Полный текст (3 784 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الإسلام، لكنها من حقوق الإسلام، قالوا: ولو تركوا صلاة العيد مثلاً، مع أن صلاة العيد ليست من الفرائض الخمس، لو تركوا صلاة العيد وجب قتالهم، يقاتلون بالسيف والرصاص حتى يصلوا العيد، مع أن صلاة العيد فرض كفاية، أو سنة عند بعض العلماء، أو فرض عين على القول الراجح، لكن الكلام على أن القتال قد يجوز مع إسلام المقاتلين؛ ليذعنوا لشعائر الإسلام الظاهرة؛ ولهذا قال هنا: (إلا بحقها) .
وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز للإنسان أن يقول: لأفعلن كذا في المستقبل، وإن لم يقل: إن شاء الله. ولكن يجب أن نعلم الفرق بين شخص يخبر عما في نفسه، وشخص يخبر أنه سيفعل، يعني يريد الفعل.
أما الأول فلا بأس أن يقول سأفعل بدون إن شاء الله؛ لأنه إنما يخبر عما في نفسه، وأما الثاني: الذي يريد أنه يفعل؛ أي يوقع الفعل فعلاً.
فهذا لا يقل إلا مقيداً بالمشيئة، قال تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه ُ) (الكهف: ٢٣-٢٤) ، فهناك فرق بين من يخبر عما في نفسه، وبين من يقول إنني سأفعل غداً. غداً ليس إليك، ربما تموت قبل غد، وربما تبقى، ولكن يكون هناك موانع وصوارف، وربما تبقى ويصرف الله همتك عنه، كما يقع كثيراً، كثيراً ما يريد الإنسان أن يفعل فعلاً غداً أو آخر النهار، ثم يصرف الله همته.
ولهذا قيل لبعض الأعراب ـ والأعراب سبحان الله عندهم أحياناً جواب فطري ـ قيل له: بم عرفت ربك؟ فأجاب قائلاً: الأثر يدل على المسير، والبعير تدل على البعير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج،
стр. 632
وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ ـ الله أكبر ـ أعرابي لا يعرف؛ لكنه استدل بعقله، فهذه الأمور العظيمة ألا تدل على خالق يخلقها ويدبرها؟ بلى والله.
وسئل آخر: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الههم؛ فكيف هذا؟ يعزم الإنسان على شيء ثم تنتقض عزيمته بدون أي سبب ظاهر، إذن: من الذي نقضها؟ الذي نقض العزيمة هو الذي أودعها أولاً، وهو الله ، وصرف الههم؛ حيث يهم الإنسان بالشيء ـ وربما يبدأ به فعلاً ـ ثم ينصرف.
إذن نقول: إن في هذا الحديث دليل على أن الإنسان له أن يقول سأفعل كذا؛ إخباراً عما في نفسه، لا جزماً بأن يفعل، لأن المستقبل له الله، لكن إذا أخبرت عما في نفسك فلا حرج. والله الموفق.
стр. 633
١١ ـ باب المجاهدة
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: ٦٩) . وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين ُ) (الحجر: ٩٩) . وقال تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) (المزمل: ٨) ، أي انقطع إليه. وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) ، وقال تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) (المزمل: ٢٠) ، وقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣) ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب المجاهدة) المجاهدة تعني مجاهدة الإنسان نفسه ومجاهدة غيره، فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء، ولا تتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولاً، ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين، على فعل الطاعات، وعلى ترك المعاصي؛ لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، فتحتاج النفس إلى مجاهدة لا سيما مع قلة الرغبة في الخير، فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناةً شديدة؛ ليحملها على فعل الخير.
ومن أهم ما يكون من هذا مجاهدة النفس على الإخلاص لله في العبادة؛ فإن الإخلاص، أمره عظيم وشاق جداً، حتى إن بعض
стр. 634
السلف يقول: (ما جاهدت نفسي على شيءٍ مجاهدتها على الإخلاص ولهذا كان جزاء المخلصين أن من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه حرمه الله على النار.
لكن متى يكون هذا الأمر؟ إن هذا الأمر شديد جداً، فالمجاهدة على الإخلاص لله من أشق ما يكون على النفوس؛ لأن النفوس لها حظوظ؛ ولأن الإنسان يحب أن يكون مرموقاً عند الناس، ويحب أن يكون محترماً بين الناس، ويحب أن يقال: إن هذا رجل عابد، هذا رجل فيه كذا وكذا من خصال الخير، فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، ويحمله على مراءاة الناس. وقد قال النبي ﷺ (من سمع سمّع الله به، ومن راءَى راءى الله به) . يعني أظهر أمره للناس حتى ينكشف والعياذ بالله.
كذلك أيضاً مما يجاهد الإنسان نفسه عليه: فعل الطاعات الشاقة مثل الصوم، فإن الصوم من أشق الطاعات على النفوس؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب ونكاح، فتجده يكون شاقاً على الناس إلا من يسره الله عليه وخفف عنه. تجد بعض الناس مثلاً إذا دخل رمضان كأنما وضع على ظهره جبل ـ والعياذ بالله ـ لأنه يستثقل الصوم ويرى أنه شاق، حتى إن بعضهم يجعل حظ يومه النوم، وحظ ليله السهر في أمر لا خير له فيه؛ كل ذلك من أجل مشقة هذه العبادة عليه.
стр. 635
كذلك أيضاً من الأشياء التي تحتاج إلى مجاهدة، مجاهدة الإنسان نفسه على الصلاة مع الجماعة؛ كثير من الناس يسهل عليه أن يصلي في بيته، لكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة في المسجد، فتجده مع نفسه في جهاد، يقول: أصبر، أؤدي هذا الشغل، أو أفعل كذا، أو أفعل كذا، حتى.. سوف.. فتفوته صلاة الجماعة، وثقل صلاة الجماعة على الإنسان يدل على أن في قلب الإنسان نفاقاً، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) وهذا يحتاج إلى المجاهدة.
أما مجاهدة النفس علي ترك المحرم؛ فما أكثر المحرمات التي يشق علي بعض الناس تركها، فتجد البعض يعتاد على فعل المحرم ويشق عليه تركه، ولنضرب لهذا مثلين.
