← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

يعزيه يجده في السوق أو في المسجد، بالنسبة للرجال. وأما النساء فلا حاجة إلى فتح الباب لهن واجتماعهن، فالمهم أن النبي ﷺ قال: إن النياحة من الكفر اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت ولا يغرنك يعني الناس، فإن الله يقول: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ وقال تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ فالمدار ما هو على عمل الناس وأن هذه عادة، المدار على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين وعمل الصحابة ﵃، ما منهم أحد فتح بابه للمعزين أبدا، وما اجتمعوا على الأكل بل كانوا يعدون هذا من النياحة ويبتعدون عنه أشد البعد، لأن النياحة كما سمعتم كفر، يعني من خصال الكفر. والثاني: أن الرسول ﷺ لعن النائحة والمستمعة. والله الموفق.

стр. 3327

باب النهي عن الغش والخداع قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ ١٥٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من حمل علينا السلاح، فليس منا، ومن غشنا، فليس منا رواه مسلم. وفي رواية له أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا ١٥٨٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تناجشوا متفق عليه. ١٥٨١ - وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ نهى عن

стр. 3328

النجش متفق عليه. ١٥٨٢ - وعنه قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوت؟ فقال رسول الله ﷺ : من بايعت، فقل لا خلابة متفق عليه. الخلابة بخاء معجمة مكسورة، وباء موحدة: وهي الخديعة. ١٥٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من خبب زوجة امرئ، أو مملوكه، فليس منا رواه أبو داود. خبب بخاء معجمة، ثم باء موحدة مكررة: أي: أفسده وخدعه.

стр. 3329

باب تحريم الغدر قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقال تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ : [الشَّرْحُ] قال النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم الغدر. الغدر خيانة الإنسان في موضع الاستئمان. بمعنى أن يأتمنك أحد في شيء ثم تغدر به، سواء أعطيته عهداً أم لم تعطه، وذلك لأن الذي ائتمنك: اعتمد عليك ووثق بك، فإذا خنته فقد غدرت به. ثم استدل المؤلف على تحريم الغدر بوجوب الوفاء، لأن الشيء يعرف بضده، ووجوب الوفاء ساق له المؤلف ﵀ آيتين، الآية الأولى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود يعني ائتوا بها وافية شاملة على حسب العقد الذي اتفقت مع صاحبك عليه، وهذا يشمل كل العقود، يشمل عقود البيع، فإذا بعت شيئا على أخيك فالواجب عليك أن تفي بالعقد، إن كان بينكما شرط فأوفه، سواء كان عدميا أم وجوديا، فمثلا إذا بعت على أخيك بيتا واشترطت عليه أن تسكنه لمدة سنة فالواجب على المشتري أن يمكنك من هذا وألا يتعرض لك، لأنه شرط عليك أن يسكنه سنة، وهذا مقتضى العقد، بعت على أخيك شيئا واشترطت عليه أن يصبر بالعيب الذي فيه، يعني قلت:

стр. 3330

فيه عيب فاصبر به فيجب عليك أن توفي بذلك وأن لا ترده، وإذا رددته فلا حق لك، لكن يجب عليك من الأصل ألا ترده. وهاهنا مسألة يتخذها بعض الناس والعياذ بالله وهي حرام يبيع الشيء ويعرف أن فيه عيبا، ثم يقول للمشتري، ترى ما بعت عليك إلا ما أمامك واصبر بجميع العيوب، وهذا ما يعرف عندهم في حارات السيارات حارات تحت المكرفون، تجد السمسار الذي هو الدلال، ينادي بأعلى صوته ويقول: ترى ما بعت عليك إلا الإطارات، ما بعت عليك إلا الكبوت، ما بعت عليك إلا كذا وكذا، وهو يعلم أن فيها العيب الفلاني لكن لا يذكره خداعا والعياذ بالله، لأنه لو ذكره لنقصت القيمة، فإذا لم يذكره صار المشتري مترددا، يحتمل فيها عيب، يحتمل ما فيها عيب، فيدفع ثمنا أكثر مما لو علم بالعيب المعين وهذا الذي باع على هذا الشرط، ولو التزم المشتري بذلك، إذا كان بها عيب حقيقة فإنه لا يبرأ منه يوم القيامة، سوف يطالب به ولا ينفع هذا الشرط، الواجب إذا علمت في السلعة عيبا أن تبين أن فيها العيب الفلاني، نعم لو فرض أن إنسانا اشترى سيارة وبقيت عنده يوما أو يومين، ولم يعلم بها عيب، ولم يشترط عليه عيب، ثم أراد أن يسلم منها قال بعت عليك هذا الذي أمامك، معيب أو سليم، ما علي منها، فهذا لا بأس به. والمهم أن من علم العيب في السلعة يجب أن يبينه، ومن لم يعلم فله أن يشترط على المشتري أنه لا رد له، ولا يعود عليه بشيء، ولا بأس به. من الوفاء بالعقود ما يحصل بين الزوجين عند العقد، تشترط المرأة شروطا أو يشترط الزوج شروطا فيجب على من يشترط عليه أن يوفي بالشرط، مثل أن تشترط عليه ألا تسكن مع أهله، فيجب عليه أن يوفي لأن

