Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
باب تحريم الجلوس على قبر
١٧٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر رواه مسلم
стр. 3572
باب النهي عن تجصيص القبور والبناء عليها
١٧٦٧ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه رواه مسلم
ثم ذكر المؤلف ﵀ باب تحريم الجلوس على القبر لأن القبر فيه إنسان مسلم محترم وجلوسك عليه إهانة له ولهذا قال النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جسده خير له من أن يجلس على القبر وهذا يدل على التحريم وأنه لا يجوز للإنسان أن يجلس على قبر المسلم وإذا أراد أن يجلس فليجلس من وراء القبر يجعل القبر خلف ظهره أو عن يمينه أو عن شماله وأما إن يجلس عليه فهذا حرام ومثل ذلك الغلو في القبر ولهذا نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه لأن تجصيصه يعني تفخيمه وتعظيمه يؤدي إلى الشرك به وكذلك البناء عليه فالتجصيص حرام والبناء أشد حرمة والكتابة عليه فيها تفصيل
стр. 3573
الكتابة التي لا يرد بها إلا إثبات الاسم للدلالة على القبر فهذه لا بأس بها وأما الكتابة التي تشبه ما كانوا يفعلونه في الجاهلية يكتب اسم الشخص ويكتب الثناء عليه وأنه فعل كذا وكذا وغيره من المديح أو تكتب الأبيات..
فهذا حرام ومن هذا ما يفعله بعض الجهال أنه يكتب على الحجر الموضوع على القبر سورة الفاتحة مثلا..
أو غيرها من الآيات فكل هذا حرام وعلى من رآه في المقبرة أن يزيل هذا الحجر لأن هذا من المنكر الذي يجب تغييره والله الموفق
стр. 3574
باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده
١٧٦٨ - عن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة رواه مسلم
١٧٦٩ - وعنه ﵁ عن النبي ﷺ إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة رواه مسلم وفي رواية فقد كفر
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تغليظ تحريم إباق العبد العبد يعني المملوك وإباقه هربه من سيده وذلك أن العبد مملوك للسيد في ذاته ومنافعه فإذا هرب فقد فوت على سيده ذلك وقد ورد الوعيد في هذا بأنه يكون كافرا وأن الذمة بريئة منه وأنه لا تقبل صلاته فهذه ثلاث عقوبات والعياذ بالله الأولى أنه برئت منه الذمة كما في حديث جرير ﵁ الثانية أنه كافر ولكنه ليس كفرا مخرجا عن الملة الثالثة أنه لا تقبل صلاته فالعبد إذا أبق وهرب من سيده ثم صلى
стр. 3575
فلا صلاة له واختلف العلماء ﵏ هل صلاته غير مقبولة لا الفريضة ولا النافلة أو أنها النافلة فقط فمن العلماء من قال صلاة الفريضة مقبولة لأن زمنها مستثنى شرعا ولأنه سوف يصلي سواء كان عند سيده أو أبقا منه ومنهم من قال إن الحديث عام ولا يمتنع أن يعاقب بذلك ويكون المراد بنفي القبول بالنسبة للنوافل نفي الصحة وبالنسبة للفرائض نفي الإثابة وهذا جمع حسن
стр. 3576
باب تحريم الشفاعة في الحدود
قال الله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾
١٧٧٠ - وعن عائشة ﵂ أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة فقال رسول الله ﷺ أتشفع في حد من حدود الله تعالى ثم قام فاختطب ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها متفق عليه وفي رواية فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال أتشفع في حد من حدود الله قال أسامة استغفر لي يا رسول الله قال ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها
стр. 3577
أما الباب الثاني فهو تحريم الشفاعة في الحد أي في العقوبة المقدرة شرعا واعلم أن العقوبات على الذنوب تنقسم إلى قسمين عقوبات أخروية هذه أمرها إلى الله وقال الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فكل ذنب سوى الشرك فإنه قابل أن يغفره الله بفضله ورحمته وأما العقوبة الدنيوية فهي أقسام كثيرة منها أقسام معينة محددة في الشريعة فهذه لا يجوز تعديها فمثلا السارق تقطع يده ولا يجوز أن تقطع رجله مع يده ولا أن تقلع عينه ولا أن تفجر أذنه لا يجوز أن يتعدى فيها ما حده الله ورسوله وهو قطع اليد كذلك أيضا الزنا إذا كان الزاني لم يتزوج من قبل فحده مائة جلدة وتغريب عام أي طرده من البلد إلى بلد آخر لمدة سنة هذا أيضا لا تجوز الزيادة فيه ولا النقص منه لأنه حد من الحدود ومثل المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادا هؤلاء جزاؤهم أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض هناك عقوبات أخرى غير مقدرة هذه يرجع إلى رأي الحاكم يعني القاضي الشرعي أو من له تنظيم وتقنين العقوبات هذه أمرها واسع تارة تكون العقوبة بالمال يغرم الإنسان مالا وتارة تكون العقوبة بالعزل عن منصبه وتارة تكون بالحبس وتارة تكون بالتشهير بأن
стр. 3578
يعلن اسمه ومخالفته بين الناس وتارة تكون بالتقويم من المجلس حسب ما تقتضيه المصلحة والتأديب وتارة تكون بالجلد فأما العقوبات المحددة فإنه إذا بلغت السلطان فلا يجوز لأحد أن يشفع فيها كما قال النبي ﷺ إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع له لعن طرد وإبعاد عن رحمة الله وقال من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره والعياذ بالله وإن لم تصل إلى الحاكم فهنا قد يجوز الشفاعة والتوسط مثل لو أن أحد رأى شخصا يزني وشاهده وعنده أربع شهود على ذلك ورأى أن من المصلحة أن يستتاب هذا الرجل فإذا تاب ستر عليه فلا بأس أما بعد أن تبلغ السلطان فلا يجوز ثم ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ في باب تحريم الشفاعة في الحدود في قصة المرأة المخزومية
