← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء أكان جادا أو مازحا والنهي عن تعاطي السيف مسلولا ١٧٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار متفق عليه وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم ﷺ : من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع وإن كان أخاه لأبيه وأمه قوله ﷺ ينزع ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي وبالغين المعجمة مع فتحها ومعناهما متقارب، معناه بالمهملة يرمي، وبالمعجمة أيضا يرمي ويفسد، وأصل النزع: الطعن والفساد. ١٧٨٤ - وعن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتعاطى السيف مسلولا. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.

стр. 3607

[الشَّرْحُ] قال رحمه الله تعالى باب: النهي عن الإشارة بحديدة أو نحوها يعني: على أخيه سواء جادا أو هزلا، والنهي عن تعاطي السيف مسلولا. هاتان مسألتان: المسألة الأولى: أن يشير إلى أحد بسلاح أو حديدة أو حجر أو ما أشبه ذلك كأنه يريد أن يرميه به، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، لأنه ربما يشيرها هكذا كأنه يريد أن يرميه بالحجر أو بالحديدة أو نحوها فينزع الشيطان في يده وتنطلق من يده، فيقع في حفرة من النار، والعياذ بالله. وكذلك أيضا ما يفعله بعض السفهاء، يأتي بالسيارة مسرعا نحو شخص واقف أو جالس أو مضطجع يلعب عليه ثم يحركها بسرعة إذا قرب منه حتى لا يدهسه هذا أيضا ينهى عنه، كالإشارة بالحديدة لأنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فلا يتحكم في السيارة وحينئذ يقع في حفرة من النار، ومن ذلك أن يشري الكلب به، يكون الإنسان عنده كلب ويأتي إنسان آخر إليه زائرا أو نحو ذلك، فيشري الكلب به يعني يغريه به، فإنه ربما ينطلق الكلب ويأكل هذا الرجل، أو يجرحه ولا يتمكن من فضه بعد ذلك. فالمهم أن جميع أسباب الهلاك ينهى الإنسان أن يفعلها سواء أكان جادا أم هزلا، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة.

стр. 3608

أما تعاطي السيف مسلولا فمثله أيضا ينهى عنه، لأنه ربما إذا مد يده لأخذ السيف وهو مسلول ربما تضطرب يد الإنسان فتنقطع يد الآخر. وكذلك السكين ونحوها لا تتعاطها وهي موجهه إلى صاحبك، إذا أردت أن تعطيه السكين فأمسك بالسكين من عندك، واجعل المقبض نحو صاحبك لئلا تقع في المحظور، يعني ريشة السكين إذا أردت أن تعطيها لصاحبك فاجعلها مما يليك، واجعل المقبض مما يلي صاحبك حتى لا يقع في زلة يد فتنجرح يده. ومن ذلك أيضا إذا كان معك عصى وأنت تمشي بين الناس فلا تحمله عرضا لأنك إذا حملته عرضا ربما يتعثر به من وراءك أو من أمامك ولكن أمسكه نصبا واقفا أو أن تتعكز عليه تمسكه واقفا حتى لا تؤذي من وراءك ومن أمامك كل هذا من باب الآداب الحميدة التي ينبغي للإنسان أن يسلكها في حياته حتى لا يقع في أمر يؤذي الناس أو يضرهم والله الموفق

стр. 3609

باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا بعذر حتى يصلي المكتوبة ١٧٨٥ - عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودا مع أبي هريرة ﵁ في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه مسلم [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يؤدي الصلاة المكتوبة وذلك أن المؤذن إذا أذن فإنه يقول للناس حي على الصلاة يعني اقبلوا إليها والخروج من المسجد بعد ذلك معصية فإنه يقال أقبل ولكنه يدبر ثم ذكر حديث أبي الشعثاء أنهم كانوا قعودا مع أبي هريرة ﵁ فقام رجل يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى إذا خرج من المسجد قال أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ وإنما أتبعه بصره لينظر هل هو يمشي ليكون في جهة أخرى من المسجد أم ماذا يريد فلما خرج

стр. 3610

تبين له أنه أراد الخروج من المسجد قال أما هذا فقد عصى أبا القاسم يعني بذلك رسول الله ﷺ وإذا قال الصحابي لقد عصى أبا القاسم فهو في حكم المرفوع يعني كأنه يقول فقد نهى عن ذلك رسول الله ﷺ واستدل العلماء بهذا الحديث على أنه يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان لمن تلزمه الصلاة إلا لعذر فمن العذر أن يكون حاقنا يعني يحتاج إلى بول أو حاقدا يحتاج إلى غائط أو معه ريح محتبسة يحتاج إلى أن ينقض الوضوء أو أصابه مرض يحتاج إلى أن يخرج معه أو كان إماما لمسجد آخر أو مؤذنا في مسجد آخر وأما إذا خرج من هذا المسجد ليصلي في مسجد آخر فهذا فيه توقف قد يقول قائل فالحديث عام وقد يقول قائل إن الحديث فيمن خرج لئلا يصلي مع جماعة وأما من خرج من مسجد ليصلي في آخر فهذا لم يفر من صلاة الجماعة ولكنه أراد أن يصلي في مسجد آخر وعلى كل لا ينبغي أن يخرج حتى وإن كان يريد أن يصلي في مسجد آخر إلا لسبب شرعي مثل أن يكون في المسجد الثاني جنازة يريد أن يصلي عليها أو يكون المسجد الثاني أحسن قراءة من المسجد الذي هو فيه أو ما أشبه ذلك من الأسباب الشرعية فهنا نقول لا بأس أن يخرج والله الموفق

стр. 3611

باب كراهة رد الريحان لغير عذر ١٧٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ : من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الريح رواه مسلم ١٧٨٧ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب رواه البخاري [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى باب كراهة رد الريحان الريحان نوع من الطيب وهو كما وصفه النبي ﷺ خفيف المحمل طيب الريح وقد أرشد النبي ﷺ إلى عدم رده وبين المؤلف ﵀ فيما ساقه من حديث البخاري أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب والطيب لا شك أنه يفتح النفس ويشرح الصدر ويوسع القلب ويسر الجليس ولهذا كان النبي ﷺ يعجبه الطيب حتى قال حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة فينبغي للإنسان أن يستعمل