المثل الأول: الدخان، فإن كثيراً من الناس ابتلي بشرب الدخان، وأول ما خرج الدخان اختلف العلماء فيه؛ منهم من قال: إنه حلال، ومنهم من قال: إنه حرام، ومنهم من قال: إنه مكروه، ومنهم من ألحقه بالخمر حتى أوجب الحد على شاربه، ولكن بعد أنه مضت الأيام تبين تبيناً لا شك فيه أنه حرام؛ لأن الأطباء أجمعوا على أنه مضر بالصحة، وأنه سبب لأمراض مستعصية تؤدي بالإنسان إلى الموت، ولهذا تجد بعض
стр. 636
المدخنين يموت وهو يكلمك، ويموت وهو على الفراش، وإذا حمل أدنى شيء انقطع قلبه ومات، وهذا يدل على أنه ضار، والشيء الضار محرم على الإنسان؛ لأن الله يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: من الآية٢٩) ، ويشق على بعض المبتلين بهذا الدخان أن يدعه، مع أنه لو عود نفسه على تركه شيئاً فشيئاً، وأبتعد عن الذين يشربونه لسهل عليه الأمر، وصار يكره شم رائحته، لكن المسألة تحتاج إلى عزيمة قوية وإيمان صادق.
المثل الثاني: مما يشق على كثير من الناس، وقد ابتلى به الكثير: حلق اللحى، فإن حلق اللحية محرم، لأن الرسول ﷺ قال: (خالفوا المجوس. خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) . كثير من الناس قد غلبته نفسه فصار يحلق لحيته، ولا أدرى ماذا يجني من حلق اللحية؟ لا يجني إلا معاصي تتراكم عليه حتى تضعف إيمانه والعياذ بالله، لأن من مذهب أهل السنة والجماعة أن المعاصي تنقص الإيمان، فيكسب حالق اللحية معاصي تنقص إيمانه، مع أنه لا يزيد نشاطه ولا صحته، ولا تندفع عنه بذلك الأمراض، ولكن ابتلي بهذا الشيء وصار شاقاً عليه، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه على فعل الأوامر وعلى ترك النواهي، حتى يكون من المجاهدين في الله وقد قال الله تعالى في جزائهم:
стр. 637
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين َ) (العنكبوت: ٦٩) .
أما مجاهدة الغير فإنها تنقسم إلى قسمين: قسم بالعلم والبيان، وقسم بالسلاح.
أما من مجاهدته بالعلم والبيان فهو الذي يتسمى بالإسلام وليس من المسلمين؛ مثل المنافقين وأهل البدع المكفرة وما أشبه ذلك، فإن هؤلاء لا يمكن أن نجاهدهم بالسلاح؛ لأنهم يتظاهرون بالإسلام وأنهم معنا، ولكننا نجاهدهم بالعلم والبيان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة: ٧٣) ، فجاهد الكفار يكون بالسلاح، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان.
ولهذا كان الرسول ﵊ يعلم بأن في أصحابه منافقين، ويعلمهم بأعيانهم، ولكنه لا يقتلهم، واستؤذن في قتلهم فقال: (لا يتحدث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه) ، فكذلك الذين ينضوون تحت لواء الإسلام من أهل البدع لا نقاتلهم بالسلاح، لكننا نقاتلهم بالعلم والبيان.
ولهذا كان واجباً على شباب الأمة الإسلامية أن يتعلموا العلم على وجه راسخ ثابت، لا على وجه سطحي كما يوجد في كثير من بيوت العلم، حيث يتعلمون علماً سطحياً لا يرسخ بالذهن، علماً يقصد به
стр. 638
الإنسان أن يحصل على بطاقة أو شهادة فقط، ولكن العلم الحقيقي هو العلم الذي يرسخ في القلب، ويكون كالملكة للإنسان، حتى إن الإنسان الذي يوفق لهذا النوع من العلم؛ تجده لا تكاد تأتيه مسألة من المسائل إلا عرف كيف يخرجها على الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الصحيح، فلابد من علم راسخ.
والناس اليوم في عصرنا محتاجون إلى هذا النوع من العلم؛ لأن البدع بدأ يفشو ظلامها في بلدنا هذه؛ بعد أن كانت نزيهة منها، لكن نظراً لانفتاحنا على الناس، وانفتاح الناس علينا، وذهاب بعضنا إلى بلاد أخرى، ومجيء آخرين إلى بلادنا ليسوا على عقيدة سليمة؛ بدأت البدع تظهر ويفشو ظلامها. وهذه البدع تحتاج إلى نور من العلم يضيء الطريق حتى لا يصيب بلادنا ما أصاب غيرها من البدع المنكرة العظيمة التي قد تصل إلى الكفر ـ والعياذ بالله ـ. فلابد من مجاهدة أهل البدع وأهل النفاق بالعلم والبيان، وبيان بطلان ما هم عليه؛ بالأدلة المقنعة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الهدى من بعدهم.
أما النوع الثاني من جهاد الغير: فهو الجهاد بالسلاح، وهذا في جهاد الأعداء الذين يظهرون العداوة للإسلام ويصرحون بذلك؛ مثل اليهود والنصارى الذين يسمون بالمسيحيين، والمسيح منهم بريء ﵊، المسيح لو أنه خرج لقاتلهم وهم ينتسبون إليه، يقول الله : (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ
стр. 639
دُونِ اللَّهِ) (المائدة: ١١٦) ، فماذا كان جواب عيسى؟ : (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة: ١١٦، ١١٧) .
فعيسى بن مريم قال لهم ما أمرهم الله به: اعبدوا الله ربي وربكم، ولكنهم كانوا يعبدون عيسى، ويعبدون مريم، ويعبدون الله ويقولون إن الله ثالث ثلاثة، إذن؛ كيف يصح أن ينتسب هؤلاء إلى عيسى وهو يتبرأ منهم أمام الله .
فاليهود والنصارى والمشركين من البوذيين وغيرهم، والشيوعيين، كل هؤلاء أعداء للمسلمين؛ يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولكن مع الأسف، فالمسلمون اليوم في ضعف شديد، وفي هوان وذل، يقاتل بعضهم بعضاً أكثر مما يقاتلون أعداءهم، هم فيما بينهم يتقاتلون أكثر مما يتقاتلون مع أعدائهم، ولهذا سلط الأعداء علينا، وصرنا كالكرة بأيديهم؛ يتقاذفونها حيث يشاءون.
فلهذا يجب على المسلمين أن ينتبهوا لهذا الأمر، وأن يعدوا العدة؛ لأن الله تعالى قال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (لأنفال: ٦٠) وقال : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
стр. 640
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩) .
(يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي: يبذلون الجزية لنا (عَنْ يَدٍ) فيها قولان للعلماء: (عَنْ يَدٍ) يعني عن قوة منا علينا، أو (عَنْ يَدٍ) يعني عن واحدة من أيديهم، بحيث يمدها هو بنفسه ـ اليهودي أو النصراني ـ ولهذا قال العلماء: لو أرسل بها خادمه لم نأخذها حتى يأتي بنفسه ويسلمها للمسؤول من المسلمين. وتصوروا؛ كيف يريد الله منا؟ وكيف يكون الإسلام في هذه العزة؟ تضرب عليهم الجزية، ويأتون بها هم بأنفسهم، ولو كان أكبر واحد منهم يأتي بها حتى يسلمها إلى المسؤول في الدولة الإسلامية عن يد وهو صاغر أيضاً، لا يأتي بأبهة وبجنود وبقوم وبحشم، لا. بل يأتي وهو صاغر.
ثم إذا قال قائل: كيف تكون تعاليم الإسلام هكذا؟ أليست هذه عصبية؟ قلنا: عصبية لمن؟ هل المسلمون يريدون عصبية لهم يستطيلون بها على الناس؟ .. أبداً فالمسلمون أحسن الناس أخلاقاً، لكنهم يريدون أن تكون كلمة الخالق الذي خلقهم وخلق هؤلاء هي العليا، ولا يمكن أن تكون هي العليا حتى يكون المسلمون هم الأعلون، ولكن متى يكون المسلمون هم الأعلون؟ يكونون كذلك إذا تمسكوا بدين الله حقاً ظاهراً وباطناً، وعرفوا أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
أما أن يذلوا عن دين الله، ثم يذلوا أمام أعداء الله، ثم يصيروا أذناباً لأعداء الله، فأين العزة إذن؟ .. لا يمكن أن تكون بهذا عزة أبداً.
الإسلام دين حق، دين علو، قال الله : (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى
стр. 641
السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (محمد: ٣٥) ، أي شيء تريدون بعد؟ .. أنتم الأعلون، والله معكم؛ كيف تدعون إلى السلم؟ كيف تهنون؟ ولكن نظراً لتأخرنا في ديننا، تأخرنا وكنا على العكس من ذلك، كان الناس في عهد السلف الصالح يمشي المسلم وهو يرى أنه هو المستحق لأرض الله، لأن الله قال في كتابه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥) ، فهو يرى أنه صاحب الأرض.
أما الآن فبالعكس ـ مع الأسف الشديد ـ ولهذا نحن نحث أبناءنا وشبابنا على أن يفقهوا الدين حقيقة، يتمسكوا به حقيقة، وأن يحذروا أعداء الله وأن يعلموا أنه لا يمكن لعدو الله وعدوهم أن يسعى في مصلحتهم إطلاقاً، بل لا يسعى إلا لمصلحة نفسه، وتدمير المسلمين ومن ورائهم الإسلام. فنسأل الله تعالى أن يعزنا بدينه وأن يعز دينه بنا، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، وأن يهيئ للأمة الإسلامية قادة خير يقودونها لما فيه صلاحها وسعادتها في دينها ودنياها.
* * *
وأما الأحاديث:
فالأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني
стр. 642
لأعيذنه) رواه البخاري.
(آذنته) : أعلمته بأني محارب له: (استعاذني) روي بالنون وبالباء.
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ﵀ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) والمعاداة هي المباعدة، وهي ضد الموالاة، والولي بينه الله في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُواْ يتَقُونَ) (يونس: ٦٢-٦٣) ، هؤلاء هم أولياء الله، (الَّذِينَ آمَنُوا) أي حققوا الإيمان في قلوبهم بكل ما يجب الإيمان به، (وكَانُواْ يتَقُونَ) أي حققوا العمل الصالح بجوارحهم، فاتقوا جميع المحارم من ترك الوجبات، أو فعل المحرمات، فهم جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان، وصلاح الظاهر بالتقوى، هؤلاء هم أولياء الله.
وليست ولاية الله تأتي بالدعوى، كما يفعله بعض الدجالين الذين يموهون على العامة بأنهم أولياء لله وهم أعداء والعياذ بالله، فتجد في بعض البلاد الإسلامية أناساً يموهون للعامة؛ يقولون: نحن أولياء، ثم يفعل من العبادات الظاهرة ما يموه به على العامة وهو من أعداء الله، لكنه يتخذ من هذه الدعوة وسيلة إلى جمع المال، وإلى إكرام الناس له، وإلى تقربهم إليه وما أشبه ذلك.
стр. 643
وعندنا ـ ولله الحمد ـ ضابط بينه الله ، وتعريف بين للأولياء (الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُواْ يتَقُونَ) هؤلاء هم أولياء الله، فالذي يعادي أولياء الله يقول الله : (فقد آذنته بالحرب) ، يعني أعلنت عليه الحرب. فالذي يعادي أولياء الله محارب لله نسأل الله العافية، ومن حارب الله فهو مهزوم مخذول لا تقوم له قائمة.
ثم قال : (وما تَقربَ إلى عبدي بشَيءٍ أَحبَ إليَّ ممّا افتَرضتُ عليه) ، يعني أن الله يقول: ما تقرب إلي الإنسان بشيء أحب إلي مما افترضه عليه، يعني أن الفرائض أحب إلى الله من النوافل، فالصلوات الخمس مثلاً أحب إلى الله من قيام الليل، وأحب إلى الله من النوافل، وصيام رمضان أحب إلى الله من صيام الاثنين والخميس، والأيام الست من شوال، وما أشبهها. كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل.
ووجه ذلك أن الفرائض وكدها الله فألزم بها العباد، وهذا دليل على شدة محبته لها ، فلما كان يحبها حباً شديداً ألزم بها العباد، وأما النوافل فالإنسان حر؛ إن شاء تنفل وزاد خيراً، وإن شاء لم يتنفل، لكن الفرائض أحب إلى الله وأوكد، والغريب أن الشيطان يأتي الناس، فتجدهم في النوافل يحسنونها تماماً؛ تجده مثلاً في صلاة الليل يخشع ولا يتحرك، ولا يذهب قلبه يميناً ولا شمالاً، لكن إذا جاءت الفرائض فالحركة كثيرة، والوساوس كثيرة، والهواجس بعيدة، وهذا من تزيين الشيطان، فإذا كنت تزين النافلة؛ فالفريضة أحق بالتزيين، فأحسن الفريضة لأنها أحب إلى الله من النوافل.
стр. 644
(وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) اللهم نسألك من فضلك. النوافل تقرب إلى الله وهي تكمل الفرائض، فإذا أكثر الإنسان من النوافل مع قيامه بالفرائض، نال محبة الله، فيحبه الله، وإذا أحبه فكما يقول الله (كنت سمعه الذي سمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) يعني أنه يكون مسدداً له في هذه الأعضاء الأربعة؛ في السمع، يسدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يرضي الله. كذلك أيضاً بصره، فلا ينظر إلا إلي ما يحب الله النظر إليه، ولا ينظر إلي المحرم، ولا ينظر نظراً محرماً؛ ويده؛ فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله، لأن الله يسدده، وكذلك رجله؛ فلا يمشي إلا إلى ما يرضي الله، لأن الله يسدده، فلا يسعى إلا إلى ما فيه الخير، وهذا يعني قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) .
