← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (الإنسان: ٣٠) ، فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه، فصار في العاقبة خيراً له، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: ٢١٦) ، ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية، من ذلك: قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة، وفيها ركاب كثيرون، يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار، فغلبته عيناه حتى نام، وأعلن عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة؛ كيف فاتته الطائرة؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها. فسبحان الله! كيف نجا هذا الرجل؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيراً له. فأنت إذا بذلت الجهد، واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد، لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار قل: قدر الله وما شاء فعل. ووالله، لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيراً، لكن تجد الإنسان منا؛ أولاً: لا يحرص على ما ينفعه، بل تمضي أوقاته ليلاً ونهاراً بدون فائدة، تضع عليه سدي. ثانياً إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه، ثم فات الأمر، ولم يكن على ما توقع، تجده يندم، ويقول: ليتني

стр. 667

ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدّ ما عليك، ثم بعد هذا فوض الأمر لله . فإذا قال قائل: كيف احتج بالقدر؟ كيف أقول: قدر الله وما شاء فعل؟ والجواب أن نقول: نعم؛ هذا احتجاج بالقدر، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به، ولهذا قال الله لنبيه ﷺ : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) (الأنعام: ١٠٦، ١٠٧) ، فبين له أن شركهم بمشيئته، والاحتجاج بالقدر على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز، لأن الله قال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) (الأنعام: ١٤٨) ، لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به، فإن النبي ﵊ دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد ﵊ فوجدهما نائمين، فقال لهما: (ما منعكما أن تقوما؟) يعني تقوما تتهجدان، فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله؛ لو شاء أن نقوم لقمنا، فخرج النبي ﵊ وهو يضرب على فخذيه، ويقول: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (الكهف: ٥٤) . هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله؛ لأن النائم

стр. 668

ليس عليه حرج، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ، قال رسول الله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة) ولا يبعد أن الرسول ﵊ أراد أن يختبر على بن أبي طالب: ماذا يقول في الجواب؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن. فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة وذلك لأنه أمر ليس باختياره؛ هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله؟ ... لا إذن هو حجة. فالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه، نقول مثلاً: يا فلان، صل مع الجماعة، فيقول: والله لو هداني الله لصليت، فهذا ليس بصحيح. يقال لآخر: اقلع عن حلق اللحية، يقول: لو هداني الله لأقلعت، واقلع عن الدخان، يقول لو هداني الله لأقلعت، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة. لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله، وأناب إلى الله وندم وقال: إن هذا الشيء مقدر على، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه؛ نقول هذا صحيح، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع. * * *

стр. 669

١٠١ ـ السابع: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره) متفق عليه. وفي رواية لمسلم: (حفت) بدل (حجبت) وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب: فإذا فعله دخلها. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حفت النار بالشهوات) ، وفي لفظ: (حجبت) ، (وحفت الجنة بالمكاره) وفي لفظ: (حجبت الجنة بالمكاره) يعني أحيطت بها، فالنار قد أحيطت بالشهوات، والجنة قد أحيطت بالمكاره. والشهوات: هي ما تميل إليه النفس، من غير تعقل، ولا تبصر، ولا مراعاة لدين، ولا مراعاة لمروءة. فالزنى ـ والعياذ بالله ـ شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيراً، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب، فإنه سيكون سبباً لدخوله النار. وكذلك شرب الخمر، تهواه النفس وتميل إليه، ولهذا جعل الشارع له عقوبة رادعة بالجلد، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب وشرب الخمر أداه ذلك إلى النار ـ والعياذ بالله.

стр. 670

وكذلك حب المال؛ شهوة من شهوات النفس، فإذا سرق الإنسان بدافع شهوة حب جمع المال، فلرغبة أن يستولي على المال الذي ترغبه نفسه، فإذا سرق فقد هتك هذا الحجاب؛ فيصل إلى النار ـ والعياذ بالله. ومن ذلك الغش من أجل أن يزيد ثمن السلعة، هذا تهواه النفس، فيفعله الإنسان، فيهتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيدخل النار. الاستطالة على الناس، والعلو عليهم، والترفع عليهم، كل إنسان يحب هذا، وتهواه النفس، فإذا فعله الإنسان فقد هتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيصل إلى النار ـ والعياذ بالله. ولكن ما دواء هذه الشهوة التي تميل إليها النفس الأمارة بالسوء؟ دواؤها ما بعدها، قال: (وحفت الجنة بالمكاره) أو حجبت بالمكاره، يعني أحيطت بما تكرهه النفوس؛ لأن الباطل محبوب للنفس الأمارة بالسوء، والحق مكروه لها، فإذا تجاوز الإنسان هذا المكروه وأكره نفسه الأمارة بالسوء على فعل الواجبات وعلى ترك المحرمات، فحينئذ يصل إلى الجنة. ولهذا تجد الإنسان يستثقل الصلوات مثلاً، ولا سيما في أيام الشتاء وأيام البرد، ولا سيما إذا كان في الإنسان نوم كثير، بعد تعب وجهد، فتجد الصلاة ثقيلة عليه، ويكره أن يقوم ويترك الفراش اللين الدافئ، ولكن إن هو كسر هذا الحاجب، وقام بهذا المكروه؛ وصل إلى الجنة. وكذلك النفس الأمارة بالسوء، تدعو صاحبها إلى الزنى شهوة وتحبه النفس الأمارة بالسوء، لكن إذا عقلها صاحبها وأكرهها على