стр. 3612

الطيب دائما لأنه علامة على طيب العبد فإن الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإذا أهدى إليك الطيب فلا ترده لأن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب ولاسيما إذا كان كما وصف النبي ﷺ في الريحان إذا كان خفيف المحمل طيب الريح لأنه لا يضرك شيء لكن لو خفت أن هذا الذي أهدي إليك الطيب سيتكلم في المجالس أو أن يمن عليك في المستقبل ويقول أنا أهديت إليك كذا وهذا جزائي ويريد منك أن يستخدمك بما أهدي إليك فهنا لا تقبل الهدية لأن هذا يبطل أجره وثوابه بالمن والأذى أما إذا كان لا يضرك منه شيء فإن الأفضل أن لا ترده والله الموفق

стр. 3613

باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه ١٧٨٨ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل متفق عليه والإطراء المبالغة في المدح ١٧٨٩ - وعن أبي بكرة ﵁ أن رجلا ذكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي ﷺ ويحك قطعت عنق صاحبك يقوله مرارا إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحد متفق عليه ١٧٩٠ - وعن همام بن الحارث عن المقداد ﵁ أن رجلا جعل يمدح عثمان ﵁ فعمد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال له عثمان ما شأنك فقال إن رسول الله ﷺ قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب رواه مسلم

стр. 3614

فهذه الأحاديث في النهي وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة قال العلماء وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور كره مدحه في وجهه كراهة شديدة وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك ومما جاء في الإباحة قوله ﷺ لأبي بكر ﵁ أرجو أن تكون منهم أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها وفي الحديث الآخر لست منهم أي لست من الذين يسبلون أزرهم خيلاء وقال ﷺ لعمر ﵁ ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك والأحاديث في الإباحة كثيرة وقد ذكرت جملة من أطرافها في كتاب الأذكار [الشَّرْحُ] نقل المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في بيان مدح الإنسان هل ينبغي للإنسان أن يمدح أخاه بما هو فيه أو لا وهذا له أحوال الحال الأولى أن يكون في مدحه خير وتشجيع له على الأوصاف

стр. 3615

الحميدة والأخلاق الفاضلة فهذا لا بأس به لأنه تشجيع تشجيع لصاحبه فإذا رأيت من رجل الكرم والشجاعة وبذل النفس والإحسان إلى الغير فذكرته بما هو فيه أمامه من أجل أن تشجعه وتثبته حتى يستمر على ما هو عليه فهذا حسن وهو داخل في قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى والثاني أن تمدحه لتبين فضله بين الناس وينتشر ويحترمه الناس كما فعل النبي ﷺ مع أبي بكر وعمر ﵄ أما أبي بكر فإن النبي ﷺ كان يتحدث ذات يوم قال من أصبح منكم صائما فقال أبو بكر أنا فقال من تبع منكم جنازة قال أبو بكر أنا فقال من عاد اليوم مريضا فقال أبو بكر أنا وذكر أشياء فقال النبي ﷺ ما اجتمعن في امرأ إلا دخل الجنة وكذلك لما حدث أنه من جر ثوبه خيلاء لن ينظر الله إليه قال أبو بكر يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده فقال أنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء وقال لعمر إن الشيطان ما سلكت فجا إلا سلك فجا غير فجك يعني إذا سلكت طريقا فإن الشيطان يهرب منه ويذهب إلى طريق آخر كل هذا لبيان فضل أبي بكر وعمر ﵄ هذا لا بأس به الثالث أن يمدح غيره ويغلو في إطرائه ويصفه بما لا يستحق فهذا محرم وهو كذب وخداع مثل أن يذكر رجلا أميرا أو وزيرا أو ما أشبه ذلك

стр. 3616

ويطريه ويصفه بما ليس فيه من الصفات الحميدة فهذا حرام عليك وهو أيضا ضرر على الممدوح الرابع أن يمدحه بما هو فيه لكن يخشى أن الإنسان الممدوح يغتر بنفسه ويزهو بنفسه ويترفع على غيره فهذا أيضا محرم لا يجوز وذكر المؤلف أحاديث في ذلك أن رجلا ذكر عند النبي ﷺ آخر فأثنى عليه فقال ويحك قطعت عنق صاحبك يعني كأنك ذبحته بسبب مدحك إياه لأن ذلك يوجب أن هذا الممدوح يترفع ويتعالى وقد أمر النبي ﷺ أن يحثى التراب في وجوه المداحين يعني إن كان هذا الإنسان معروفا ما جلس مجلسا أمام أحد له جاه وشرف إلا امتدحه هذا مداح والمداح غير المادح؛ المادح هو الذي يسمع منه مرة بعد أخرى لكن المداح كلما جلس عند إنسان كبيرا أو أميرا أو قاضيا أو عالم أو ما أشبه ذلك قام يمدحه هذا حقه أن يحثي في وجهه التراب لأن رجلا امتدح عثمان ﵁ فقام المقداد وأخذ الحصباء ونفضها في وجه المداح فسأله عثمان لما فعل ذلك قال إن النبي ﷺ قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب وعلى كل حال فالذي ينبغي للإنسان ألا يتكلم إلا بخير لأن النبي ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والله الموفق

стр. 3617

باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها الوباء فرارا منه وكراهة القدوم عليه قال تعالى ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ وقال تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ١٧٩١ - وعن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام قال ابن عباس فقال لي عمر ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال بعضهم خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان فقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر ﵁ في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أفرارا من قدر الله فقال عمر ﵁ لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان عمر يكره خلافه نعم نفر من قدر الله إلى قدر

стр. 3618

الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله قال فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيبا في بعض حاجته فقال إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه فحمد الله تعالى عمر ﵁ وانصرف متفق عليه والعدوة جانب الوادي ١٧٩٢ - وعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها متفق عليه [الشَّرْحُ] هذا الباب باب عظيم عقده المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين وهو كراهة أن يقدم الإنسان على أرض نزل فيها البلاء وأن يخرج منها بعد نزول البلاء فرارا منه يعني إذا سمعت بوباء نازل في أرض فلا تقدم عليها وإذا وقع وأنت فيها فلا تخرج منها فرارا منه