وليس المعنى أن الله يكون نفس السمع، ونفس البصر، ونفس اليد، ونفس الرجل ـ حاشا لله ـ فهذا محال، فإن هذه أعضاء وأبعاض لشخص مخلوق لا يمكن أن تكون هي الخالق، ولأن الله تعالى أثبت في هذا الحديث في قوله: (وأن سألني أعطيته، ولئن استعاذ ني لأعيذنه) فأثبت سائلاً ومسؤولاً، وعائذاً ومعوذاً به، وهذا غير هذا. ولكن المعنى أنه يسدد الإنسان في سمعه وبصره وبطشه ومشيه.
وفي قول في هذا الحديث القدسي: (وإن سألني أعطيته) دليل على أن هذا الولي الذي تقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم
стр. 645
بالنوافل إذا سأل الله أعطاه، فكان مجاب الدعوة، وهذا الإطلاق يقيد بالأحاديث الأخرى الدالة على أنه يعطي السائل سؤاله ما لم يسال إثماً أو قطيعة رحم، فإن سال إثماً فإنه لا يجاب، لكن الغالب أن الولي لا يسأل الإثم، لأن الولي هو المؤمن التقي، والمؤمن التقي لا يسأل إثماً ولا قطيعة رحم.
(ولئن استعاذ ني لأعيذنه) يعني لئن اعتصم بي ولجأ إلى من شر كل ذي شر لأعيذنه، فيحصل له بإعطائه مسئوله وإعاذته مما يتعوذ منه المطلوب، ويزول عنه الموهوب.
وفي هذا الحديث عدة فوائد:
أولاً: إثبات الولاية له وولاية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة، وهي السلطة على جميع العباد، والتصرف فيهم بما أراد. كل إنسان؛ فإن الذي يتولى أموره وتدبيره وتصريفه هو الله ، ومن ذلك قوله ﵎ (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) (الأنعام: ٦١، ٦٢) ، فهذه ولاية عامة تشمل جميع الخلق، والولاية العامة تكون بغير سبب من الإنسان، ويتولى الله الإنسان، شاء أم أبى، وبغير سبب منه.
أما الولاية الخاصة: مثل قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) (البقرة: ٢٥٧) ، والولاية الخاصة تكون بسبب من الإنسان، فهو الذي يتعرض لولاية الله حتى يكون الله ولياً له: (الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 646
وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٣) .
ومن فوائد هذا الحديث:
فضيلة أولياء الله، وأن يعادي من عاداهم، بل يكون حرباً عليهم .
ومن فوائد هذا الحديث:
أن الأعمال الواجبة من صلاة، وصدقة، وصوم، وحج، وجهاد، وعلم، وغير ذلك؛ افضل من الأعمال المستحبة؛ لأن الله تعالى قال: (ما تقرب إلى عبدي بشيء احب إلى مما افترضت عليه) .
ومن فوائده:
إثبات المحبة لله ، وأن الله تعالى يحب الأعمال بعضها أكثر من بعض، كما أنه يحب الأشخاص بعضهم أكثر من بعض، فالله يحب العاملين بطاعته ويحب الطاعة، وتتفاوت محبته على حسب ما تقتضيه حكمته.
ومن فوائد هذا الحديث:
أن الإنسان إذا تقرب إلى الله بالنوافل مع القيام بالواجبات فإنه يكون بذلك معاناً في جميع أموره؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه..) الخ.
وفيه: دليل أيضاً على أن من أراد أن يحبه الله فأمر سهل عليه إذا سهله عليه، يقوم بالواجبات ويكثر من التطوع بالعبادات، فبذلك ينال محبة الله، وينال ولاية الله.
стр. 647
ومن فوائد هذا الحديث:
إثبات عطاء الله ، وإجابة دعوته لوليه، لقوله: (إن سألني أعطيته، ولئن استعاذ ني لأعيذنه)
وأتى به المؤلف في باب المجاهدة؛ لأن النفس تحتاج إلى جهاد في القيام بالواجبات، ثم بفعل المستحبات، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
* * *
٩٧ ـ الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما رواه عن ابن عباس ﵄: إن النبي ﷺ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) ، يعني أن هذين الجنسين من النعم مغبون فيهما كثير من الناس، أي مغلوب فيهما، وهما الصحة والفراغ، وذلك أن الإنسان إذا كان صحيحاً كان قادراً على ما أمره الله به أن يفعله، وكان قادراً على ما نهاه الله عنه أن يتركه لأنه صحيح البدن، منشرح الصدر، مطمئن القلب، كذلك الفراغ إذا كان عنده ما يؤويه وما يكفيه من مؤنة فهو متفرغ.
стр. 648
فإذا كان الإنسان فارغاً صحيحاً فإنه يغبن كثيراً في هذا، لأن كثيراً من أوقاتنا تضيع بلا فائدة ونحن في صحة وعافية وفراغ، ومع ذلك تضيع علينا كثيراً، ولكننا لا نعرف هذا الغبن في الدنيا، إنما يعرف الإنسان الغبن إذا حضره أجله، وإذا كان يوم القيامة، والدليل على ذلك قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ (المؤمنون: ١٠٠) ، وقال في سورة المنافقون: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِين َ) (المنافقون: ١٠) ، وقال الله : (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ١١) .
الواقع أن هذه الأوقات الكثيرة تذهب علينا سدىً، لا تنفع منها، ولا ننفع أحداً من عباد الله، ولا نندم على هذا إلا إذا حضر الأجل؛ يتمنى الإنسان أن يعطى فرصة ولو دقيقة واحدة لأجل أن يستعتب، ولكن لا يحصل ذلك.
ثم إن الإنسان قد لا تفوته هاتان النعمتان: الصحة والفراغ بالموت، بل قد تفوته قبل أن يموت، قد يمرض ويعجز عن القيام بما أوجب الله عليه، وقد يمرض ويكون ضيق الصدر لا يشرح صدره ويتعب، وقد ينشغل بطلب النفقة له ولعياله حتى تفوته كثير من الطاعات.