стр. 671

تجنب هذه الشهوة، فهذا كره له؛ ولكن هو الذي يوصله إلى الجنة؛ لأن الجنة حفت بالمكاره. وأيضاً، الجهاد في سبيل الله، مكروه إلى النفس (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢١٦) ، مكروه للنفس فإذا كسر الإنسان هذا الحجاب، كان ذلك سبباً لدخول الجنة، واستمع إلى قوله الله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٩، ١٧١) ، فإذا كسر الإنسان هذا المكروه وصل إلى الجنة. كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شديد على النفوس، شاق عليها، وكل إنسان يتهاون فيه ويكرهه، يقول: ما على بالناس؟ أتعب نفسي معهم، وأتعبهم معي؟! ولكنه إذا كسر هذا المكروه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فإن هذا سبب لدخول الجنة.. وهلم جراً، كل الأشياء التي أمر الله بها مكروهة للنفوس، لكن أكره نفسك عليها حتى تدخل الجنة. فاجتناب المحرمات مكروه إلى النفوس، وشديد عليها، لا سيما مع قوة الداعي، فإذا أكرهت نفسك على ترك هذه المحرمات، فهذا من أسباب دخول الجنة، فلو أن رجلاً شاباً أعزب، في بلاد كفر وحرية فيها

стр. 672

يفعل الإنسان ما شاء، وأمامه من النساء الجميلات فتيات شابات , وهو شاب أعزب، فلا شك أنه سيعاني مشقة عظيمة في ترك الزنى؛ لأنه متيسر له، وأسبابه كثيرة، لكن إذا أكره نفسه على تركها، صار هذا سبباً لدخول الجنة. واستمع إلى قول النبي ﵊ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ، أي يوم القيامة حيث تدنو الشمس الحارة العظيمة، التي نحس بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مئات السنين، هذه الشمس تدنو يوم القيامة، حتى تكون على رؤوس الخلائق بمقدار ميل قال بعض العلماء: الميل: المكحلة، وميل المكحلة صغير أصغر من الإصبع، وقال بعضهم: ميل المسافة، وأيا كان الميل فالشمس قريبة من الرؤوس، لكن هناك أناس يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله ـ أسال الله أن يجعلني وإياكم ممن يظله الله. يظلهم الله: يعني يخلق لهم ما يظلهم يوم لا ظل إلا ظله، وليس في ذلك اليوم بناء، ولا شجر، ولا جبال تظلل، وليس هناك إلا ظل رب العالمين، أسال الله رب العالمين أن يظلني وإياكم به، هذا الظل يظل الله فيه من يشاء من عباده، ومنهم هؤلاء السبعة الذين ذكرهم الرسول ﵊ في قوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام

стр. 673

عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال) ، وهذا هو الشاهد، فالمرأة ذات منصب؛ يعني شريفة، ليست دنيئة، ذات جمال، والجمال يدعو النفس إلى التطلع إلى المرأة، والاتصال بها (فقال إني أخاف الله) ؛ ولم يقل ما في شهوة، أو حولنا أناس وأخاف منهم أن يكشفونا، بل قال: إني أخاف الله. فالرجل شاب وفيه شهوة، وأسباب الزنى قائمة، والموانع معدومة، ولكن هناك مانع واحد وهو خوف الله فقال: أني أخاف الله، فكان هذا من الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله. والمهم أن النار حجبت بالشهوات، والجنة حجبت بالمكاره، فجاهد نفسك على ما يحب الله وإن كرهت، واعلم علم إنسان مجرب أنك إذا أكرهت نفسك على طاعة الله؛ أحببت الطاعة وألفتها، وصرت ـ بعد ما كنت تكرهها ـ تأبى نفسك أن تتخلف عن الطاعة إذا أردت أن تتخلف عنها. ونحن نجد بعض الناس يكره أن يصلي مع الجماعة، ويثقل عليه ذلك عندما يبدأ في فعله، لكن إذا به بعد فترة تكون الصلاة مع الجماعة قرة عينه، ولو تأمره ألا يصلي لا يطيعك، فأنت عود نفسك وأكرهها أول الأمر، وستلين لك فيما بعد وتنقاد. أسأل الله أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. * * *

стр. 674

١٠٢ ـ الثامن: عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان، ﵄ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء: فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ربي العظيم) فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك

стр. 675

الحمد) ثم قام قياماً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى) فكان سجوده قريباً من قيامه) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة ـ يعني في ليلة من الليالي، وكان النبي ﷺ أحياناً يصلي معه بعض أصحابه، فمره صلى معه حذيفة، ومرة صلى معه ابن مسعود ﵁، ومرة صلى معه ابن عباس ﵄، وكان النبي ﵊ يصلي في الليل وحده، لأن صلاة الليل لا تشرع فيها الجماعة إلا في رمضان، لكن لا بأس أن تقام الجماعة فيها أحياناً كما في هذا الحديث، يقول فافتتح سورة البقرة، فقلت يركع عند المائة، فقرأ السورة كاملة، فظن حذيفة أنه يركع بها؛ أي

