← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

نسمع عنهم يفعلون ذلك نرجو ألا يعذبوا لأنهم جاهلون متأولون لكنهم ليس لهم أجر وليسوا بشهداء لأنهم فعلوا ما لم يأذن به الله بل ما نهى الله عنه فإن قال قائل: أليس الصحابة يغامرون فيدخلون صف الأعداء من الروم وغير الروم، قلنا بلى لكن هل هذا قتل لأنفسهم، ليس بقتل صحيح أنهم على خطر لكن فيه احتمال النجاة ولهذا يدخلون صفوف الروم فيقتلون من شاء الله ثم يرجعون إلى الجيش وكذلك ما فعله البراء بن مالك ﵁ في وقعة اليمامة فإنهم لما وصلوا إلى حائط مسيلمة الكذاب وجدوا الباب مغلقا ولم يتمكنوا من دخوله وكان البراء بن مالك ﵁ أخا أنس بن مالك كان شجاعا فطلب من الجيش أن يلقوه من وراء الجدار ليفتح لهم الباب فألقوه من وراء الجدار من أجل أن يفتح لهم الباب ففعلوا حتى يدخلوا على مسيلمة الكذاب وفعلا فتح لهم الباب ونجا فلا يمكن أن نستدل بمثل هذه الوقائع على جواز الانتحار الذي يفعله هؤلاء من سلطان ولكن نقول نرجو من الله أن لا يأخذهم بما صنعوا لأنهم صنعوا ذلك عن جهل وحسن نية فمن قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في نار جهنم واعلم أنه قد ورد فيمن قتل نفسه بشيء أنه يعذب به في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا فذكر التأبيد فهل يعني ذلك أنه كافر ? لأنه لا يستحق الخلود المؤبد إلا الكفار الجواب: لا ليس بكافر ? بل يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالمغفرة كما فعل النبي ﷺ في الرجل الذي قتل نفسه بمشاقص ? فقدم إلى

стр. 3257

الرسول ﷺ ليصلي عليه لكنه لم يصل عليه وقال صلوا عليه فصلوا عليه بأمر الرسول ﷺ وهذا يدل على أنه ليس بكافر وحينئذ لا يستحق الخلود المؤبد فما ذكر في الحديث من ذكر التأبيد وإن كانت اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ فالمراد شدة التهديد والتنفير من هذا العمل ? وإلا فليس بكافر

стр. 3258

الجملة الثالثة أن لعن المؤمن كقتله يعني إذا قلت للمؤمن: لعنك الله فكأنما قتلته لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ومن طرد وأبعد عن رحمة الله صار كالمقتول الذي عدم الحياة الدنيا فإن ذلك المطرود المبعد عن

стр. 3259

رحمة الله حرم حياة الآخرة والقتل يحرم به المقتول من الحياة الدنيا واعلم أن لعن المؤمن من كبائر الذنوب وأنه لا يحل وأن من لعن مؤمنا فإن اللعنة تذهب إلى الملعون إن كان أهلا لها فقد استحقها وإن لم يكن أهلا لها رجعت إلى قائلها - والعياذ بالله - فصار هو الملعون المطرود عن رحمة الله والله الموفق. ١٥٥٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا. رواه مسلم ١٥٥٣ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة رواه مسلم: [الشَّرْحُ] سبق الكلام على أول حديث أبي زيد ثابت بن الضحاك ﵁ وبقي فيه جملة تركناها وهي قول ﷺ : ولا نذر على ابن آدم فيما لا يملك يعني الإنسان ليس عليه نذر فيما لا يملك فلو نذر قال لله علي نذر أن أتصدق بمال فلان - فهذا لغو ولا ينعقد النذر لأن مال فلان ليس ملكا له وليعلم أن النذر مكروه نهى عنه النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء وإنما يستخرج به من البخيل وكثير من الناس يكون عنده مريض أو يضيع له مال فينذر إن شفى الله مريضه أن يصوم أو يحج أو يتصدق أو يعتمر أو يفعل شيئا من الطاعات ثم إذا قدر الله الشفاء ذهب يسأل العلماء يريد أن يتخلص مما نذر وربما يكسل ويترك ما نذر وهذا خطر خطر عظيم إذا نذرت لله تعالى شيئا على شيء يحققه الله لك ثم تحقق فلم توف فإن هذا خطر عظيم يؤكده قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به فلم يتصدقوا ﴿وتولوا وهم معرضون﴾ فلم يكونوا من الصالحين ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يعني ألقى الله في قلوبهم النفاق إلى الموت والعياذ بالله وهذا وعيد شديد ولذلك نهى النبي ﷺ عن النذر لأن الإنسان يوجب على نفسه ما هو في غنى عنه وما هو في سعة منه وإذا أردت أن يشفي الله مريضك أو أن يرد مالك فاسأل الله: اللهم اشف مريضي اللهم رد علي مالي ليس هناك طريق يعني لم تنسد الطرق إلا بالنذر وعلى كل حال قال أهل العلم ﵏: إن النذر أقسام: النذر الأول: نذر الطاعة أن ينذر الإنسان أن يصلي أو يصوم أو يتصدق أو يحج أو يعتمر فهذا يجب الوفاء به لقول النبي ﷺ : من نذر أن يطيع الله فليطعه وسواء كان معلقا على شرط أو غير معلق الثاني: نذر المعصية فهذا لا يجوز الوفاء به مثل أن ينذر الإنسان أن لا يكلم فلانا وفلانا من المؤمنين الذين لا يهجرون لكن صارت بينه وبينه عداوة يعني سوء تفاهم قال: لله علي نذر ما أكلم فلانا أو لله علي نذر ما أزور أخي قريبي أو ما أشبه ذلك هذه معصية حرام ولا يجوز الوفاء بهذا النذر لقول النبي ﷺ : من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولكن ماذا يكون يجب عليه أن يكفر كفارة اليمين الثالث: ما يسمى عند العلماء بنذر اللجاج والغضب وهو الذي يقصد به الإنسان المنع أو الحث أو التصديق أو التكذيب مثل أن يقول لله علي نذر أن لا أفعل كذا وكذا يحملها على ذلك أنه يريد الامتناع ما أراد النذر لكن أراد معنى النذر فهذا يخير بين فعله إن كان فعلا أو تركه إن كان تركا وبين كفارة اليمين مثاله أن يقول لله علي نذر لا ألبس هذا الثوب نقول أنت الآن بالخيار إن شئت تلبسه وكفر كفارة اليمين وإن شئت لا تلبسه ولا كفارة عليك القسم الرابع النذر المطلق يعني ليس في شيء محدد قال الإنسان لله علي نذر فقط فهذا عليه كفارة يمين لقول النبي ﷺ كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين والحاصل أنه لا ينبغي للإنسان أن ينذر الخير يأتي بدون نذر والقضاء لا يرد بالنذر كما قال النبي ﷺ : إنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء وكم من أناس الآن يسألون يقول مثلا بعضهم نذرت إن شفى الله مريضي لأصومن شهرين متتابعين نقول من حثك على هذا إن شفى الله مريضه لزمه أن يصوم شهرين متتابعين بعض الناس يقول نذرت إن شفى الله مريضي أن أذبح سبعا من الإبل أعوذ بالله إن شف الله مريضه لزمه أن يذبح سبعا من الإبل ويتصدق بها ولا يأكل منها شيئا نذر إن رد الله غائبه فإنه يذبح شاة ما الداعي لكن لو رد الله غائبه وجب عليه أن يذبح شاة ويتصدق بها ولا يأكل منها شيئا فاترك النذر لكن إذا نذرت طاعة وجب عليك أن تفي بما نذرت والله الموفق ١٥٥٤ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار رواه أبو داود والترمذي وقالا حديث حسن صحيح ١٥٥٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء رواه الترمذي وقال حديث حسن. ١٥٥٦ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا شمالا فإذا