стр. 3331

بعض النساء لا ترغب في أن تسكن مع أهل الزوج لكونها سمعت عنهم أنهم نكد وأنهم أهل تشويش وأهل نميمة، فتقول شرطت ألا أسكن مع أهلك فيجب عليه أن يوفي بذلك، لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ أو شرطت عليه ألا يخرجها من بيتها، مثلا هي ربة أولاد من زوج سابق، وتزوجها رجل جديد فقالت شرط ألا تخرجني من بيتي، فيجب عليه أن يوفي بهذا الشرط وألا ينكد عليها، لا يقول أنا ما أخرجتها من بيتها، ولكن ينكد عليها، حتى تمل وتتعب، هذا حرام؛ لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ اشترطت عليه مهرا معينا، قالت: شرط أن تعطيني مهري مثلا عشرة آلاف يجب عليه أن يوفي، ولا يماطل لأنه مشروط عليه، ولكن لو اشترطت هي أو هو شرطا فاسدا فإنه لا يقبل، مثل لو اشترطت عليه، قالت: شرط أن تطلق زوجتك الأولى فهذا الشرط لا يقبل ولا يوفي به وذلك لأن النبي ﷺ قال: لا تسأل المرأة طلاق أختها لتدفع ما في إنائها أو قال: ما في صحفتها هذا الشرط محرم، لأنه عدوان على الغير فيكون باطلا ولا يجب الوفاء به، بل هو لا يجب الالتزام به أصلا لأنه شرط فاسد، أما لو اشترطت ألا يتزوج عليها وقبل فشرط صحيح، لأنه ما فيه عدوان على أحد، فيه منع الزوج من

стр. 3332

أمر يجوز له باختياره وهذا لا بأس به، لأن الزوج هو الذي أسقط حقه وهو ليس فيه عدوان على أحد، فإذا اشترطت ألا يتزوج عليها فتزوج فلها أن تفسخ النكاح، رضي أم أبى، لأنه خالف الشرط. فالمهم أن الله أمر بالوفاء بالعقود في كل شيء، يجب أن تفي بالعقد في كل شيء وألا تخون ولا تعذر ولا تكتم عيبا ولا تدلس، ويأتي الكلام إن شاء الله على الآية الثانية. والله أعلم ١٥٨٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أربع من كن فيه، كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر متفق عليه.

стр. 3333

١٥٨٥ - وعن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس ﵃ قالوا: قال النبي ﷺ : لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان متفق عليه. ١٥٨٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة رواه مسلم. ١٥٨٧ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفي منه، ولم يعطه أجره رواه البخاري. : [الشَّرْحُ] قال المؤلف في كتابه (رياض الصالحين) : باب تحريم الغدر، وقد تقدم معناه والكلام على الآية الأولى مما صدر به المؤلف الباب وهي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أما الآية الثانية فهي قول الله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ أمر الله أن يوفي بالعهد، يعني إذا عاهدت أحدا وقلت: عليك عهد الله ألا أفعل كذا أو ألا أخبر بما أخبرتني به أو ما أشبه ذلك، فإنه يجب عليك أن تفي بالعهد لأن العهد سوف تسأل عنه يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ أي: مسئولا عنه يوم القيامة، ثم ذكر أحاديث سبق لنا الكلام عليها، أي شرحها، وأعظمها أنه ينصب لكل غادر يوم القيامة لواء، اللواء ما يكون في الحرب مثل العلم يرفع لكل غادر لواء تحت استه والعياذ بالله، أي تحت مقعدته، ويرتفع هذا

стр. 3334

اللواء بقدر غدرته إن كانت كبيره صار كبيرا، وإن كانت صغيرة صار صغيرا، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان. والعياذ بالله، وفي هذا الحديث دليل على أن الغدر من كبائر الذنوب، لأن فيه هذا الوعيد الشديد وفيه أيضا أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم، وأن ما ذكر من أن الإنسان يوم القيامة يدعى باسم أمه فيقال يا فلان بن فلانة، فليست الحقيقة، بل إن الإنسان يدعى باسم أبيه كما يدعى به في الدنيا. وفي الحديث الأخير أيضا التنبيه على مسألة يفعلها كثير من الناس اليوم، وهي أنهم يستأجرون الأجراء ولا يعطون لهم أجرا، هذا الذي يفعل يستأجر الأجير ولا يعطيه أجره يكون الله خصمه يوم القيامة، كما قال تعالى في الحديث القدسي: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر يعني: عاهد بي ثم غدر والثاني رجل باع حرا فأكل ثمنه حتى لو كان ابنه أو أخاه الأصغر ثم باعه وأكل ثمنه يكون الله خصمه يوم القيامة، والثالث هذا الرجل الذي استأجر أجيرا فاستوفى منه وقام الأجير بالعمل كاملا ثم لم يعطه أجرته ومن ذلك ما يفعله بعض الناس اليوم في العمال الذي يأتون بهم من الخارج، تجده يستأجره بأجرة معينة مثلا ستمائة ريال في الشهر، ثم إذا جاء به إلى هنا ماطل به وآذاه ولم يؤت له حقه، وربما يقول له تريد أن تبقى هنا بأربعمائة ريال وإلا سافرت، هذا والعياذ بالله يكون الله خصمه يوم القيامة، ويأخذ من حسناته ويعطيها هذا