стр. 676

أنه إذا أكمل سورة البقرة ركع، ولكنه مضى ﷺ فقرأ سورة النساء كاملة، فقال حذيفة يركع بها، ولكنه مضى فقرأ سورة آل عمران كاملة في ركعة واحدة، يقرأ مترسلاً غير مستعجل، إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بآية تعوّذ تعوذ. فجمع ﵊ بين القراءة، وبين الذكر، وبين الدعاء، وبين التفكر؛ لأن الذي يسأل عند السؤال، ويتعوّذ عن التعوذ، ويسبح عن التسبيح، لا شك أنه يتأمل قراءته ويتفكر فيها، فيكون هذا القيام روضة من رياض الذكر؛ قراءة وتسبيحاً ودعاءً وتفكراً، والنبي ﵊ في هذا كله لم يركع. فهذه السور الثلاث: البقرة والنساء وآل عمران أكثر من خمسة أجزاء وربع، إذا كان الإنسان يقرؤها بترسل ويستعين عند فتح الوعيد ويسأل عن آية الرحمة، ويسبح عند آية التسبيح، كم تكون المدة؟ لا شك أنها تكون طويلة، ولهذا كان ﵊ يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر. حتى إن ابن مسعود ـ وهو شاب ـ لما صلى معه ليلة من الليالي، يقول: أطال النبي ﷺ القيام حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بم هممت قال: هممت أن أجلس وأدعه، عجز أن يصبر من طول القيام. ثم أن النبي ﵊ ركع بعد أن أتم السور الثلاث فقال: سبحان ربي العظيم، وأطال الركوع نحواً من قيامه، ثم رفع من ركوعه، وأطال القيام بعد الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، حتى كان قيامه نحو من ركوعه، ثم سجد ﷺ فقال: سبحان ربي الأعلى، وأطال السجود، حتى كان سجوده نحواً من قيامه. وهكذا كان ﵊ يصلي فيجعل الصلاة متناسبة؛ إذا أطال القيام؛ أطال الركوع، والسجود، والقيام الذي بعد الركوع والجلوس الذي بين السجدتين، وإذا خفف القراءة؛ خفف الركوع والسجود والقيام؛ من أجل أن تكون الصلاة متناسبة، وهذا فعله صلوات الله وسلامه عليه ـ في الفرض وفي النفل أيضاً، فكان ﷺ يجعل صلاته متناسبة. وفي هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: وهي التي ساق المؤلف الحديث من أجلها، أن النبي ﷺ كان يعمل عمل المجاهد الذي يجاهد نفسه على الطاعة؛ لأنه يعمل هذا العمل الشاق؛ كل هذه ابتغاء وجه الله ورضوانه، كما قال الله تعالى في وصف النبي ﷺ وصحبه (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) (الفتح: من الآية٢٩) . ومنها: جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل، لكن هذا ليس دائماً، إنما يفعل أحياناً في غير رمضان، أما في رمضان فإن من السنة أن يقوم الناس في جماعة. ومنها: أنه ينبغي للإنسان في صلاة الليل إذا مر بآية رحمة أن يقف ويسأل، مثل لو مر بذكر الجنة يقف ويقول: اللهم اجعلني من أهلها،

стр. 677

اللهم إني أسألك الجنة، وإذا مر وعيد يقف، يقول: أعوذ بالله من ذلك، أعوذ بالله من النار ن وإذا مر بآية تسبيح، يعني تعظيم لله ؛ يقف ويسبح الله ويعظمه؛ هذا في صلاة الليل، أما صلاة الفريضة فلا بأس أن يفعل هذا، ولكنه ليس بسنة، إن فعله فإنه لا ينهي عنه، وإن تركه فإنه لا يؤمر به، بخلاف صلاة الليل، فإن الأفضل أن يفعل ذلك، أي يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل، عند آية الرحمة، ويسبح عند آية التسبيح. ومن فوائد الحديث: جواز تقديم السور بعضها على بعض، فإن النبي ﷺ قدم سورة النساء على سورة آل عمران، والترتيب أن سورة آل عمران مقدمة على سورة النساء، ولكن هذا ـ والله أعلم ـ كان قبل السنة الأخيرة، فإن السنة الأخيرة كان النبي ﷺ يقدم سورة آل عمران على سورة النساء؛ ولهذا رتبها الصحابة ﵃ على هذا الترتيب، أي أن آل عمران قبل سورة النساء، وكان النبي ﵊ يقرن بين البقرة وآل عمران؛ في مثل قوله ﵊: (اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة) فالمهم أن الترتيب في الأخير كان تقديم سورة آل عمران على سورة النساء.

стр. 678

ومن فوائد هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ كان يسبح ويكرر التسبيح؛ لأن حذيفة قال: كان يقول: سبحان ربي العظيم، وكان يطيل، ويقول سبحان ربي الأعلى، وذكر أنه يطيل، ولم يذكر شيئاً أخر، فدل هذا على أنك مهما كررت من التسبيح في الركوع والسجود فإنه سنة، ولكن مع هذا كان النبي ﵊ يقول في ركوعه وفي سجوده، ويكثر من هذا القول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) ، وكان يقول أيضاً: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) فكل ما ورد عن النبي ﷺ من ذكر ودعاء؛ فإنه يسن للإنسان أن يقوله في صلاته. نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم اتباع رسول ﷺ ظاهراً وباطناً، وأن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم. * * * ١٠٣ ـ التاسع: عن ابن مسعود ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء! قيل وما هممت به؟ قال هممت أن أجلس وأدعه. متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁ وكان ﵁ أحد الذين يخدمون رسول الله ﷺ ، صاحب

стр. 679

وسادته وسواكه ﵁ فصلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقام النبي ﷺ ، فأطال القيام، وقد سبق من حديث عائشة: أنه كان ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه. أو حتى تتورم. تتفطر أحياناً، وتتورم أحياناً من طول القيام. وصح من حديث حذيفة: أنه قرأ في ركعة واحدة بثلاث سور من طوال السور؛ البقرة والنساء وآل عمران. وكذلك ابن مسعود ﵁: صلى معه ذات ليلة، فأطال النبي ﷺ القيام، فهم بأمر سوءٍ؛ يعني بأمر ليس يسر المرء فعله، قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه، يعني أجلس وأدعه قائماً؛ لأن ابن مسعود تعب وأعيا، مع أنه شاب، والنبي ﵊ لم يتعب لأنه ﵊ كان أشد الناس عبادة لله وأتقاهم لله، ففي هذا دليل على أنه من السنة أن يقوم الإنسان في الليل، ويطيل القيام، وأنه إذا فعل ذلك فهو مقتدٍ برسول الله ﷺ . ولكن، أعلم أنك إذا أطلت القيام؛ فإن السنة أن تطيل الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والقيام بعد الركوع، فإن من سنة الرسول ﵊ أنه كان يجعل صلاته متناسبة؛ إذا أطال القيام أطال بقية الأركان، وإذا خفف القيام خفف بقية الأركان، هذا هو