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ باب تحريم الشفاعة في الحدود والحدود هي العقوبات التي قدرها الله ورسوله على فاعل المعصية فمنها حد الزنا ومنها حد القذف وحد السرقة وحد الحرابة وأما القتل بالردة فليس من الحدود لأن المرتد إذا تاب ولو بعد أن رفع إلى السلطان فإنه يسقط عنه القتل لكن هذه الحدود لابد منها ولا تسقط إلا إذا تاب الإنسان قبل أن يقدر عليه لقول الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم
стр. 3579
وذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ أن امرأة من بني مخزوم سرقت وقد بينت السرقة بأنها تستعير المتاع وتجحده يعني تأتي إلى الناس وتقول أعرني القدر أعرني الدلو فيعيرونها إحسانا إليهم ثم تجحد العارية وتقول ما أعرتموني فجعل النبي ﷺ جحد العارية في منزلة السرقة لأن السارق يدخل البيوت في خفية ويأخذ وهذه سرقت أموال الناس في خفية أخذتها منهم على أنها عارية وأنها إحسان من أهلها أي من أهل الأموال ثم تجحد أمر النبي ﷺ أن تقطع يدها وكانت من بني مخزوم من أشرف قبائل قريش فأهمهم ذلك أي لحقهم الهم في هذا كيف تقطع يد المخزومية فطلبوا من يشفع إلى رسول الله ﷺ فقالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد ولم يذكروا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا من هو أعلى قدرا من أسامة بن زيد فإما أن يكونوا قد حاولوا ذلك ولم يفلحوا وإما أن يكونوا من الأصل علموا أنهم لن يشفعوا في حد من حدود الله المهم أنهم طلبوا من أسامة بن زيد ﵁ وأسامة هو أسامة بن زيد بن حارثة وزيد بن حارثة كان عبدا مملوكا وهبته خديجة إلى النبي ﷺ فأعتقه وكان يحبه ويحب ابنه أسامة تكلم أسامة مع النبي في شأن المرأة لعله يرفع عنها القطع فتلون وجه رسول الله ﷺ تغير لونه وقال له منكرا عليه أتشفع في حد من حدود الله يعني ما كان ينبغي أن تشفع في حد من حدود الله
стр. 3580
ثم قام فاختطب أي خطب خطبة بليغة لأن اختطب أبلغ من خطب لزيادة الهمزة والتاء وقد قال علماء اللغة العربية إن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى يعني زيادة الحروف في الكلمة تدل على زيادة معناها المهم أن قوله اختطب يعني خطب خطبة بلغية ثم قال إنما أهلك من كان قبلكم يعني من الأمم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليهم الحد أهلكهم يعني بذنوبهم بالعذاب والعقوبات إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد فصارت إقامتهم لحدود الله على حسب أهوائهم وفي هذا دليل على أن من سبقنا كانوا يسرقون وأن السرقة كبيرة فيهم بين الغني والفقير والشريف والضعيف ثم أقسم ﵊ وهو البار الصادق بدون قسم أقسم قال وايم الله أي أحلف بالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها اللهم صلي وسلم عليه هكذا العدالة وهكذا تنفذ حكم الله لا اتباع الهوى أقسم بأن فاطمة بنت محمد وهي أشرف من المخزومية حسبا ونسبا لأنها ﵂ سيدة نساء أهل الجنة أقسم أنها لو سرقت لقطع يدها وفي قوله لقطعت يدها قولان القول الأول أن الرسول ﷺ نفسه يباشر القطع وهذا أبلغ
стр. 3581
الثاني أنه يأمر من يقطع يدها وأيا كان فإن الرسول ﷺ لا يمكن أن يدرأ الحد عن أحد لشرفه ومكانته أبدا الحد حق الله وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم أمر النبي ﷺ أن تقطع يد المرأة المخزومية فقطعت وهي امرأة من أشراف قريش ومع ذلك لم يسقط عنها الحد وهكذا يجب على ولاة الأمر أن يكون الناس عندهم سواء في إقامة الحدود وألا يحابوا أحدا لقربه أو لغناه أو لشرفه في قبيلته أو غير ذلك الحد لله تجب إقامته لله انظر إلى قوله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ ومن الرأفة الشفاعة لهم لا تشفع لأحد في حد أقمه ولا ترفق به ولا ترحمه ولا تقل هذا شريف هذا ضعيف هذا أبو أولاد أبدا لا يهمك يعني لو زنى إنسان وهو محصن وثبت عليه الحد وله أولاد صغار وزوجات سوف يكن أرمل بعده والأولاد أيتاما بعده لا تبالي بهذا أقم الحد عليه ارجمه حتى يموت ولا تقل هذا له أولاد صغار وزوجات لا يهمك هذا أقم الحد على كل من أتى بمعصية توجب الحد ولما كانت الأمة الإسلامية على هذه العدالة وعدم المبالاة وأنها لا تأخذها في الله لومة لائم كان لها العزة والقوة والنصر المبين ولما تخلت الأمة الإسلامية عن إقامة حدود الله وصارت المحسوبيات والوساطات تعمل عملها في إسقاط حدود الله تدهورت الأمة الإسلامية إلى الحد الذي ترونه الآن، فنسأل الله تعالى أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها وتمسكها بدينها إنه على كل شيء قدير
стр. 3582
باب النهي عن التغوط في طريق الناس وظلهم وموارد الماء ونحوها
قال الله تعالى ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾
١٧٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم رواه مسلم
стр. 3583
باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد
١٧٧٢ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم التغوط في طريق الناس أو ظلهم أو نحو ذلك التغوط يعني إخراج البراز من الدبر ومثله التبول فلا يجوز للإنسان أن يتبول أو يتغوط في طريق الناس أو في ظلهم يعني المكان الذي يستظلون به وكذلك مشمسهم في الشتاء وكذلك مجالسهم فإن هذا من أذية المؤمنين وقد قال الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ بالقول أو بالفعل فالأذية بالقول مثل التعيير والتوبيخ والسب وما أشبه وبالفعل مثل أن يتبول في طريقه أو يتغوط أو ما أشبه ذلك وقوله ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ يعني لا إذا كان السبب في ذلك هم الذين أذوا يعني أنهم تعرضوا لما حل بهم فهذا جنايتهم بأيديهم ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال اتقوا
стр. 3584
اللاعنين قالوا وما اللاعنان قال الذين يتخلى في طريق الناس أو ظلهم اللاعن اسم فاعل من اللعن وسمى النبي ﷺ ذلك لاعنا لأنه سبب في اللعن فالذي يتخلى في طريق الناس أو يتخلى في ظلهم ملعون والعياذ بالله وأيضا من رأى بولا أو غائطا في طريق الناس أو ظلهم فله أن يقول اللهم اللعن من فعل هذا لأنه هو الذي عرض نفسه لذلك وكذلك أيضا لا يجوز البول في الماء الراكد ونحوه لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك كما في حديث جابر الذي رواه مسلم فلا يجوز للإنسان أن يبول في الماء الراكد مثل الغدير أو شبهه أما الماء الجاري فالجاري يمشي ولا يتأثر إلا إذا كان جاريا نحو ساقية وتحته أناس يتطهرون في هذا الماء أو يشربون منه فهذا لا يجوز لأنه يؤذي من تحته والله الموفق
стр. 3585
باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة
١٧٧٣ - عن النعمان بن بشير ﵄ أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله ﷺ أكل ولدك نحلته مثل هذا فقال لا فقال رسول الله ﷺ فأرجعه وفي رواية فقال رسول الله ﷺ : أفعلت هذا بولدك كلهم قال لا قال اتقوا الله واعدلوا في أولادكم فرجع أبي فرد تلك الصدقة وفي رواية فقال رسول الله ﷺ : يا بشير ألك ولد سوى هذا قال نعم قال أكلهم وهبت له مثل هذا قال لا قال فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور وفي رواية لا تشهدني على جور وفي رواية أشهد على هذا غيري ثم قال أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء قال بلى قال فلا إذا متفق عليه
стр. 3586
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين: باب تحريم تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية الأولاد يشمل الذكور والإناث والمراد بالعطية التبرع المحض ليس النفقة يعطي كل إنسان ما يحتاج قليلا كان أو كثيرا فإذا قدر أن أحدهم يطلب العلم ويحتاج إلى كتب والآخر ليس كذلك فأعطى الأول ما يحتاج إليه من الكتب فلا بأس وكذلك لو كان أحدهم يحتاج إلى ثياب والآخر لا يحتاج فيعطي من يحتاج إلى الثياب وكذلك لو مرض فاحتاج إلى دراهم وإلى دواء فأعطاه فلا بأس وكذلك لو بلغ أحدهم سن الزواج فزوجه فإنه يزوجه ولا بأس المهم ما كان لدفع الحاجة فالتسوية فيه أن يعطي كل إنسان ما يحتاجه أما إذا كان تبرعا محضا فلابد من التعديل بينهم واختلف العلماء هل التعديل أن يعطي الذكر والأنثى سواء فإذا أعطى الذكر مائة أعطى الأنثى مائة أم أن التعديل أن يعطيهم كما أعطاهم الله في الميراث يعني للذكر مثل حظ الأنثيين فإذا أعطى الذكر مائة أعطى الأنثى خمسين وهذا القول هو الراجح لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله فإذا أعطى كل واحد ما يحتاجه ثم تبرع تبرعا محضا فنقول إذا أعطيت الأنثى درهما فأعط الذكر درهمين هذا هو التعديل فإن فعل يعني فضل بعض الأولاد على بعض فإنه يجب عليه أن يرد ما فضله به فإذا
стр. 3587
أعطى أحدهم مائة ولم يعط الآخرين وجب عليه أن يرد المائة أي يستردها أو يعطي الآخرين مثلما أعطى الأول أو يستحلهم بشرط أن يحللوه عن رضا وقناعة لا عن حياء وخجل فصار طريق العدل فيمن فضل بعض أولاده عن بعض له طرق ثلاثة فالعدل له طرق ثلاثة الأول أن يرد ما فضله به الثاني أن يعطي الآخرين مثله للذكر مثل حظ الأنثيين الثالث أن يستحلهم بشرط أن يحللوه عن قناعة ورضا لا عن خجل وحياء ثم ذكر المؤلف حديث النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه نحلة غلاما وفي رواية حائطا بستانا ولعله أعطاه البستان والغلام من أجل أن يعمل في البستان فقالت أمه عمرة بنت رواحة ﵂ وهي فقيهة لا أرضى أن تعطي ابني هذا دون إخوانه حتى تشهد النبي ﷺ فذهب إلى النبي يشهده على ذلك فقال النبي له ألك بنون قال نعم قال أعطيتهم مثل ما أعطيت النعمان قال لا قال رد يعني رد ما أعطيت ثم قال أشهد على هذا غيري وهذا تبرؤ منه وليس إباحة له على أن يشهد على ذلك بل
стр. 3588
هو تبرؤ منه ولهذا قال أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور ثم قال أتريد أن يكونوا إليك في البر سواء قال نعم يا رسول الله قال إذا سوي بينهم لأنك إذا فضلت أحدهم على الآخر صار في نفس المفضل عليه شيء وصار لا يبر والده ثم قال اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم فأمر ﵊ أن نعدل بين الأولاد في العطية حتى لو تعطي أحدهم عشرة ريالات فأعط الآخر مثله لا تقل هذا شيء زهيد ما يساوي شيئا أبدا ولو ريال واحد ...