ولهذا ينبغي للإنسان العاقل أن ينتهز فرصة الصحة والفراغ بطاعة الله بقدر ما يستطيع، إن كان قارئاً للقرآن فليكثر من قراءة القرآن، وإن كان لا يعرف القراءة يكثر من ذكر الله ، وإذا كان لا يمكنه؛
стр. 649
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو يبذل لإخوانه كل ما يستطيع من معونة وإحسان، فكل هذه خيرات كثيرة تذهب علينا سدىً، فالإنسان العاقل هو الذي ينتهز الفرص؛ فرصة الصحة، وفرصة الفراغ.
وفي هذا دليل على أن نعم الله تتفاوت، وأن بعضها أكثر من بعض، وأكبر نعمة ينعم الله تعالى بها على العبد: نعمة الإسلام، ونعمة الإسلام التي أضل الله عنها كثيراً من الناس، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (المائدة: ٣) ، فإذا وجد الإنسان أن الله قد أنعم عليه بالإسلام وشرح الله صدره له؛ فإن هذه أكبر النعم.
ثم ثانياً: نعمة العقل، فإن الإنسان إذا رأى مبتلى في عقله لا يحسن التصرف، وربما يسيء إلى نفسه وإلى أهله؛ حمد الله على هذه النعمة؛ فإنها نعمة عظيمة.
ثالثاً: نعمة الأمن في الأوطان، فإنها من أكبر النعم، ونضرب لكم مثلاً بما سبق عن آبائنا وأجدادنا من المخاوف العظيمة في هذه البلاد، حتى إننا نسمع أنهم كانوا إذا خرج الواحد منهم إلى صلاة الفجر؛ لا يخرج إلا مصطحباً سلاحه؛ لأنه يخشى أن يعتدي عليه أحد، ثم نضرب مثلاً في حرب الخليج التي مضت في العام الماضي؛ كيف كان الناس خائفين! أصبح الناس يغلقون شبابيكهم بالشمع خوفاً من شيء متوهم أن يرسل عليهم، وصار الناس في قلق عظيم، فنعمة الأمن لا يشابهها نعمة غير نعمة الإسلام والعقل.
رابعاً: كذلك مما أنعم الله به علينا ـ ولا سيما في هذه البلاد ـ رغد
стр. 650
العيش؛ يأتينا من كل مكان، فنحن في خير عظيم ولله الحمد؛ البيوت مليئة من الأرزاق، ويقدم من الأرزاق للواحد ما يكفي اثنين أو ثلاثة أو أكثر، هذه أيضاً من النعم. فعلينا أن نشكر الله على هذه النعم العظيمة، وأن نقوم بطاعة الله حتى يمن علينا بزيادة النعم؛ لأن الله تعالى يقول: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: ٧) .
* * *
٩٨ ـ الرابع: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً!) متفق عليه هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.
[الشَّرْحُ]
ثم ذكر المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ ما نقله عن عائشة ﵂ في باب المجاهدة، وقد سبق لنا: أن من جملة المجاهدة مجاهدة الإنسان
стр. 651
نفسه وحمل إياها على عبادة الله، والصبر على ذلك. ذكر المؤلف ﵀ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: يا رسول الله لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً) ، فعائشة ﵂ من أعلم الناس بحال النبي ﷺ فيما يصنعه في السر؛ أي في بيته، وكذلك نساؤه ﵅ هن أعلم الناس بما يصنعه في بيته.
ولهذا كان كبار الصحابة يأتون إلى نساء النبي ﷺ يسألونهن عما كان يصنع في بيته، فكان ﷺ يقوم من الليل يعني في الصلاة تهجداً. وقد قال الله تعالى في سورة المزمل: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (المزمل: ٢٠) .
فكان يقوم ﵊ أحياناً أكثر الليل، وأحياناً نصف الليل، وأحياناً ثلث الليل؛ لأنه ﵊ يعطي نفسه حقها من الراحة مع القيام التام بعبادة ربه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فكان يقوم أدنى من ثلثي الليل ـ يعني فوق النصف، ودون الثلثين -ونصفه وثلثه؛ حسب نشاطه ﵊؛ وكان يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر من طول القيام؛ أي يتحجر الدم فيها وتنشق.
وقد قام معه شباب من الصحابة ﵃ ولكنهم تعبوا فابن مسعود ﵁ يقول: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فقام طويلاً حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟
стр. 652
قال: هممت أن أقعد وأدعه، أي يجلس؛ لعجزه عن أن يصبر كما صبر النبي ﷺ ، وحذيفة بن اليمان ﵁ قام معه ذات ليلة فقرأ النبي ﷺ البقرة والنساء وآل عمران، الجميع خمسة أجزاء وربع تقريباً، ويقول حذيفة: كلما أتت آية رحمة سأل، وكلما أتت آية تسبيح سبح، وكلما أتت آية وعيد تعوذ، وهو معروف ﵊ أنه يرتل القراءة.
خمسة أجزاء وربع، مع السؤال عند آيات الرحمة، والتعوذ عند آيات الوعيد، والتسبيح عن آيات التسبيح؛ فماذا يكون القيام؟ يكون طويلاً، وهكذا كان النبي ﵊ يقرأ في الليل.
وإذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود أيضاً، فكان يطيل القراءة والركوع والسجود.
فإذا كان يقوم ﵊ مثلاً في ليلة من ليالي الشتاء وهي اثنتا عشرة ساعة، يقوم أدنى من ثلثي الليل؛ فلنقل إنه ﷺ يقوم سبع ساعات تقريباً وهو يصلي ﵊ في الليل الطويل. تصور ماذا يكون حاله ﵊؟ ومع هذا فقد صبر نفسه، وجاهد نفسه، وقال: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً) .
стр. 653
وفي هذا دليل على أن الشكر هو القيام بطاعة الله، وأن الإنسان كلما أزداد في طاعة ربه فقد ازداد شكراً لله ؛ وليس الشكر بأن يقول الإنسان بلسانه: أشكر الله، أحمد الله؛ فهذا شكر باللسان، لكن الكلام هنا على الشكر الفعلي الذي يكون بالفعل بأن يقوم الإنسان بطاعة الله بقدر ما يستطيع.
وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ كل ما تقدم من ذنبه فقد غفر الله له، ,كل ما تأخر فقد غفر الله له، وقد خرج من الدنيا ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ سالماً من كل ذنب؛ لأنه مغفور له.
وقد يخص الله أقواماً فيغفر لهم ذنوبهم بأعمال صالحة قاموا بها مثل أهل بدر. فأهل بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، منهم حاطب بن أبي بلتعة ﵁، فإن النبي ﷺ قال لعمر في قصة مشهورة: (أما علمت أن الله أطلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم) . وهذا من خصائص أهل بدر؛ أن الله غفر لهم ما يفعلون من الذنوب.