стр. 680

السنة. * * * ١٠٤ ـ العاشر: عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله) متفق عليه. [الشَّرْحُ] إذا مات الإنسان تبعه المشيعون له؛ فيتبعه أهله يشيعونه إلى المقبرة، وما اعجب الحياة الدنيا، وما أخسها، وما أدناها، يتولى دفنك من أنت أحب الناس إليه، يدفنوك، ويبعدونك عنهم، ولو أنهم أعطوا أجرة على أن تبقى جسداً بينهم ما رضوا بذلك، فأقرب الناس إليك، ومن أنت أحب الناس إليهم؛ هم الذين يتولون دفنك؛ يتبعونك، ويشيعونك. ويتبعه ماله: أي عبيده وخدمه المماليك له، وهذا يمثل الرجل الغني الذي له عبيد وخدم مماليك، يتبعونه، ويتبعه عمله معه، فيرجع اثنان، ويدعونه وحده، ولكن يبقى معه عمله، نسأل الله أن يجعل عملنا وإياكم صالحاً؛ فيبقى عمله عنده أنيسه في قبره ينفرد به إلى يوم القيامة. وفي هذا الحديث دليل على أن الدنيا تزول، كل زينة الحياة الدنيا ترجع ولا تبقى معك في قبرك، المال والبنون زينة الحياة الدنيا ترجع،

стр. 681

من الذي يبقى؟ .. العمل فقط، فعليك يا أخي أن تحرص على مراعاة هذا الصاحب الذي يبقى ولا ينصرف مع من ينصرف، وعليك أن تجتهد حتى يكون عملك عملاً صالحاً يؤنسك في قبرك إذا انفردت به عن الأحباب والأهل والأولاد. ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة؛ لأن كثرة العمل يوجب مجاهدة النفس، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الأعمال الصالحة التي تبقى بعد موته نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة والعافية، وأن يتولانا وإياكم بعنايته ورعايته. إنه جواد كريم. * * * ١٠٥ ـ الحادي عشر: عن ابن مسعود ﵁: قال: قال النبي ﷺ (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعليه، والنار ذلك) . رواه البخاري. [الشَّرْحُ] هذا الحديث يتضمن ترغيباً وترهيباً يتضمن ترغيباً في الجملة الأولى، وهي قوله ﷺ : (الجنة أقرب إلى أحدكم من سراك نعله) ، وشراك النعل هو السير الذي يكون على ظهر القدم، وهو قريب من الإنسان جداً، ويضرب به المثل في القرب، وذلك لأنه قد يتكلم الإنسان بالكلمة

стр. 682

الواحدة من رضوان الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت، فإذا هي توصله إلى جنة النعيم. ومع ذلك فإن الحديث أعم من هذا؛ فإن كثرة الطاعات، واجتناب المحرمات، من أسباب دخول الجنة، وهو يسير على من يسره الله عليه، فأنت تجد المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام يصلي براحة، وطمأنينة، وانشراح صدر، ومحبة للصلاة، ويزكي كذلك، ويصوم كذلك، ويحج كذلك، ويفعل الخير كذلك، فهو يسير عليه، سهل قريب منه، وتجده يتجنب ما حرمه الله عليه من الأقوال والأفعال، وهو يسير عليه. وأما ـ والعياذ بالله ـ من قد ضاق بالإسلام ذرعاً، وصار الإسلام ثقيلاً عليه فإنه يستثقل الطاعات، ويستثقل اجتناب المحرمات، ولا تصير الجنة أقرب إليه من شرك نعله. وكذلك النار، وهي الجملة الثانية في الحديث، وهي التي فيها التحذير، يقول النبي ﵊ (والنار مثل ذلك) أي أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، فإن الإنسان ربما يتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالاً، وهي من سخط الله، فيهوي بها في النار كذا وكذا من السنين وهو لا يدري. وما أكثر الكلمات التي يتكلم بها الإنسان غير مبال بها، وغير مهتم بمدلولها، فترديه في نار جهنم، نسأل الله العافية. ألم تروا إلى قصة المنافقين الذين كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، حيث كانوا يتحدثون فيما بينهم، يقولون: ما رأينا مثل قرائناً هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب السناً، ولا أجبن عند اللقاء؛ يعنون بذلك النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 683

وأصحابه، يعني أنهم واسعو البطون من كثرة الأكل، وليس لهم هم إلا الأكل. ولا أكذب ألسناً؛ يعني أنهم يتكلمون بالكذب. ولا أجبن عند اللقاء؛ أي أنهم يخافون لقاء العدو، ولا يثبتون بل يفرون ويهربون. هكذا يقول المنافقون في الرسول ﷺ وأصحابه. وإذا تأملت وجدت أن هذا ينطبق على المنافقين تماماً، لا على المؤمنين، فالمنافقون من أشد الناس حرصاً على الحياة، والمنافقون من أكذب الناس ألسناً، والمنافقون من أجبن الناس عند اللقاء. فهذا الوصف حقيقته في هؤلاء المنافقين. ومع ذلك يقول الله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ، يعني ما كنا نقصد الكلام، إنما هو خوض في الكلام ولعب؛ فقال الله : (قُلْ) ، يعني: قل يا محمد (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين َ) (التوبة: ٦٥، ٦٦) ، فبين الله أن هؤلاء كفروا بعد إيمانهم باستهزائهم بالله وآياته ورسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يقيد منطقة، وأن يحفظ لسانه حتى لا يزل فيهلك، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق، والسلامة من الآثم. * * *