لا أعطهم كما أعطيت الثاني حتى كان السلف الصالح ﵃ إذا قبلوا أحد الأولاد قبل الثاني من شدة العدل بينهم وكذلك أيضا في النظر إليهم لا تنظر إلى هذا نظرة غضب وإلى هذا نظرة رضا لا اعدل بينهم حتى في المواجهة وطلاقة الوجه إلا أن يفعل أحدهم ما يغضب فهذا له شأن أما بدون سبب اجعلهم سواء ولا تفضل أحدا على أحد وهنا مسألة وهي أن بعض الناس يزوج أولاده الكبار وله أولاد صغار فيوصي لهم بعد موته بمقدار المهر وهذا حرام ولا يحل لأن هؤلاء إنما أعطيته لحاجتهم حاجة لا يماثلهم إخوانهم الآخرون الصغار فلا يحل لك أن توصي لهم بشيء وإذا أوصى فالوصية باطلة ترد في التركة ويرثونها على قدر ميراثهم كذلك أيضا بعض الناس يكون ولده يشتغل معه في تجارته في فلاحته
стр. 3589
فيعطيه بريرة على إخوانه وهذا أيضا لا يجوز لأن الولد إن كان قد تبرع بعمله مع أبيه فهذا بر وثوابه في الآخرة أعظم من ثوابه في الدنيا وإن كان لا يريد ذلك يريد أن يشتغل لأبيه بأجر فليفرض له أجره مثلا لك كل شهر كذا وكذا كما يعطي الأجنبي أو يقول لك سهم من الربح وأما أن يخصه من بين أولاده مع أن الولد قد تبرع بعمله وجعل ذلك من البر فلا يجوز له ذلك وإن أعطى أحدهم لكونه طالب علم يحفظ القرآن فإن قال للآخرين من طلب منكم العلم أعطيته مثل أخيه أو من حفظ القرآن أعطيته مثل أخيه فطلب بعضهم وترك بعض فهؤلاء هم الذين تركوا الأمر بأنفسهم فلا حق لهم وأما إذا كان خص هذا دون أن يفتح الباب لإخوانه فهذا لا يجوز وعلم من قول الرسول ﷺ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم أن غير الأولاد من الأقارب لا يجب العدل بينهم فلك أن تعطي بعض إخوانك أكثر من الآخرين أو تعطيهم وتحرم الآخرين لأن النص إنما ورد في الأولاد فقط وأما قول بعض العلماء ﵏ إنه يجب عليه التعديل بين جميع الورثة بقدر ميراثهم فهذا قول لا دليل عليه التعديل إنما يجب بين الأولاد فقط والله الموفق
стр. 3590
باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام
١٧٧٤ - عن زينب بنت أبي سلمة ﵄ قالت: دخلت على أم حبيبة ﵂ زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب ﵁ فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب ثم دخلت على زينب بنت جحش ﵂ حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت أما والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا متفق عليه قال رحمه الله تعالى باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا
стр. 3591
الإحداد معناه ترك الزينة والطيب ونحوه مما يعد بهجة وسرورا وترفها وهو حرام وكانوا في الجاهلية إذا مات الإنسان وهو حبيب إليهم امتنعوا عن الطيب والتجمل وما أشبه ذلك إلى مدة حسب ما يقدرونها بأنفسهم فبين النبي ﷺ في هذا الحديث الذي رواه عنه زوجتاه أم حبيبة وزينب بنت جحش ﵄ أنه لا يجوز الإحداد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فرخص النبي ﷺ في هذا في الإحداد لمدة ثلاثة أيام ولا يجوز أكثر من ذلك مثاله رجل مات ابنه فحزن عليه فالواجب الصبر والاحتساب وأن تجري الأمور على ما هي عليه يخرج إلى دكانه إذا كان صاحب دكان وإلى فلاحته إذا كان صاحب فلاحة وإلى مكتبه إذا كان موظفا وإلى مدرسته إذا كان معلما أو طالبا المهم ألا تتأثر أعماله بشيء هذا هو المشروع وهذا هو السنة وهذا هو الأوفق وهذا هو الأرفق بالشخص ألا يحد على أحد حتى على ابنه وأبيه وأمه وأخيه لا يحد عليهم الأمر لله له الملك وله الحمد فهو المالك وهو المحمود على كل حال فلا حاجة إلى تحد اصبر واحتسب لا تقل لا تحزن كل إنسان له قلب حي سيحزن لكن نقول اصبر واحتسب وكأن شيئا لم يكن لا تخرب شيئا من أمور دنياك هذا هو الأفضل والأوفق والأرفق والأحسن لكن لما كانت النفوس قد لا تطيق هذا لاسيما مع عظم المصاب
стр. 3592
رخص النبي ﷺ في الإحداد لمدة ثلاثة أيام فقط يعني لا بأس مثلا أن الإنسان إذا مات له صديق أو قريب وحزن حزنا شديدا لا يستطيع أن يقابل الناس لا بأس أن يبقى في بيته لمدة ثلاثة أيام فأقل ولكن لابد من صلاة الجماعة هذا لا بأس به وكذلك بالنسبة للنساء لو مات ابنها أو أبوها أو أخوها أو أحد ممن تأثرت بهم تأثرا بالغا فلا حرج عليها أن تحد لمدة ثلاثة أيام فأقل أما ما زاد فلا يجوز لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج فالزوج له حق عظيم حتى قال النبي ﷺ لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها لكن السجود لا يكون إلا لرب العالمين الخالق المهم أن الزوجة تحد أربعة أشهر وعشرا هذا إذا كانت غير حامل أما الحامل فتحد إلى وضع الحمل فقط زاد أو نقص فعلى هذا إذا مات عن زوجة زوجها فالمرأة تحد أربعة أشهر وعشرة أيام لقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ حتى لو كان ما دخل عليها لو عقد عليها وهي في المدينة وهو في مكة ومات فإنها تحد عليه وإن لم يدخل عليها مادام العقد صحيحا وإذا كانت حاملا فإلى وضع الحمل حتى لو وضعت قبل أن يغسل الزوج انتهت العدة وانتهى الإحداد يعني مثلا امرأة توفي زوجها وهي في الطلق فلما خرجت روحه خرج الحمل يعني ما بين خروج روح زوجها وخروج حملها إلا دقائق معلومة فالآن انتهت العدة وانتهى
стр. 3593
الإحداد فلها أن تتزوج يمكن شرعا أن تتزوج قبل أن يدفن هذا الزوج لأنها وضعت الحمل وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن فهذه انتهت عدتها والإحداد تبع العدة ولكن ما هو الإحداد الإحداد أن تجتنب المرأة الأشياء التالية أولا لباس الزينة لا تلبس ثوبا يعد ثوب زينة أما الثياب العادية فلها أن تلبسها بأي لون كان أصفر أحمر أخضر ...