стр. 3260

لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن كان أهلا لذلك وإلا رجعت إلى قائلها رواه أبو داود ١٥٥٧ - وعن عمران بن الحصين ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد رواه مسلم ١٥٥٨ - وعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي ﵁ قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت بالنبي ﷺ وتضايق بهم الجبل فقالت: حل اللهم العنها فقال النبي ﷺ : لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة رواه مسلم قوله: حل بفتح الحاء المهملة، وإسكان اللام وهي كلمة لزجر الإبل واعلم أن هذا الحديث قد يستشكل معناه ولا إشكال فيه بل المراد النهي أن تصاحبهم تلك الناقة وليس فيه نهي عن بيعها وذبحها وركوبها

стр. 3261

في غير صحبة النبي ﷺ بل كل ذلك وما سواه من التصرفات جائز لا منع منه إلا من مصاحبته ﷺ بها لأن هذه التصرفات كلها كانت جائزة فمنع بعض منها فبقي الباقي على ما كان والله أعلم: [الشَّرْحُ] هذه أحاديث ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في التحذير من اللعن فمنها حديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار يعني لا يلعن بعضكم بعضا بلعنة الله فيقول لصاحبه لعنك الله ولا بغضبه فيقول غضب الله عليك ولا بالنار فيقول أدخلك الله النار كل هذا حذر منه النبي ﷺ لأنه قد يقال لمن لا يستحقه وكذلك أيضا أن النبي ﷺ قال: ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء وهذا يدل على أن هذه الأمور نقص في الإيمان وأنها تسلب عن المؤمن حقيقة الإيمان وكمال الإيمان فلا يكون طعانا يطعن في الناس بأنسابهم أو بأعراضهم أو بشكلهم وهيئاتهم أو بآمالهم ولا باللعان الذي ليس له هم إلا اللعنة قل كلمة لعنك الله قل كذا لعنك الله لماذا تقول كذا أو يقول لأولاده: لعنكم الله هاتوا هذا أو ما أشبه ذلك فالمؤمن ليس باللعان ولا بالفاحش الذي يفحش في كلامه بصراخ أو نحو ذلك ولا بالبذيء الذي يعتدي على غيره فالمؤمن مؤمن

стр. 3262

مسالم ليس عنده فحش في قوله ولا في فعله ولا غير ذلك لأنه مؤمن وكذلك حديث اللعنة أن الإنسان إذا لعن شخصا أو شيئا من الأشياء صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء الأولى ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبواب الأرض دونها ثم تذهب يمينا وشمالا ثم ترجع إلى الذي لعن فإن كان أهلا لها فقد استحقها وإلا رجعت إلى قائلها وهذا وعيد شديد على من لعن من ليس أهلا للعن فإن اللعنة تتحول في السماء والأرض واليمين والشمال ثم ترجع في النهاية إلى قائلها إذا لم يكن الملعون أهلا لها ثم ذكر حديث عمران بن حصين امرأة كانت على بعير لها فضجرت منها وتعبت وسأمت ولعنتها قالت: لعنك الله فسمع ذلك النبي ﷺ فأمر أن يأخذ ما عليها من الرحل والمتاع وتعرى يعني البعير ثم تصرف قال: فلقد رأيتها في الناس لا يتعرض لها أحد لأن النبي ﷺ أمر أن تصرف وهذا من باب التعزيز تعزيز هذه المرأة أن تلعن دابة لا تستحق اللعن ولهذا قال لا تصحبنا دابة ملعونة لأن هذه المرأة لعنتها والملعون لا ينبغي أن يستعمل فلذلك نهى النبي ﷺ عنها وتركها فيكون هذا تعذيرا للمرأة التي لعنت هذه الدابة وهي لا تستحق والله الموفق

стр. 3263

باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين قال الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وقال تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة وأنه قال لعن الله آكل الربا وأنه لعن المصورين وأنه قال لعن الله من غير منار الأرض أي حدودها وأنه قال: لعن الله السارق يسرق البيضة وأنة قال: لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله وأنه قال: من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وأنه قال: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله وهذه ثلاث قبائل من العرب وأنه قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال وجميع هذه الألفاظ في الصحيح بعضها في صحيحي البخاري ومسلم وبعضها في أحدهما وإنما قصدت الاختصار بالإشارة إليها وسأذكر معظمها في أبواب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى: [الشَّرْحُ] لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) تحريم لعن المعين وأنه لا يجوز أن تلعن شخصا معينا ولو كان كافرا مادام حيا لأنك لا تدري فلعل الله أن يهديه فيعود إلى الإسلام إن كان مرتدا أو يسلم إن كان كافرا أصليا ذكر بعد ذلك ﵀ بابا في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين لأن هناك فرقا بين المعين وبين العام فيجوز أن تلعن أصحاب المعاصي على سبيل العموم إذا كان ذلك لا يخص شخصا بعينة ثم استدل ﵀ بآيات وأحاديث منها قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين وقوله ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ وعلى هذا فيجوز أن تقول: اللهم العن الظالمين على سبيل العموم ما هو شخص واحد معين فيشمل كل ظالم وكذلك ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن

стр. 3264

الواصلة والمستوصلة وهذا في النساء الواصلة التي تصل الشعر بشعر آخر حتى يرى شعرها وكأنه طويل أو كأنه ثخين يعني منتشر والمستوصلة التي تطلب من يصل هذا فهاتان امرأتان ملعونتان على لسان الرسول ﷺ الواصلة والمستوصلة لكن لو رأيت امرأة معينة تصل امرأة أخرى معينة تطلب من يصل شعر رأسها فلا يجوز أن تلعن هذه المعينة لا يجوز مثل أننا نشهد لكل من قتل شهيدا أنه في الجنة كذا عموما لكن لو قتل الإنسان في المعركة في جهاد في سبيل الله لا نقول هذا الرجل شهيد بعلم أو نشهد أنه في الجنة لأن الشهادة في الجنة لها شأن آخر وكذلك لعن المعين له شأن آخر وضرب المؤلف ﵀ أمثلة لذلك منها: لعن الله من غير منار الأرض يعني حدودها وذلك في الجيران إذا كان الإنسان مثلا له جار في الأرض فغير مراسم الحدود أدخل شيئا من أرض جاره إلى أرضه فهذا ملعون على لسان النبي ﷺ وهو مع كونه ملعونا والعياذ بالله سوف يكلف يوم القيامة بأن يحمل ما أدخل من أرض جاره يحمله على عنقه من سبع أرضين قال ﷺ : من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه يوم القيامة من سبع أرضيين نسأل الله العافية ونعوذ بالله من الخزي والعار يأتي يوم القيامة بين العالم يحمل ما أدخله من أراضي غيره من سبع أرضيين وكذلك أيضا لعن النبي ﷺ من لعن والديه إذا إنسان قال لوالده لأمه أو لأبيه لعنك الله أو لعنك الله أو عليك لعنة الله فإنه مستحق للعنة الله لأن الوالدين حقهما البر والإحسان ولين القول