стр. 3619

ثم استدل المؤلف ﵀ بقول الله أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة إشارة إلى قوله لا تخرجوا منها والله يقول ﴿أينما تكونوا﴾ وفي أي مكان وفي أي زمان ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ يعني محصنة مطوية مليفة بالشيد يعني بالجص محكمة متقنة فإن الموت سوف يأتيكم ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ وفي آية أخرى أعظم من هذا وأبلغ ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ تفر منه وهو لا يلحقك بل يلاقيك ويقابلك فلا فرار من الموت فكيف تخرج من أرض نزل فيها الوباء فرارا من الموت إنك لو فعلت فليس لك فرار من قدر الله واقرأ قول الله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ هؤلاء ألوف كثيرة مؤلفة نزل الوباء بأرض فخرجوا خوفا من الموت فأراهم الله الآية وأنه بكل شيء محيط وأنه مدرك ما أراد لا محالة فقال الله لهم ﴿موتوا﴾ قال ذلك قولا كونيا قدريا فماتوا لأن الله إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ماتوا وهم ألوف ثم أحياهم الله والله على كل شيء قدير لكن أراهم الله أنه لا فرار من قدر الله لا فرار ثم استدل المؤلف على كون الإنسان لا يقدم على أرض فيها الوباء بقول الله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ أي لا تفعلوا الشيء الذي يكون فيه هلاككم ثم استدل أيضا بالأحاديث الواردة عن النبي ﷺ وذكر قصة عمر بن الخطاب ﵁ حين خرج من المدينة

стр. 3620

إلى الشام فذكر له الطاعون وفيه أن النبي ﷺ قال إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها فنهى النبي ﷺ عن القدوم إلى أرض فيها الطاعون والطاعون وباء فتاك والعياذ بالله قال بعض أهل العلم إنه نوع خاص من الوباء وأنه عبارة عن جروح وتقرحات في البدن تصيب الإنسان وتجري جريان السيل حتى تقضي عليه وقيل إن الطاعون وخز في البطن يصيب الإنسان فيموت وقيل إن الطاعون اسم لكل وباء عام ينتشر بسرعة كالكوليرا وغيرها وهذا أقرب فإن هذا إن لم يكن داخلا في اللفظ فهو داخل في المعنى كل وباء عام ينتشر بسرعة فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على البلد الذي حل فيها هذا الوباء وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا منها لأنكم تخرجون منها فرارا من قدر الله لو فررتم فإنكم مدركون لا محالة ولهذا قال لا تخرجون منها فرارا منه أما خروج الإنسان منها لا فرارا منه ولكن لأنه أتى إلى هذا البلد لحاجة ثم انقضت حاجته وأراد أن يرجع إلى بلده فلا بأس وفي الكلام على هذا الحديث الذي رواه ابن عباس ﵁ أنه كان مع عمر حين خرج إلى الشام وذلك والله أعلم لفتح بيت المقدس فلما كان في أثناء الطريق أتاه أمراء الأجناد يخبرونه أنه وقع في الشام طاعون والطاعون والعياذ بالله وباء فتاك سريع الانتشار فتوقف عمر وأمر عبد الله بن عباس ﵄ أن يدعو له المهاجرين فدعاهم وشاورهم فاختلفوا فمنهم من قال لا ترجع عما أتيت إليه ومنهم من قال ارجع ثم قال ارتفعوا عني ثم أمر عبد الله بن عباس أن يجمع الأنصار فجمعهم

стр. 3621

واختلفوا كاختلاف المهاجرين ثم قال ارتفعوا عني ثم أمره أن يدعو مشيخة مهاجرة الفتح يعني كبار المهاجرين فدعاهم فلم يختلف عليه اثنان وقالوا ارجع فنادى في الناس إني مصبح على ظهر يعني راجع فقال أبو عبيدة بن الجراح الذي سماه النبي ﷺ أمين هذه الأمة قال يا أمير المؤمنين أفرارا من قدر الله يعني ترجع بالناس تفر من قدر الله قال لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان يكره مخالفته يعني لو أن غيرك قد قالها لكان أهون أما أنت فكيف تقول هذا ثم ضرب له مثلا مقنعا قال أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان يعني شعبتين إحداهما مخصبة والثانية مجدبة فإن رعيتها في المخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيتها في المجدبة رعيتها بقدر الله ومعلوم أنك سوف تختار المخصبة على المجدبة وبين ما هم كذلك إذ جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان قد تغيب في حاجة له فقال إن عندي من ذلك علما يعني عن النبي ﷺ ثم تلا عليهم الحديث إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه فوافق هذا حكم النبي ﷺ فحمد الله عمر على موافقته الصواب ففي هذا الحديث فوائد منها أن الخليفة يتولى الغزو بنفسه إذا دعت الحاجة إلى ذلك ومنها حسن سياسة أمير المؤمنين عمر ﵁ فإنه على ما عنده من الدين والعلم والعقل وإصابة الصواب لم يفت في هذا الأمر إلا بعد المشاورة والمراجعة

стр. 3622

ومنها أنه ينبغي أن يبدأ بالأفضل فالأفضل في المشاورة الأفضل في علمه وفي رأيه وفي لطفه يبدأ بالأفضل فالأفضل فإذا أشير عليه انتهى الموضوع ما حاجة لأن يأتي بالآخرين وإلا أتى بالآخرين الذين هم دونهم ومنها أن المشاورة من سمات المؤمنين كما قال الله ﵎ ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ فينبغي لمن ولاه الله أمرا وتردد في شيء من الأشياء ولم يتبين له الصواب أن يشاور غيره من ذوي العقل والدين والتجربة وكذلك إذا كان الأمر عاما يعم الناس كلهم فإنه ينبغي أن يشاور حتى يصدر عن رأي الجميع ومنها أنه يجوز للواحد من الرعية أن يراجع الإمام لكن بحضرته لأن أبا عبيدة راجع عمر بن الخطاب ﵁ لكن بحضرته وبشرط أن يكون المراجع ممن له علم ودين وعقل ليس ممن عنده غيرة عاصفة وعاطفة هوجاء فإن هذا لا يتكلم إنما يتكلم العقلاء هم الذين يتكلمون مع ولاة الأمور ولكن لا يتكلمون من وراء ولي الأمر بل يتكلمون من بين يديه حتى يحصل النقاش والإقناع ومنها ضرب الأمثال فإن ضرب الأمثال يقرب المعاني للإنسان وذلك أن عمر ﵁ ضرب مثلا لأبي عبيدة إنسان هبط واديا ومعه إبل وله شعبتان إحداهما مخصبة فيها الأشجار وفيها الحشيش وفيها كل شيء ينفع الإبل والثانية مجدبة بيضاء فمن المعلوم أن الإنسان لن يختار المجدبة سوف يختار المخصبة فاختياره للمخصبة بقدر الله وعدوله عن المجدبة بقدر الله ومنها الرد على القدرية المعتزلة الذين يقولون إن الإنسان مستقل