أي شيء إنما الذي يعد زينة بحيث يقال إن هذه المرأة تزينت وتجملت فإنه لا يحل لها أن تلبسه وهي محادة على الزوج الثاني الطيب بجميع أنواعه دهنا أو بخورا أو شما أو غير ذلك لا تتطيب إطلاقا إلا إذا طهرت من الحيض فإنها تأخذ شيئا يسيرا من الطيب تتطيب به أي تطيب محل الخبث حتى لا يكون لها رائحة الثالث الحلي بجميع أنواعه لا تلبس الحلي لا في القدمين ولا في الكفين ولا في الرقبة ولا في الأذنين ولا على الصدر أي نوع من أنواع الحلي ما تلبسه حتى لو كانت تلبس سنا من ذهب فإنها تخلعه إذا لم يكن عليها مضرة فإن كان عليها مضرة فلتحرص على أن تخفيه بأن تقلل الضحك حتى لا تظهر السن ويتبين للناس الرابع ألا تخرج من البيت أبدا إلا للضرورة أو حاجة لضرورة في الليل أو حاجة بالنهار وأما بدون حاجة ولا ضرورة فلا يجوز أن تخرج من بيتها الذي مات زوجها وهي فيه فهي يجب عليها أن تبقى في البيت فلا تخرج إذا قالت أريد أن أخرج إلى جيراني استأنس عندهم في النهار وأول الليل وأرجع إلى بيتي نقول لا جيرانك يأتون إليك أما أنت لا تذهبي تبقين في البيت الذي مات زوجك وأنت فيه فإذا قدرنا أنها سافرت مع
стр. 3594
زوجها إلى بلد للعلاج ومات زوجها بالبلد الذي هو غير بلدها نقول ارجعي إلى بلدك لأن هذا ليس مسكنك في الأصل الخامس التجميل والتكحل بالكحل وما أشبه ذلك حتى لو فرضنا أن عينها فيها مرض فلا تتكحل إلا بصبر أو شبهه مما لا لون له تفعله بالليل وتمسحه بالنهار هذا إن احتاجت وإلا فلا ولهذا جاءت امرأة إلى النبي وقالت يا رسول الله إن ابنتي مات زوجها وقد اشتكت عينها يعني توجعها أفنكحلها قال لا مع أنها توجعها عينها فقال لا حتى قال ابن حزم ﵀ لو فقدت عينها فإنها لا تكحلها بأي حال من الأحوال لأن النبي سئل عن هذه المريضة في عينها فأبى أن يرخص لهم في الكحل وكذلك التحمير والتجميل وما أشبه ذلك أما الصابون الذي ليس فيه طيب فلا بأس وكذلك تنظيف الرأس وكذلك تنظيف الجلد وما اشتهر عند العوام أن المرأة تغتسل من الجمعة إلى الجمعة يعني حمادة المحادة فهذا لا أصل له كذلك أيضا ما اشتهر عندهم أنها في الليل لا تخرج إلى الحوش بل تكون تحت السقف فهذا لا صحة له تخرج إلى ما شاءت كذلك ما اشتهر في العامية المحضة يقولون إن القمر رجل له عيون وأنف وفم فلا تخرج المرأة للقمر لأن القمر رجل يطلع عليها هذا غلط ما بصحيح تخرج في الليالي المقمرة وفي كل شيء لكن لا تخرج من البيت كذلك أيضا ما اشتهر عند العوام أنها لا تكلم أحد إلا من محارمها وهذا غلط أيضا تكلم من شاءت تكلم من يستأذن عند الباب وإلى من يتكلم في التليفون تكلمهم لا بأس تكلم من يدخل البيت من أقارب الزوج وأقاربها الذين ليسوا من محارمها تكلمهم ولا حرج ولا حرج يعني هي في الكلام كغيرها من النساء لا يحرم عليها الكلام لكنها كما قال الله ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ والله الموفق
стр. 3595
باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته إلا أن يأذن أو يرد
١٧٧٥ - عن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه لأبيه وأمه متفق عليه
١٧٧٦ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لا تتلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق متفق عليه
١٧٧٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تتلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد فقال له طاووس ما لا يبع حاضر لباد قال لا يكون له سمسارا متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذه أمور ثلاثة عقد لها المؤلف رحمه الله تعالى باب في كتاب الصالحين منها أن يبيع حاضر لباد ومنها تلقي الركبان ومنها البيع على بيع أخيه أما بيع الحاضر للبادي فهو أن يأتي إنسان قادم من البادية بغنمه أو إبله أو سمنه أو لبنه أو أقطه ليبيعه في السوق فيأتي الإنسان إليه وهو من أهل البلد
стр. 3596
ويقول يا فلان أنا أبيع لك هذا لا يجوز لأن النبي ﷺ قال دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض دع البدوي يبيع ربما يريد أن يبيع برخص لأنه يريد أن يرجع إلى أهله وأيضا إذا باع البدوي فالعادة أن الحضري ينقده الثمن ولا يؤخره لأنه يعرف أنه صاحب بادية أن يرجع فيكون بذلك فائدة للبائع وهو البدوي ينقد له الثمن وفائدة للمشتري وهو أن الغالب أن البدوي يبيع برخص لأنه عجل لا ينتظر الزيادة ولهذا نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد واستدل العلماء رحمهم الله تعالى بالعلة على أنه إذا جاء البادي إلى الحاضر وقال يا فلان بع هذه السلعة لي فإنه لا بأس بذلك لأن البادي الآن يعلم أنه إذا باعه الحضري فهو غالبا أكثر ثمنا ولا يهمه أن يبقى يوما أو يومين من أجل أن يأخذ الثمن ولكن ظاهر الحديث العموم وأن الحاضر لا يبيع للبادي وأنه إذا جاء إليه قال يا فلان خذ سلعتي بعها يقول لا بعها أنت كذلك أيضا استنبط العلماء ﵏ من هذه العلة دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض أنه إذا كان السعر واحدا سواء باع الحاضر أو البادي فإنه لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي لأن السعر لن يتغير ومثال ذلك أن تكون الدولة قد قررت سعرا معينا لهذا النوع لا يزيد ولا ينقص فهذا لا فرق بين أن يبيعه الحاضر أو البادي ليس للحاضر
стр. 3597
مكسب وفائدة في ذلك فقالوا إذا كان السعر معلوما فإنه لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي واستبط بعض العلماء من العلة أنه لابد أن تكون السلعة هذه للناس بها حاجة يعني مما تتعلق به حوائج الناس وأما الشيء الذي لا يحتاجه الناس إلا نادرا فلا باس لكن هذا الاستنباط ضعيف والصواب أنه لا فرق بين السلعة التي يحتاجها الناس والسلعة التي لا يحتاجونها إلا نادرا الأمر الثاني تلقي الركبان وذلك لأنهم كانوا فيما سبق يعرفون أن البادية تأتي بالسلع مثلا في أول النهار يوم الجمعة فتجد بعض الناس يخرج من البلد إلى قريب منه ثم يتلقى الركبان ويشتري منهم قبل أن يصلوا إلى السوق فيقطع الرزق على أهل البلد الذين ينظرون الركبان وكذلك يغبن المتلقين بأن يغبن الركبان فيحصل بتلقي الركبان مضرتان الأولى على أهل البلد الذين ينظرون قدوم الركبان من أجل أن يشتروا منهم برخص الثانية الضرر على الركبان لأن هذا الذي تلقاهم سيغبنهم ويشتري منهم بأقل من السوق ولم يصلوا إلى السوق حتى يعرفوا السعر ولهذا قال النبي ﷺ فمن تلقى فاشترى منه فأتي السوق فهو بالخيار يعني أن الجالب إذا تلقاه الإنسان خارج البلد واشترى منه ثم دخل البلد ووجد أنه مغبون فله أن يرد البيع لأنه قد غر وغبن ...
