← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

ثم استدل على ذلك بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الأموات والأصل في النهي التحريم فلا نسب الأموات، ثم علل وقال: فإنهم أفضوا إلى ما قدموا. وسبكم إياهم لا يغني شيئاً لأنهم أفضوا إلى ما قدموا حين انتقلوا إلى دار الجزاء من دار العمل فكل من مات فإنه أفضى إلى ما قدم والتحق بدار الجزاء وقامت قيامته أفضى وانقطع عمله ولم يبق له حظ من العمل إطلاقا إلا ما دلت السنة عليه مثل قول النبي ﷺ : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه عما لا فائدة منه فإن هذا طريق أهل التقى فإن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كراماً. وأما الزور فلا يشهدونه إطلاقا ولا يتكلمون إلا بالحق. والله الموفق

стр. 3292

باب النهي عن الإيذاء قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ ١٥٦٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه متفق عليه. ١٥٦٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه رواه مسلم وهو بعض حديث طويل سبق في باب طاعة ولاة الأمور. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتاب (رياض الصالحين) : باب تحريم الإيذاء بغير حق. الإيذاء يشمل الإيذاء بالقول والإيذاء بالفعل والإيذاء بالترك، أما الإيذاء بالقول فأن يسمع أخاه كلاماً يتأذى به وإن لم يضره، فإن ضره كان أشد إثماً

стр. 3293

والإيذاء بالفعل أن يضايقه في مكانه، في جلوسه، في طريقه، وما أشبه ذلك. والإيذاء بالترك أن يترك شيئاً يحتار منه أخوه المسلم فيتأذى به وإن كان لابد كل هذا محرم وعليه هذا الوعيد الشديد وهو قول الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتناً وإثماً مبيناً احتملوا يعني تحملوا على أنفسهم البهتان وهو الكذب والإثم المبين وهو العقوبة العظيمة نسأل الله العافية. وفي قول الله تعالى: ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ دليل على أن لو أذي الإنسان باكتسابه أي على عمل حق أن يؤذي عليه فإنه لا بأس به كما في قوله تعالى: ﴿واللذان يأتينها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ وكان هذا في أول الأمر أن اللوطية والعياذ بالله يؤذي صاحبه حتى يتوب ثم بعد ذلك ثبت أن النبي ﷺ قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أجمع الصحابة على أن فاحشة اللواط يقتل فيها الفاعل والمفعول به ولكنهم اختلفوا كيف يقتل؟ فبعضهم قال: يرجم، وبعضهم قال: يلقى من أعلى شاهق في البلد ثم يلقى بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق بالنار نسأل الله العافية. فالمهم أن الإيذاء بحق لا بأس به ومن ذلك أن يكون الرجل يكره الحق ويكره الخير فتفعل الحق فيتأذى به فهنا تأذى بحق؛

стр. 3294

لأن بعض الناس والعياذ بالله يتأذى إذا رأى رجلا متمسكا بالسنة ثم ذكر حديثين أحدهما أن النبي ﷺ قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه المسلم من سلم المسلمون من لسانه فلا يلعنهم ولا يسبهم ولا يشتمهم ولا يغتابهم ولا ينم فيهم، كل آفات اللسان المتعلقة بالخلق قد كفها فسلم الناس منه، وسلم المسلمون من يده أيضا لا يعتدي عليهم بضرب ولا سرقة ولا إفساد مال ولا غير ذلك، هذا هو المسلم وهذا ليس المراد بذلك أنه ليس هناك مسلم سواه ولكن المعنى أن هذا من الإسلام وإلا فإن المسلم من استسلم لله تعالى ظاهراً وباطناً لكن أحيانا يأتي مثل هذا التعبير من أجل الحث على هذا العمل وإن كان يوجد سواه. والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه. ومعلوم أن المهاجر من خرج من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ليقيم دينه لكن تأتي الهجرة بمعنى آخر وهي أن يهجر الإنسان ما نهى الله عنه فلا يقول قولاً محرماً ولا يفعل فعلاً محرماً ولا يترك واجباً بل يقوم بالواجب ويدع المحرم، هذا المهاجر؛ لأنه هجر ما نهى الله عنه. أما الحديث الثاني فهو قول النبي ﷺ من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته، وهو يؤمن بالله واليوم الأخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه فقوله: من أحب هذا الاستفهام للتشويق وإلا فكل واحد يحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة؛ لأن من زحزح عن النار وأدخل الجنة

стр. 3295

فقد فاز، فمن أحب ذلك فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. وبناء على هذا ينبغي للإنسان أن يكون دائما على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر وتذكره، لأنه لا يدري متى يأتيه الموت فليكن دائما نصب عينيه الإيمان بالله واليوم الأخر فالإنسان إذا آمن بالله وبمقتضى أسمائه وصفاته وآمن باليوم الأخر وما فيه من الثواب والعقاب فلابد أن يستقيم على دين الله وهذا حق الله أعني قوله: وهو يؤمن بالله واليوم الآخر أما حق الآدمي فقال: وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه فلا يؤذيهم؛ لأنه لا يحب أن يؤذوه ولا يعتدي عليهم لأنه لا يحب أن يعتدوا عليه، ولا يشتمهم لأنه لا يحب أن يشتموه وهلم جرا لا يغشهم في البيع والشراء وغير ذلك ولا يكذب عليهم لأنه لا يحب أن يفعل به ذلك وهذه قاعدة لو أن الناس مشوا عليها في التعامل فيما بينهم لنالوا خيراً كثيراً ويشبه هذا قول الرسول ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه والله الموفق