стр. 3623

بعمله لا علاقة لله به والعياذ بالله ولهذا سموا مجوس هذه الأمة لأنهم يشبهون المجوس ولكن الإنسان يفعل الفعل بقدر الله ومنها أنه قد يخفى العلم الشرعي على كبراء الناس ويعلمه من دونهم فإنه لا شك أن عمر بن الخطاب ﵁ أعلم بكثير من عبد الرحمن بن عوف وكذلك كثير ممن معه عندهم من العلم ما ليس عند عبد الرحمن بن عوف لكن قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند الكبير كما حصل هذا ومنها حكمة النبي ﷺ في أن الإنسان لا يقدم على ما فيه الهلكة والضرر لأن الله تعالى قال ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ وقال ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ فلا يجوز للإنسان أن يخاطر في أمر يخشى منه الهلاك وإن كان كل شيء بقدر لكن الأسباب لها أثرها ومنها أنه إذا وقع الوباء في الأرض فإنه لا يجوز للإنسان أن يخرج منها فرارا منه وأما إذا خرج لحاجة فلا بأس ومنها أنه لا بأس أن يستعمل الإنسان من الأدوية والحبوب والإبر ما يمنع الوباء لأن ذلك من الوقاية قبل نزول البلاء ولا بأس بها كما أن الإنسان إذا نزل به وباء وعالجه فلا حرج عليه فكذلك إذا أخذ وقاية منه فلا حرج عليه ولا يعد ذلك من نقص التوكل بل هذا من التوكل لأن فعل الأسباب الواقية من الهلاك والعذاب أمر مطلوب والذي يتوكل أو يدعي أنه متوكل ولا يأخذ بالأسباب ليس بمتوكل في الحقيقة بل إنه طاعن في حكمة الله لأن حكمة الله تأبى أن يكون الشيء إلا بالسبب الذي قدره الله تعالى له والله الموفق

стр. 3624

باب التغليظ في تحريم السحر قال الله تعالى ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ ١٧٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) باب تغليظ تحريم السحر، السحر هو عبارة عن عقد وقراءات ونفثات يتوصل بها الساحر إلى الإضرار بالمسحور فمنه ما يقتل ومنه ما يمرض ومنه ما يذهب العقل ومنه ما يوجب العقد يعني تعلق الإنسان بغيره تعلقا شديدا ومنه ما يوجب الصرف يعني انصرافه عن غيره انصرافا كاملا فهو أنواع والعياذ بالله لكن كله محرم وقد تبرأ النبي ﷺ ممن سحر وسحر له ومنه ما يوصل إلى الكفر فإذا كان الساحر يتوصل إلى سحره بالأرواح الشيطانية يتقرب إليها ويتعبد لها حتى تطيعه فهذا كفر لا شك فيه وأما إذا لم يكن كذلك فإنه أذية ومحرم ومن كبائر الذنوب ويجب على ولي الأمر أن يقتل الساحر قتلا بدون توبة بمعنى أن يقتله قتلا وإن تاب لأنه إن تاب فأمره إلى الله وإن لم فأمره إلى الله لكننا نقتله درءا لمضرته ومفسدته وأما إذا لم يتب فهو من أهل النار إذا كان سحره مكفرا لأن السحر والعياذ بالله من أعظم الفساد في الأرض ومن أعظم الشرور لأنه يأتي الإنسان من غير أن يحترز منه ولكن هناك شيء يحميك منه بإذن الله عز وجل

стр. 3625

وهي قراءة الأوراد الشرعية مثل آية الكرسي قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس وما أشبه ذلك مما جاء في الآيات والأحاديث عن النبي ﷺ فإن هذا أكبر واق يقي الإنسان من السحر ثم ذكر المؤلف ﵀ قول الله تعالى وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا أول الآية قوله ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ أي ما تتبعه على ملك سليمان وهو أن الشياطين علمت الناس السحر ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ سليمان ﵊ ما كفر ولم يخلف سحرا وإنما خلف علم النبوة فإنه كان أحد الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ وفي هذا دليل على أن السحر تعلمه من الشياطين كفر ولهذا قلنا قبل قليل إذا استعان الإنسان على سحره بالشياطين كان كافرا ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ وهذان ملكان بعثهما الله إلى أرض بابل لكثرة السحرة فيها يعلمون الناس السحر ولكنهما ينصحان الناس ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ أرسلهما الله يعلمان الناس السحر وهنا قد يسأل الإنسان كيف يرسل الله تعالى ملكين والملائكة كرام مكرمون عند الله كيف يرسلهم يعلمون الناس السحر

стр. 3626

فيقال هذا فتنة من الله ولهذا إذا علما الناس قالا ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ ينصحون الناس لكن الله ابتلى الناس بهذا فجعلوا يتعلمون من الملكين يتعلمون منهما ما يسمى بالعقد والصرف وهو من أشد أنواع السحر ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ يأتي الساحر إلى رجل قد حسنت الحال بينه وبين أهله وقد طابت لهما الحياة فيفرق بين الرجل وزوجته والعياذ بالله تأخذ تصيح إذا قرب إليها وتبكي وتنفر منه وإذا أبعد عنها بكت على فراقه والعياذ بالله فيضرها من الناحيتين من ناحية الاجتماع ومن ناحية الافتراق وكذلك الزوج تجده في شوق عظيم لأهله فإذا أتى إلى أهله ضاق بهم ذرعا وضاق صدره وتمنى أن يموت والعياذ بالله هذا من السحر العظيم قال الله تعالى ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ سبحان الله العظيم من بيده ملكوت السماوات والأرض الله هؤلاء السحرة والشياطين مهما اجتمعوا على أمر يريدون أن يضروك به والله تعالى لا يضرك فإنهم لن يضروك ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ تأمل هذا التركيب فإن الجملة هنا اسمية ﴿وما هم بضارين به من أحد﴾ والاسمية تفيد الثبوت والاستغراق ثم إن النفي مؤكد بالباء ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ يعني لا يمكن أبدا أن يضروا أحدا بسحرهم إلا بإذن الله إذا أذن الله بذلك قدرا فالله على كل شيء قدير وإذا شاء منع منع كل شر لأنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وهو خالق الأسباب ومانع الأسباب وهو على كل شيء قدير ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون﴾ أي هؤلاء الناس الذي أرسل إليهم الملكان ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ يعني ما فيه الضرر المحض الذي لا نفع فيه إطلاقا ولهذا قال ﴿ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ هو ضرر محض في الدين والدنيا والعاقبة الوخيمة وكذلك الظلم الذي يحصل على المسحور