стр. 3265

فإذا لعنهما والعياذ بالله استحق اللعنة قال النبي ﷺ : لعن الله من لعن والديه فيجوز أن تقول اللهم العن من لعن والديه وكذلك المصورون فيمكن أن تقول اللهم العن كل مصور لأن النبي ﷺ لعن المصورين وهكذا الأحاديث التي ذكرها المؤلف فيفرق بين العام والخاص العام لا يخص أحدا بعينه والخاص هو أن يخص أحدا بعينه فتخصيص أحد بعينه باللعن هذا حرام ولا يجوز أما على سبيل العموم فلا بأس ويأتي إن شاء الله الكلام على بقية الأحاديث التي مثل بها المؤلف والله أعلم وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة وأنه قال: لعن الله آكل الربا وأنه لعن المصورين: [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي عقدها المؤلف ﵀ لبيان جواز لعن أهل المعاصي غير المعينين وقد سبق في الباب الذي قبله أنه لا يجوز لعن المعين ولو كان كافرا أما غير المعين بأن يلعن الإنسان من اتصف بهذه الصفة فهذا لا بأس به فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن الواصلة والمستوصلة الواصلة هي التي تصل الشعر والمستوصلة هي التي تطلب من يصله يعني بأن المرأة يكون رأسها قصيرا وشعرها قليلا فتضيف إلى رأسها شيئا من الشعر لأجل أن يكون طويلا عندما يراه الناس وكثيفا فلعن النبي ﷺ من فعل ذلك وبعض الأحاديث حتى ولو كان شعرها قليلا جدا فإنه لا يجوز لها ذلك ومن هذا ما يسمى بالباروكة فأن بعض علمائنا المحققين قالوا إن لبس

стр. 3266

الباروكة من الوصل وأن التي تلبس الباروكة ولو للتجمل ملعونة والعياذ بالله وهل يلحق بذلك ما يسمى بالعدسات الملونة التي تلبسها بعض النساء ربما يقال إنه يلحق بذلك لأن المرأة تضع شيئا يجمل عينها يجعل عينها كأنها عين إنسانة أخرى إما حمراء أو خضراء حتى سمعت بعضهم يقولون إنهم يجعلون عدسات لونها أخضر وبعضها أزرق وما أشبه ذلك فالاحتياط أن يقال إنها تلحق بذلك لأنه لا فرق بينها وبين الشعر فإن قال قائل هذه مثل الكحل لا تثبت قلنا وكذلك وصل الشعر لا يثبت ولهذا أخشى أن تكون هذه العدسات الملونة من جنس الوصل ثم إنه ثبت من الناحية الطبية أنها مضرة بالعين وإن كان ضررها لا يرى على المدى القصير لكن يرى على المدى الطويل قال: وثبت أنه لعن آكل الربا يعني وموكله لعن الرسول ﷺ في الربا خمسة آكل وهو الذي يأخذ الربا

стр. 3267

وموكله وهو الذي يعطي الربا وشاهديه وهما اللذان يشهدان به وكاتبه الذي يكتب بين المرابين كل هؤلاء ملعونون على لسان الرسول ﷺ لكن لا يجوز إذا رأيت شخصا يبيع بالربا لا يجوز أن تقول لعنك الله بل تقول على سبيل العموم لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه لأن هناك فريقا بين التعيين وبين التعميم فالتعميم لا بأس به لكن التخصيص لا يجوز وكذلك ثبت عنه أنه لعن المصورين لكن ليس كل مصور بل المراد من صور ما به روح إذا صور الإنسان ما فيه روح كالآدمي وقرد وأسد وذئب وحشرات وما أشبه ذلك إذا صورها فإنه حرام عليه لا يجوز بل هو ملعون على لسان النبي ﷺ فلك أن تقول اللهم العن المصورين لكن لا تقل العن فلانا ولو كان يصور لأنه مخصوص فالتعيين لا يجوز ثم إن الصور التي تحرم هي الصورة التي مثل التمثال يعني يصنع إنسان من العجين أو من الجبس أو من الجص أو غيرها من المواد يصنع شيئا على صورة إنسان أو حيوان فهذا حرام وأما الأشجار وشبهها فإنه لا بأس به على القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء وأما ما يصنعه الإنسان فلا بأس به قطعا مثل أن يصور سيارة أو قطار أو ما أشبه ذلك واختلف العلماء ﵏ في التصوير الرقم يعني التصوير باللون على ورقة أو على خرقة أو ما أشبه ذلك من العلماء من قال لا بأس به واحتجوا بحديث زيد ين خالد الجهني وهو أن الرسول ﷺ قال: إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة إلا

стр. 3268

رقما في ثوب فقالوا: إلا رقما في ثوب هذه الصورة التي ترسم باليد على ورقة أو على ثوب وما أشبه ذلك لكن الصحيح أنه لا يجوز حتى الرقم في الثوب أو في الورقة لا يجوز أن تصور صورة بيدك وأما الصورة بالآلة الفوتوغرافية الفورية فهذه ليست من التصوير في شيء ولا تدخل في قول الرسول ﷺ كل مصور في النار لأنك لم تصور في الواقع فأنت لم تخط الوجه ولا العين ولا الأنف ولا الفم وإنما سلطت ضوء معينا إذا قابله جسم انطبع في الورق دون أن ترسم العين والأنف والشفاه وما أشبه هذا فليس هذا بتصوير وليس هذا بتخصيص للمصور بالآلة ويدل على ذلك دلالة واضحة يتبين بها الأمر أنك لو كتبت رسالة إلى إنسان بقلمك بيدك ثم أدخلتها في الآلة المصورة وخرجت الصور هل هي صورة الذي حرك الآلة أو هي صورة الكتاب الذي كتبه الأول؟ الجواب الثاني بلا شك ولهذا يمكن أن نحرك هذه الآلة آلة التصوير ويمكن أن يحركها رجل أعمى فليس هذا من فعله إنما يقال هذا الذي صور صورة فوتوغرافية: إن كانت لمقصد حرام صارت حراما من باب تحريم الوسائل وإن كانت لمقصد جائز فهي جائزة ولا يقال إن المصور في النار ولذلك يجب أن يفرق الشخص بين التصوير وبين استعمال التصوير كما فرق بين ذلك أهل العلم ففي عبارة زاد المستقنع، كتاب الفقه المعروف قال يحرم التصوير واستعماله ففرق بين التصوير واستعماله فنحن نقول هذه الصورة الفوتوغرافة لا تدخل في لفظ حديث التصوير لكن إذا صورها الإنسان ليستخدمها على وجه محرم صارت حراما من باب تحريم الوسائل هؤلاء ثلاثة لعنهم الرسول ﷺ : [الشَّرْحُ] الأول: الواصلة والمستوصلة والثاني: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه والثالث: المصورون وسيأتي إن شاء الله بقية ما ذكره المؤلف ﵀ ثبت أن النبي ﷺ قال: لعن الله من غير منار الأرض أي حدودها وأنه قال: لعن الله السارق يسرق البيضة وأنه قال: لعن الله من لعن والديه: [الشَّرْحُ] هذا الباب عقده النووي ﵀ في رياض الصالحين يبين به أن اللعن الذي ليس على معين لا بأس به وذكر أمثلة من ذلك سبق منها ثلاثة واليوم نأخذ ثلاثة أيضا منها أن النبي ﷺ لعن من غير منار الأرض يعني حدودها مثل أن يكون الإنسان له جار فيأتي الإنسان فيدخل من أرض جاره على أرضه فيوسع أرضه ويضيق أرض جاره فهذا ملعون لعنه النبي ﷺ وقد ثبت عنه ﷺ : أن من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله به يوم القيامة من سبع