стр. 3335

العامل، لأن قوله إما أن تعمل بأربعمائة وإلا سفرتك، هذا استأجره بستمائة ولم يعطه أجره، فيدخل في هذا الوعيد الشديد، وهؤلاء الذي يأتون بالعمال ولا يعطونهم أجورهم أو يأتون بهم وليس عندهم شغل، ولكن يتركونهم في الأسواق، ويقول اذهب وما حصلته فلي نصفه، أو مثلا يقول اذهب وعليك في الشهر ثلاثمائة ريال أو أربعمائة ريال، كل هذا حرام والعياذ بالله، ولا يحل لهم، وما أكلوه فإنه سحت، وكل جسد نبت من السحت فالنار أولى به، وهؤلاء الذين يأكلون أموال هؤلاء العمال المساكين، هؤلاء لا تقبل لهم دعوة والعياذ بالله، يدعون الله فلا يستجيب لهم؛ لأن النبي ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب. ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي من حرام، فأنى يستجاب له وما يأكل هؤلاء من أجور هؤلاء العمال أو يظلمونهم به، فإنهم يأكلونه سحتا نسأل الله العافية. فعلى الإنسان أن يتقي الله، أنا أعلم أنكم سوف تبلغون هذا إلى هؤلاء الظلمة والعياذ بالله، الذين عاقبهم الله عقوبة عاجلة والعياذ بالله ما هي العقوبة العاجلة؟ استمراء هذا العمل والاستمرار فيه والإصرار عليه، فإن الإصرار على الذنب عقوبة والعياذ بالله إذا لم يمن الله على الإنسان بالتوبة من الذنب فاعلم أن استمراره في هذا الذنب عقوبة من الله له، لأنه لا يزداد بهذا الذنب من الله إلا بعدا ولا تزداد سيئاته إلا كثرة، ولا يزداد إيمانه إلا نقصا. فنسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.

стр. 3336

باب النهي عن المن بالعطية ونحوها قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ وقال تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى﴾ ١٥٨٨ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله، قال المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم. وفي رواية له: المسبل إزاره يعني: المسبل إزاره وثوبه أسفل من الكعبين للخيلاء. : [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تحريم المن بالعطاء والصدقة ونحوها. وذلك أن الإنسان إذا أعطى أحدا من الناس عطاء، إن كان صدقة فقد أعطاها لله وإن كان إحسانا فالإحسان مطلوب، فإذا كان كذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يمن بالعطية، فيقول: أنا أعطيتك كذا أنا أعطيتك كذا سواء

стр. 3337

قاله في مواجهته أو في غير مواجهته، مثل أن يقول بين الناس أعطيت فلانا كذا، وأعطيت فلانا كذا ليمن بذلك عليه، ثم استدل المؤلف لذلك بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فدل هذا على أن الإنسان إذا من فإن الصدقة تبطل ولا ثواب له فيها وهو من كبائر الذنوب، وقال تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ثم ذكر حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. المسبل: يعني الذي يجر إزاره أو قميصه أو مشلحته خيلاء وتبخترا، فهذا له هذا العقاب الشديد، لا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم. والمنان: المنان بما أعطى إذا أعطى أحدا شيئا صار يمن به. والمنفق لسلعته بالحلف الكاذب: يعني الذي يحلف على السلعة حلفا كاذبا لأجل أن تزيد قيمتها، هذا أيضا من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. والله الموفق.

стр. 3338

باب النهي عن الافتخار والبغي قال الله تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ وقال تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾ ١٥٨٩ - وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد رواه مسلم. قال أهل اللغة: البغي: التعدي والاستطالة. : [الشَّرْحُ] قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب النهي عن الافتخار والبغي. الافتخار: أن يتمدح الإنسان في نفسه ويفتخر بما أعطاه الله تعالى من نعمة، سواء نعمة الوالد أو المال أو العلم أو الجاه أو قوة البدن، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يتمدح الإنسان بما أنعم الله عليه فخرا وعلوا على الناس، وأما التحدث بنعمة الله على وجه إظهار نعمة الله على العبد، مع التواضع فإن هذا لا بأس به، لقول الله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث ولقول النبي ﷺ : أنا سيد ولد أدم يوم القيامة

стр. 3339

ولا فخر. فقال: ولا فخر يعني لا أفتخر بذلك وأزهو بنفسي، وأما البغي فهو العدوان على الغير، أن الإنسان يعتدي على غيره إما على ماله أو على بدنه أو على أهله أو على مقامه وما أشبه ذلك، فالعدوان أنواعه كثيرة، لكن يضمها كلها أنه انتهاك لحرمة أخيه المسلم، وهذا أيضا محرم. ثم استدل المؤلف بقول الله : ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ فنهى الله عباده أن يزكوا أنفسهم يعني أن يمدحوها افتخارا على الخلق، فيقول مثلا لصاحبه: أنا أعلم منك، أنا أكثر منك طاعة، أنا أكثر منك مالا. وما أشبه ذلك، فهذا - نسأل الله العافية - تزكية للنفس ونوع من الافتخار ولا يعارضه قول الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ وذلك أن التزكية المنهي عنها هي أن الإنسان يفتخر ويعلو ويزهو بما أعطاه الله تعالى من خير ومن عبادة ومن علم. وأما: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ فالمراد من سلك بها طريق الزكاة واجتنب طريق الردى، ولهذا قال: ﴿وقد خاب من دساها﴾ وهذه الآيات المتشابهات في القرآن يتخذ منها أهل الباطل حجة في التلبيس على الناس، يقول انظر إلى القرآن تارة يقول: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ وتارة يمدح من زكى نفسه، ولكن هؤلاء كما وصفهم الله تعالى هم الذي في قلوبهم زيغ والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات

стр. 3340

هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ وإلا فالقرآن لا يمكن أبدا أن يكون فيه شيء متناقض، كما قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ أما القرآن فلا اختلاف فيه، وقد أورد نافع بن الأزرق الخارجي المشهور عن ابن عباس ﵄ كثيرا من الآيات المتشابهات التي ظاهرها التعارض، وأجاب عنها ﵁ في آيات متعددة ذكرها السيوطي في الإتقان في علوم القرآن. ثم استدل على تحريم البغي بقول الله تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ السبيل: التبعة واللوم والمذمة على هؤلاء الذين يظلمون الناس في أموالهم أو أعراضهم أو في أنفسهم أو في أهليهم، هؤلاء هم الذين عليهم السبيل والتبعة ﴿ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ يعني يعتدون بغير الحق، وإنما وصف الله البغي بغير حق، لأنه حقيقة ليس بحق، كل البغي فهو بغير الحق، فالقيد هنا ليس للاعتراض بل هو لبيان الواقع، وهو أن كل شيء من البغي فإنه بغير الحق، وهذا يرد في القرآن كثيرا، أن تجد قيدا يبين الواقع وليس قيدا يخرج ما سواه، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ فهنا ليس هناك رب لم يخلقنا ورب خلقنا بل هو لبيان الواقع أن الرب هو الذي خلقنا وهو

стр. 3341

الذي رزقنا، فالحاصل أن الله تعالى بين أن السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، ثم ذكر حديث عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال: إن الله أوحى إلي أن لا يبغي أحد على أحد هذا الشاهد من الحديث، وهذا يدل على أن البغي أمر عظيم، فيه عناية من الله يبين لعباده أنه لا يبغي أحد على أحد وأن الإنسان يتواضع لله ، ويتواضع في الحق. والله الموفق. ١٥٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم رواه مسلم. الرواية المشهورة: أهلكهم برفع الكاف، وروي بنصبها. وهذا النهي لمن قال ذلك عجبا بنفسه، وتصاغرا للناس، وارتفاعا عليهم، فهذا هو الحرام، وأما من قالها لما يرى في الناس من نقص في أمر دينهم، وقالها تحزنا عليهم، وعلى الدين، فلا بأس به. هكذا فسره العلماء وفصلوه، وممن قاله من الأئمة الأعلام: مالك بن أنس، والخطابي، والحميدي وآخرون، وقد أوضحته في كتاب الأذكار.

стр. 3342

باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور، أو تظاهر بفسق، أو نحو ذلك قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ١٥٩١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث متفق عليه. ١٥٩٢ - وعن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام متفق عليه. ١٥٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا، إلا امرئ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا رواه مسلم.

стр. 3343

١٥٩٤ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم رواه مسلم. التحريش الإفساد وتغيير قلوبهم وتقاطعهم. ١٥٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار. رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري. ١٥٩٦ - وعن أبي خراش حدرد بن أبي حدرد الأسلمي، ويقال السلمي الصحابي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه رواه أبو داود بإسناد صحيح.

стр. 3344

باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث قال الله تعالى: ﴿إنما النجوى من الشيطان﴾ ١٥٨٩ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إذا كانوا ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث متفق عليه. ورواه أبو داود وزاد: قال أبو صالح: قلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك. ورواه مالك في الموطأ: عن عبد الله بن دينار قال: كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي في السوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعا ابن عمر رجلا آخر حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الثالث الذي دعا: استأخرا شيئا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتناجى اثنان دون واحد ١٥٩٩ - وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من

стр. 3345

أجل أن ذلك يحزنه متفق عليه. : [الشَّرْحُ] من الآداب التي حث عليها الإسلام ورغب فيها ما أشار إليه النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث، واستدل لذلك بقوله تعالى: إنما النجوى من الشيطان يعني التناجي من الشيطان، وبين الله ماذا يريد الشيطان بهذه النجوى، قال: ﴿ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله﴾ وكانوا إذا مر بهم المسلمون يأخذ بعضهم إلى بعض في التناجي، يعني في الكلام السر، يتناجون فيما بينهم، لأجل أن يحزن المؤمنون ويقولون أن هؤلاء أرادوا بنا شرا أو ما أشبه ذلك؛ وذلك أن أعداء المؤمنين من المنافقين والكافرين يحرصون دائما على ما يحزنهم ويسوءهم؛ لأن هذا هو ما يريده الشيطان من أعداء الله، أي: يريد أن يحزن المؤمنين على كل حال، به وبأوليائه قال تعالى: ﴿وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله﴾ فمن توكل على الله واعتمد عليه فإنه لا يضره أحد، كما قال النبي ﷺ لابن عباس ﵄: واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فهم يتناجون فيما بينهم لإحزان المؤمنين.

стр. 3346

ثم ذكر حديثي ابن عمر وابن مسعود ﵄ في هذا المعنى، وأن الرسول ﷺ نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث، يعني إذا كانوا ثلاثة فإنه لا يحل لاثنين أن يتناجيا دون الثالث، لأن الثالث يحزن، ويقول لماذا ما كلموني، هذا إذا أحسن بهما الظن، وربما يسيء بهما الظن، ولكن إذا أحسن بهما الظن قال لماذا أنا ليس لي قيمة؟ يتناجيان دوني؟ فلذلك نهى النبي ﷺ عن هذا، ولا شك أن هذا من الآداب. فإن قال قائل: إذا كانت بيني وبين صاحبي مسألة لا أحب أن يطلع عليها أحد، مسألة خاصة؟ قلنا: افعل كما فعل عبد الله بن عمر ﵄، ادع واحداً لتكونوا كم؟ أربعة، فيتناجى اثنان، واثنان يتكلمان فيما بينهما، كما كان ابن عمر يفعل ﵁، وكما دل عليه الحديث: حتى تختلطوا بالناس في حديث ابن مسعود، فإذا اختلطا بالناس زالت المشكلة، ومن ذلك من التناجي بين اثنين دون الثالث، إذا كانوا ثلاثة واثنين يجيدان لغة أجنبية والثالث لا يجيدها، فجعلا يتحدثان بلغتهما، والثالث يسمع ولا يفهم ما يقولان، هذا نفس الشيء، لأن ذلك يحزنه، لماذا تركاني وصارا يتحدثان وحدهما؟ أو ربما يسيء الظن بهما، مثل أن يتكلم واحد مع آخر باللغة الإنجليزية، والثالث لا يعرفها، فهذا كالمتناجيين إذ أن رفع الصوت لا يفيدهم شيئا، فينهى عن ذلك، فإذا قال قائل: إذا كان له حاجة في أخيه؟ قلنا: يفعل كما فعل ابن عمر، وإذا لم يمكن ولم يقابلهم أحد، فإنهما يستأذنان منه، يقولان له أتأذن لنا أن نتكلم؟ فإذا أذن لهم في ذلك فالحق لهم، وحينئذ لا يحزن ولا يهتم بالأمر. والله الموفق