стр. 3296

باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر [الشَّرْحُ] قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) : باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر. التباغض بالقلوب، والتقاطع بالأفعال والأقوال أيضاً، والتدابر بالأفعال أيضا، أما التباغض بالقلوب فأن يبغض الإنسان أخاه المؤمن، وهذا أعني بغض المؤمن حرام، لأي شيء تبغضه؟ ! قد يقول أبغضه لأنه يعصي الله فنقول: وإذا عصى الله لا تبغضه بغضاً مطلقاً الذي أبغضه بغضاً مطلقاً على حال هو الكافر لأنه ليس فيه خير، أما المؤمن وإن عصى وإن أصر على معصية يجب أن تحبه على ما معه من الإيمان وأن تكرهه على ما معه من الفسق والعصيان. فإن قال إنسان: كيف يجتمع البغض والحب؟ قلنا: يجتمعان؛ لأن كل واحد منهم منصب على وجه لم يتفقا في محل واحد، أحبه لإيمانه، وأكرهه لفسوقه. نظير ذلك المريض، يعطى دواء مراً رائحته كريهة فيحب هذا الدواء من وجه ويكرهه من وجه، يحبه لما فيه من الشفاء ويكره لطعمه أو رائحته أو ما أشبه ذلك، وكذلك المؤمن أنت وهو في أصل واحد وهو الإيمان لماذا تبغضه بغضاً مطلقاً أبغضه على ما معه من المعصية، لا بأس وأحبه على ما معه من الإيمان، وهذا يؤدي - أعني إذا أحببته لما معه من الإيمان وكرهته لما معه من الفسق - إلى أن تنصحه لأنك تثق أنه أخوك فتحبه وتؤدي له ما تؤدي لنفسك فتنصحه على ما تكره فيه من المعصية. ومن ذلك السلام عليه، سلم عليه ولو كان عنده معصية إلا إذا علمت أنك إذا

стр. 3297

تركت السلام عليه اهتدى وصلحت أموره فهنا يكون الهجر دواء نافعاً. وأما التقاطع وهو تقاطع الصلة بينك وبين أخيك، أخوك المؤمن له حق عليك أن تصله ولا يحل لك أن تقطعه لأنه أخوك حتى وإن كان عاصياً ولذلك تجد الإنسان يكرم جاره ولو كان جاره عاصياً يكرمه، لأن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره أكرمه ولو كان عاصياً ولكن انصحه، وكذلك بعض الناس يقاطع أقاربه لأنهم قطعوه أو لأنهم على معصية وهذا خطأ، صل أقاربك ولو كانوا عصاة، صلهم ولو كانوا يقاطعونك كما جاء رجل للرسول ﷺ قال: يا رسول الله إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم وقال كلمة أخرى فقال النبي ﷺ : إن كان الأمر كما قلت فكأنما تسفهم المل. يعني كأنما تدخل في قلوبهم الرماد أو التراب الحار، يعني فاستمر على صلتهم ولو كانوا يقطعونك ولو كانوا يسيئون إليك ولو كانوا يعتدون عليك، صلهم لأن من لا يصل إلا إذا وصل فليس بواصل بل هو مكافئ. التدابر: أيضا لا يحل بين المؤمنين، لكن هل هو التدابر في القلوب أو التدابر في الأبدان أو هذا وهذا؟ إنه هذا وهذا، لا تدابروا في القلوب حتى لو وجدت من أخيك أنه أدبر عنك بقلبه فاقرب منه وأقبل عليه ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم

стр. 3298

لو طبقنا هذه التوجيهات الإلهية والنبوية لحصل لنا خير كثير لكن الشيطان يلعب بنا يقول كيف تصله وهو يقطعك؟ كيف تقبل عليه وهو يدبر عنك؟ اتركه، هذا ما فيه خير. هذا من وحي الشيطان، أما الله والنبي ﷺ فإن نصوص الكتاب والسنة كلها تحرم التدابر، كذلك التدابر بالأبدان بعض الناس لا يهمه أن يصعر وجهه للناس وإن يعرض ربما يكون من كبريائه يتكلم معك ووجهه لجانب آخر نسأل الله العافية هذا لا يحل، بعض الناس أيضا كالبهائم تجدهم جلوسا في مكان واحد، يدير للثاني دبره وظهره، هذا ليس أدبا: لا أدبا شرعيا ولا أدبا عربيا ولا خلقا، تجلسون معا كل واحد يدابر الثاني، إن الله وصف أهل الجنة بأنهم على سرر متقابلين، التقابل صفة حميدة طيبة، والتدابر صفة ذميمة خبيثة، لكن بعض الناس همج ليس عندهم تربية إسلامية وتجدهم في المجالس متدابرين، هذا خطأ. ومما يشبه هذا الفعل ما يفعله بعض الناس إذا سلم من الصلاة وهو في الصف تقدم وجعل الناس وراءه استقبلهم بدبره وفي ظني أنه يتخيل في تلك اللحظة أنه ذو عظمة وأن الناس وراءه لأني ما أظن أحداً يتقدم هذا التقدم إلا ويشعر - وإن كان من غير قصد - بالعظمة ولقد رأيتموني أنهي عنه إذا وجدت إنسانا تقدم أقول له: ارجع لأن هذا يشبه التدابر. فإذا قال: ضاق علي المكان ولا أستطيع أن أبقى مفترشا.

стр. 3299

قلنا: يا أخي، الأمر واسع، والحمد لله، قم تقدم وكن على الجدار وافعل ما شئت أو تأخر، أما أن تتقدم على الناس وتكون بين أيديهم والناس وراءك هذا لا ينبغي. هذه ثلاثة أشياء: الأول التباغض، والثاني التقاطع، والثالث التدابر، كل هذا منهي عنه. قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقال تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ : [الشَّرْحُ] قال النووي ﵀ في كتاب (رياض الصالحين) : باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر وسبق معنا هذا ثم استدل المؤلف ﵀ على ذلك بقول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة وهذه الآية في سياق ذكر الطائفتين تقتتلان فتصلح بينهما طائفة أخرى فقال تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ وسياق الآيات يقول الله : ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ يعني لو اقتتلت طائفتان من المسلمين، قبيلتان اقتتلتا فيما بينهما