стр. 684

١٠٦ ـ الثاني عشر: عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ ، ومن أهل الصفة ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: (سلني) ، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أو غير ذلك؟) قلت: هو ذاك، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقل عن ربيعه بن كعب الأسلميّ ﵁ وكان خادماً لرسول الله ﷺ ، ومن أهل الصفة. والذين يخدمون النبي ﷺ من الأحرار عدد، منهم ربيعه بن كعب، ومنهم ابن مسعود، ولهم الشرف بخدمة رسول الله ﷺ ، وكان من أهل الصفة؛ وأهل الصفة رجال مهاجرون، هاجروا إلى المدينة، وليس لهم مأوى، فوطنهم النبي ﵊ في صفة في المسجد النبوي، وكانوا أحياناً يبلغون الثمانين، وأحياناً دون ذلك، وكان الصحابة ﵃ يأتونهم بالطعام واللبن وغيره، مما يتصدقون به عليهم. فكان ربيعة بن كعب ﵁ يخدم النبي ﷺ ، وكان يأتيه بوضوئه وحاجته. الوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به، والضوء بالضم: فعل الوضوء، وأما الحاجة فلم يبينها، ولكن المراد: كل ما يحتاجه النبي ﵊ يأتي به إليه.

стр. 685

فقال له ذات يوم: (سلني) ، يعني: اسأل، من أجل أن يكافئه النبي ﵊ على خدمته إياه؛ لأن النبي ﷺ أكرم الخلق، وكان يقول: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) ، فأراد أن يكافئه، فقال له: (سلني) يعني اسأل ما بدا لك، وقد يتوقع الإنسان أن هذا الرجل سيسأل مالاً، ولكن همته كانت عالية؛ قال: أسألك مرافقتك في الجنة، يعني كأنه يقول: كما كنت مرفقاً لك في الدنيا، أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (أو غير ذلك؟) يعني أو تسأل غير ذلك مما يمكن أن أقوم به؟ قال: هو ذاك، يعني: لا أسال إلا ذاك، قال النبي ﷺ : (فأعني على نفسك بكثرة السجود) . وهذا هو الشاهد؛ أن الرسول ﷺ قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود) ، وكثرة السجود تستلزم كثرة الركوع، وكثرة الركوع تستلزم كثرة القيام؛ لأن كل صلاة في كل ركعة منها وسجودان، فإذا كثر السجود كثر الركوع وكثر القيام، وذكر السجود دون غيره، لأن السجود أفضل هيئة للمصلي، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وإن كان المصلى قريباً من الله؛ قائماً كان، أو راكعاً، أو ساجداً، أو قاعداً، لكن أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد. وفي هذا دليل على فضل السجود، واختلف أهل العلم هل الأفضل

стр. 686

إطالة القيام أم إطالة الركوع والسجود؟ فمنهم من قال: الأفضل إطالة القيام، ومنهم من قال: الأفضل إطالة الركوع والسجود، والصحيح أن الأفضل أن تكون الصلاة متناسبة، وإلا فإن القيام بلا شك أطول من الركوع والسجود في حد ذاته، لكن ينبغي إذا أطال القيام أن يطيل الركوع والسجود، وإذا قصر القيام أن يقصر الركوع والسجود. وفي هذا دليل على أن الصلاة مهما أكثرت منها فهو خير إلا أنه يستثنى من ذلك أوقات النهي، وأوقات النهي هي: من صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس مقدر رمح، وعند قيامها في منتصف النهار حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى الغروب، فإن هذه الأوقات الثلاثة لا يجوز للإنسان أن يصلي فيها صلاة تطوع، إلا إذا كان لها سبب، كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وما أشبه ذلك. وفي الحديث دليل على جواز استخدام الرجل الحر، وأن ذلك لا يعد من المسألة المذمومة، فلو أنك قلت لشخص من الناس ممن يقومون بخدمتك: أعطني كذا، وأعطني كذا، فلا بأس، وكذلك لو قلت لصاحب المنزل: أعطيني ماء، صب لي فنجن قهوة، أو ما أشبه ذلك، فلا بأس، لأن هذا لا يعد من السؤال المذموم، بل هذا من تمام الضيافة، وقد جرب العادة بمثله. وفيه دليل أيضاً على أن الرسول ﷺ لا يملك أن يدخل أحداً الجنة، ولهذا لم يضمن لهذا الرجل أن يعطيه مطلوبه، ولكنه قال له: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) فإذا قام بكثرة السجود التي أوصاه بها رسول الله

стр. 687

صلى الله عليه وسلم، فإنه حري بأن يكون مرافقاً للرسول ﷺ في الجنة. والله الموفق. * * * ١٠٧ ـ الثالث عشر: عن أبي عبد الله ـ ويقال: أبو عبد الرحمن ـ ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة) . رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عليك بكثرة السجود) ، وعليك: يعني الزم كثرة السجود، (فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة) ، وهذا كالحديث السابق، حديث ربيعه بن كعب الأسلمي، أنه قال للنبي ﷺ : أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) ففيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من السجود، وقد سبق لنا أم كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع، وكثرة القيام والقعود؛ لأن كل ركعة فيها سجودان، وفيها ركوع واحد، ولا يمكن أن تسجد في الركعة الواحدة ثلاث سجدات أو أربعاً، إذن كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع والقيام والقعود. ثم بين النبي ﷺ : ماذا يحصل للإنسان من الأجر فيما إذا سجد؛ وهو

