع، لأنه قد استحق الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فليس من أهل رحمة الله أبدا، بل هو من أصحاب النار هم فيها خالدون وكذلك أيضا البهائم لا يجوز أن تلعن البهيمة: البعير، الحمار، بقرة، شاة، لا يجوز أن تلعنه، وسيأتي إن شاء الله في الأحاديث ما يبين حكم ذلك.
ثم ذكر المؤلف حديث أبي زيد ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: من حلف علي يمين بملة غير الإسلام وهو فيها كاذب متعمدا فهم كما
стр. 3254
قال مثال ذلك إذا قال الإنسان: هو يهودي أو نصراني إن كان كذا وكذا وكان الأمر على خلاف ما يقول فإنه كما قال، يعني أنه يهودي أو نصراني - نسأل الله العافية - مثال هذا أخبرنا رجل جاء إلينا وقال: إنه قدم فلان أمس قلنا ما هو صحيح قال هو يهودي إن كان ما قدم فتبين أنه لم يقدم والرجل قال: هو يهودي متعمدا، فبين الرسول ﷺ أنه كما قال عن نفسه أي أنه يصير يهوديا أو نصرانيا وهذا يدل على أن الحلف بمله غير الإسلام كاذبا متعمدا من كبائر الذنوب، فإن كان غير كاذب بأن كان صادقا فإنه لا يلحقه هذا الوعيد، لكننا نقول له إذا كنت حالفا فاحلف بالله كما قال الرسول ﷺ : من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت وكذلك إن كان قال ذلك غير متعمد بأن يظن أن الأمر كذلك، وتبين أن الأمر على خلاف ما اعتقد فإنه لا يدخل في هذا الوعيد، ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا حلف بالله على شيء معتقدا أنه كما حلف ثم تبين أنه على خلاف اعتقاده فإنه لا إثم عليه ولا كفارة عليه، مثال ذلك: لو قال: فلان سيقدم غدا متأكد يقول: إني متأكد والله ليقدمن غدا، قال ذلك بناء على ظنه ثم لم يقدم فلا كفارة عليه لأنه حلف على ظنه غير متعمد، ولذلك أقر النبي ﷺ الرجل الذي قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منه يعني ما بين لابتي المدينة أهل بيت أفقر منه، مع
стр. 3255
أن هذا الرجل لم يأت على كل البيوت يفتش فيها لكن حلف على غالب ظنه، فأقره النبي ﷺ على ذلك وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على الحديث
١٥٥١ - عن أبي زيد ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁، وهو من أهل بيعة الرضوان قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين بمله غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء، عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه، ولعن المؤمن كقتله متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
سبق الكلام على أول هذا الحديث، حديث أبي زيد بن ثابت بن الضحاك ﵁، وهو أن من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال: والثاني أن من قتل نفسه بشيء عذب به في جهنم يعني إذا قتل الإنسان نفسه بشيء فإنه يعذب به في جهنم رجل أكل سما ليموت فمات فإنه يتحسى هذا السم في جهنم خالدا مخلدا فيها والعياذ بالله صعد إلى السقف فأسقط نفسه حتى هلك فإنه يعذب بمثل ذلك في جهنم قتل نفسه بسكين فإنه يعذب بها في جهنم قتل نفسه بعصاة فإنه يعذب بها في جهنم قتل نفسه بقنابل فإنه يعذب بها في جهنم ومن ذلك فعل بعض الناس الذين ينتحرون يلبس الإنسان قنابل يحزمها