وإلا فإن حاطباً ﵁ فعل ذنباً عظيماً، وذلك أن الرسول ﵊ لما أراد أن يغزو قريشاً حين نقضت العهد الذي بينه وبينهم في صلح الحديبية، أرسل حاطب ﵁ رسالة خطية إلى أهل مكة، يخبرهم أن الرسول ﷺ قادم عليهم، فأخبر النبي ﷺ بذلك عن طريق الوحي، فأرسل علي بن أبي طالب ورجلاً معه في إثر المرأة فأدركوها في روضة خاخ ـ روضة معروفة في طريق مكة ـ فلما أدركوها
стр. 654
أوقفوها وقالوا لها: أخرجي الكتاب الذي معك لأهل مكة، قالت: ما معي كتاب، قالوا: لابد أن تخرجي الكتاب الذي معك، فإما أن تخرجيه وإما أن نفتشك حتى ما تحت الثياب، فلما عرفت عزيمتهم أخرجت الكتاب من خفها، فإذا فيه خطاب من حاطب ﵁ إلى أهل مكة يخبرهم، فرجعوا به إلى الرسول ﵊ فاستأذن عمر ﵁ وكان من أقوى الناس في دين الله ـ النبي ﷺ أن يقتل حاطباً، قال: إن الرجل نافق، كتب بأسرارنا إلى أعدائنا قال: (أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وكان منهم ﵁ وإلا فهذه جريمة كبيرة.
ولهذا يجب على ولي الأمر إذا أدرك جاسوساً يكتب إلى أعدائنا بأخبارنا أن يقتله ولو كان مسلماً؛ لأنه عاث في الأرض فساداً، فقتل الجاسوس ولو كان مسلماً واجب على ولي الأمر لعظم فساده، ولكن هذا منع منه مانع؛ وهو أنه كان من أهل بدر، ولهذا لم يقل الرسول ﵊ أما علمت أنه مسلم؟ بل قال: (أما علمت أن اطلع الله على أهل بدر ... ) .
ففي هذا دليل على أن من خصائص الرسول ﵊ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا قد يقع ـ كما قلت ـ لبعض
стр. 655
الصحابة كأهل بدر. قال بعض العلماء: واعلم أن من خصائص الرسول ﵊ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبناءً عليه: فكل حديث يأتي بأن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه حديث ضعيف، لأن هذا من خصائص الرسول، أما (غفر له ما تقدم من ذنبه) ، فهذا كثير، لكن (ما تأخر) ، هذا ليس إلا للرسول ﷺ فقط، وهو من خصائصه، وهذه قاعدة عامة نافعة لطالب العلم؛ أنه إذا أتاك حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فاعلم أن قوله (ما تأخر) ضعيف لا يصح؛ لأن هذا من خصائص محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه.
وفي هذا دليل أيضاً على فضيلة قيام الليل، وطول القيام، وقد أثنى الله على من يقوم الليل ويطيلون، فقال (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) (السجدة: ١٦) ، يعني تبتعد عن الفرش، (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً) أي: إذا نظروا إلى ذنوبهم خافوا (وَطَمَعاً) أي: إذا نظروا إلى فضل الله طمعوا في فضله، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٦، ١٧) ، أسال الله أن يجعلني وإياكم منهم.
وتتجافي جنوبهم عن المضاجع، ليس بالسهر على التلفزيون، أو على لعب الورق أو على أعراض الناس، أو ما أشبه ذلك، ولكنهم يدعون الله، ويعبدونه خوفاً وطمعاً (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أين هذا
стр. 656
الذي أخفى لهم؟ جاء في الحديث القدسي ما يبين ذلك حيث قال الله : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، جعلني الله وإياكم من ساكني هذه الجنان، إنه جواد كريم.
٩٩ ـ الخامس: عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر) متفق عليه.
والمراد: العشر الأواخر من شهر رمضان. (والمئزر) : الإزار، كناية عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي تشمرت، وتفرغت له.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ في حال رسول الله ﷺ في العشر الأواخر من رمضان: إنه إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وجد في العبادة، وشمر ﵊.
وقد سبق في الحديث السابق: أنه ﷺ كان يقوم في الليل حتى تتفطر
стр. 657
قدماه، وأنه يقوم من الليل أكثر من النصف، أو النصف، أو الثلث، أما في ليالي العشر من رمضان؛ فإنه يقوم الليل كله، أي يحيي ليله كله ﵊ بالعبادة، لكن بالفطور بعد غروب الشمس، والعشاء، وصلاة العشاء، والأشياء التي يرى ﵊ أنها قربى إلى الله وليس معناه أن كل الليل في صلاة؛ بدليل أن صفية بنت حيي بن أخطب كانت تأتي إليه ﵊ فيحدثها بعد صلاة العشاء، ولكن كل ما كان يفعله ﵊ في تلك الليالي، فإنه قربى إلى الله ؛ إما صلاة، أو تهيؤ لصلاة، أو غير ذلك.
وفي هذا دليل على أن الرسول ﷺ كان يحيي العشر الأواخر من رمضان كلها، ولكنه لا يحيي ليلة سواها؛ أي أنه لم يقم ليلة حتى الصباح إلا في العشر الأواخر من رمضان، وذلك تحرياً لليلة القدر، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان، ولا سيما في السبع الأواخر منه، فهذه الليلة يقدر الله فيها ما يكون في تلك السنة، وهي كما قال الله تعالى: (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر: ٣) ، فكان يحييها، (ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .
ثم ذكر المؤلف ﵀ معنى قوله: (شد المئزر) فمنهم من قال: إنه كناية عن ترك النساء؛ لأنه يكون معتكفاً، والمعتكف لا يباح له
стр. 658
النساء، كما قال تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ِ) (البقرة: ١٨٧) ، ومنهم من قال: بل هو كناية عن الجد والتشمير في العمل، وكلا الأمرين صحيح، فإن الرسول ﵊ كان لا يأتي أهله في العشر الأواخر من رمضان لأنه معتكف، وكان أيضاً يشد المئزر، ويجتهد، ويشمر ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وهذا من أنواع المجاهدة. فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة حتى يستوعبها في طاعة الله.
* * *
١٠٠ ـ السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. أحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، ما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) . رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) .
المؤمن القوي: يعني في إيمانه، وليس المراد القوي في بدنه؛ لأن قوة
стр. 659
البدن قد تكون ضرراً على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في معصية الله، فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها، إن كان الإنسان استعمل هذه القوة فيما ينفعه في الدنيا والآخرة صارت محمودة وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة.