стр. 3269

أرضين وإذا كان هذا فيمن غير حدود الأرض يعني المراسيم فكيف بمن أخذ الأرض كلها واجتاحها والعياذ بالله فهو أولى باللعن والطرد عن رحمة الله كما يوجد أناس يعتدون على أراضي غيرهم يأخذونها بالباطل ويدعون أنها لهم وربما يأتون بشهود زور يشهدون لهم فيحكم لهم بذلك فيدخلون في اللعن ويوم القيامة يأتون بها مطوقين بها في أعناقهم نسأل الله العافية أمام عباد الله ومن ذلك أن النبي ﷺ لعن السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده والسارق هو الذي يأخذ المال بخفية من حرز مثله مثل أن يأتي بالليل أو في غفلة الناس فيفتح الأبواب ويسرق هذا السارق إذا سرق نصابا وهو ربع دينار أو ما يساويه من الدراهم أو المتاع فإنها تقطع يده يده اليمنى من مفصل الكف لقول الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله والله عزيز حكيم ولا فرق بين أن يكون السارق شريفا أو وضيعا أو ذكرا أو أنثى لأن النبي ﷺ أمر بقطع يد المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها فأهم قريشا ذلك وطلبوا من يشفع لها إلى الرسول ﷺ فطلبوا من أسامة بن زيد أن يشفع برفع العقوبة عنها فاختطب النبي ﷺ وقال: إنما أهلك من قبلكم أنهم

стр. 3270

كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها فأقسم ﵊ أنه لو سرقت ابنته فاطمة أشرف النساء نسبا لقطع يدها ولكن هذا الحديث الذي أشار إليه النووي ﵀ في رياض الصالحين يقول يسرق البيضة والبيضة لا تبلغ نصاب السرقة لأن نصاب السرقة ربع دينار فكيف قال يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده قال بعض العلماء إن المراد بالبيضة هنا بيضة الرأس الذي يجعلها الإنسان عند القتال على رأسه تقيه السهام وهي مثمنة تساوي ربع دينار أو أكثر والمراد بالحبل حبل السفن الذي تربط به في المرسى حتى لا تأخذها الأمواج وهو أيضا ذو قيمة وقال بعض العلماء المراد بالبيضة بيضة الدجاجة لأن النبي ﷺ أطلقها والبيضة عند الإطلاق لا يفهم منها إلا بيضة الدجاجة والحبل هو الحبل الذي يربط به الحطب وما أشبه ذلك ولكن الرسول ﷺ قال: تقطع يده لأنه إذا اعتاد سرقة الصغير تجرأ على سرقة الغالي والمثمن فقطعت يده وهذا أقرب إلى الصواب أن السارق والعياذ بالله إذا سرق الشيء اليسير تجرأ فسرق الشيء الكبير فتقطع يده الثالث: قال إن النبي ﷺ لعن من لعن والديه سواء كانت الأم أو الأب يقول لأبيه لعنة الله عليك أو لأمه ولكن الصحابة قالوا يا رسول

стр. 3271

الله أيلعن الرجل والديه هذا أمر لا يمكن قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه يعني يتنازع اثنان فيقول أحدهما للآخر لعن الله والديك فيقول الثاني بل أنت لعن الله والديك فلما كان هو السبب في أن يلعن الآخر والديه أعطى حكم من لعن والديه مباشرة فهذان الشخصان لعنهما الرسول ﷺ ولكن هل يمكن أن تأتي لشخص معين غير حدود الأرض تقول لعنك الله الجواب لا لا يجوز أن تلعنه وهو معين أو سمعت إنسانا يلعن والديه تقول لعنك الله لا يصح هذا حرام لكن تقول له اتق الله فإن الرسول ﷺ لعن من غير منار الأرض وتقول للثاني السارق اتق الله فإن الرسول ﷺ لعن السارق يسرق البيضة ويسرق الحبل وتقول للثالث اتق الله لا تلعن والديك ولا تكن سببا في لعنهما فإن النبي ﷺ لعن من لعن والديه أما أن تنص عليه فتقول لعنك الله أو أنت ملعون فهذا حرام ولا يجوز لأنه فرق بين العام وبين الخاص والله الموفق ولعن الله من ذبح لغير الله وأنه قال: من أحدث فيها حدثا أو

стр. 3272

آوى محدثا فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين وأنه قال: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله وهذه ثلاث قبائل من العرب: [الشَّرْحُ] هؤلاء ثلاثة أنواع ممن يجوز لعنهم على سبيل العموم وقد سبق أنه لا يجوز لعن المعين ولو كان كافر لأنه لا يجوز أن تقول اللهم العن فلانا وإن كان كافر لكن على العموم وزدت أحاديث في أصناف متعددة سبق منها ما سبق ويلحق منها ما يلحق إن شاء الله ومن ذلك قول النبي ﷺ : لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من ذبح لغير الله وذلك أن الذبح لغير الله شرك لأنه عبادة والعبادة إذا صرفها الإنسان لغير الله كان مشركا قال الله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وقال تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ فأمر بالصلاة وأمر بالنحر وأن ذلك لله فكما أن من صلى لغير الله فهو مشرك فمن ذبح لغير الله فهو مشرك وهذا إذا وقع الذبح عبادة وتقربا وتعظيما أما إذا وقع الذبح لغير الله على سبيل الإكرام كإكرام الضيف مثلا لو نزل بك ضيف فذبحت له ذبيحة من أجل أن تقدمها له ليأكلها فلا بأس بل هذا مما يؤمر به لقول النبي

стр. 3273

صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيقه وإذا كان من إكرام الضيف أن تذبح له ذبيحة إكراما لقدومه فهذا مما يؤمر به وتارة يذبح لغير الله يعني لقصد الأكل إنسان يريد أن يأكل لحما فذبح ذبيحة يريد بها الأكل هذا أيضا ليس بشرك هذا أمر عادي يأكل الإنسان طعاما لكن الشرك إذا ذبحه تعبدا وتقربا وتعظيما مثل ما يفعل بعض الناس لملوكهم أو رؤسائهم أو علمائهم إذا أقبل ذبحوا الذبيحة بوجهه إكراما وتعظيما هذا شرك أكبر مخرج من الملة وهذا مع كونه شركا حرم الله على فاعله الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار هو أيضا ملعون فاعله كما قال النبي ﷺ : لعن الله من ذبح لغير الله ومن ذلك أيضا ما ذكره بقوله: من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين من أحدث فيها أي في المدينة حدثا أو آوى محدثا، والحدث هنا يراد به شيئا، الأول: البدعة فمن ابتدع فيها بدعة فقد أحدث فيها لقول النبي ﷺ : كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فمن أحدث فيها حدثا أي ابتدع في دين الله ما لم يشرعه الله في المدينة فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين يعني استحق أن يلعنه كل لاعن والعياذ بالله لأن المدينة مدينة السنة مدينة النبوة فكيف يحدث فيها حدث مضاد لسنة الرسول ﷺ والنوع الثاني من الحدث الفتنة أن يحدث فيها فتنة بين المسلمين سواء أدت إلى إراقة الدماء أو إلى ما دون ذلك من العداوة والبغضاء والتشتت فإن من أحدث هذا الحدث فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين أما من أحدث