стр. 3627

فإنه سوف يقضي له بحقه يوم القيامة لن يهمله الله ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ أكد الله هذه الجملة بالقسم واللام وقد أي لقد علم هؤلاء الذين يتعلمون السحر أن الذي يتعلمه ما له في الآخرة من خلاق علموا من أين من قول الملكين ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ قد علموا وبان لهم الأمر ولكنهم والعياذ بالله اختاروا ذلك ولهذا قال ﴿لمن اشتراه﴾ والشراء إنما يكون عن رغبة وطمع في المبيع ولهذا سمى الله تعالى تعلمه اشتراء ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ أي ما له نصيب في الآخرة وليس أحد من الناس ليس له نصيب في الآخرة على وجه الإطلاق إلا الكافر المؤمن له نصيب في الآخرة إما أن يدخل الجنة بلا حساب وإما أن يعذب على قدر ذنبه ثم يكون مآله الجنة لكن الكافر ليس له في الآخرة من خلاق أي من نصيب ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ شروا هنا بمعنى باعوا يعني أن الله ذم هذا الذي اختاروه وباعوا أنفسهم من أجله ﴿لو كانوا يعلمون﴾ يعني لو كانوا ذوي العلم لعلموا أن هذا شر محض والخلاصة أن السحر من كبائر الذنوب وقد يؤدي إلى الكفر وأن عقوبة الساحر أن يقتل سواء كفر بسحره أم لم يكفر لقول النبي ﷺ حد الساحر ضربه بالسيف وفي لفظ ضربة بالسيف نسأل الله تعالى أن يقي المسلمين شرهم وأن يرد كيدهم في نحورهم وأن يعيننا وإياكم على تعلم الأوراد

стр. 3628

الشرعية التي يحتمي بها المرء من أعدائه من الشياطين والأنس والله الموفق ١٧٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه [الشَّرْحُ] تقدم الكلام على أول هذا الحديث وعلى قوله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وذكرنا أن النفوس المحرمة أربعة أنواع المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن وأنه لا يجوز قتل واحد منهم إلا بالحق وتكلمنا أيضا عن العهد بين المسلمين وبين الكفار وبينا أنه جائز إذا دعت الحاجة إليه أو المصلحة وأن العلماء اختلفوا ﵏ هل يجوز العهد أكثر من عشر سنوات أو لا وهل يجوز العهد المطلق أو لا وذكرنا أنه أي العهد ثلاثة أقسام:

стр. 3629

عهد مؤبد وهذا لا يجوز وعهد مطلق وهذا جائز على القول الراجح وعهد مؤقت وهذا جائز ثم اختلف القائلون به هل يجوز أن يزيد على عشر سنوات أو لا والصحيح أنه جائز لأنه للحاجة ثم قال وأكل الربا أكل الربا أيضا من الموبقات قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد ورد من الوعيد على أكل الربا ما لم يرد مثله على أي ذنب سوى الشرك فهو عظيم والعياذ بالله حتى إن الله قال في كتابه يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون فبين الله أنه إذا لم يترك الإنسان الربا فإنه معلن للحرب على الله ورسوله ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وأنه إذا تاب فإنه يحرم عليه أن يأخذ أكثر من ماله ﴿فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ وقد استحسن بعض الناس بعقولهم استحسانا مخالفا لشرع الله فقالوا إن الإنسان إذا أودع بل إذا جعل أمواله عند أهل الربا فإنه يجوز أن يأخذ الربا ثم يتصدق به تخلصا منه وهذا القول مخالف للقرآن الكريم لأن الله يقول ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ يقولون في وجه استحسانهم إننا لو تركناه للبنوك لكانوا يستعينون به على بناء الكنائس وإعانة الكفار على قتال المسلمين وما أشبه ذلك من الأقوال التي يصادمون بها النص ونقول لهم أولا إن هذا الربح ليس داخلا في ملكه حتى نقول إنه تبرع للبنك به فهو من الأصل لم يدخل في ملكه ماله الذي أودعه عند البنك ربما يشتري به الحاجات أو يدخل في مشروعات ويخسر فهذه الزيادة ليست نماء ملكه بل هي زيادة محضة يسلمها البنك لمن أعطى هذا المال وثانيا من يقول إنهم يستعينون بها يجعلونها في الكنائس والأسلحة ضد المسلمين من قال هذا وثالثا أننا لو قلنا بذلك فهل إذا أخذنا منهم سوف يمسكون عن قتال المسلمين وعن إضلالهم عن دينهم رابعا إذا قلنا بذلك ثم قلنا خذها وتصدق بها فمعنى ذلك أننا قلنا له تلطخ بالنجاسة ثم حاول أن تغسل يدك منها إذا ما الفائدة أن تأخذها ثم تتصدق بها لا فائدة اتركها من الأصل تسلم منها ثم إننا إذا قلنا بذلك فأخذها الإنسان فهل يضمن لنفسه أن يقوي نفسه على التصدق بها ولا سيما إذا كانت كثيرة قد يأخذها بهذه النية ثم تغلبه نفسه فلا يتصدق بها ويأكلها سواء حصل ذلك في أول مرة أو في ثاني مرة أو في ثالث مرة وأيضا إذا قلنا خذها وتصدق بها فأخذها أمام الناس فمن الذي يعلم الناس أنه تصدق بها الناس لا يدرون وربما اتخذوا من فعله هذا قدوة وفعلوا مثل فعله وأكلوا الربا وأيضا فإننا إذا قلنا بذلك استمرينا الدخول في الربا وسهل علينا وصرنا نأخذه لكن إذا قلنا بالمنع سلمنا من الربا من وجه واضطررنا إلى أن نجد سبيلا إلى معاملات شرعية لا تخالف الدين بإنشاء البنوك الإسلامية التي ليست فيها ربا والمهم أن أول شيء نرد به على هذا القول المستحسن وليس بحسن هو أنه مصادم للنص ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ ولا استحسان للعقول مع وجود النص وكل شيء تستحسنه بعقلك وهو مخالف للنص فهو ليس بحسن بل هو سيئ وعاقبته سيئة ولا تنظر إلى الشيء المستعجل انظر إلى العاقبة والعاقبة في كل ما خالف الشرع لا شك أنها عاقبة سيئة لأن الله يقول ﴿إن العاقبة للمتقين﴾ وهذا يدل على أنه من ليس بمتقي فليس له عاقبة محمودة ولا حسنة ولا يغرنك التحسين المبني على الوهم عليك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا تتجاوزهما إن شئت البركة والخير وأن ينمو جسدك على طاعة الله المهم أن أكل الربا من الموبقات والربا يكون في أصناف ستة بينها النبي ﷺ في قوله الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير

стр. 3630

بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد وغالب الربا الآن بين الناس النوعان الأولان الذهب والفضة لأن الأطعمة التبادل فيها قليل والربا فيها أيضا قليل لكن الأكثر في الأموال والعلماء ﵏ لما ظهرت هذه الأوراق النقدية التي هي بدل عن الذهب والفضة اختلفوا فيها اختلافا عظيما حتى بلغ الخلاف إلى أكثر من ستة أقوال كل يقول برأي وأقرب الأقوال فيها أنه يجوز فيها ربا الفضل ولا يجوز ربا النسيئة بمعنى أنه يجوز فيها ربا الفضل دون ربا النسيئة إذا اختلفت الأجناس وعلى ذلك فيجوز أن أعطيك عشرة ريالات بالورق وأخذ منك تسعة ريالات بالحديد وما أشبه ذلك لأن الصفة مختلفة وقد جاء في الحديث إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم والقيمة وإن كانت متفقة حسب النظام وتقرير الحكومة لكن الكلام على الحقيقة الذاتية نجد أن الحديد يختلف عن القرطاس حتى في القيمة يختلف يعني لو فرضنا أن قطعة من حديد وورقة من الشارع أردت أن تساوي بينهما لم يكن بينهما سواء بل بينهما فرق فالجنس مختلف والقيمة مختلفة ولولا أن الحكومة جعلت هذه بمنزلة هذه في القيمة فما صارت مساوية لها في القيمة وعلى هذا تكون داخلة تحت قول الرسول

стр. 3631

صلى الله عليه وسلم فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ثم إن الربا أصناف كثيرة بعضها أقبح من بعض أعظمه وأشده هو أن يأكل الربا أضعافا مضاعفة بحيث إذا حل الدين على الفقير وليس عنده مال يقول له أنذرك لمدة سنة وأزيدك أزيد الدين عليك مثل أن يحل دينه وهو عشر آلاف وليس عنده شيء فيقول أنذرك إلى سنة ونجعله أحد عشر ألفا هذا حرام ولا يجوز سواء جعل ذلك صريحا أو بحيلة بأن قال اشتر مني السلعة بأحد عشر ألفا وبعها علي بعشرة آلاف حتى يكون في ذمته إحد عشر ألفا يتحيل على محارم الله والعياذ بالله والحيلة على محارم الله أقبح من إتيان المحرم صريحا ولهذا تجد الذين يتحيلون على الربا ينطبق عليهم قول الله تعالى ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ فإذا هذه الآية فيها للعلماء قولان الأول أنهم يقومون لأكل الربا وأخذه كالمجانين يعني في تصرفهم في الدنيا يتصرف تصرف المجنون الطائش يريد هذا المكسب الحرام نجد هؤلاء الذي يتحيلون على الربا يتصرفون تصرف المجانين بكل لهف وبكل شغف وبكل وسيلة وفي كل يوم لهم حيلة والقول الثاني في الآية أنهم يقومون من قبورهم يوم القيامة كالذي يقوم مصروعا من الجن نسأل الله العافية أمام العالم وشاهد ومشهود

стр. 3632

فعلى كل حال الربا محرم سواء كان صريحا أو كان عن طريق المكر والخداع وما كان عن طريق المكر والخداع فهو أشد إثما وأقرب إلى قسوة القلب والعياذ بالله ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ ولهذا تجدهم يفعلون هذه الحيل ويرون أنها حلال وأنه لا بأس بها ولا يكادون يقلعون عنها لكن من فعل المحرم على وجهه الصريح خجل من الله وعرف أنه في معصية وربما ييسر الله له الأمر ويمن عليه بالتوبة وأكل مال اليتيم أيضا من الموبقات واليتيم هو الذي مات أبوه قبل بلوغه واليتيم مسكين بمعنى أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه فيأتي من يسلط على ماله ويأكله هذا أيضا من الموبقات والتولي يوم الزحف يعني القتال مع الكفار إذا تقابل المسلمون والكفار فإن المتولي يكون قد فعل موبقا من موبقات الذنوب والعياذ بالله إلا فيما ذكر الله ﴿إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات يعني أن يرمي الإنسان المرأة الغافلة المؤمنة بالزنا فيقول إنها زنت هذا أيضا من موبقات الذنوب ومثلها أيضا الرجل المحصن قذفه من كبائر الذنوب والله الموفق

стр. 3633

باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه بأيدي العدو ١٧٩٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو متفق عليه. [الشَّرْحُ] هذان البابان ذكرهما المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين الأول في تحريم السفر بالمصحف إلى بلاد العدو يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفار وذلك لأنه يخشى أن يقع في أيديهم فيستهينوا به ويذلوه والقرآن أشرف وأعظم من أن يكون في يدي العدو ولهذا ذكر عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو وهذا كما قال المؤلف ﵀ إذا خيف عليه أما إذا لم يخف عليه كما في وقتنا الحاضر فلا بأس فيجوز للإنسان إذا سافر في تجارة أو دراسة في بلد الكفار أن يذهب معه المصحف ولا حرج عليه ولكن يجب أن يعلم أن السفر إلى بلاد الكفار للإقامة في دراسة أو شبهها أي مدة طويلة لا يجوز بشروط ثلاثة الشرط الأول أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات وذلك