لكن القوة في قوله ﷺ : (المؤمن القوي) ، تعني قوة الإيمان، لأن كلمة القوى تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان، كما تقول: الرجل القوي، أي في رجولته، كذلك المؤمن القوي يعني في إيمانه؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفاً لا يحمله على فعل الواجبات، وترك المحرمات فيقصر كثيراً.
وقوله: (خير) يعني خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ثم قال ﵊: (وفي كل خير) يعني المؤمن القوي والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير، وإنما قال: (وفي كل خير) لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.
وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلاماً يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله ﵎: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: ١٠) ، لما كان قوله: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ
стр. 660
بَعْدُ وَقَاتَلُوا) يوهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا، قال: (وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء: ٧٩) ، لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص، قال تعالى: (وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) .
ومن ذلك قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (النساء: ٩٥) ، فهنا قال النبي ﷺ : (وفي كل خير) أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، لكن القوي خير وأحب إلى الله.
ثم قال ﵊: (احرص على ما ينفعك) هذه وصية من الرسول ﵊ لأمته، وهي وصية جامعة مانعة (احرص على ما ينفعك) يعني أجتهد في تحصيله ومباشرته، وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر، وما لا ينفع فيه ولا ضرر، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفع الإنسان، وقسم يضره، وقسم لا ينفع ولا يضر.
فالإنسان العاقل الذي يقبل وصية ﷺ هو الذي يحرص على ما ينفعه، وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم اليوم في غير فائدة، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم، وعلى هذا فيجدر بنا أن نقول لمثل هؤلاء: إنكم لم تعملوا بوصية النبي ﷺ ؛ إما جهلاً منكم وإما تهاوناً، لكن المؤمن
стр. 661
العاقل الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة، ويحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه.
وهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراساً له في عمله الديني والدنيوي، لأن النبي ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك) وهذه الكلمة كلمة جامعة عامة، (على ما ينفعك) أي على كل شيء ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين فإنها تفسد.
وفي قوله: (احرص على ما ينفعك) إشارة إلى أنه تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى، فإننا نقدم المنفعة العليا؛ لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة، فتدخل في قوله (احرص على ما ينفعك) .
فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم كلاهما سواء في الحاجة، وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعاً، فهنا تقدم صلة الأخ لأنها أفضل وأنفع، وكذلك أيضاً لو أنك بين مسجدين كلاهما في البعد سواء لكن أحدهما أكثر جماعة فإننا نقدم الأكثر جماعة لأنه الأفضل، فقوله (على ما ينفعك) يشير إلى أنه اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى.
وبالعكس إذا كان الإنسان لابد أن يرتكب منهياً عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف، فالمناهي يقدم الأخف منها، والأوامر يقدم الأعلى منها.
стр. 662
وقوله ﵊: (واستعن بالله) : ما أروع هذه الكلمة بعد قوله (احرص على ما ينفعك) لأن الإنسان إذا كان عاقلاً ذكياً فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع ويجتهد، ويحرص، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة بالله، وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله ويستعين به، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصاً على النافع وفعلاً له، أعجب بنفسه ونسى الاستعانة بالله، ولهذا قال: (أحرص على ما ينفعك واستعن بالله) أي لا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير، وفي الحديث: (ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع) يعني حتى الشيء اليسير لا تنس الاستعانة بالله ، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلى أو تذهب يميناً أو شمالاً أو تضع شيئاً فاستحضر أنك مستعين بالله ، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء.
ثم قال: (ولا تعجز) يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر، وتقول: إن المدى طويل والشغل كثير، فما دمت صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز.
وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى، منها مثلاً طالب العلم
стр. 663
الذي يشرع في كتاب يرى أن فيه منفعة ومصلحة له، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل، وينتقل إلى كتاب آخر، هذا نقول عنه: إنه استعان بالله وحرص على ما ينفعه ولكنه عجز، كيف عجز؟ بكونه لم يستمر، لأن معنى قوله: (لا تعجز) أي لا تترك العمل؛ بل ما دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه، ولذا تجد هذا الرجل يمضي عليه الوقت ولم يحصل شيئاً؛ لأنه أحياناً يقرأ في هذا، وأحياناً في هذا.
حتى في المسألة الجزئية؛ تجد بعض طلبة العلم مثلاً يريد أن يرجع مسألة من المسائل في كتاب، ثم يتصفح الكتاب، يبحث عن هذه المسألة، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها، ثم مسألة ثانية، فيقف عندها، ثم ثالثة، فيقف، ثم يضيع الأصل الذي فتح الكتاب من أجله، فيضيع عليه الوقت، وهذا ما يقع كثيراً في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تجد الإنسان يطالعها ليأخذ مسألة، ثم تمر مسألة أخرى تعجبه وهكذا، وهذا ليس بصحيح؛ بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله.
كذلك أيضاً في تراجم الصحابة، في الإصابة ـ مثلاً ـ لابن حجر ﵀ حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من الصحابة، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته، فتعرض له ترجمة صحابي آخر، فيقف عندها ويقرؤها، ثم يفتح الكتاب، يجد صحابياً آخر، ثم هكذا يضيع عليه الوقت ولا يحصل الترجمة التي من أجلها فتح الكتاب، وهذا فيه ضياع للوقت.
стр. 664
ولهذا كان من هدي الرسول ﵊ أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك الرسول ﷺ ، قال له: أريد أن تأتي لتصلي في بيتي؛ لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي، فخرج النبي ﵊ ومعه نفر من أصحابه، فلما وصلوا، إلي بيت عتبان واستأذنوا ودخلوا، وإذا عتبان قد صنع لهم طعاماً، ولكن الرسول ﵊ لم يبدأ بالطعام، بل قال: (أين المكان الذي تريد أن نصلي فيه؟) فأراه إياه، فصلى، ثم جلس للطعام، فهذه دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم، وبالذي تحرك من أجله؛ من أجل ألا يضيع عمله سدى.
فقول الرسول ﷺ (لا تعجز) أي لا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت، ما تم لك عمل.
ثم قال ﵊: (فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا) ويعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد، وتستعين بالله، وتستمر، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا لأن هذا أمر فوق إرادتك، أنت فعلت الذي تؤمر به، ولكن الله غالب على أمره (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
стр. 665
يَعْلَمُونَ) (يوسف: ٢١) ، ونضرب مثالاً لذلك: إذا سافر رجل يريد العمرة، ولكنه في أثناء الطريق تعطلت السيارة، ثم رجع فقال: لو أني أخذت السيارة والأخرى لكان أحسن، ولما حصل على التعطل، نقول: لا تقل هكذا؛ لأنك أنت بذلت الجهد، ولو كان الله أراد أن تبلغ العمرة ليسر لك الأمر، ولكن الله لم يرد ذلك.