стр. 3274

معصية عصى الله فيها في المدينة فإنه لا ينطبق عليه هذا الوعيد بل يقال إن السيئة في المدينة أعظم من السيئة فيما دونها ولكن صاحبها لا يستحق اللعن الذي يستحق اللعن هو الذي أحدث فيها واحدا من أمرين إما بدعة وإما فتنة هذا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين الثالث اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله هؤلاء قبائل من العرب حصل منهم عدوان على أصحاب النبي ﷺ فدعا عليهم الرسول ﷺ باللعنة اللهم العنهم ولم يلعن شخصا معينا بل لعن القبيلة كلها والمراد من حدث منهم هذا الحدث وهو الاعتداء على أصحاب رسول الله ﷺ ولا أظن أن من لم يفعل ذلك تلحقه هذه اللعنة لقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ والله الموفق وأنه قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال وجميع هذه الألفاظ في الصحيح بعضها في صحيحي البخاري ومسلم، وبعضها في أحدهما وإنما قصدت الاختصار بالإشارة إليها وسأذكر معظمها في أبوابها من هذا الكتاب إن شاء الله:

стр. 3275

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ بقية الأصناف التي يجوز الدعاء عليهم على سبيل العموم منها قوله ﷺ : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد اليهود هم أتباع موسى والنصارى هم أتباع عيسى لكن بعد أن بعث النبي ﷺ وعرفوه ولم يؤمنوا به كان حكمهم سواء في أنهم مغضوب عليهم لأنهم تركوا الحق مع علمهم به والعياذ بالله وبين النبي ﷺ سبب لعنه إياهم في قوله: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يعني أنهم يبنون المساجد على قبور أنبيائهم ويصلون فيها فهذا من فعله فهو ملعون على لسان النبي ﷺ إن كان من اليهود أو من النصارى أو ممن يدعي أنه مسلم فإنه ملعون على لسان رسول الله ﷺ وإذا بني المسجد على القبر ولو صلى الإنسان فيه لله لا لصاحب القبر فإن صلاته باطلة محرمة يجب عليه إعادتها وهذا المسجد الذي بني يجب هدمه ولا يجوز الصلاة فيه أما لو كان المسجد قائما ثم دفن به أحد من الصالحين أو من الأمراء أو من الوزراء أو من الرؤساء فإنه يجب أن ينبش القبر وأن يدفن في المكان الذي تدفن فيه الناس ولا يجوز إبقاؤه لأن المساجد لم تبن ليقبر فيها إنما بنيت للصلاة وذكر الله وقراءة القرآن وإذا شككنا هل بني المسجد أولا ودفن فيه الميت أم دفن الميت ثم بني عليه المسجد؟ فالاحتياط ألا يصلى فيه لله وأن يبتعد عنه لئلا يعرض صلاته للخطر فإن قال قائل ما الجواب عن هذا الحديث في قصة قبر النبي ﷺ فإنه

стр. 3276

الآن في المسجد فالجواب أن يقال إن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد وإنما دفن في بيته ولم يبن عليه المسجد بل كان يمثل قائمة الأول ولكنهم احتاجوا لزيادته فزادوه من هذا الجانب أي من الجانب الذي يرتاده مستقبل القبلة وكأنهم والله أعلم في ذلك الوقت لم يتيسر لهم مكان سوى هذا فوسعوا من قبله فبقى القبر في مقصورة في البيت منفصلا عن المسجد بينه وبينه جدار ثم بعد أن شاء الله أن يسلط رجلين يريدان أن يستخرجا بدن رسول الله ﷺ ليحرقاه أو يجعلاه في متحف أو ما لا ندري وذلك أن أحد الخلفاء جاءه آت في الليل وقال له أدرك رسول الله ﷺ من الرجلين الأصغرين يعني في عيونهما صغرة فجاءه مرة ومرتين وثلاثة ففزع الخليفة ثم ارتحل من بلده إلى المدينة فزعا مسرعا فلما وصل المدينة أمر أن تصنع وليمة عظيمة طعام وقال لواليه على المدينة ادع لي جميع أهل المدينة فدعاهم وهذا الخليفة ينظر في الحاضرين فلم يجد الوصف الذي ذكر له في المنام ثم أمر أن يدعو مرة ثانية وثالثة ولم ير الرجلين فقال لواليه على المدينة لماذا لم تدع أهل المدينة؟ قال: كلهم دعوتهم لم يبق إلا رجلان غريبان في المسجد منذ جاءا وهما معتكفان في المسجد فقال: أحضرهما فجيء بهما على الوصف الذي قيل له في المنام فأمر أن يبحث عن حالهما فإذا هما في الليل ينقبان خندقا من أسفل الأرض وإذا هما قريبان من القبر فأمر بقتلهما ثم أمر أن يحفر القبر على جوانبه إلى أن وصل إلى الجبل ثم صبه بالرصاص وبنى عليه ثلاثة جدران فأصبح القبر منفردا تماما عن المسجد ليس في المسجد ولم يبن عليه المسجد فهذا هو الجواب عما

стр. 3277

يشك به أهل الشرك وأهل القبور من قبر النبي ﷺ أما الصنف الأخير فقال المؤلف ﵀ ولعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والتشبه يكون بالأقوال والأفعال والهيئات واللباس فتجد الرجل يتشبه بالمرأة في صوتها يحكي صوت المرأة ويتكلم وكأنه امرأة هذا ملعون على لسان النبي ﷺ يتشبه بالمرأة في لباسها يلبس الثياب الذي لا يلبسه إلا النساء ومن ذلك أن يضع الباروكة على رأسه كأنه امرأة ومن ذلك أيضا أن يلبس اللباس الخاص بالنساء في الساعات لأن النساء لهن ساعات خاصة وللرجال ساعات خاصة فيلبس الرجال ساعة المرأة وأما الهيئة فأن يضع المكياج ويتورك وإذا قام يمشي كأنه امرأة هذا أيضا ملعون على لسان النبي ﷺ فالمهم أن تشبه الرجال بالمرأة من كبائر الذنوب وتشبه المرأة بالرجل كذلك من كبائر الذنوب بأن تتشبه به في القول أي في الكلام تتكلم كما يتكلم الرجال في ضخامة الصوت ونبراته أو تجعل رأسها كرأس الرجل تقصه حتى يرتفع عن الكتفين أو كذلك تلبس من الثياب والساعات لباس الرجل فكل هذا من كبائر الذنوب والمرأة إذا فعلت ذلك فإنها ملعونة على لسان النبي ﷺ ولكن هل إذا رأينا رجلا معينا متشبها بامرأة هل نقول لعنك الله؟ لا ما نقول لعنك الله نعظه ونقول إن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وكذلك المرأة لأن لعن المعين لا يجوز حتى لو كان كافرا فكيف إذا كان فاسقا؟ فإنه لا يجوز لعنه لكن تقول من تشبه من الرجال بالنساء فهو ملعون ومن تشبه من النساء بالرجال فهي ملعونة هكذا على سبيل العموم والله الموفق

стр. 3278

باب تحريم سب المسلم بغير حق قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ ١٥٥٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه: [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتابه: رياض الصالحين باب تحريم سباب المسلم بغير حق سبه يعني عيبه ووصفه بما يكره لكن في حضوره أما إذا كان في غيبته فهو غيبة ثم ذكر المؤلف ﵀ قول الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الذين مبتدأ فقد احتملوا خبره المعنى أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسب المؤمن والمؤمنة اللذين أوذيا فقد احتملوا بهتانا أي كذبا وإثما مبينا أي عقوبة والعياذ بالله وهذا يشمل كل أذية سواء كان في القول أو في الفعل وكلما كان الإنسان أحق بالإكرام كانت أذيته أعظم وأكبر إثما فأذية القريب ليست كأذية البعيد وأذية الجار ليست كأذية غير الجار وأذية من له حق عليك ليست كأذية من لا حق له عليك المهم أن الأذية تتفاوت