стр. 688

أنه يحصل له فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: أن الله يرفعه بها درجة، يعني منزلة عنده وفي قلوب الناس، وكذلك في عملك الصالح؛ يرفعك الله به درجة. والفائدة الثانية: يحط عنك بها خطيئة، والإنسان يحصل له الكمال بزوال ما يكره، وحصول ما يحب، فرفع الدرجات مما يحبه الإنسان، والخطايا مما يكره الإنسان، فإذا رفع له درجة وحط عنه بها خطيئة؛ فقد حصل على مطلوبه، ونجا من مرهوبه. * * * ١٠٨ ـ الرابع عشر: عن أبي صفوان عبد الله بن بشر الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. (بسر) بضم الباء، وبالسين المهملة. [الشَّرْحُ] أما حديث عبد الله بن بسر، قول النبي ﷺ : (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) لأن الإنسان كلما طال عمره في طاعة الله زاد قرباً إلى الله وزاد رفعة في الآخرة؛ لأن كل عمل يعمله فيما زاد فيه عمره فهو يقربه إلى ربه فخير الناس من وفق لهذين الأمرين.

стр. 689

أما طول العمر فإنه من الله، وليس للإنسان فيه تصرف؛ لأن الأعمار بيد الله ، وأما حسن العمل؛ فإن بإمكان الإنسان أن يحسن عمله؛ لأن الله تعالى جعل له عقلاً، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وبين المحجة، وأقام الحجة، فكل إنسان يستطيع أن يعمل عملاً صالحاً، على أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً؛ فإن النبي ﷺ أخبر أن بعض الأعمال الصالحة سبب لطول العمر، وذلك مثل صلة الرحم؛ قال النبي ﵊: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) ، وصلة الرحم من أسباب طول العمر، فإذا كان خير الناس من طال عمره وحسن عمله؛ فإنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائماً أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله، من أجل أن يكون من خير الناس. وفي هذا دليل على أن مجرد طول العمر ليس خيراً للإنسان إلا إذا أحسن عمله؛ لأنه أحياناً يكون طول العمر شراً للإنسان وضرراً عليه، كما قال الله ﵎: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (آل عمران: ١٧٨) ، فهؤلاء الكفار يملى الله لهم ـ أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات، لا لخير لهم ولكنه شر لهم ـ والعياذ بالله لأنهم سوف يزدادون بذلك إثماً.

стр. 690

ومن ثم كره بعض العلماء أن يدعى للإنسان بطول البقاء، قال: لا تقل: أطال الله بقاءك إلا مقيداً؛ قل أطال الله بقاءك على طاعته؛ لأن طول البقاء قد يكون شراً للإنسان. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن طال عمره وحسن عمله، وحسنت خاتمته وعافيته، إنه جواد كريم. * * * ١٠٩ ـ الخامس عشر: عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر ﵁ عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد أنكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، أني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركين، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى، أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) إلى آخرها. متفق عليه. قوله: (ليرين الله) رؤى بضم الياء وكسر الراء؛ أي: ليظهرن الله ذلك

стр. 691

للناس، وروي بفتحهما، معناه ظاهر، والله أعلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أنس بين مالك ﵁ عن عمه أنس بن النضر ﵁ أن أنسأ لم يكن مع الرسول ﷺ يعني أنس بن النضر ـ في بدر، وذلك لأن غزوة بدر خرج إليها النبي ﷺ وهو لا يريد القتال، وإنما يريد عير قريش وليس معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، معهم سبعون بعيراً وفرسان يتعاقبون عليها، وقد تخلف عنها كثير من الصحابة لأنها ليست غزوة، ولم يدع إليها أحد؛ وإنما خرج إليها الخفاف من الناس. قال أنس بن النضر للنبي ﵊ يبين له أنه لم يكن معه في أول قتال قاتل فيه المشركين، وقال: لئن أدركت قتالاً ليرين الله ما أصنع. فلما كانت أحد، وهي بعد غزوة بدر بسنة وشهر، خرج الناس وقاتلوا مع النبي ﷺ ، وصارت الدائرة في أول النهار للمسلمين، ولكن، لما تخلف الرماة عن الموقع الذي جعلهم النبي ﷺ فيه، ونزلوا من الجبل؛ كر فرسان المشركين على المسلمين من خلفهم، واختلطوا بهم، وانكشف المسلمون، وصارت الهزيمة. لما انكشف المسلمون تقدم أنس بن النضر ﵁ وقال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء) يعني أصحابه، (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء) ، يعني أصحابه، (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء) يعني المشركين. ثم تقدم ﵁ فاستقبله سعد بن معاذ، فسأله إلي أين؟