стр. 3300

فأصلحوا بينهما والخطاب لمن له الأمر من المؤمنين الذين لم يقاتلوا فإن بغت إحداها على الأخرى وأبت أن تصالح فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله يعني كونوا مع الطائفة العادلة التي ليست باغية قاتلوا الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إليه، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل أي فيما جرى بينهم من إتلاف أنفس أو أموال أو غير ذلك فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، فيقال مثلا: كم قتلتم من نفس؟ لطائفة منهما، وللأخرى كذلك، ثم يعادل بينهما ويصلح بينهما. كم أتلفتم من مال ويمضي فيعادل بينهما ويصلح بينهما. ثم قال : ﴿فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ أي الذين يعدلون فيما ولاهم الله عليه إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، المؤمنون كلهم إخوة حتى الطائفتين المقتتلتين هم إخوة للذين أصلحوا بينهما وفي هذه الآية رد صريح لقول الخوارج الذين يقولون: إن الإنسان إذا فعل الكبيرة صار كافرا؛ فإنه من أكبر الكبائر أن يقتتل المسلمون بينهم ومع ذلك قال الله في المقتتلين وفي التي أصلحت بينهما ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ فإذا كان الله تعالى أوجب الإصلاح بين المتقاتلين فكذلك أيضا بين المتعادين عداء دون قتل، يجب على الإنسان إذا علم أن بين اثنين عداوة وبغضاء وشحناء وتباعدا أن يحاول الإصلاح بينهما. وفي هذه الحال يجوز أن

стр. 3301

يكذب للمصلحة فيقون مثلا لأحدهم: إن فلانا لم يفعل شيئا يضرك وما أشبه ذلك ويتأول شيئا آخر غير الذي أظهره لهذا الرجل حتى يتم الصلح بينهما، والصلح خير. أما الآية الثانية فهي قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ يعني أنكم لو ارتدتم عن دينكم فإن ذلك لا يضر الله شيئا يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه لقيامهم بعبادته واتباع الرسول ﷺ لأن من أقوى أسباب محبة الله للعبد أن يتبع الرسول كما قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ فأنت إذا أحببت أن الله يحبك فأتبع الرسول الطريق بين واضح يقول الله ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ وهذا هو وصف المؤمن حقا أنه بالنسبة لإخوانه المسلمين ذليل متواضع متهاون ومتسامح، أما على الكافرين فهم أعزة على الكافرين يعني أنهم أقوياء أمام الكافر لا يلينون له ولا يداهنونه ولا يوادنه، كل هذا بالنسبة للكافر حرام على المؤمن لا يجوز للمؤمن أن يواد الكافر، ولا يجوز له أن يذل له؛ لأن الله تعالى جعل له دينا يعلو على الأديان كلها بل يجب علينا أن نبغض الكفار وأن نعتبرهم أعداء لنا وأن نعلم أنهم لن يفعلوا بنا شيئا هو مصلحتنا إلا لينالوا ما هو أشد مما نتوقع من الإضرار بنا لأنهم أعداء، والعدو ماذا يريد أن يفعل بك؟ يريد أن يفعل بك كل سوء وإن تظاهر

стр. 3302

بأنه صديق أو بأنه ولي لك فهو كاذب، إنما يفعل لمصلحته لأنه لا أحد أصدق من الله وهو يعلم ما في الصدور يقول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ ويقول جلا وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ ويقول : ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ محال أن يرضوا عن المسلمين إلا إذا تهودوا أو تنصروا، ولهذا هم الآن يحاولون بكل ما يستطيعون أن يصدوا الناس عن دينهم تارة بالأخلاق السافلة، وتارة بالمجلات، وتارة بالدعاية الخبيثة، وتارة بالصراحة يدعون إلى الكفر كما قال : ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ فيقول في وصف هؤلاء: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ وهذا هو الشاهد ﴿أعزة على الكافرين﴾ وقال تعالى في الآية الثالثة: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ هذا وصف الرسول ﷺ (محمد رسول الله والذين معه) يعني أصحابه وصفهم أشداء على الكفار أقوياء على الكفار لا يلينوا لهم ولا يداهنونهم ولا يوالونهم ولا يوادونهم لكن فيما بينهم ﴿رحماء بينهم﴾ يرحم بعضهم

стр. 3303

بعضا، ويلين بعضهم لبعض، وهذا هو حال المؤمنين، ضد ذلك نقص في الإيمان من لا يرحم إخوانه المؤمنين فإن ذلك نقص في إيمانه وربما يحرم الرحمة، لأن من لا يرحم لا يرحم والعياذ بالله وأيضا مثل ذلك التباغض، احرص على أن تزيل كل سبب يكون سببا للبغضاء بينكم أنتم المسلمون كافة التباغض بعض الناس يبغض أخاه من أجل لعاعة من الدنيا، إما لأجل مال، أو من أجل أنه لا يقابله ببشاشة أو ما أشبه ذلك، هذا خطأ حاول أن تزيل البغضاء بينك وبين إخوانك بقدر المستطاع وحاول أن تبتعد عن كل شيء يثير العداوة والبغضاء لأنكم إخوة نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه خير وصلاح ١٥٦٧ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث متفق عليه. : [الشَّرْحُ] لما ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على تحريم التباغض والتقاطع والتدابر ذكر أحاديث منها حديث أنس بن مالك ﵁ أن