على بطنه ثم يذهب إلي فئة من العدو ويطلقها فيكون هو أول من يموت هذا يعتبر قاتلا لنفسه ويعذب بما قتل به نفسه في جهنم والعياذ بالله وهؤلاء يطلقون على أنفسهم الفدائيين ولكنهم قتلوا أنفسهم فيعذبون في نار جهنم بما قتلوا به أنفسهم وليسوا بشهداء لأنهم فعلوا فعلا محرما والشهيد هو الذي يتقرب إلى الله تعالى بفعل ما أمره الله به لا بفعل ما نهاه عنه والله يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ويقول: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ لكننا نقول هؤلاء الذين
стр. 3256
نسمع عنهم يفعلون ذلك نرجو ألا يعذبوا لأنهم جاهلون متأولون لكنهم ليس لهم أجر وليسوا بشهداء لأنهم فعلوا ما لم يأذن به الله بل ما نهى الله عنه فإن قال قائل: أليس الصحابة يغامرون فيدخلون صف الأعداء من الروم وغير الروم، قلنا بلى لكن هل هذا قتل لأنفسهم، ليس بقتل صحيح أنهم على خطر لكن فيه احتمال النجاة ولهذا يدخلون صفوف الروم فيقتلون من شاء الله ثم يرجعون إلى الجيش وكذلك ما فعله البراء بن مالك ﵁ في وقعة اليمامة فإنهم لما وصلوا إلى حائط مسيلمة الكذاب وجدوا الباب مغلقا ولم يتمكنوا من دخوله وكان البراء بن مالك ﵁ أخا أنس بن مالك كان شجاعا فطلب من الجيش أن يلقوه من وراء الجدار ليفتح لهم الباب فألقوه من وراء الجدار من أجل أن يفتح لهم الباب ففعلوا حتى يدخلوا على مسيلمة الكذاب وفعلا فتح لهم الباب ونجا فلا يمكن أن نستدل بمثل هذه الوقائع على جواز الانتحار الذي يفعله هؤلاء من سلطان ولكن نقول نرجو من الله أن لا يأخذهم بما صنعوا لأنهم صنعوا ذلك عن جهل وحسن نية فمن قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في نار جهنم واعلم أنه قد ورد فيمن قتل نفسه بشيء أنه يعذب به في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا فذكر التأبيد فهل يعني ذلك أنه كافر ? لأنه لا يستحق الخلود المؤبد إلا الكفار الجواب: لا ليس بكافر ? بل يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالمغفرة كما فعل النبي ﷺ في الرجل الذي قتل نفسه بمشاقص ? فقدم إلى
стр. 3257
الرسول ﷺ ليصلي عليه لكنه لم يصل عليه وقال صلوا عليه فصلوا عليه بأمر الرسول ﷺ وهذا يدل على أنه ليس بكافر وحينئذ لا يستحق الخلود المؤبد فما ذكر في الحديث من ذكر التأبيد وإن كانت اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ فالمراد شدة التهديد والتنفير من هذا العمل ? وإلا فليس بكافر
стр. 3258
الجملة الثالثة أن لعن المؤمن كقتله يعني إذا قلت للمؤمن: لعنك الله فكأنما قتلته لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ومن طرد وأبعد عن رحمة الله صار كالمقتول الذي عدم الحياة الدنيا فإن ذلك المطرود المبعد عن
стр. 3259
رحمة الله حرم حياة الآخرة والقتل يحرم به المقتول من الحياة الدنيا واعلم أن لعن المؤمن من كبائر الذنوب وأنه لا يحل وأن من لعن مؤمنا فإن اللعنة تذهب إلى الملعون إن كان أهلا لها فقد استحقها وإن لم يكن أهلا لها رجعت إلى قائلها - والعياذ بالله - فصار هو الملعون المطرود عن رحمة الله والله الموفق.
١٥٥٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا.