стр. 3347

باب النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب قال الله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا﴾ ١٦٠٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض متفق عليه. خشاش الأرض بفتح الخاء المعجمة، وبالشين المعجمة المكررة: وهي هوامها وحشراتها. ١٦٠١ - وعنه أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن

стр. 3348

من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا متفق عليه. الغرض: بفتح الغين المعجمة، والراء وهو الهدف، والشيء الذي يرمى إليه. ١٦٠٢ - وعن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم متفق عليه. ومعناه: تحبس للقتل. ١٦٠٣ - وعن أبي علي سويد بن مقرن ﵁، قال: لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن مالنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها. رواه مسلم. وفي رواية: سابع إخوة لي: [الشَّرْحُ] هذا الباب ذكره المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين النهي عن تعذيب الحيوان والولد والوالد ومن لك ولاية عليه، فإنه يحرم عليك أن تعذبه بضرب أو غيره إلا لسبب شرعي.

стр. 3349

ثم استشهد بقول الله تعالى: وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا هؤلاء كلهم أصحاب الحقوق ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وهم أعظم البشر حقا عليك، الأم والأب ﴿وبذي القربى واليتامى والمساكين﴾ القربى يعني الأقارب من قبل الأم أو من قبل الأب، واليتامى: الصغار الذي مات آباؤهم ﴿والمساكين والجار ذي القربى﴾ المساكين هم الفقراء، والجار ذي القربى: الجار القريب، والجار الجنب: الجار البعيد، والصاحب بالجنب، قيل: هي الزوجة وقيل: هو الصاحب في السفر ﴿وابن السبيل﴾ المسافر الذي انقطع به السفر ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ هذا الشاهد، أي: ما ملكت أيمانكم من الأرقاء والبهائم، فإن الإنسان مأمور بالإحسان إليهم إن كان من بني آدم أرقاء يطعمهم مما يطعم ويكسوهم مما يكتسي وينزلهم المنازل اللائقة بهم ولا يكلفهم ما لا يطيقون، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، الهرة هي القطة، حبستها ولم تجعل عندها ماء ولم تجعل عندها طعاما حتى ماتت فدخلت النار بسبب هذه الهرة، وعذبت بها، والعياذ بالله، مع أنها هرة لا تساوي شيئا، لكنها أساءت إليها هذه الإساءة حبستها حتى ماتت جوعا. وفهم من هذا الحديث أنها لو جعلت عندها طعاما وشرابا

стр. 3350

يكفي فإن ذلك لا بأس به. ومن هذا الطيور التي تحبس في الأقفاص، إذا وضع عندها الطعام والشراب ولم يقصر عليها وحفظها من الحر والبرد فلا بأس، وأما إذا قصر وماتت بسبب تقصيره فإنه يعذب بها، والعياذ بالله، كما عذبت هذه المرأة في الهرة التي حبستها، فدل ذلك على أنه يجب على الإنسان أن يحرص على ما ملكت يمينه من البهائم، والآدميون أولى وأحرى لأنهم أحق بالإكرام. أما الحديث الثاني أن ابن عمر ﵄ مر بفتيان بقريش وقد جعلوا طائرا يرمون عليه، أيهم أشد إصابة، فلما رأوا عبد الله بن عمر ﵁ تفرقوا هربا منه، ثم قال: ما هذا؟ فأخبروه، فقال: لعن الله من فعل هذا لعن الله من فعل هذا وذكر أن النبي ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا. وهذا لأنه يتألم إذ أن هذا يضربه على جناحه، وهذا يضربه على صدره، وهذا يضربه على ظهره، وهذا على رأسه فيتأذى، فلهذا لعن النبي ﷺ من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا. أما بعد ما مات فقد مات لا يحس بشيء. وكذلك الحديث الذي بعده أن النبي ﷺ نهى أن يقتل الحيوان صبرا، ومعناه أن يحبس ثم يقتل، فإن هذا لا يجوز، وذلك لأنه إذا حبس كان مقدورا على ذبحه وتزكيته فلا يحل أن يرمى، ورميه إيلاما له من وجه وإضاعة لماليته من وجه آخر. والله الموفق ١٦٠٤ - وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: كنت اضرب

стр. 3351

غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: اعلم أبا مسعود فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا وفي رواية: فسقط السوط من يدي من هيبته وفي رواية: فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى فقال: أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار. رواه مسلم بهذه الروايات. ١٦٠٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من ضرب غلاما له حدا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه رواه مسلم. ١٦٠٦ - وعن هشام بن حكيم بن حزام ﵄ أنه مر بالشام على أناس من الأنباط، وقد أقيموا في الشمس، وصب على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج، وفي رواية: حبسوا في الجزية. فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا فدخل على الأمير، فحدثه، فأمر بهم فخلوا. رواه مسلم.