стр. 3304

النبي ﷺ قال: لا تباغضوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا هذه أربعة أشياء نهى عنها النبي ﷺ : الأول: التباغض نهى عنه الرسول ﷺ حتى لو وقع في قلبك بغض لإنسان فحاول أن ترفع هذا عن قلبك وانظر إلى محاسنه حتى تمحوا سيئاته وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا حيث قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة يعني لا يبغض المؤمن المؤمنة يعني زوجته أو أخته أو أمه ولكن يراد الزوجة هنا لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها خلقاً آخر، وهذا من الموازنة بين الحسنات والسيئات، بعض الناس ينظر إلى السيئات والعياذ بالله فيحكم بها وينسى الحسنات، وبعض الناس ينظر للحسنات وينسى السيئات، والعدل أن يقارن الإنسان بين هذا وهذا، وأن يميل إلى الصفح والعفو والتجاوز؛ فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس، فإذا وجدت في قلبك بغضاء لشخص فحاول أن تزيل هذه البغضاء وذكر نفسك بمحاسنه ربما يكون بينك وبينه سوء عشرة أو سوء معاملة لكنه رجل فاضل طيب محسن إلى الناس يحب الخير، تذكر هذه المحاسن حتى تكون المعاملة السيئة التي يعاملك بها مضمحلة منغمرة في جانب الحسنات. كذلك أيضا لا تناجشوا، المناجشة: الزيادة في الثمن بغير إرادة الشراء، مثلا رأيت سلعة ينادي عليها في السوق، ثمنها مثلاً مائة ريال، وهو يريد شراءها فناجشت عليه وقلت: بمائة وعشرة، وأنت لا تريدها، ولكن تريد أن يزيد الثمن على المشتري هذا حرام عدوان. أما لو كنت رأيت السلعة رخيصة بمائة

стр. 3305

وزدت مائة وعشرة وأنت من الأول ما عندك نية لشرائها لكن استرخصتها فزدت حتى بلغت الثمن الذي لا ترى فيه مصلحة لك ثم تركتها، هذا لا بأس به لكن إذا كان قصدك العدوان على المشتري وأن تنكد عليه وتزيد عليه الثمن فهذا هو النجش وكذلك لو زدت السلعة من أجل نفع البائع وهو لا يعرف المشتري، وليس بينه وبينه شيء، لكن يريد أن ينتفع البائع فزاد في الثمن وهو لا يريد الشراء وإنما يريد نفع البائع، فمثلا قيمة السلعة بمائة، فقال: بمائة وعشرة لا إضرارا بالمشتري لأنه لا يعرفه وليس بينه وبينه شيء لكن من أجل نفع البائع، هذا أيضا حرام لا يجوز وهو من المناجشة التي نهى عنها النبي ﷺ وكذلك أيضا إذا أراد الأمرين يعني أراد أن ينفع البائع ويضر المشتري فهذا أيضا حرام وهو من النجش الذي حرمه الرسول ﷺ . ولا تدابروا: سبق الكلام عليه. ولا تقاطعوا: يعني لا يقطع أخ أخاه، بل يواصله بحسب العرف وبحسب السبب الداعي للصلة، لأن القريب تصله لقربه، الجار لجيرته، الصاحب لصحبته، وهكذا لا تقاطع أخاك، صله فإن الله تعالى يحب الواصلين الذين يصلون أرحامهم ولا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، الهجر من التقاطع، يعني يلقاه لا يسلم عليه هذا حرام حرام، إلا أن الشارع النبي ﷺ رخص لك ثلاثة أيام لأن الإنسان ربما يكون في نفسه شيء لا يعفو على

стр. 3306

واحد يهجره له رخصة ثلاثة أيام بعد الأيام الثلاثة لا يجوز أن يلقاه فلا يسلم عليه إلا إذا كان على معصية إذا هجرناه تركها فنهجره للمصلحة وهذا كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا وتخلفوا عن غزوة تبوك وإلا فالأصل أن الهجر حرام، وأما قول بعض العلماء هو إطلاقهم أن المجاهر بالمعصية يهجر فهذا فيه نظر فصار عندنا الهجر إلى ثلاثة جائز، فوق الثلاث فهو حرام إلا للمصلحة والله الموفق ١٥٦٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا رواه مسلم وفي رواية له: تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين وذكر نحوه: [الشَّرْحُ] هذا الحديث ذكره المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم التباغض والتقاطع والتدابر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: تفتح أبواب الجنة في كل يوم اثنين وخميس فيغفر لكل مسلم إلا رجلين بينهما

стр. 3307

شحناء فيقال: انظروا هؤلاء حتى يصطلحا فدل ذلك على أنه يجب على الإنسان أن يبادر بإزالة الشحناء والعداوة والبغضاء بينه وبين إخوانه حتى وإن رأى في نفسه غضاضة وثقلا في طلب إزالة الشحناء فليصبر وليحتسب لأن العاقبة في ذلك حميدة والإنسان إذا رأى ما في العمل من الخير والأجر والثواب سهل عليه، وكذلك إذا رأى الوعيد على تركه سهل عليه فعله، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يذهب إلى الشخص ويقول: يجب أن نتصالح ونزيل ما بيننا من العداوة والبغضاء فبإمكانه أن يوسط رجلا ثقة يرضاه الطرفان ويذهب إليه ويقول إني أجد بينك وبين فلان كذا وكذا فلو اصطلحتم وأزلتم ما بينكم من العداوة والبغضاء فيكون هذا حسناً جيداً والله الموفق

стр. 3308

باب تحريم الحسد وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها: سواء كانت نعمة دين أو دنيا. قال الله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ وفيه حديث أنس السابق في الباب قبله. ١٥٦٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال: العشب رواه أبو داود. : [الشَّرْحُ] قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) : باب تحريم الحسد. الحسد: هو أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره من علم أو مال أو أهل أو جاه أو غير ذلك والحسد من كبائر الذنوب ومن سمات اليهود والعياذ بالله كما قال الله تعالى عنهم: ود كثير من أهل الكتاب أن يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم وقال تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ أي على ما أعطاهم من فضله ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ وحذر النبي ﷺ من الحسد وبين أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار العشب أو قال: الحطب. ثم إن الحسد فيه اعتراض على قضاء الله وقدره؛ لأن الحاسد لم يرض