стр. 3279

أثمها وجرمها بحسب المؤذي والعجب أن كثيرا من المسلمين اليوم يؤذون جيرانهم بالمضايقات والاطلاع على عوراتهم وغير ذلك وهذا من أعظم ما يكون من الإثم قال النبي ﷺ والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن - ثلاث مرات - قالوا من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه يعني ظلمه وغشمه وقوله تعالى: ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ يفهم منها أنه إذا أوذي المؤمن بما اكتسب فليس في ذلك بأس يعني لو آذيت إنسانا ردا على فعل له آذاك فأذيته فلا بأس أو آذى إنسانا لإقامة حد لله أو آذى لأداء حق عليه أبى أن يقوم به فلا بأس بل قد أمر الله تعالى باللذين يأتيان الفاحشة فقال: ﴿واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما﴾ فأمر بإيذائهما ﴿تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ وهذا قبل أن يشرع قتل الفاعل والمفعول به في اللواط كان اللوطي في الأول لا يجلد ولا يقتل لكن يؤذى حتى يتوب ثم أمر الله تعالى بقتل الفاعل والمفعول به على لسان نبيه ﷺ وأجمع الصحابة على ذلك ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وهذا يدل على أن الفسق أهون من الكفر لأنه جعل السب فسوقا وجعل القتل كفرا المقاتلة جعلها كفرا فعلى هذا إذا سب المسلم أخاه صار هذا الساب فاسقا لا تقبل شهادته ولا يجعل له ولاية ولا على بنته لا يزوج ولا ابنته لأنه صار فاسقا ولا يصح أن يكون إماما للمسلمين، ولا

стр. 3280

يصح أن يكون مؤذنا هكذا قال كثير من العلماء ﵏ وفي بعض المسائل هذه خلاف لكن المهم أن من سب أخاه فإنه يفسق أما من قاتله فإنه يكفر إن استحل المقاتلة بغير حق فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة وإن لم يستحلها ولكن لهوى في نفسه فإن يكون كافرا لكنه كفر لا يخرج من الملة والدليل على ذلك قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ فجعل الله الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة وهذا يدل على أنهما لا يخرجان من الإيمان لكنه كفر دون كفر والله الموفق ١٥٦٠ - وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك رواه البخاري ١٥٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما حتى يعتدي المظلوم رواه مسلم

стр. 3281

[الشَّرْحُ] قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: من دعى أخاه بكفر أو فسق عاد عليه ما لم يكن صاحبه كذلك يعني إذا قلت لإنسان أنت فاسق أو يا فاسق صرت أنت الفاسق إلا إذا كان هو كذلك وهكذا من كفر أحدا وقال أنت كافر أو يا كافر وليس كذلك صار القائل هو الكافر وفي هذا دليل على أن هذا من كبائر الذنوب لأن النبي ﷺ توعد هذا القائل أن يكون هو الذي يتصف بهذه الصفة وعلى هذا فلا يحل للإنسان أن يقول لأخيه المؤمن يا فاسق أو يقول فلان فاسق إلا إذا كان كذلك وأراد أن يحذر منه فلا بأس وكذلك لا يقول له يا كافر أو يقول فلان كافر فإنه لا يحل له ذلك ما لم يكن هكذا وفيه التحذير من تكفير المسلمين بغير دليل شرعي خلافا لما يتجاسر به بعض الناس والعياذ بالله يكفر على أدنى شيء يقول هذا كفر وهذا فسق وما أشبه ذلك وأما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما المتسابان مبتدأ ما مبتدأ ثاني فعلى البادي خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول والمعنى أن المتسابان إذا تسابا وتشاتما بكلام سيئ فإن الإثم على البادي منهما ما قالا

стр. 3282

فعلى البادي منهما ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى صار عليه الإثم وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يسب صاحبه بمثل ما سبه به ولا يتعدي ولهذا لما قال النبي ﷺ : لعن الله من لعن والديه قالوا: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه فدل هذا على أن الإنسان إذا كان سببا للشر فإنه يناله من شره ما قال فعلى البادئ منه ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى فعليه وإن أخذ بحقه بدون زيادة فليس عليه شيء والله الموفق ١٥٦٢ - وعنه قال أتي النبي ﷺ برجل قد شرب قال: اضربوه قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال: لا تقولوا هذا لا تعينوا عليه الشيطان رواه البخاري [الشَّرْحُ] هذه بقية الأحاديث في باب تحريم سب المسلم بغير حق وقد سبق حديثان حديث ابن مسعود وحديث أبي هريرة ﵄ في هذا الموضوع أما الحديث الثالث فهو عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب يعني قد شرب الخمر وذلك بعد أن نزل تحريمها والخمر كل ما أسكر فهو خمر سواء كان من العنب أو من التمر أو من الشعير أو من البر أو من غير ذلك كل ما أسكر فهو خمر قال النبي ﷺ :

стр. 3283

كل مسكر خمر وكل مسكر حرام والإسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب ليس مجرد تغطية العقل ولهذا البنج ليس مسكرا وإن كان يغطي العقل والمبنج لا يدري ماذا حصل له لكن الخمر نسأل الله العافية يجد الإنسان من السكر لذة وطربا ونشوى حتى يتصور أنه ملك من الملوك وأنه فوق الثريا وما أشبه ذلك كما قيل في هذا: ونشربها فتتركنا ملوكا وكما قال حمزة بن عبد المطلب ﵁ لابن أخيه النبي ﷺ حين رآه النبي ﷺ سكران فتكلم معه فقال له حمزة وهو سكران هل أنتم إلا عبيد أبي وهذه كلمة بشعة لكنه سكران والسكران لا يؤاخذ بما يقول وهذا قبل أن ينزل تحريم الخمر وكان الخمر على أربع مراحل: المرحلة الأولى إباحة أن الله أباحه للعباد إباحة طيبة فقال تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا يعني تشربونه فتسكرون وتتجرون به فتحصلون رزقا المرحلة الثانية تعريض الله تعالى بتحريمه وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ ولم ينه عنهما

стр. 3284

في هذه المرحلة الثانية المرحلة الثالثة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ فنهى عن قربان الصلاة في حال السكر وهذا يقتضي أنه يباح شرب الخمر في غير أوقات الصلاة المرحلة الرابعة: التحريم البائن قال تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ فاجتنبه الناس لكن لما كانت النفوس تدعوا إليها إلى الخمر وشربها جعل لها رادع يردع الناس عن شربها وهو العقوبة ولم يقدر لها النبي ﷺ شيئا فعقوبة الشارب ليست حدا لكنها تعزير ولهذا جيء برجل شرب الخمر فقال النبي ﷺ اضربوه ولا قال أربعين ولا ثمانين ولا مائة ولا عشرة فقاموا يضربونه منه الضارب بثوبه ومنهم الضارب بيده ومنهم الضارب بنعله لكن ضربوه نحو أربعين جلدة فلما انصرفوا وانصرف الرجل قال رجل من القوم: أخزاه الله يعني أذله وفضحه فقال النبي ﷺ لا تقل هكذا لا تدع عليه بالخزي رجل شرب مسكرا وجلد وتطهر بالجلد لا تعينوا عليه الشيطان فنهاهم النبي ﷺ أن يسبوه مع أنه شارب خمر إذا ما موقفنا من شارب الخمر موقفنا أن ندعوا له بالهداية قل اللهم اهده اللهم أصلحه اللهم أبعده عن هذا وما أشبه ذلك أما أن تدعوا عليه فإنك تعين عليه الشيطان وفي هذا دليل على أن الخمر محرم وأن عليه عقوبة