رواه مسلم
١٥٥٣ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة رواه مسلم:
[الشَّرْحُ]
سبق الكلام على أول حديث أبي زيد ثابت بن الضحاك ﵁ وبقي فيه جملة تركناها وهي قول ﷺ : ولا نذر على ابن آدم فيما لا يملك يعني الإنسان ليس عليه نذر فيما لا يملك فلو نذر قال لله علي نذر أن أتصدق بمال فلان - فهذا لغو ولا ينعقد النذر لأن مال فلان ليس ملكا له وليعلم أن النذر مكروه نهى عنه النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء وإنما يستخرج به من البخيل وكثير من الناس يكون عنده مريض أو يضيع له مال فينذر إن شفى الله مريضه أن يصوم أو يحج أو يتصدق أو يعتمر أو يفعل شيئا من الطاعات ثم إذا قدر الله الشفاء ذهب يسأل العلماء يريد أن يتخلص مما نذر وربما يكسل ويترك ما نذر وهذا خطر خطر عظيم إذا نذرت لله تعالى شيئا على شيء يحققه الله لك ثم تحقق فلم توف فإن هذا خطر عظيم يؤكده قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به فلم يتصدقوا ﴿وتولوا وهم معرضون﴾ فلم يكونوا من الصالحين ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يعني ألقى الله في قلوبهم النفاق إلى الموت والعياذ بالله وهذا وعيد شديد ولذلك نهى النبي ﷺ عن النذر لأن الإنسان يوجب على نفسه ما هو في غنى عنه وما هو في سعة منه وإذا أردت أن يشفي الله مريضك أو أن يرد مالك فاسأل الله: اللهم اشف مريضي اللهم رد علي مالي ليس هناك طريق يعني لم تنسد الطرق إلا بالنذر وعلى كل حال قال أهل العلم ﵏: إن النذر أقسام: النذر الأول: نذر الطاعة أن ينذر الإنسان أن يصلي أو يصوم أو يتصدق أو يحج أو يعتمر فهذا يجب الوفاء به لقول النبي ﷺ : من نذر أن يطيع الله فليطعه وسواء كان معلقا على شرط أو غير معلق الثاني: نذر المعصية فهذا لا يجوز الوفاء به مثل أن ينذر الإنسان أن لا يكلم فلانا وفلانا من المؤمنين الذين لا يهجرون لكن صارت بينه وبينه عداوة يعني سوء تفاهم قال: لله علي نذر ما أكلم فلانا أو لله علي نذر ما أزور أخي قريبي أو ما أشبه ذلك هذه معصية حرام ولا يجوز الوفاء بهذا النذر لقول النبي ﷺ : من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولكن ماذا يكون يجب عليه أن يكفر كفارة اليمين الثالث: ما يسمى عند العلماء بنذر اللجاج والغضب وهو الذي يقصد به الإنسان المنع أو الحث أو التصديق أو التكذيب مثل أن يقول لله علي نذر أن لا أفعل كذا وكذا يحملها على ذلك أنه يريد الامتناع ما أراد النذر لكن أراد معنى النذر فهذا يخير بين فعله إن كان فعلا أو تركه إن كان تركا وبين كفارة اليمين مثاله أن يقول لله علي نذر لا ألبس هذا الثوب نقول أنت الآن بالخيار إن شئت تلبسه وكفر كفارة اليمين وإن شئت لا تلبسه ولا كفارة عليك القسم الرابع النذر المطلق يعني ليس في شيء محدد قال الإنسان لله علي نذر فقط فهذا عليه كفارة يمين لقول النبي ﷺ كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين والحاصل أنه لا ينبغي للإنسان أن ينذر الخير يأتي بدون نذر والقضاء لا يرد بالنذر كما قال النبي ﷺ : إنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء وكم من أناس الآن يسألون يقول مثلا بعضهم نذرت إن شفى الله مريضي لأصومن شهرين متتابعين نقول من حثك على هذا إن شفى الله مريضه لزمه أن يصوم شهرين متتابعين بعض الناس يقول نذرت إن شفى الله مريضي أن أذبح سبعا من الإبل أعوذ بالله إن شف الله مريضه لزمه أن يذبح سبعا من الإبل ويتصدق بها ولا يأكل منها شيئا نذر إن رد الله غائبه فإنه يذبح شاة ما الداعي لكن لو رد الله غائبه وجب عليه أن يذبح شاة ويتصدق بها ولا يأكل منها شيئا فاترك النذر لكن إذا نذرت طاعة وجب عليك أن تفي بما نذرت والله الموفق
١٥٥٤ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار رواه أبو داود والترمذي وقالا حديث حسن صحيح
١٥٥٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء رواه الترمذي وقال حديث حسن.
١٥٥٦ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا شمالا فإذا
стр. 3260
لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن كان أهلا لذلك وإلا رجعت إلى قائلها رواه أبو داود
١٥٥٧ - وعن عمران بن الحصين ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد رواه مسلم
١٥٥٨ - وعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي ﵁ قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت بالنبي ﷺ وتضايق بهم الجبل فقالت: حل اللهم العنها فقال النبي ﷺ : لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة رواه مسلم قوله: حل بفتح الحاء المهملة، وإسكان اللام وهي كلمة لزجر الإبل واعلم أن هذا الحديث قد يستشكل معناه ولا إشكال فيه بل المراد النهي أن تصاحبهم تلك الناقة وليس فيه نهي عن بيعها وذبحها وركوبها
следующие страницы →