стр. 3309

بقضاء الله وقدره يعني لم يرض أن الله أعطى هذا الرجل مالا أو أعطاه أهلا أو أعطاه علما ففيه اعتراض على قضاء الله وقدره. ثم إن الحسد جمرة في القلب والعياذ بالله كلما أنعم الله على عبده نعمة احترق هذا القلب والعياذ بالله حيث أنعم الله تعالى على عباده فتجده دائما في نكد ودائما في قلق. والحسد ربما يحصل منه بغي وعدوان على من آتاه الله من فضله، وربما يشوه سمعته عند الناس ويقول فيه كذا وكذا وهو كاذب أو صادق لكن يريد أن يحسد هذا الرجل على النعمة، فربما يحصل منه هذا العدوان على أخيه المسلم، ثم إن الحسد لا يرد نعمة الله على عبده مهما حسدت ومهما بغيت فإنك لن تمنع قدر الله على عباده، قال النبي ﷺ لعبد الله ابن عباس ﵄: واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك وإلا فلن يضروك فالواجب على الإنسان إذا رأى من نفسه حسدا لأحد أن يتقي الله وأن يوبخ نفسه ويقول لها: كيف تحسدين الناس على ما آتاهم الله من فضله، كيف تكرهين نعمة الله على عباده، يقول أرأيت لو كانت هذه النعمة عندك أتحبين أن أحدا يحسدك عليها ويوبخها، يوبخ النفس، وكذلك يقول لها: أنت لو حسدت وكرهت ما أعطى الله من فضله فإن ذلك لن يضر المحسود، بل هو ضرر على الحاسد، وأشبه ذلك مما يوبخ به نفسه، حتى يدع ما به من الحسد وحينئذ يطمئن ويستريح ولا يتنكد، ولا يتكدر اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت وأصرف عنا سيئ الأخلاق، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت

стр. 3310

باب النهي عن التجسس والتسمع لكلام من يكره استماعه قال الله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾ وقال تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ ١٥٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وفي رواية: لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا وفي رواية: لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا ولا تحاسدوا،

стр. 3311

وكونوا عباد الله إخوانا وفي رواية: لا تهاجروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض رواه مسلم: بكل هذه الروايات، وروى البخاري أكثرها. : [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) : باب تحريم التجسس التجسس هو: أن يتتبع الإنسان أخاه ليطلع على عوراته سواء كان ذلك عن طريق مباشر، بأن يذهب هو بنفسه يتجسس لعله يجد عسرة أو عورة، أو كان عن طريق الآلات المستخدمة في حفظ الصوت، أو كان عن طريق الهاتف فكل شيء يوصل الإنسان إلى عورات أخيه مسالبه فإن ذلك من التجسس، وهو محرم، لأن الله قال: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا فنهى عن التجسس، ولما كان التجسس إذاء لأخيك المسلم، أردف المؤلف ﵀ ما استشهد به من هذه الآية بقول الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ لأن التجسس أذية، يتأذى به المتجسس عليه، ويؤدي

стр. 3312

إلى البغضاء والعداوة ويؤدي إلى تكليف الإنسان نفسه ما لم يلزمه، فإنك تجد المتجسس والعياذ بالله، مرة هنا ومرة هنا، ومرة هنا، ومرة ينظر إلى هذا ومرة ينظر إلى هذا، فقد أتعب نفسه في أذية عباد الله، نسأل الله العافية، ومن ذلك أيضا أن يتجسس على البيوت، يعني من التجسس أن يتجسس على البيوت، يقف عند الباب ويستمع لما يقال في المجلس ثم يبني عليه الظن الكاذب، والتهم التي ليس لها أصل، ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة في رواياته وأكثرها قد مر علينا لكن من أهم ما ذكر إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وهذا مطابق لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ لكن في هذه الآية قال الله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ ولم يقل الظن كله؛ لأن الظن المبني على قرائن لا بأس به، فهو من طبيعة الإنسان أنه إذا وجد قرائن قوية توجب الظن الحسن أو غير الحسن، فإنه لابد أن يخضع لهذا القرائن، ولا بأس بذلك، لكن الظن المجرد هو الذي حذر منه النبي ﷺ وقال: إنه أكذب الحديث، لأن الإنسان إذا ظن صارت نفسه تحدثه، تقول له فعل فلان كذا وهو يفعل كذا وهو يريد كذا وما أشبه ذلك، وهذا يقول الرسول ﷺ فيه إنه اكذب الحديث، وفيه أيضا مما لم يمر أن النبي ﷺ قال كونوا عباد الله إخوانا كما أمركم يعني أنه يجب على الإنسان أن يكون أخا لأخيه، بالمعنى المطابق للأخوة، لا يكن عدوا له، فإن بعض الناس إذا صار بينه وبين أخيه معاملة وساء الظن بينهما في هذه المعاملة اتخذوا عدوا، وهذا لا يجوز، الواجب أن الإنسان يكون أخا لأخيه، في المحبة والألفة وعدم التعرض له بالسوء

стр. 3313

والدفاع عن عرضه وغير ذلك من مقتضيات الأخوة المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يكذبه وهذا أيضا قد مر علينا سابقا وقال التقوى هاهنا يشير إلى صدره يعني في القلب، وإذا اتقى القلب اتقت الجوارح؛ لأن النبي ﷺ يقول إذا صلحت صلح الجسد كله يعني القلب، بعض الناس تنهاهم مثلا عن شيء من الأشياء، أعفي اللحية حرام عليك أنك تحلقها، فيقول لك التقوى هاهنا، أين التقوى؟ لو اتقى ما هاهنا لأتقى ما هاهنا، يعني لو اتقى القلب اتقت الجوارح، بعض الناس تنصحه في طول الثوب، تجد ثوبه إلى أسفل من كعبه، تنصحه في ذلك، فيقول لك التقوى هاهنا أين التقوى، لو كان عندك تقوى في قلبك، لاتقيت الله تعالى في قولك وفعلك، لأنه إذا صلحت صلح الجسد كله، لكن بعض الناس والعياذ بالله يجادل بالباطل كالكافرين، جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ومع ذلك لا يخفى جدالهم بالباطل على من عنده بصيرة، يعرف أن هذا جدل ليس له أصل بل هو باطل، وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف بألفاظه، ينبغي للإنسان أن