стр. 692

قال: يا سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وهذا وجدان حقيقي، ليس تخيلاً أو توهماً، ولكن من كرامة الله لهذا الرجل شم رائحة الجنة قبل أن يستشهد ﵁ من أجل أن يقدم ولا يحجم، فتقدم فقاتل، فقتل ﵁ استشهد، ووجد فيه بضع وثمانون، ما بين ضربة بسيف، أو برمح، أو بسهم، حتى إنه قد تمزق جلده، فلم يعرفه أحد إلا أخته، لم تعرفه إلا ببنانه ﵁. فكان المسلمون يرون أن الله قد أنزل فيه وفي أشباهه هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: ٢٣) ، ولا شك أن هذا وأمثاله ﵃ يدخلون دخولاً أولياً في هذه الآية، فإنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حيث قال أنس: والله ليرين الله ما أصنع، ففعل، فصنع صنعاً لا يصنعه أحد إلا من منْ الله عليه بمثله حتى استشهد. ففي هذا الحديث دليل شاهد للباب، وهو مجاهدة الإنسان نفسه على طاعة الله، فإن أنس بن النضر جاهد نفسه هذا الجهاد العظيم، حتى تقدم يقاتل أعداء الله بعد أن انكشف المسلمون وصارت الهزيمة حتى قتل شهيدً ﵁ والله الموفق. * * * ١١٠ ـ السادس عشر: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء وجاء رجل أخر فتصدق بصاع فقالوا: إن

стр. 693

الله لغني عن صاع هذا! فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: ٧٩) . متفق عليه. (نحامل) بضم النون، وبالحاء المهملة: أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ويتصدق بها. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ نقلاً عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة: يعني الآية التي فيها الحث على الصدقة، والصدقة هي: أن يتبرع الإنسان بماله للفقراء ابتغاء وجه الله، وسميت صدقة لأن بذل المال لله دليل على صدق الإيمان بالله، فإن المال من الأمور المحبوبة للنفوس، قال الله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) (الفجر: ٢٠) ، جماً: أي كثيراً عظيماً، وحيث إن المحبوب لا يبذل إلا لمن هو أحب منه، فإذا بذله الإنسان ابتغاء وجه الله؛ كان ذلك دليلاً على صدق الإيمان. فلما نزلت هذه الآية جعل الصحابة ﵃ يبادرون ويسارعون في بذل الصدقات إلى رسول الله ﷺ ، وهذه هي عادتهم ﵃ أنهم إذا نزلت الآيات بالأوامر بادروها وامتثلوها، وإذا نزلت بالنواهي بادروا بتركها، ولهذا لما نزلت آية الخمر التي فيها تحريم

стр. 694

الخمر، وبلغت قوماً من الأنصار، وكان الخمر بين أيديهم يشربون قبل أن يحرم، فمن حين ما سمعوا الخبر أقلعوا عن الخمر، ثم خرجوا بالأواني يصبونها في الأسواق حتى جرت الأسواق في الخمر. وهذا هو الواجب على كل مؤمن؛ إذا بلغه عن الله تعالى ورسوله ﷺ شيء أن يبادر بما يجب عليه؛ من امتثال هذا الأمر، أو اجتناب هذا النهي. والمهم هنا أن الصحابة ﵃ بدءوا يأتون بالصدقة، كل واحد يحمل بقدرته من الصدقة إلى رسول الله ﷺ ، فجاء رجل بصدقة كثيرة، وجاء رجل بصدقة قليلة، فكان المنافقون إذا جاء الرجل بالصدقة الكثيرة؛ قالوا: هذا مراءٍ، ما قصد به وجه الله. وإذا جاء الرجل بالصدقة القليلة قالوا: إن الله غني عنه، وجاء رجل بصاع، قالوا: إن الله غني عن صاعك هذا. وهؤلاء هم المنافقون، والمنافقون هم الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويظهرون الشماتة بالمؤمنين دائماً، جعلوا أكبر همهم وأعذب مقال لهم، وألذ مقال على أسماعهم؛ أن يسمعوا ويقولوا ما فيه سب المسلمين والمؤمنين ـ والعياذ بالله ـ لأنهم منافقون، وهم العدو، كما قال الله فاحذرهم المنافق الذي يظهر لك خلاف ما يبطن. فهؤلاء صاروا إذا جاء رجل بكثير، قالوا: هذا مراءٍ، وإن جاء بقليل، قالوا: إن الله غني عن صاعك ولا ينفعك، فأنزل الله : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا

стр. 695

يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: ٧٩) ويلمزون: يعني يعيبون، والمطوعين: هم المتطوعين المتصدقين، (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُم) ، هذه معطوفة على قوله: (الْمُطَّوِّعِينَ) يعني ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم، فهم يلمزون هؤلاء وهؤلاء، (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فهم سخروا بالمؤمنين فسخر الله منهم، والعياذ بالله. ففي هذا دليل على حرص الصحابة على استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسهم على ذلك، أيضاً على أن الله يدافع عن المؤمنين، وأنظر كيف أنزل الله آية في كتاب الله، مدافعة عن المؤمنين الذين كان هؤلاء المنافقين يلمزونهم. وفيه دليل على شدة العداوة من المنافقين للمؤمنين، وأن المؤمنين لا يسلمون منهم؛ إن عملوا كثيراً سبوهم، وإن عملوا قليلاً سبوهم، ولكن الأمر ليس إليهم، بل الله ولهذا سخر الله منهم، وتوعدهم بالعذاب الأليم في قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . أما حكم المسألة هذه؛ فإن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧-٨) ، القليل والكثير من الخير سيراه الإنسان، ويجازى به، والقليل والكثير من الشر سيراه الإنسان، ويجازى عليه، وصح عن النبي ﷺ : (أن الإنسان إذا تصدق بعدل تمرة) أي بما يعادلها (من كسب طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ فإن الله تعالى يأخذها بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم

стр. 696

فلوه، حتى تكون مثل الجبل) . وقارن بين حبة من التمر وبين الجبل؛ لا نسبة، الجبل أعظم بكثير، فالله يجزي الإنسان على ما عمل من خير قل أو كثر، ولكن، احرص على أن تكون نيتك خالصة لله، واحرص على أن تكون متبعاً في ذلك رسول ﷺ . * * * ١١١ ـ السابع عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعه بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته: فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته: فإستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً: فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في ملكي شيئاً، يا عبادي لو