стр. 3352

الأنباط: الفلاحون من العجم. ١٦٠٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ حمارا موسوم الوجه، فأنكر ذلك؟ فقال: والله لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه، وأمر بحماره، فكوي في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين رواه مسلم. الجاعرتان: ناحيتا الوركين حول الدبر. ١٦٠٨ - وعنه أن النبي ﷺ : مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: لعن الله الذي وسمه رواه مسلم. وفي رواية لمسلم أيضا: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه. : [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب النهي عن تعذيب الحيوان والرقيق والولد وغيرهم ممن يؤدبهم الإنسان، وذلك أن المقصود بالتأديب هو الإصلاح وليس المقصود بالتأديب الإيلام والإيجاع،

стр. 3353

ولذلك لا يجوز للإنسان أن يضرب الولد ما دام يمكن أن يتأدب بدون الضرب، فإذا لم يتأت الأدب إلا بالضرب فله أن يضرب، وإذا ضرب فإنه يضرب ضربا غير مبرح، واذكروا قول الله في النساء: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فجعل الضرب في المرتبة الثالثة، والمقصود من الضرب هو التأديب لا أن يصل إلى حد الإيلام والإيجاع. وذكر المؤلف أحاديث، منها حديث أبي مسعود البدري ﵁ أنه كان يضرب غلاما له، فسمع صوتا من الخلف يقول: أبا مسعود ولم يفقه ما يقول من شدة الغضب، فإذا الذي يتكلم هو رسول الله ﷺ فقال: يا أبا مسعود ألم تعلم أن الله أقدر عليك من قدرتك على هذا الغلام؟ يعني تذكر قدرة الله ، فإنه أقدر عليك من قدرتك على هذا الغلام، وإلى هذا يشير الله في الآية التي ذكرناها ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾ فلما رأى أنه النبي ﷺ وذكره بهذه الموعظة العظيمة أن الله أقدر عليه من قدرته على هذا العبد، سقطت العصا من يده هيبة لرسول الله ﷺ ثم أعتقه، أعتق العبد، وهذا من حسن فهمه ﵁ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ فبدلاً من أنه أساء إلى هذا العبد أحسن إليه بالعتق، لهذا أرشد النبي إلى هذا بأن من ضرب عبده أو لطمه فإن كفارة ذلك أن يعتقه، لأن الحسنات يذهبن السيئات.

стр. 3354

ثم ذكر حديث هشام بن حكيم بن حزام ﵁، في قصة المحبوسين في الخراج، المحبوسين في الخراج وهم الأنباط، وسموا أنباطا لأنهم يستنبطون الماء أي يستخرجونه، وهم فلاليح فلاحون في الشام عليهم خراج، وكأنهم لم يؤدوه، فعاقبهم الأمير هذه العقوبة العظيمة، جعلهم في الشمس في الحر الشديد وصب على رؤوسهم الزيت، لأن الزيت تشتد حرارته مع الشمس، وهذا عذاب عظيم مؤلم موجع، فدخل هشام ﵁ إلى الأمير فأخبره ففك الأمير أسرهم وأطلقهم، وفي هذا دليل على حسن سيرة السلف ﵃ في مناصحة الحكام وأنهم يتقدمون إلى الحاكم وينصحونه، فإن اهتدى فهذا المطلوب، وإن لم يهتد برأت ذمة الناصح وصارت المسئولية على الحاكم لكن الحكام الذين يخافون الله إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا، اتعظ هذا الحاكم وأمر بإطلاقهم، فدل هذا على أن التعذيب الذي يصل إلى هذا الحد أنه لا يجوز. وكذلك أيضا من الأحاديث التي ذكرها المؤلف الوسم في الوجه، وسم الحيوانات في الوجه حرام من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن من فعل هذا، والوسم هو عبارة عن كي يكوي الحيوان ليكون علامة، ولهذا هو مشتق من السمة، وهي العلامة، يتخذ أهل المواشي علامة لهم، كل قبيلة لها وسم معين إما شرطتان أو شرطة مربعة أو دائرة أو هلال، المهم أن كل قبيلة لها وسم معين، والوسم هذا يحفظ الماشية إذا وجدت ضالة يعني ضائعة عرف الناس أنها لهؤلاء القبيلة فذكروها لهم، وكذلك أيضا هي قرينة في مسألة الدعوى، لو أن إنسان وجد بهيمة عليها وسم في يد إنسان وادعى أنها له فإن هذه قرينة

стр. 3355

تدل على صدق دعواه ترجح بها دعوى المدعي، وهي من الأمور الثابتة بالسنة فإن النبي ﷺ كان يسم إبل الصدقة وكذلك الخلفاء من بعدهم، لكن الوسم لا يجوز أن يكون في الوجه، لأن الوجه لا يضرب ولا يوسم ولا يقطع، هو جمال البهيمة، أين يكون الوسم؟ في الرقبة، يكون في العضد، يكون في الفخذ، يكون في أي موضع من الجسم إلا الوجه، وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا رأى شيئا مما يلعن فاعله فقال: اللهم العن من فعل هذا فلا إثم عليه، لو وجدنا بهيمة موسومة في الوجه وقلنا اللهم العن من وسمها فلا بأس، لكن ما نقول فلان ابن فلان، تقول اللهم العن من وسمها كما قال النبي ﷺ ومثل ذلك إذا رأينا قذرا في الشارع يعني غائطا وجدناه في الشارع، لنا أن نقول: لعن الله من تغوط هاهنا، لأن النبي ﷺ يقول: اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في المواني وقارعة الطريق والظل وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وجعلنا هداة مهتدين من عبادة الصالحين المصلحين

стр. 3356

باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها ١٦٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين من قريش سماهما فأحرقوهما بالنار ثم قال ﷺ حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما رواه البخاري. ١٦١٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة تعرش فجاء النبي ﷺ : من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار. رواه أبو داود بإسناد صحيح. قوله: قرية نمل معناه: موضع النمل مع النمل. : [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تحريم التعذيب بالنار، يعني أنه لا يحل لإنسان أن يعذب أحدا بالإحراق، لأنه يمكن التعذيب بدونه، ويمكن إقامة الحدود بدون ذلك، فيكون الإحراق زيادة تعذيب لا حاجة لها.