стр. 3598
المسألة الثالثة يبيع المسلم على بيع أخيه وهي أيضا حرام وخطبته على خطبته حرام بيعه على بيعه أن يقول من اشترى سلعة بعشرة أنا أبيع مثلها بثمانية حرام لأن المشتري سوف يحاول أن يفسخ العقد من أجل أن يأخذ السلعة برخص وكذلك الخطبة على خطبة أخيه فمثلا لو سمعت أن فلانا خطب من أناس ابنتهم فذهبت وخطبت ابنتهم هذه فهذا حرام إلا إذا أذن الخاطب بمعنى أنك ذهبت إلى الخاطب وقلت يا فلان سمعت أنك خطبت فلانة وأنا لي بها حاجة أتأذن لي إذا قال نعم لا بأس الحق له أو يرد أي يرده أهل البنت عرفت أن فلان خطب من هؤلاء الجماعة وردوه فلا بأس أن تخطب لأنهم ردوه ليس له علاقة بالمرأة الآن فأما إذا سمعت أن فلانا خطب من جماعة ولكنك لم تتأكد هل ردوه أم لا فإنه لا يحل لك أن تخطب لأنه قد يكونون على وشك أن يقبلوا فإذا خطبت منهم رفضوا فيكون في ذلك حرمان لهذا الخاطب من حقه في المخطوبة والله الموفق
стр. 3599
باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع فيها
١٧٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبده ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال رواه مسلم وتقدم شرحه
١٧٨٢ - وعنه وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية ﵁ أن النبي ﷺ : كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وكتب إليه أنه كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال وكان ينهى عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات متفق عليه وسبق شرحه
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن إضاعة المال في غير
стр. 3600
ما أذن لله فيه المال جعله الله قياما للناس تقوم به مصالح دينهم ودنياهم كما قال تعالى وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا ولهذا حرم الاعتداء عليه وقال النبي ﷺ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ورتب تقسيم المال في مواضع كثيرة بنفسه جل وعلا قال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ﴾ وقال ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وقال تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وغيرها من آيات المواريث كل هذا يدل على عناية الشرع بالمال وأنه أمر مهم ولهذا كان كثير من الدول الآن إنما تقوى باقتصادها ونماء مالها وغناها فالمال أمر مهم فلا يجوز للإنسان أن يضيعه في غير فائدة وإضاعته في غير فائدة أنواع متعددة منها الإسراف في بذله فإن الإسراف محرم حتى في المآكل والمشرب والملابس والمراكب والمنازل متى تجاوز الإنسان الحد فإنه آثم لقوله تعالى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ فمجاوزة الحد إسراف وهي محرمة وعرضة لأن يكره الله تعالى فاعلها وإذا قلنا إن الإسراف مجاوزة الحد تبين لنا أن إنفاق المال يختلف فالغني مثلا قد يؤسس بيته أو يشتري سيارة أو يلبس الثياب التي لا
стр. 3601
تعد من حقه إسرافا لأنه لم يتجاوز بها حد الغنى لكن لو أن فقيرا فعل مثل فعله قلنا إن هذا إسراف وإنه حرام ولهذا يغلط كثير من الناس الآن من الفقراء ومتوسطي الحال أن يلحقوا أنفسهم بالأغنياء هذا غلط وخطأ والإنسان كما قال العوام يمد رجله على قدر لحافه إذا كان اللحاف واسعا مد رجليك كلها وإذا كان ضيقا فكف رجليك أما أن تكون فقيرا وتريد أن تساوي الأغنياء في مأكلك ومشربك وملبسك ومنكحك ومركوبك ومسكنك فهذا من السفه وهو حرام أيضا لا يحل للإنسان وقد غلط بعض الناس أكثر من هذا فذهب يستدين ويرهق نفسه بدين من أجل أن يؤسس بيته كما أسس جاره الغني بيته وهذا غلط أيضا هذا مما حرم الله الإسراف هو مجاوزة الحد لأن الله لا يحب المسرفين وقد امتدح الله عباده الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواما ومن الإسراف تعدد الملابس بدون حاجة كثير من النساء الآن كلما ظهر شكل من أشكال اللباس ذهبت تشتريه حتى تملأ بيتها من الثياب بدون حاجة لكن ظهر شيء يختلف عن الأول بشيء بسيط تقول خلاص لا ألبسه وألبس الثوب الجديد ثم بعض النساء يلعب بعقول بعض الرجال فتجد المرأة هي التي توجه الرجل وتقول اشتري كذا اشتري كذا فصارت القوامة الآن للنساء على الرجال إلا من شاء الله والرجل يجب أن يكون رجلا يمنع زوجته من الإسراف سواء من مالها أو من ماله ومما لا يجوز بذل المال فيه أن يبذله في محرم كهؤلاء الذين يشترون الدخان ...