стр. 3634

لأن الكفار أعداء يريدون أن يصدوا الناس عن دين الله فإذا قدم إليهم الشاب الساذج الذي ليس عنده علم أوردوا عليه من الشبهات والشكوك ما يخرجه عن دينه من حيث لا يشعر فمن ليس عنده علم يدفع به الشبهات فإنه لا يحل له أن يذهب إلى بلاد الكفار مهما كان الأمر اللهم إلا للضرورة القصوى كالعلاج يكون معه من يصاحبه ويقيه من شر الناس الشرط الثاني أن يكون عنده دين يحميه من الشبهات وذلك لأن بلاد الكفر بلاد كفر ليس فيها مانع لا من وازع ديني ولا من وازع سلطاني الناس أحرار كما يقولون وهم أحرار في الهوى لكنهم عبيد للهوى في الواقع فإذا لم يكن عنده دين يحميه عن الشهوات فإنه يهلك لأنه سيجد النساء الكاسيات العاريات ويجد الخمور ويجد الشرور فإذا لم يكن عنده دين سقط في الهاوية والشرط الثالث أن يكون هناك ضرورة بأن يسافر لعلم لا يوجد في بلده ويحتاج الناس إليه فهذا لا بأس به فإذا تمت الشروط الثلاثة جاز للإنسان أن يسافر إلى أرض العدو وإلا فإنه لا يحل له هذا كان سيقيم مدة أما رجل سيذهب لتجارة ويشتري ويرجع فهذا أهون

стр. 3635

باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال ١٧٩٥ - عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه وفي رواية لمسلم: إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب ١٧٩٦ - وعن حذيفة ﵁ قال إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هن لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة متفق عليه وفي رواية في الصحيحين عن حذيفة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها.

стр. 3636

١٧٩٧ - وعن أنس بن سيرين قال: كنت مع أنس بن مالك ﵁ عند نفر من المجوس فجيء بفالودج على إناء من فضة فلم يأكله فقيل له حوله فحوله على إناء من خلنج وجيء به فأكله رواه البيهقي بإسناد حسن. أما الباب الثاني فهو الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة الذهب والفضة كلاهما معدن مما خلقه الله في الأرض وخلقه لنا كما قال تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا فلنا أن ننتفع بالذهب والفضة على ما أردنا إلا ما جاء الشرع بتحريمه والنبي ﷺ نهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وأخبر أنها للكفار في الدنيا ولنا في الآخرة وأخبر أن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نا جهنم والعياذ بالله والجرجرة هي صوت الماء إذا جرى في الحلق فهذا الرجل والعياذ بالله يسقى من نار جهنم نسأل الله العافية حتى يجرجر الصوت في بطنه كما جرجر في الدنيا وهذا يدل على أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب وأنه لا يحل للمؤمن أن يفعل ذلك أما استعمال الذهب والفضة في غير ذلك فهذا موضع خلاف بين العلماء جمهور العلماء يقول لا يجوز أن يستعمل أواني الذهب والفضة في غير

стр. 3637

الأكل والشرب كما أنه لا يجوز في الأكل والشرب فلا يجوز أن تجعلهما مستودعا للدواء أو مستودعا للدراهم أو للدنانير أو ما أشبه ذلك لأن النبي ﷺ نهى عن الأكل والشرب فيهما وما سوى ذلك فهو مثله ومن العلماء من أباح ذلك وقال إننا نقتصر على ما جاءنا به النص والباقي ليس حراما لأن الأصل الحل ولهذا كانت أم سلمة ﵂ وهي ممن روى حديث النهي عن الأكل والشرب في آنية الفضة كانت عندها جلجل من فضة وعاء البيبسي وشبهه جلجل من فضة جعلت فيه شعرات من شعرات النبي ﷺ يستشفي الناس بها إذا مرض الإنسان أتوا إليها وجعلت في هذا الجلجل ماء وراجته في الشعر وشربه المريض فيشفى بإذن الله فهي ﵂ تستعمل الفضة في غير الأكل والشرب وهذا أقرب إلى الصواب أن استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب جائز لكن الورع تركه احتياطا لموافقة جمهور العلماء والله الموفق

стр. 3638

باب تحريم لبس الرجل ثوبا مزعفرا ١٧٩٨ - عن أنس ﵁ قال: نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل متفق عليه. ١٧٩٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى النبي ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟ قلت اغسلهما قال بل احرقهما وفي رواية فقال إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها رواه مسلم. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) بابين الباب الأول نهي الرجل أن يلبس الثوب المزعفر يعني الذي صبغ بالعصفر وهو نوع من النبات يشبه الزعفران وذكر فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ رأى عليه ثوبين معصفرين أو ثوبا معصفرا فقال أمك أمرتك بهذا يعني ينكر عليه فدل ذلك على أنه يكره أو يحرم على الرجل أن يلبس مثل هذه الثياب الصفراء التي تميل إلى الحمرة قليلا وكذلك الثوب الأحمر نهى النبي ﷺ عن لبسه وأخبر أن هذا من لباس الكفار وإذا كان لباس الكفار فإنا قد نهينا أن نتشبه بهم لقول النبي ﷺ من تشبه بقوم فهو منهم

стр. 3639

باب النهي عن صمت يوم إلى الليل ١٨٠٠ - عن علي ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل رواه أبو داود بإسناد حسن قال الخطابي في تفسير هذا الحديث كان من نسك الجاهلية الصمات فنهوا في الإسلام عن ذلك وأمروا بالذكر والحديث بالخير. ١٨٠١ - وعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم فقالوا حجت مصمتة فقال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت رواه البخاري. وأما الباب الثاني فهو الصمت إلى الليل وكانوا في الجاهلية

стр. 3640

يدينون لله بالصمت إلى الليل يعني أن الإنسان يقوم من نومه في الليل ويسكت ولا يتكلم حتى تغيب الشمس فنهى المسلمون عن ذلك لأن هذا يؤدي إلى ترك التسبيح والتهليل والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقراءة القرآن وغير ذلك وأيضا هو من فعل الجاهلية فلذلك نهي عنه فلا يجوز للإنسان أن يصمت إلى الليل يعني يصمت ولا يتكلم إلى الليل وإذا قدر أن أحدا نذر هذا فإنه لا يفي بنذره فليحل النذر ويكفر كفارة يمين وإذا تكلم الإنسان فلا يتكلم إلا بخير لقول النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والله الموفق