стр. 3285

لكن في عهد عمر بن الخطاب ﵁ انتشرت الفتوحات ودخل في دين الإسلام أناس جدد وكثر شرب الخمر في عهده وكان ﵁ رجلا حازما ناهيك به فأراد أن يعاقب شارب الخمر بعقوبة تكون أشد وأردع إلا أنه ﵁ لورعه وتحرزه جمع الصحابة أي جمع ذوي الرأي وليس المراد كل الصحابة لأن السوقة وعامة الناس لا يصلحون لمثل هذه الأمور ولا لأمور السياسة وليس لعامة الناس أن يلوكوا ألسنتهم بسياسة ولاة الأمور السياسة لها أناس والصحون والقدور لها أناس آخرون ولو أن السياسة صارت تلاك بين ألسن عامة الناس فسدت الدنيا لأن العامي ليس عنده علم وليس عنده عقل وليس عنده تفكير وعقله وفكره لا يتجاوز قدمه ويدل لهذا قول الله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾ ونشروه قال تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ دل هذا على أن العامة ليسوا كأولي الأمر وأولي الرأي والمشورة فليس الكلام في السياسة من المجالات العامة ومن أراد أن تكون العامة مشاركة لولاة الأمور في سياستها وفي رأيها وفكرها فقد ضل ضلالا بعيدا وخرج عن هدي الصحابة وهدي الخلفاء الراشدين وهدي سلف الأمة فالمهم أن عمر بن الخطاب لحزمه جمع ذوي الرأي من الصحابة وقال لهم ما معناه (كثر شرب الخمر) وإذا قل الوازع الديني يجب أن يقوى الرادع السلطاني يعني إذا ضعف الأمر من الناحيتين الوازع الديني والرادع السلطاني فسدت الأمة فاستشارهم ماذا يصنع فقال عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون جلدة ارفع العقوبة إلى ثمانين جلدة ويشير ﵁ أعني عبد الرحمن إلى حد القذف فإن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم

стр. 3286

ثمانين جلده﴾ هذا أخف الحدود فرجع عمر ﵁ عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين وهذا كالنص الصريح على أن عقوبة شارب الخمر ليست حدا بل هي صريح لأنه قال: أخف الحدود ثمانين ووافقه الصحابة على هذا ولم يقل عمر ﵁: أنه ليس كذلك فرفعه عمر وجعل ذلك ثمانين جلدة من أجل أن يرتدع الناس وقد جاء في السنة أن شارب الخمر إذا شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب الرابعة فإنه يجب قتله هكذا جاء في السنة وأخذ بظاهره الظاهرية وقالوا شارب الخمر إذا جلد فإنه يقتل في الرابعة لأنه أصبح عنصرا فاسدا لم ينفع فيه الإصلاح والتقويم وقال جمهور العلماء لا يقتل بل يكرر عليه الجلد كلما شرب جلد وتوسط شيخ الإسلام ﵀ فقال: إذا كثر شرب الخمر في الناس ولم ينته الناس بدون القتل فإنه يقتل في الرابعة وهذا قول وسط روعي فيه الجمع بين المصلحتين مصلحة ما يدل عليه بعض النصوص الصريحة لأن عمر لم يرفع العقوبة إلى القتل مع أنه يقول إن الناس كثر شربهم وبين هذا الحديث الذي اختلفت الناس في صحته وفي بقاء حكمه هل هو منسوخ أو غير منسوخ وهل هو صحيح أو غير صحيح فعلى كل حال فالذي اختاره شيخ الإسلام هو عين الصواب أنه إذا كثر شرب الناس والخمر ولم ينته الناس بدون قتل فإنه يقتل الشارب في الرابعة وليت ولاة الأمور يعملون هذا العمل ولو عملوا هذا العمل لحصل خير

стр. 3287

كثير واندرأ شر كثير وقل شرب الناس للخمر الذي بدأ ينتشر والعياذ بالله وفي بعض البلاد الإسلامية انتشر كانتشار الشراب المباح كعصير الليمون وعصير البرتقال وما أشبه ذلك وهذا لا شك أنه مظهر غير مظهر المسلمين وأنه استباحة له في الواقع كونه يصبح منشورا بين الناس يفتح الإنسان الثلاجة ويشرب الخمر والعياذ بالله هكذا كأنه استباحه وهذا ينطبق عليه قول النبي ﷺ : ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف فإن الناس الآن تقاسموا هذه الأشياء الأربعة منهم من انتشر في شعوبهم الزنا واللواط والعياذ بالله وصار عندهم مباحا يذكر لنا أنه في بعض البلاد إذا نزلت الطائرة وإذا في المطار فتيات وفتيان يقالون للنازل ما تريد؟ جميلة غير جميلة شابة غير شابة؟ الحر يعني الزنا أو اللواط وفي بعض البلاد الخمر منتشر يباع في الأسواق ويشرب ليلا ونهارا وكأنه شراب حلال وفي بعض البلاد ولاسيما في المتوفين من رعيتهم نجد الرجل كالمرأة يلبس الحرير واللين من الثياب وربما يلبس حلي الذهب قلادة خاتم أو ما أشبه ذلك والمعازف الآن حدث ولا حرج المعازف منتشرة في غالب بلاد الإسلام إن لم أقل في كل بلاد الإسلام فقد انتشرت والعياذ بالله المعازف بجميع أنواعها فنسأل الله السلامة والهداية وأن يصلح ولاة الأمور ورعاياهم إنه على كل شيء قدير

стр. 3288

١٥٦٢ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال متفق عليه. ١٥٦٣ - وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق. ساق أحاديث وقبلها آية، والحديث الأخير عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال المملوك هو العبد يملكه الإنسان، والمملوك كالسلعة يباع ويشترى ويوهب، ويرهن ويوقف إلا أن أحكام الله هو والحر عل حد سواء في غير الأمور المالية. والسيد مالك للرقيق لعينه يعني رقبته ولمنافعه، فإذا قذف عبده بأن قال للعبد: يا زاني أو يا لوطي، أو ما أشبه ذلك من كلمات القذف فإنه لن يحد في الدنيا؛ لأنه سيد، والعبد مملوك، لكن يقام عليه في دار عذابها أشد والعياذ بالله وهي الدار الآخرة يقام عليه الحد يوم القيامة وعلى هذا فيكون قذف المملوك من كبائر الذنوب لأنه رتب عليه عقوبة في الآخرة وكل شيء رتب عليه عقوبة في الآخرة فإنه يكون من كبائر الذنوب، كما قال أهل العلم ﵏ في حد الكبيرة. وأما لو زنى المملوك حقيقة وقذفه سيده بذلك فإنه لا حد عليه لقول النبي ﷺ : إلا أن يكون كذلك يعني كما قال ولكن