بالمال فإن هذا حرام عليه وهو مما نهى الله عنه لأنه إضاعة للمال واضحة يبذل الإنسان ماله في شيء يحرقه لأن الدخان لا يشرب إلا إذا أحرق فكأنما الرجل أحرق الدراهم وأتلفها في أمر يضره أيضا ليته يسلم
стр. 3602
من ضرره ولهذا اتفق الأطباء الآن على أنه ضار وأنه يجب على الإنسان أن يتجنبه حتى الدول الكافرة الآن الراقية الفاهمة تجدهم يمنعون الدخان ولا يمكن أن يشرب الدخان أما في المجالس العامة فممنوع قطعا وأما في المجالس الخاصة فممنوع أيضا إلا إذا استأذنوا أهل المجلس فأذنوا وإلا فيمنع لأنه ضار للشارب وللحاضر حتى إنهم يمنعون من شرب الدخان فوق الأجواء كما حدثني قائدوا الطائرات أنهم إذا دخلوا حدود بعض البلاد الكافرة امتنعوا من التدخين كل من الطائرة لا يدخن لا من أجل الدين لكن لأنه مضر واحتراما لأجوائهم فيا أسفا أن يكون هذا من الكفار وأما من المسلمين اليوم فلا تجد الرجل لا يبالي بالناس يخرج السيجارة ويشربها ولا يبالي بأحد وهذا حرام عليه أولا لنفسه والثاني لأذية المؤمنين الناس يتأذون بهذا وقد قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ فهو يؤذيهم والدخان الذي يكون بينهم يدخل أيضا إلى أجوافهم ويتضررون به هذا أيضا من الحرام يحرم على الإنسان أن يشتري شيئا يشربه من الدخان وهو بذلك آثم ومصر على معصية وتسقط عدالته بذلك وترتفع ولايته عن من له ولاية عليه حتى إن كثيرا من العلماء يقول إنه لا يزوج ابنته إذا كان يشرب الدخان ابنته لا يزوجها لماذا لأنه خرج عن العدالة إلى الفسق والفاسق لا ولاية له فالمسألة خطيرة من إضاعة المال أيضا أن يصرفه الإنسان في شيء لا فائدة منه في ألعاب وما أشبه ذلك ومن هذه الألعاب النارية
стр. 3603
قيل وقال معناه أن يشتغل الإنسان بالكلام بنقله قال فلان وقيل كذا وقيل كذا كما يوجد في كثير من المسرفين الآن الذين يعمرون مجالسهم بقولهم ماذا قيل اليوم وقال فلان وماذا تقول في فلان وما أشبه ذلك من الكلام الذي يضيع به الوقت كما نهى عن إضاعة المال الذي جعله الله قياما للناس نهى عن إضاعة الوقت أيضا فإضاعة الوقت في قيل وقال وكثرة السؤال هذا لا شك أشد ضررا على الإنسان من إضاعة المال إضاعة المال ربما يخلف لكن إضاعة الوقت لا يمكن أن تخلف الوقت يذهب ولا يرجع لهذا يجب على الإنسان أن يتجنب الخوض في القيل والقال وما تقول في فلان وما أشبه ذلك كذلك كثرة السؤال وكثرة السؤال يحتمل أن يراد به سؤال الخلق يعني لا تسأل الناس لا تكثر من السؤال والسؤال إن كان سؤال مال فإنه حرام بل لا يزال الإنسان يسأل ويسأل حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مذعة لحم والعياذ بالله ويحتمل أن يراد به كثرة السؤال عن أحوال الناس بدون حاجة وبدون فائدة ماذا تقول في فلان هل هو غني فقير متعلم أم جاهل وما أشبه ذلك ويحتمل أن يراد به كثرة السؤال عن العلم الذي لا يحتاج إليه الإنسان ولاسيما في عهد النبوة لأنه يخشى أن يسأل الإنسان عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته أو عن شيء لم يجب فيوجب من أجل مسألته ولكن الأخير هذا يقيد بما إذا لم يحتاج الإنسان إلى السؤال فإن كان يحتاج إلى ذلك كطالب العلم الذي يسأل ويستفهم فإنه لا بأس أن يسأل ويستفهم ويزيل
стр. 3604
اللبس عن نفسه وكان ﵊ ينهى عن عقوق الأمهات يعني قطع الأمهات عن حقوقهن والأم لها حق عظيم على الولد من ذكر أو أنثى حتى أنها أحق من الأب سئل النبي ﷺ أي الناس أحق بصحبتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم أبوك فالأم لها حق كبير عظيم لأنها حملت ولدها كرها ووضعته كرها وأرضعته كرها وأتعب ليلها ونهارها فلها حق عظيم وكذلك عقوق الأباء وهو أيضا من كبائر الذنوب لكن النبي ﷺ ذكر عقوق الأمهات لأنه أشد وكان ينهى عن عقوق الأمهات وعن وأد البنات وأد البنات هو أن من عادة الجاهلية الحمقاء أن الإنسان إذا ولد له بنت دفنها والعياذ بالله وهي حية ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ يعني يختفي عن الناس من سوء ما بشر به ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي يبقيها مع الإهانة وعدم المبالاة بها ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي يدفنه وهو حي حتى إن بعضهم والعياذ بالله كان يحفر حفرة لابنته فطار شيء من الغبار على لحيته وهو يريد أن يدفنها فنفضت لحيته عن التراب ودفنها والعياذ بالله إلى هذا الحد يعني قلوب أغلظ من الحجارة حتى البهائم لا تفعل بأولادها هكذا
стр. 3605
وهؤلاء والعياذ بالله يفعلون هذا يحفر لها ليدفنها وهي تنظف لحيته من التراب ثم يدفنها والعياذ بالله وكان بعضهم يحفر لابنته فإذا أحست به قامت تتوسل به يا أبت فيمسكها ويطرحها حتى يدفنها نعوذ بالله مع ما في كفالة البنات من الأجر العظيم ما من إنسان يكفل ثلاث بنات يحسن إليهن إلا كن حجابا له من النار قالوا وابنتين يا رسول الله قال وابنتين قالوا وواحدة قال وواحدة وكان الإمام أحمد ﵀ إذا قيل له ولد لك بنت قال ولدت الإناث للأنبياء ولدت الإناث للأنبياء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يولد لهم بنات فهذا أشرف الأنبياء محمد ﷺ له أربع بنات وله ثلاثة أولاد والذين بلغوا منهم الحلم هم البنات وأما الأولاد البنون فماتوا صغار أكبرهم إبراهيم توفي وله ستة عشر شهرا سنة وأربعة أشهر رضيع وكان له مرضع في الجنة لإبراهيم ابن النبي ﷺ وأما البنات الأربع فثلاث منهن متن في حياته ﵊ وهن زينب ورقية وأم كلثوم والرابعة فاطمة ماتت بعده بأشهر فالحاصل أن البنات إذا من الله على الإنسان بهن وكفلهن وأحسن إليهن كن له حجابا من النار ومنع وهات أي وينهى عن منع وهات وهذا كناية عن الشح والبخل منع يعني يمنع ولا يعطي ولا يجد بالمال ولا بالنفس وهات يترك فهو والعياذ بالله بخيل شحيح لا يشفع ولا ينفع والله الموفق
стр. 3606
باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء أكان جادا أو مازحا والنهي عن تعاطي السيف مسلولا
١٧٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار متفق عليه وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم ﷺ : من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع وإن كان أخاه لأبيه وأمه قوله ﷺ ينزع ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي وبالغين المعجمة مع فتحها ومعناهما متقارب، معناه بالمهملة يرمي، وبالمعجمة أيضا يرمي ويفسد، وأصل النزع: الطعن والفساد.