стр. 3314

يتخذه مسارا له ومنهجا يسير عليه ويبني عليه حياته فإنه جامع لكثير من مسائل الأخلاق التي إذا تجنبها الإنسان حصل على خير كثير والله الموفق ١٥٧١ - وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم حديث صحيح. رواه أبو داود بإسناد صحيح. ١٥٧٢ - وعن ابن مسعود ﵁ أنه أتى برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء، نأخذ به حديث حسن صحيح. رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث من الأحاديث التي يتبين فيها أن الإنسان لا يتجسس على إخوانه المسلمين ولا يتتبع عوراتهم بل ما ظهر منها فإنه يعامل من أظهرها بما يليق به، وما لم يظهر فلا يجوز التجسس ولا التحسس، كما في حديث معاوية ﵁، أن الإنسان إذا تتبع عورات المسلمين أهلكهم أو كاد أن

стр. 3315

يهلكهم، لأن كثيرا من الأمور تجري بين الإنسان وبين ربه، لا يعلمها إلا هو، فإذا لم يعلم بها أحد وبقى عليه ستر الله ، وتاب إلى ربه وأناب حسنت حاله ولم يطلع على عورته أحد، ولكن إذا كان الإنسان والعياذ بالله يتتبع عورات الناس، ماذا قال فلان وماذا فعل، وإذا ذكر له عورة مسلم، ذهب يتجسس، إما أن يصرح، وإما أن يلمح فيقول مثلا، قالوا إن فلانا قال كذا وكذا أو فعل كذا وكذا فينشر ما عنده عند الخلق والعياذ بالله، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه نسأل الله العافية جزاء وفاقا، مثل من تتبع عورات المسلمين ليفضحهم، يتتبع الله عورته حتى يفضحه نسأل الله العافية ولا يغنيه جدران ولا ستور، وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ أنه أتى برجل تقطر لحيته خمرا، لكنه شربه مختفيا، ولكن هؤلاء القوم تجسسوا عليه حتى أخرجوا على هذه الحالة، فبين ﵁ أن من أبدى لنا عورته أو عيبه أخذناه به، ومن استتر بستر الله فلا نؤاخذه، وهذا أيضا يدل على أنه لا يجوز التجسس

стр. 3316

باب النهي عن سوء الظن بالمسلمين من غير ضرورة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ ١٥٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث متفق عليه. وكذلك حديث أبي هريرة في الباب الذي يليه وقد سبق الكلام عليه أن النبي ﷺ قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وكذلك الآية التي قبله يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم تكلمنا عليها فيما سبق. والله الموفق

стр. 3317

باب تحريم احتقار المسلمين قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ وقال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ : [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم احتقار المسلم، احتقار المسلم ازدراؤه والسخرية به والاستهزاء به والحط من قدره وما أشبه ذلك، وهذا محرم لما فيه من العدوان على أخيك المسلم الذي يجب أن تحترمه وأن تكن له كل تقدير، لأنه أخوك والمؤمن أخو المؤمن كما قال النبي ﷺ ، ثم استدل المؤلف ﵀ بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن فوجه الله الخطاب إلى المؤمنين ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وتوجيه الخطاب للمؤمن يدل على أن ما يتلى عليه فهو من مقتضيات الإيمان وأن فقده ومخالفته نقص في الإيمان، كما أن تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به، لأن النداء يعني تنبيه المخاطب لما يلقي إليه، يقول: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ وهم الرجال ﴿ولا نساء من نساء﴾ وهن النساء الآيات، والسخرية قد تكون

стр. 3318

في هيئته، يسخر من هيئة هذا الرجال، وقد يكون كذلك في خلقته، يسخر من خلقته قصرا أو طولا أو ضخامة أو نحافة أو ما أشبه ذلك ويكون كذلك سخرية بكلامه وتقليد كلامه، استهزاء وسخرية، كما يفعل بعض السفهاء، يقلد بعض القراء أو بعض العلماء، يقلد أصواتهم سخرية واستهزاء والعياذ بالله ويكون كذلك في المعاملة يسخر به في معاملته الناس وكذلك بالمشية، المهم إن كل شيء فيه سخرية في أخيك فإنه داخل في هذه الآية ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن﴾ وبين الله أنه ربما يكون هؤلاء الذين سخروا منهم. ربما يكونون خيرا منهم عند الله وعند عباد الله، ولهذا قال: ﴿عسى أن يكونوا خيرا منهم﴾ هذا في القوم ﴿عسى أن يكن خيرا منهن﴾ هذا في النساء ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ أي لا تعيبوها، وقول ﴿أنفسكم﴾ من المعلوم أن الإنسان لن يعيب نفسه، لكنه لما كان المؤمنون أخوة، صار أخوك كنفسك، فقوله: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ يعني لا تلمزوا إخوانكم، لكنه عبر بالنفس ليتبين أن أخوك بمنزلة نفسك فكما أنك تكره أن تلمز نفسك، تكره أن تلمز أخاك ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ ينبز بعضكم بعضا باللقب، سخرية به، إما أن يكون مثلا يعزي إلى قبيلة فيها شيء من اللقب المكروه، فينسبه إليها أو قبيلة فيها شيء من اللقب المضحك فينسبه إليها وما أشبه ذلك مما يكون نبذا بالألقاب، ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ يعني إنكم إن فعلتم ذلك كنتم من الفاسقين و ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ فالإنسان إذا لمز أخاه أو سخر منه أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون بذلك فاسقا وهذا يدل على أن السخرية

стр. 3319

من المؤمنين وأن لمزهم وأن منابزتهم بالألقاب كلها من كبائر الذنوب ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ يعني من استمر على هذا ولم يتب إلى الله فإنه ظالم، ثم ذكر المؤلف ﵀ آية أخرى وهي ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ وويل هذه كلمة وعيد جاءت في القرآن في عدة مواضع، وكلها تفيد الوعيد والتهديد على من فعل هذا، ﴿لكل همزة لمزة﴾ أي يعيب غيره، تارة بالهمز وتارة باللمز، فاللمز باللسان، والهمز بالجوارح، فالهمزة اللمزة متوعد بهذا، بالويل والعياذ بالله، ثم ذكر المؤلف أحاديث يأتي الكلام عليها إن شاء الله ١٥٧٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم رواه مسلم، وقد سبق قريبا بطوله. ١٥٧٥ - وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس رواه مسلم. ومعنى بطر الحق: دفعه وغمطهم: احتقارهم، وقد سبق بيانه أوضح من هذا في باب الكبر.