стр. 3641

باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه ١٨٠٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام متفق عليه. ١٨٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر متفق عليه. ١٨٠٤ - وعن يزيد شريك بن طارق قال: رأيت عليا ﵁ على المنبر يخطب فسمعته يقول لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات وفيها قال رسول الله ﷺ المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل

стр. 3642

الله منه يوم القيامة صرف ولا عدلا ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا متفق عليه ذمة المسلمين أي عهدهم وأمانتهم وأخفره نقض عهده والصرف التوبة وقيل الحلة والعدل الفداء. ١٨٠٥ - وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه أو توليه غير مواليه ذكر ﵀ شيئين كلاهما لحمة يلتحم الناس بعضهم ببعض به ويدنو بعضهم من بعض الأول: النسب

стр. 3643

والثاني الولاء وقد قال النبي ﷺ الولاء لحمة كلحمة النسب أما النسب فإن الإنسان يجب عليه أن ينتسب إلى أهله أبيه جده جد أبيه.. وما أشبه ذلك ولا يحل له أن ينتسب إلى غير أبيه وهو يعلم أنه ليس بأبيه فمثلا إذا كان أبوه من القبيلة الفلانية ورأى أن هذه القبيلة فيها نقص عن القبيلة الأخرى فانتمى إلى قبيلة ثانية أعلى حسبا لأجل أن يزيل عن نفسه عيب قبيلته فإن هذا والعياذ بالله ملعون عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا وأما إذا انتمى الإنسان إلى جده وأبي جده وهو مشهور ومعروف دون أن ينتفي من أبيه فلا بأس بهذا فقد قال النبي ﷺ أنا ابن عبد المطلب أنا النبي ولا كذب مع أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فعبد المطلب جده ولكنه ﷺ قال ذلك في غزوة حنين لأن عبد المطلب أشهر من أبيه عبد الله وهو عند قريش في المكانة العليا فلهذا قال أنا ابن عبد المطلب لكنه من المعلوم أنه محمد بن عبد الله ولم ينتف من أبيه وكذلك أيضا الناس ينتسبون إلى اسم القبيلة فيقول مثلا أحمد بن تيمية وما أشبه ذلك مما ينتسب إلى القبيلة لكن المهم الذي عليه الوعيد هو الذي ينتمي إلى غير أبيه لأنه غير راض بحسبه ونسبه فيريد أن يرفع نفسه ويدفع خسيسته بالانتماء

стр. 3644

إلى غير أبيه فهذا هو الذي عليه اللعنة والعياذ بالله يوجد والعياذ بالله من يفعل ذلك للدنيا ينتسبون إلى أعمامهم دون آبائهم للدنيا مثل ما يوجد الآن أناس لديهم جنسيتان ينتسب إلى عمه أو إلى خاله أو ما أشبه ذلك لينال بذلك شيئا من الدنيا هذا أيضا حرام عليه ولا يحل عليه ذلك والواجب على من كان كذلك أن يعدل تبعيته وجنسيته وكذلك بطاقته ولا يبقيها على ما هي عليه ومن اتقى الله جعل له من أمره يسرا ورزقه من حيث لا يحتسب والله الموفق أما حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه أعلن على المنبر وهو يخطب الناس أنه ليس عندهم شيء خصهم به الرسول ﷺ إلا كتاب الله وهذا عام لكل أحد والمراد بكتاب الله ما يقرأه المسلمون اليوم من أولهم إلى آخرهم صغارا وكبارا لم يزد فيه أحد ولم ينقص منه أحد وفي هذا رد على الرافضة الشيعة الذين يدعون أن القرآن الكريم قد حذف منه ثلثه وحذفت منه سورة الولاية وما أشبه ذلك فخرجوا عن إجماع المسلمين ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا وفي قسم أمير المؤمنين ﵁ وهو الخليفة الرابع وهو البار الصادق بدون قسم أن النبي ﷺ لم يخصهم بشيء دليل على كذب الرافضة الشيعة الذين يقولون إن النبي ﷺ عهد بالخلافة إلى علي بن أبي طالب وأن أبا بكر وعمر ظالمون معتدون كافرون منافقون هكذا

стр. 3645

والعياذ بالله يصفون خير هذه الأمة بهذه الأوصاف نسأل الله العافية ونسأل الله أن يجازيهم بما يستحقون به من عدله إنه على كل شيء قدير فعلي بن أبي طالب إن كانوا صادقين في محبته وولايته وأنهم يتولونه وأنهم شيعته فليصدقوه بهذا اليمين الذي أقسم به على المنبر وهو يخطب الناس معلنا أن النبي ﷺ ما خصهم بشيء أبدا إلا كتاب الله الذي يقرؤه المسلمون صغارا وكبارا إلى يومنا هذا والحمد لله ثم نشرها وقرأ فيها شيئا من أسنان الإبل في الزكاة والثياب والجراحات ولم تبين في هذا الحديث ولكنها بينت في مواضع أخرى وذكر فيها أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فالمدينة لها حرم كحرم مكة لكنه دون حرم مكة في الأوكدية والفضيلة لأن حرم مكة لا يمكن لمؤمن يتم إيمانه إلا أن يقصده حاجا ومعتمرا بخلاف حرم المدينة ثم إن المحرمات في المدينة أخف من المحرمات في مكة ولهذا يجب في حرم مكة في قتل الصيد الجزاء ولا يجب هذا في حرم المدينة وليس هذا موضوع ذكر الفروق بين الحرمين فهي حوالي ستة أو سبعة فروق معروفة وما بين عير إلى ثور معروف أيضا فإن هذا الحرم مساحته بريد في بريد يعني أربعة فراسخ في أربعة فراسخ هذا الحرم يقول النبي ﷺ من أحدث فيه حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين أحدث حدثا في أي شيء في العقيدة في المنهج في السلوك مخالفا للمسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وكذلك من آوى محدثا يعني أدخله المدينة وهو يعلم أنه صاحب حدث فآواه ونصره وأدخله في منزله وتستر عليه وما أشبه ذلك هذا يكون أيضا مشاركا له في الإثم عليه لعنة الله
следующие страницы →