стр. 3289

متى يكون كما قال؟ يكون بأن يشهد عليه أربعة. أربعة رجال عدول بأنه زنى ويصرحون بذكر حقيقة الوطء أو يقر هو بنفسه على نفسه فحينئذ يرتفع الحد عن السيد. وأعلم أن الرقيق إذا زنى فإن عليه نصف حد الحر كما قال الله ﵎: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة يعني الإماء ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ والذي يتنصف من عذاب المحصنات هو الجلد فيكون على الرقيق إذا زنى خمسون جلدة فقط قال العلماء ويسقط عنه التغريب، لأن الزاني الحر إذا زنى وهو غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد عاماً كاملا أما الرقيق فأنه يجلد خمسين جلدة ولا يغرب لأن التغريب إضرار بسيده فيكون من باب تحميل الإنسان ما لم يحتمله، وللسيد أن يقيم على عبده الحد إذا زنى لقول النبي ﷺ : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها فأمر السيد أن يجلدها أما الحر فإنه لا يتولى جلده إلا الإمام أو نائبه حتى لو كان ابنك وزنى وهو بالغ عاقل فإنه لا يتولى إقامة الحد عليه إلا الإمام أو نائبه وكذلك لو زنى أخوك بعد بلوغه وهو عاقل فإنه لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه أما السيد فيقيمه على عبده خاصة في الجلد وأما لو سرق العبد فالسرقة فيها قطع اليد ولا يتولى قطع اليد إلا الإمام أو نائبه ولهذا قال العلماء: إن السيد لا يقيم الحد على عبده إلا إذا كان الحد جلداً والله أعلم

стр. 3290

باب تحريم سب الأموات بغير حق أو مصلحة شرعية وهو التحذير من الاقتداء به في بدعته وفسقه، ونحو ذلك، وفيه الآية والأحاديث السابقة في الباب قبله. ١٥٦٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا رواه البخاري: [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتاب (رياض الصالحين) : باب تحريم سب الأموات بغير حق أو مصلحة شرعية. الأموات يعني الأموات من المسلمين، أما الكافر فلا حرمة له إلا إذا كان في سبه إيذاء للأحياء من أقاربه فلا يسب وأما إذا لم يكن هناك ضرر فإنه لا حرمة له وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀: بغير حق لأننا لنا الحق أن نسب الأموات الكافرين الذين آذوا المسلمين وقاتلوهم ويحاولون أن يفسدوا عليهم دينهم. أو مصلحة شرعية مثل أن يكون هذا الميت صاحب بدعة ينشرها بين الناس فهنا من المصلحة أن نسبه ونحذر منه ومن طريقته لئلا يغتر الناس به.

стр. 3291

ثم استدل على ذلك بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الأموات والأصل في النهي التحريم فلا نسب الأموات، ثم علل وقال: فإنهم أفضوا إلى ما قدموا. وسبكم إياهم لا يغني شيئاً لأنهم أفضوا إلى ما قدموا حين انتقلوا إلى دار الجزاء من دار العمل فكل من مات فإنه أفضى إلى ما قدم والتحق بدار الجزاء وقامت قيامته أفضى وانقطع عمله ولم يبق له حظ من العمل إطلاقا إلا ما دلت السنة عليه مثل قول النبي ﷺ : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه عما لا فائدة منه فإن هذا طريق أهل التقى فإن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كراماً. وأما الزور فلا يشهدونه إطلاقا ولا يتكلمون إلا بالحق. والله الموفق

стр. 3292

باب النهي عن الإيذاء قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ ١٥٦٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه متفق عليه. ١٥٦٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه رواه مسلم وهو بعض حديث طويل سبق في باب طاعة ولاة الأمور. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتاب (رياض الصالحين) : باب تحريم الإيذاء بغير حق. الإيذاء يشمل الإيذاء بالقول والإيذاء بالفعل والإيذاء بالترك، أما الإيذاء بالقول فأن يسمع أخاه كلاماً يتأذى به وإن لم يضره، فإن ضره كان أشد إثماً

стр. 3293

والإيذاء بالفعل أن يضايقه في مكانه، في جلوسه، في طريقه، وما أشبه ذلك. والإيذاء بالترك أن يترك شيئاً يحتار منه أخوه المسلم فيتأذى به وإن كان لابد كل هذا محرم وعليه هذا الوعيد الشديد وهو قول الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتناً وإثماً مبيناً احتملوا يعني تحملوا على أنفسهم البهتان وهو الكذب والإثم المبين وهو العقوبة العظيمة نسأل الله العافية. وفي قول الله تعالى: ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ دليل على أن لو أذي الإنسان باكتسابه أي على عمل حق أن يؤذي عليه فإنه لا بأس به كما في قوله تعالى: ﴿واللذان يأتينها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ وكان هذا في أول الأمر أن اللوطية والعياذ بالله يؤذي صاحبه حتى يتوب ثم بعد ذلك ثبت أن النبي ﷺ قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أجمع الصحابة على أن فاحشة اللواط يقتل فيها الفاعل والمفعول به ولكنهم اختلفوا كيف يقتل؟ فبعضهم قال: يرجم، وبعضهم قال: يلقى من أعلى شاهق في البلد ثم يلقى بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق بالنار نسأل الله العافية. فالمهم أن الإيذاء بحق لا بأس به ومن ذلك أن يكون الرجل يكره الحق ويكره الخير فتفعل الحق فيتأذى به فهنا تأذى بحق؛

стр. 3294

لأن بعض الناس والعياذ بالله يتأذى إذا رأى رجلا متمسكا بالسنة ثم ذكر حديثين أحدهما أن النبي ﷺ قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه المسلم من سلم المسلمون من لسانه فلا يلعنهم ولا يسبهم ولا يشتمهم ولا يغتابهم ولا ينم فيهم، كل آفات اللسان المتعلقة بالخلق قد كفها فسلم الناس منه، وسلم المسلمون من يده أيضا لا يعتدي عليهم بضرب ولا سرقة ولا إفساد مال ولا غير ذلك، هذا هو المسلم وهذا ليس المراد بذلك أنه ليس هناك مسلم سواه ولكن المعنى أن هذا من الإسلام وإلا فإن المسلم من استسلم لله تعالى ظاهراً وباطناً لكن أحيانا يأتي مثل هذا التعبير من أجل الحث على هذا العمل وإن كان يوجد سواه. والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه. ومعلوم أن المهاجر من خرج من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ليقيم دينه لكن تأتي الهجرة بمعنى آخر وهي أن يهجر الإنسان ما نهى الله عنه فلا يقول قولاً محرماً ولا يفعل فعلاً محرماً ولا يترك واجباً بل يقوم بالواجب ويدع المحرم، هذا المهاجر؛ لأنه هجر ما نهى الله عنه. أما الحديث الثاني فهو قول النبي ﷺ من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته، وهو يؤمن بالله واليوم الأخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه فقوله: من أحب هذا الاستفهام للتشويق وإلا فكل واحد يحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة؛ لأن من زحزح عن النار وأدخل الجنة

стр. 3295

فقد فاز، فمن أحب ذلك فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. وبناء على هذا ينبغي للإنسان أن يكون دائما على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر وتذكره، لأنه لا يدري متى يأتيه الموت فليكن دائما نصب عينيه الإيمان بالله واليوم الأخر فالإنسان إذا آمن بالله وبمقتضى أسمائه وصفاته وآمن باليوم الأخر وما فيه من الثواب والعقاب فلابد أن يستقيم على دين الله وهذا حق الله أعني قوله: وهو يؤمن بالله واليوم الآخر أما حق الآدمي فقال: وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه فلا يؤذيهم؛ لأنه لا يحب أن يؤذوه ولا يعتدي عليهم لأنه لا يحب أن يعتدوا عليه، ولا يشتمهم لأنه لا يحب أن يشتموه وهلم جرا لا يغشهم في البيع والشراء وغير ذلك ولا يكذب عليهم لأنه لا يحب أن يفعل به ذلك وهذه قاعدة لو أن الناس مشوا عليها في التعامل فيما بينهم لنالوا خيراً كثيراً ويشبه هذا قول الرسول ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه والله الموفق
следующие страницы →