стр. 3320

١٥٧٦ - وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال رجل والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له، وأحبطت عملك رواه مسلم. : [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث في بيان تحريم احتقار المسلم، وقد سبق الكلام على الآيتين اللتين ساقهما المؤلف ﵀ أما هذه الأحاديث فهو حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم بحسب، حسب هنا بمعنى كافي، يعني يكفي المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وهذا تعظيم لاحتقار المسلم، وأنه شر عظيم، لو لم يأت الإنسان من الشر إلى هذا، لكان كافيا، فلا تحقرن أخاك المسلم، لا في خلقته ولا في ثيابه ولا في كلامه ولا في خلقه ولا غير ذلك، أخوك المسلم حقه عليك عظيم فعليك أن تحترمه وأن توقره، وأما احتقاره فإنه محرم، ولا يحل لك أن تحتقره، وكذلك حديث ابن مسعود وحديث جندب بن عبد الله ﵄ كلاهما يدل على تحريم احتقار المسلم، وأنه لا يحل له حتى أن النبي ﷺ لما حدث بحديث ابن مسعود، أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، قالوا يا رسول الله: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ظن الصحابة ﵃ أن الإنسان إذا تلبس لباسا حسنا وانتعل نعلا حسنا،

стр. 3321

أن هذا من التعاظم والتعالي والتكبر، فبين لهم النبي ﷺ أن ليس الأمر كذلك قال: إن الله جميل يحب الجمال جميل بذاته جل وعلا وبأفعاله وبصفاته وكذلك يحب الجمال يعني يحب التجمل، وكلما كان الإنسان متجملا، كان ذلك أحب إلى الله إذا كان هذا التجمل مما يسعه، يعني ليس فقيرا يذهب يتكلف الثياب الجميلة أو النعل الجميلة، لكنه قد أنعم الله عليه وتجمل فإن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وكذلك حديث جندب بن عبد الله ﵁، أن النبي ﷺ أخبر أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان وكان هذا الرجل عابدا معجبا بعمله محتقرا لأخيه، الذي رآه مفرطا، فأقسم أن الله لا يغفر له، فقال الله : من ذا الذي يتألى على أن لا أغفر لفلان يعني من ذا الذي يحلف علي أن لا أغفر لفلان، والفضل بيد الله يأتيه من يشاء، إني قد غفرت له وأحبطت عملك أعوذ بالله، تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته أهلكته، لأنه قال ذلك معجبا بنفسه، محتقرا لأخيه فأقسم أن الله لا يغفر له، فغفر الله لهذا الرجل، لأن معاصيه دون الشرك، أو لأن الله تعالى من عليه فتاب، وأما الآخر فأحبط عمله لأنه أعجب بعمله والعياذ بالله وتألى على ربه وأقسم عليه أن لا يغفر لفلان، والله تعالى كامل السلطان، لا يتألى عليه أحد، ولكن إذا حسن ظن المرء بربه، وتألى على الله في أمر ليس فيه عدوان على الغير فإن النبي ﷺ قال: رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره والله الموفق

стр. 3322

باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقال تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾ ١٥٧٧ - وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك رواه الترمزي وقال: حديث حسن. وفي الباب حديث أبي هريرة السابق في باب التجسس: كل المسلم على المسلم حرام الحديث. [الشَّرْحُ] هذان بابان ذكرهما المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) الأول في الشماتة، والثاني في الطعن في النسب. أما الشماتة فهي: التعيير بالذنب أو بالعمل أو حادثة تقع على الإنسان أو ما أشبه ذلك، فيشيعها الإنسان ويبينها ويظهرها، وهذا محرم لأنه ينافي قول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فإن الأخ لا يحب أن

стр. 3323

تظهر الشماتة في أخيه، وكذلك ينافي قوله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ . ثم ذكر المؤلف حديث واثلة بنت الأسقع أن النبي ﷺ قال: لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك يعني أن الإنسان إذا عير أخاه في شيء ربما يرحم الله هذا المعير ويشفى من هذا الشيء ويزول عنه ثم يبتلى به هذا الذي عيره، وهذا يقع كثيرا، ولهذا جاء في حديث آخر، في صحته نظر لكنه موافق لهذا الحديث: من عير أخاه بذنب لن يمت حتى يعمله فإياك وتعيير المسلمين والشماتة فيهم فربما يرتفع عنهم ما شمتهم به ويحل فيك.

стр. 3324

باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ ١٥٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت رواه مسلم. أما الثاني: أي - الباب الثاني - هو الطعن في النسب فمعناه التعيير بالنسب أو أن ينفي نسبه، فمثلا يقول في التعيير: أنت من القبيلة الفلانية التي لا تدفع العدو ولا تحمي الفقير. ويذكر فيها معايب، أو مثلا يقول: أنت تدعي أنك من آل فلان ولست منهم، أنت ما فيك خير هؤلاء، القبيلة ولو كنت منهم لكان فيك خير، أو ما أشبه ذلك. ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: اثنتان في