стр. 3357

ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجالا في سرية وقال: إذا وجدتم فلانا وفلانا لرجلين سماهما فأحرقوهما بالنار فاعتمد الصحابة ذلك امتثالا لأمر النبي ﷺ فلما أرادوا الخروج، قال كنت قلت: كذا وكذا ولكن لا يعذب بالنار إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما فنسخ النبي ﷺ أمره الأول بأمره الثاني، أمره الأول أن يحرقا وأمره الثاني أن يقتلا، فدل ذلك على أن الإنسان إذا استحق القتل فإنه لا يحرق بالنار وإنما يقتل قتلا عاديا حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية. وكذلك الحديث الذي رواه أبو داود أن النبي ﷺ مضى لحاجته فوجد الصحابة حمرة، نوع من الطيور، معها ولداها، فأخذوا ولديها، فجعلت تعرش، يعني تحوم حولهم، كما هو العادة أن الطائر إذا أخذ أولاده جعل يعرض ويحوم ويصيح لفقد أولاده، لأن الله جعل في قلوب البهائم رحمة لأولادها، حتى أن البهيمة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وهذا من حكمة الله ، فأمر النبي ﷺ أن يطلق ولديها لها، فأطلقوا ولديها، ثم مر بقرية نمل قد أحرقت فقال: من أحرق هذا؟ قالوا: نحن يا رسول الله. قرية النمل يعني مجتمع النمل، جحورها، أحرقوها بالنار، فقال النبي ﷺ : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار فنهى عن ذلك، وعلى هذا إذا كان عندك نمل فإنك لا تحرقها بالنار وإنما تضع شيئا يطردها مثل الجاز إذا صفيته على الحجر فإنها تنفر بإذن الله ولا ترجع، وإذا لم يمكن اتقاء شرها إلا بمبيد يقتلها نهائيا، أعني النمل، فلا بأس، لأن هذا دفع لأذاها، وإلا فالنمل مما نهى النبي ﷺ عن قتله، لكن إذا آذاك ولم يندفع إلا بالقتل فلا بأس بقتله

стр. 3358

باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وقال تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ ١٦١١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع. متفق عليه. معنى أتبع أحيل. : [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم مطل الغني، يعني في الحق الذي يجب عليه لغيره، والمطل هو التأخير، وهو ظلم، فإذا كان لك حق على إنسان حال وطلبته منه ولكنه صار يماطل فإن ذلك ظلم وحرام وعدوان، ومن ذلك ما يفعله الكفلاء لمكفوليهم، فإنهم والعياذ بالله يماطلونهم ويؤذونهم ولا يؤتوهم تجد هذا الفقير المسكين الذي ترك أهله وبلده لينال لقمة العيش، يبقي أربعة أشهر، خمسة أشهر وأكثر والكفيل يماطل به والعياذ بالله ويهدده بأنه إن تكلم سفره، ألا يعلم هؤلاء أن الله فوقهم وأن الله أعلى منهم وأنه ربما يسلط عليهم قبل أن يموتوا من يسومهم

стр. 3359

سوء العذاب، نسأل الله العافية، لأن هؤلاء مساكين، وقد قال النبي ﷺ عن ربه ﵎ أنه قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر يعني عاهد بالله ثم غدر والعياذ بالله ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره فهؤلاء خصماء الله يوم القيامة، نعوذ بالله من حالهم، ومكرهم ظلم، وكل ساعة بل كل لحظة تمر عليهم لا يوفون هذا حقه لا يزدادون من الله إلا بعدا، ولا يزدادون إلا ظلما، والعياذ بالله، والظلم ظلمات يوم القيامة. ثم استدل بقوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ومن الأمانات ثمن المبيع، إذا باع عليك إنسان شيئا وبقي ثمنه في ذمتك فهو يشبه الأمانة، يجب أن تؤديها ولا يحل لك أن تماطل بها. واستدل أيضا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع فجمع النبي ﷺ في هذا الحديث بين حسن القضاء وحسن الاقتضاء، أما حسن القضاء فقال: مطل الغني ظلم وهذا يتضمن الأمر بالمبادرة إلى إيتاء الحق وألا يتأخر فإن فعل فهو ظلام وما أكثر الذين يؤتي إليهم يطلب منهم الثمن أو الأجرة ويقول غدا بعد غد والدراهم عنده في الردج ولكن يلعب