فالإنسان إذا بذل ما يستطيع مما أمر ببذله، وأخلفت الأمور؛ فحينئذ يفوض الأمر إلى الله؛ لأنه فعل ما يقدر عليه، ولهذا قال: (إن أصابك شيء) يعني بعد بذل الجهد والاستعانة بالله (فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا كَذا) .
وجزى الله عنا نبينا خير الجزاء؛ فقد بين لنا الحكمة من ذلك، حيث قال: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا. فلا تقل هكذا، والأمر انتهى، ولا يمكن أن يتغير عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت.
ولهذا قال (ولكن قل: قدر الله) أي هذا قدر الله، أي تقدير الله وقضاؤه، وما شاء الله فعله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (هود: ١٠٧) ، لا أحد يمنعه أن يفعل في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل .
ولكن يجب أن نعلم أنه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا، والدليل على هذا قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا
стр. 666
أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (الإنسان: ٣٠) ، فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه، فصار في العاقبة خيراً له، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: ٢١٦) ، ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية، من ذلك: قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة، وفيها ركاب كثيرون، يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار، فغلبته عيناه حتى نام، وأعلن عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة؛ كيف فاتته الطائرة؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها. فسبحان الله! كيف نجا هذا الرجل؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيراً له.
فأنت إذا بذلت الجهد، واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد، لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار قل: قدر الله وما شاء فعل.
ووالله، لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيراً، لكن تجد الإنسان منا؛ أولاً: لا يحرص على ما ينفعه، بل تمضي أوقاته ليلاً ونهاراً بدون فائدة، تضع عليه سدي. ثانياً إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه، ثم فات الأمر، ولم يكن على ما توقع، تجده يندم، ويقول: ليتني
стр. 667
ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدّ ما عليك، ثم بعد هذا فوض الأمر لله .
فإذا قال قائل: كيف احتج بالقدر؟ كيف أقول: قدر الله وما شاء فعل؟
والجواب أن نقول: نعم؛ هذا احتجاج بالقدر، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به، ولهذا قال الله لنبيه ﷺ : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) (الأنعام: ١٠٦، ١٠٧) ، فبين له أن شركهم بمشيئته، والاحتجاج بالقدر على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز، لأن الله قال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) (الأنعام: ١٤٨) ، لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به، فإن النبي ﵊ دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد ﵊ فوجدهما نائمين، فقال لهما: (ما منعكما أن تقوما؟) يعني تقوما تتهجدان، فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله؛ لو شاء أن نقوم لقمنا، فخرج النبي ﵊ وهو يضرب على فخذيه، ويقول: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (الكهف: ٥٤) .
هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله؛ لأن النائم
стр. 668
ليس عليه حرج، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ، قال رسول الله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة) ولا يبعد أن الرسول ﵊ أراد أن يختبر على بن أبي طالب: ماذا يقول في الجواب؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن. فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة وذلك لأنه أمر ليس باختياره؛ هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله؟ ... لا إذن هو حجة.
فالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه، نقول مثلاً: يا فلان، صل مع الجماعة، فيقول: والله لو هداني الله لصليت، فهذا ليس بصحيح. يقال لآخر: اقلع عن حلق اللحية، يقول: لو هداني الله لأقلعت، واقلع عن الدخان، يقول لو هداني الله لأقلعت، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة.
لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله، وأناب إلى الله وندم وقال: إن هذا الشيء مقدر على، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه؛ نقول هذا صحيح، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع.
* * *
стр. 669
١٠١ ـ السابع: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: (حفت) بدل (حجبت) وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب: فإذا فعله دخلها.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حفت النار بالشهوات) ، وفي لفظ: (حجبت) ، (وحفت الجنة بالمكاره) وفي لفظ: (حجبت الجنة بالمكاره) يعني أحيطت بها، فالنار قد أحيطت بالشهوات، والجنة قد أحيطت بالمكاره. والشهوات: هي ما تميل إليه النفس، من غير تعقل، ولا تبصر، ولا مراعاة لدين، ولا مراعاة لمروءة.
فالزنى ـ والعياذ بالله ـ شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيراً، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب، فإنه سيكون سبباً لدخوله النار.
وكذلك شرب الخمر، تهواه النفس وتميل إليه، ولهذا جعل الشارع له عقوبة رادعة بالجلد، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب وشرب الخمر أداه ذلك إلى النار ـ والعياذ بالله.
стр. 670
وكذلك حب المال؛ شهوة من شهوات النفس، فإذا سرق الإنسان بدافع شهوة حب جمع المال، فلرغبة أن يستولي على المال الذي ترغبه نفسه، فإذا سرق فقد هتك هذا الحجاب؛ فيصل إلى النار ـ والعياذ بالله.
ومن ذلك الغش من أجل أن يزيد ثمن السلعة، هذا تهواه النفس، فيفعله الإنسان، فيهتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيدخل النار.
الاستطالة على الناس، والعلو عليهم، والترفع عليهم، كل إنسان يحب هذا، وتهواه النفس، فإذا فعله الإنسان فقد هتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيصل إلى النار ـ والعياذ بالله.
ولكن ما دواء هذه الشهوة التي تميل إليها النفس الأمارة بالسوء؟ دواؤها ما بعدها، قال: (وحفت الجنة بالمكاره) أو حجبت بالمكاره، يعني أحيطت بما تكرهه النفوس؛ لأن الباطل محبوب للنفس الأمارة بالسوء، والحق مكروه لها، فإذا تجاوز الإنسان هذا المكروه وأكره نفسه الأمارة بالسوء على فعل الواجبات وعلى ترك المحرمات، فحينئذ يصل إلى الجنة.
ولهذا تجد الإنسان يستثقل الصلوات مثلاً، ولا سيما في أيام الشتاء وأيام البرد، ولا سيما إذا كان في الإنسان نوم كثير، بعد تعب وجهد، فتجد الصلاة ثقيلة عليه، ويكره أن يقوم ويترك الفراش اللين الدافئ، ولكن إن هو كسر هذا الحاجب، وقام بهذا المكروه؛ وصل إلى الجنة.
وكذلك النفس الأمارة بالسوء، تدعو صاحبها إلى الزنى شهوة وتحبه النفس الأمارة بالسوء، لكن إذا عقلها صاحبها وأكرهها على
следующие страницы →