١٧٨٤ - وعن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتعاطى السيف مسلولا.
رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.
стр. 3607
[الشَّرْحُ]
قال رحمه الله تعالى باب: النهي عن الإشارة بحديدة أو نحوها يعني: على أخيه سواء جادا أو هزلا، والنهي عن تعاطي السيف مسلولا.
هاتان مسألتان: المسألة الأولى: أن يشير إلى أحد بسلاح أو حديدة أو حجر أو ما أشبه ذلك كأنه يريد أن يرميه به، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، لأنه ربما يشيرها هكذا كأنه يريد أن يرميه بالحجر أو بالحديدة أو نحوها فينزع الشيطان في يده وتنطلق من يده، فيقع في حفرة من النار، والعياذ بالله.
وكذلك أيضا ما يفعله بعض السفهاء، يأتي بالسيارة مسرعا نحو شخص واقف أو جالس أو مضطجع يلعب عليه ثم يحركها بسرعة إذا قرب منه حتى لا يدهسه هذا أيضا ينهى عنه، كالإشارة بالحديدة لأنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فلا يتحكم في السيارة وحينئذ يقع في حفرة من النار، ومن ذلك أن يشري الكلب به، يكون الإنسان عنده كلب ويأتي إنسان آخر إليه زائرا أو نحو ذلك، فيشري الكلب به يعني يغريه به، فإنه ربما ينطلق الكلب ويأكل هذا الرجل، أو يجرحه ولا يتمكن من فضه بعد ذلك.
فالمهم أن جميع أسباب الهلاك ينهى الإنسان أن يفعلها سواء أكان جادا أم هزلا، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة.
стр. 3608
أما تعاطي السيف مسلولا فمثله أيضا ينهى عنه، لأنه ربما إذا مد يده لأخذ السيف وهو مسلول ربما تضطرب يد الإنسان فتنقطع يد الآخر.
وكذلك السكين ونحوها لا تتعاطها وهي موجهه إلى صاحبك، إذا أردت أن تعطيه السكين فأمسك بالسكين من عندك، واجعل المقبض نحو صاحبك لئلا تقع في المحظور، يعني ريشة السكين إذا أردت أن تعطيها لصاحبك فاجعلها مما يليك، واجعل المقبض مما يلي صاحبك حتى لا يقع في زلة يد فتنجرح يده.
ومن ذلك أيضا إذا كان معك عصى وأنت تمشي بين الناس فلا تحمله عرضا لأنك إذا حملته عرضا ربما يتعثر به من وراءك أو من أمامك ولكن أمسكه نصبا واقفا أو أن تتعكز عليه تمسكه واقفا حتى لا تؤذي من وراءك ومن أمامك كل هذا من باب الآداب الحميدة التي ينبغي للإنسان أن يسلكها في حياته حتى لا يقع في أمر يؤذي الناس أو يضرهم والله الموفق
стр. 3609
باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا بعذر حتى يصلي المكتوبة
١٧٨٥ - عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودا مع أبي هريرة ﵁ في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يؤدي الصلاة المكتوبة وذلك أن المؤذن إذا أذن فإنه يقول للناس حي على الصلاة يعني اقبلوا إليها والخروج من المسجد بعد ذلك معصية فإنه يقال أقبل ولكنه يدبر ثم ذكر حديث أبي الشعثاء أنهم كانوا قعودا مع أبي هريرة ﵁ فقام رجل يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى إذا خرج من المسجد قال أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ وإنما أتبعه بصره لينظر هل هو يمشي ليكون في جهة أخرى من المسجد أم ماذا يريد فلما خرج
стр. 3610
تبين له أنه أراد الخروج من المسجد قال أما هذا فقد عصى أبا القاسم يعني بذلك رسول الله ﷺ وإذا قال الصحابي لقد عصى أبا القاسم فهو في حكم المرفوع يعني كأنه يقول فقد نهى عن ذلك رسول الله ﷺ واستدل العلماء بهذا الحديث على أنه يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان لمن تلزمه الصلاة إلا لعذر فمن العذر أن يكون حاقنا يعني يحتاج إلى بول أو حاقدا يحتاج إلى غائط أو معه ريح محتبسة يحتاج إلى أن ينقض الوضوء أو أصابه مرض يحتاج إلى أن يخرج معه أو كان إماما لمسجد آخر أو مؤذنا في مسجد آخر وأما إذا خرج من هذا المسجد ليصلي في مسجد آخر فهذا فيه توقف قد يقول قائل فالحديث عام وقد يقول قائل إن الحديث فيمن خرج لئلا يصلي مع جماعة وأما من خرج من مسجد ليصلي في آخر فهذا لم يفر من صلاة الجماعة ولكنه أراد أن يصلي في مسجد آخر وعلى كل لا ينبغي أن يخرج حتى وإن كان يريد أن يصلي في مسجد آخر إلا لسبب شرعي مثل أن يكون في المسجد الثاني جنازة يريد أن يصلي عليها أو يكون المسجد الثاني أحسن قراءة من المسجد الذي هو فيه أو ما أشبه ذلك من الأسباب الشرعية فهنا نقول لا بأس أن يخرج والله الموفق
следующие страницы →