стр. 3360

به الشيطان وكأنه إذا بقيت عنده تزيد وكأنها تنقص يعني ينقص صاحب الحق منها وعجبا لهؤلاء الذين سفهوا في عقولهم وضلوا في دينهم هل يظنون أنهم إذا ماطلوا يسقط عنهم الحق أو ينقص أبدا الحق باق سراء أعطاه اليوم أو بعد عشرة أيام أو بعد عشر سنين لكن الشيطان يلعب بهم وقول الرسول ﷺ : مطل الغني يدل على أن مطل الفقير ليس بظلم إذا كان الإنسان ليس عنده شيء وماطل فهذا ليس بظالم بل الظالم الذي يطلبه ولهذا إذا كان صاحبك فقيرا وجب عليك أن تنظره وألا تطلبه وألا تطالبه به لقول الله تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ فأوجب الله الانتظار إلى الميسرة وكثير من الناس يكون له الحق عند الفقير ويعلم أنه فقير ويطالبه ويشدد عليه ويرفع بشكواه إلى ولاة الأمور ويحبس على دينه وهو ليس بقادر هذا أيضا حرام وعدوان ويجب على القاضي إذا علم أن هذا فقير وطالبه من له الحق يجب عليه أن ينهر صاحب الحق وأن يوبخه وأن يصرفه لأنه ظالم فإن الله أمره بالانتظار ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ ولا يحل له أبدا أن يقول له أعطني حقي وهو يدري أنه فقير ولا يتعرض له وقوله: من أحيل على مليء فليتبع يعني إذا كان إنسان له حق على زيد وقال له زيد أنا أطلب عمرا مقدار حقي يعني مثلا زيد مطلوب ١٠٠ ريال وهو يطلب عمرا ١٠٠ ريال فقال أنا أحيلك على عمرو في ١٠٠ ريال فليس للطالب أن يقول

стр. 3361

لا أقبل لأن الرسول ﷺ قال: من أحيل على مليء فليتبع إلا إذا كان المحول عليه فقيرا أو مماطلا أو قريبا للشخص لا يستطيع أن يرافعه عند الحاكم المهم إذا وجد مانع فلا بأس أن يرفض الحوالة وأنا إذا لم يكن مانع فإن النبي ﷺ أمر أن يقبل الحوالة قال: فليتبع واختلف العلماء هل هذا على سبيل الوجوب أو أن هذا على سبيل الاستحباب فذهب الحنابلة ﵏ إلى أن هذا على سبيل الوجوب وأنه يجب على الطالب أن يتحول إن حول على إنسان مليء وقال أكثر العلماء إنه على سبيل الاستحباب لأن الإنسان لا يلزمه أن يتحول قد يقول صاحب الأول أهون وأيسر وأما الثاني فأهابه وأخاف منه وما أشبه ذلك لكن لا شك أن الأفضل أن يتحول إلا لمانع شرعي والله الموفق

стр. 3362

باب كراهية عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له ١٦١٢ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه متفق عليه وفي رواية: مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيئ ثم يعود في قيئه فيأكله وفي رواية العائد في هبته كالعائد في قيئه ١٦١٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه

стр. 3363

برخص فسألت النبي ﷺ فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه متفق عليه قوله: حملت على فرس في سبيل الله معناه تصدقت به على بعض المجاهدين [الشَّرْحُ] هذا الباب ذكر المؤلف ﵀ فيه ما يدل على تحريم الرجوع في الهبة يعني أنك إذا أعطيت إنسانا شيئا مجانا تبرعا من عندك فإنه لا يحل لك أن ترجع فيه سواء كان قليلا أم كثيرا لأن النبي ﷺ شبه العائد في هبته بالكلب الكلب يقيء ما في بطنه ثم يعود فيأكله وهذا تشبيه قبيح شبه النبي ﷺ العائد في هبته بهذا تقبيحا له وتنفيرا منه ولا فرق بين أن يكون الذي وهبته من أقاربك أو من الأباعد عندك فلو وهبت لأخيك شيئا ساعة أو قلما أو سيارة أو بيتا فإنه لا يحل لك أن ترجع فيه إلا أن ترضي لنفسك أن تكون كلبا ولا أحدا يرضي لنفسه أن يكون كلبا وكذلك الابن لو وهب لأبيه شيئا فإنه لا يرجع فيه كرجل غني له أب فقير فوهبه بيتا فإنه لا يجوز له أن يرجع في الهبة ولو كان أباه أما العكس لو أن الرجل وهب ابنه شيئا فلا بأس أن يرجع فيه لقول النبي ﷺ : لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما يعطي ولده لأن الوالد له الحق أن يأخذ من

стр. 3364

مال ولده الذي لم يهبه له ما لم يضره ثم ذكر أيضا حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه حمل على فرس في سبيل الله يعني أعطى رجلا فرسا يقاتل عليه فأضاعه الرجل وأهمله فظن عمر ﵁ أنه يبيعه برخص وأنه ليس قادرا على تحمل مؤونته فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم لأنك أخرجته لله ولا يمكن للإنسان أن يشتري صدقته لأن ما أخرجه الإنسان لله لا يعود فيه ولهذا قال: العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه فتركه عمر ﵁ هذا إذا قبض الموهوب له الهبة أما قبل قبضها فهذا لا يحرم عليه أن يعود لكن يوفي بوعده كما لو قال شخص لآخر سوف أعطيك ساعة مثلا ولكنه لم يسلمها له فله أن يرجع لكن ينبغي أن يفي بوعده لأن الذي لا يفي بما وعد فيه خصلة من خصال النفاق ولا يجوز للإنسان أن يتحلى بخصال المنافقين والله الموفق

стр. 3365

باب تأكيد تحريم مال اليتيم قال الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ وقال تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ ١٦١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه الموبقات المهلكات [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب تحريم أموال اليتامى اليتامى هم الذين مات آباؤهم قبل البلوغ سواء كانوا ذكورا أو إناثا وهؤلاء أعني اليتامى محل الرفق والعناية والرحمة والشفقة لأنهم كسرت قلوبهم بموت آبائهم وليس لهم عائل إلا الله فكانوا محل الرفق والعناية
следующие страницы →