стр. 3325

الناس هما بهم كفر يعني خصلتان يفعلهما الناس وهم من خصال الكفر، الطعن في النسب، والثانية النياحة على الميت، النياحة على الميت أن يبكي عليه النساء أو الرجال أيضاً، لكن النساء أكثر، على شبه ما تنوح الحمامة، يعني: يأتين بالبكاء برنة معروفة، هذا حرام وقد لعن النبي ﷺ النائحة والمستمعة ومن النياحة ما يفعله بعض الناس اليوم، يجتمعون في بيت الميت ويؤتى إليهم بالطعام أو يصنعون هم الطعام ويجتمعون عليه، فإن هذا محرم لأن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة، وهؤلاء نواح، لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع في بيت الميت وصنع الطعام من النياحة وهو صحابي جليل معروف، فالصحابة يرون أن هذا من الناحية، ولهذا ينهي أهل الميت إذا مات أن يفتحوا أبوابهم للعزاء، لأن ذلك منكر وبدعة، فالصحابة ما كانوا يفعلون ذلك، ثم هو فيه نوع من الاعتراض على قضاء الله وقدره، والواجب على الإنسان الرضا والتسليم وأن يبقي بابه مغلقا، ومن أراد أن

стр. 3326

يعزيه يجده في السوق أو في المسجد، بالنسبة للرجال. وأما النساء فلا حاجة إلى فتح الباب لهن واجتماعهن، فالمهم أن النبي ﷺ قال: إن النياحة من الكفر اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت ولا يغرنك يعني الناس، فإن الله يقول: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ وقال تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ فالمدار ما هو على عمل الناس وأن هذه عادة، المدار على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين وعمل الصحابة ﵃، ما منهم أحد فتح بابه للمعزين أبدا، وما اجتمعوا على الأكل بل كانوا يعدون هذا من النياحة ويبتعدون عنه أشد البعد، لأن النياحة كما سمعتم كفر، يعني من خصال الكفر. والثاني: أن الرسول ﷺ لعن النائحة والمستمعة. والله الموفق.

стр. 3327

باب النهي عن الغش والخداع قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ ١٥٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من حمل علينا السلاح، فليس منا، ومن غشنا، فليس منا رواه مسلم. وفي رواية له أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا ١٥٨٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تناجشوا متفق عليه. ١٥٨١ - وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ نهى عن

стр. 3328

النجش متفق عليه. ١٥٨٢ - وعنه قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوت؟ فقال رسول الله ﷺ : من بايعت، فقل لا خلابة متفق عليه. الخلابة بخاء معجمة مكسورة، وباء موحدة: وهي الخديعة. ١٥٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من خبب زوجة امرئ، أو مملوكه، فليس منا رواه أبو داود. خبب بخاء معجمة، ثم باء موحدة مكررة: أي: أفسده وخدعه.

стр. 3329

باب تحريم الغدر قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقال تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ : [الشَّرْحُ] قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم الغدر. الغدر خيانة الإنسان في موضع الاستئمان. بمعنى أن يأتمنك أحد في شيء ثم تغدر به، سواء أعطيته عهداً أم لم تعطه، وذلك لأن الذي ائتمنك: اعتمد عليك ووثق بك، فإذا خنته فقد غدرت به. ثم استدل المؤلف على تحريم الغدر بوجوب الوفاء، لأن الشيء يعرف بضده، ووجوب الوفاء ساق له المؤلف ﵀ آيتين، الآية الأولى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود يعني ائتوا بها وافية شاملة على حسب العقد الذي اتفقت مع صاحبك عليه، وهذا يشمل كل العقود، يشمل عقود البيع، فإذا بعت شيئا على أخيك فالواجب عليك أن تفي بالعقد، إن كان بينكما شرط فأوفه، سواء كان عدميا أم وجوديا، فمثلا إذا بعت على أخيك بيتا واشترطت عليه أن تسكنه لمدة سنة فالواجب على المشتري أن يمكنك من هذا وألا يتعرض لك، لأنه شرط عليك أن يسكنه سنة، وهذا مقتضى العقد، بعت على أخيك شيئا واشترطت عليه أن يصبر بالعيب الذي فيه، يعني قلت:

стр. 3330

فيه عيب فاصبر به فيجب عليك أن توفي بذلك وأن لا ترده، وإذا رددته فلا حق لك، لكن يجب عليك من الأصل ألا ترده. وهاهنا مسألة يتخذها بعض الناس والعياذ بالله وهي حرام يبيع الشيء ويعرف أن فيه عيبا، ثم يقول للمشتري، ترى ما بعت عليك إلا ما أمامك واصبر بجميع العيوب، وهذا ما يعرف عندهم في حارات السيارات حارات تحت المكرفون، تجد السمسار الذي هو الدلال، ينادي بأعلى صوته ويقول: ترى ما بعت عليك إلا الإطارات، ما بعت عليك إلا الكبوت، ما بعت عليك إلا كذا وكذا، وهو يعلم أن فيها العيب الفلاني لكن لا يذكره خداعا والعياذ بالله، لأنه لو ذكره لنقصت القيمة، فإذا لم يذكره صار المشتري مترددا، يحتمل فيها عيب، يحتمل ما فيها عيب، فيدفع ثمنا أكثر مما لو علم بالعيب المعين وهذا الذي باع على هذا الشرط، ولو التزم المشتري بذلك، إذا كان بها عيب حقيقة فإنه لا يبرأ منه يوم القيامة، سوف يطالب به ولا ينفع هذا الشرط، الواجب إذا علمت في السلعة عيبا أن تبين أن فيها العيب الفلاني، نعم لو فرض أن إنسانا اشترى سيارة وبقيت عنده يوما أو يومين، ولم يعلم بها عيب، ولم يشترط عليه عيب، ثم أراد أن يسلم منها قال بعت عليك هذا الذي أمامك، معيب أو سليم، ما علي منها، فهذا لا بأس به. والمهم أن من علم العيب في السلعة يجب أن يبينه، ومن لم يعلم فله أن يشترط على المشتري أنه لا رد له، ولا يعود عليه بشيء، ولا بأس به. من الوفاء بالعقود ما يحصل بين الزوجين عند العقد، تشترط المرأة شروطا أو يشترط الزوج شروطا فيجب على من يشترط عليه أن يوفي بالشرط، مثل أن تشترط عليه ألا تسكن مع أهله، فيجب عليه أن يوفي لأن
следующие страницы →