стр. 697

أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم، قاموا في صعيد، واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رواه مسلم وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي ذر الغفاري ﵁ في باب المجاهدة، عن النبي ﷺ أنه قال فيما يرويه عن ربه ﵎ يعني أن الرسول ﵊ حدث عن الله أنه قال ... إلى آخره، وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي، أو الحديث الإلهي، أما ما كان من حديث النبي ﷺ ، فإنه يسمى بالحديث النبوي. وهذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي) ، أي ألا أظلم أحداً، لا بزيادة سيئات لم يعملها، ولا

стр. 698

بنقص حسنات عملها، بل هو حكم، عدل، محسن، فحكمه وثوابه لعباده دائر بين أمرين: بين فضل وعدل، فضل لمن عمل الحسنات، وعدل لمن عمل السيئات، وليس هناك شيء ثالث وهو الظلم. أما الحسنات فإنه يجازي الحسنة بعشر أمثالها، من يعمل حسنة يثاب بعشر حسنات، أما السيئة فبسيئة واحدة فقط، قال الله تعالى في سورة الأنعام ـ وهي مكية: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: ١٦٠) ، ولا يظلمون بنقص ثواب الحسنات، ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات، بل ربنا يقول: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) (طه: ١١٢) ، ظلماً بزيادة في سيئاته، ولا هضماً بنقص من حسناته. وفي قوله تعالى: (إني حرمت الظلم على نفسي) دليل على أنه ـ جل وعلا ـ يحرم على نفسه، ويوجب على نفسه، فمما أوجب على نفسه: الرحمة، قال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة) (الأنعام: ٥٤) ، ومما حرم على نفسه: الظلم، وذلك لأنه فعال لما يريد، يحكم بما يشاء، فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليهم؛ يوجب على نفسه ويحرم عليها ـ جل وعلا ـ، لأن له الحكم التام المطلق. وقوله تعالى: (وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) أي لا يظلم بعضكم بعضاً، والجعل هنا هو الجعل الشرعي، وذلك لأن الجعل الذي أضافه الله إلى نفسه: إما أن يكون كونياً مثل قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا

стр. 699

النَّهَارَ مَعَاشاً) (النبأ: ١٠، ١١) ، وإما أن يكون شرعياً مثل قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ) (المائدة: ١٠٣) ، ما جعل: أي ما شرع، وإلا فقد جعل ذلك كوناً، لأن العرب كانوا يفعلون هذا، ومثل هذا الحديث: (جعلته بينكم محرماً) أي جعلته جعلاً شرعياً لا كونياً، لأن الظلم يقع. وقوله: (جعلته بينكم محرماً) ، الظلم بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بينها رسول الله ﷺ في قوله وهو يخطب الناس في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فأشهد) . فهذه ثلاثة أشياء: الدماء، والأموال، والأعراض. فالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء، فلا يجوز لأحد أن يتعدى على دم أحد، ولا على دم تفوت به النفس وهو القتل، ولا على دم يحصل به النقص، كدم الجروح، وكسر العظام، وما أشبهها، كل هذا حرام لا يجوز. وأعلم أن كسر عظم الميت ككسره حياً، كما جاء ذلك عن النبي ﵊، فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه

стр. 700

شيء، ولا أن يكسر من أعضائه شيء، لأنه أمانة وسوف يبعث بكامله يوم القيامة، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تأخذ منه شيئاً. ولهذا نص فقهاء الحنابلة ﵏ على أنه لا يجوز أن يؤخذ من الميت شيء من أعضائه، ولو أوصى به، وذلك لأن الميت محترم، كما أن الحي محترم. كسر عظم الميت ككسره حياً، فإن أخذنا من الميت عضواً، أو كسرنا منه عظماً، كان ذلك جناية عليه، وكل اعتداءً عليه، وكنا آثمين بذلك. والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه، لأن أعضاءه أمانة عنده، أمانة لا يحل له أن يفرط فيها، ولهذا قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، فسرها عمرو بن العاص ﵁ بالإنسان إذا كان عليه جنابة، وكان في البرد، وخاف أن اغتسل أن يتضرر، جعل عمرو بن العاص هذا داخلاً في الآية، وذلك حين كان عمرو بن العاص ﵁ في سرية، وأجنب، وكانت الليلة باردة فتيمم، وصلى بأصحابه، فلما رجعوا إلى الرسول ﵊ وبلغه الخبر، قال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب) ـ يعني لم تغتسل ـ؟ قال: يا رسول الله، إني ذكرت قول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: ٢٩) ، وخفت البرد فتيممت، فضحك النبي ﷺ ، وأقره على فعله وعلى استدلاله بالآية، ولم يقل: إن الآية لا تدل على هذا.

стр. 701

فإذن كل شيء يضر أبداننا، أو يفوت منها شيئاً، فإنه لا يحل لنا أن نفعله، لقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) . فما حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن، فالبدن محترم. فقول الرسول ﷺ : (دماءكم) ، يشمل الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل، والدم الذي بدون ذلك، وهو الجرح، أو كسر العظم، أو ما أشبه ذلك. أما قوله ﷺ : (وأموالكم) فإن الأموال قد حرم الله على بعضنا أن يأخذ من مال أخيه بغير حق، بأي نوع من الأنواع؛ سواء أخذه غصباً بأن يأخذ بالقوة، أو أخذه سرقة، أو اختطافاً، أو خيانة، أو غشاً، أو كذباً، بأي نوع من هذه الأنواع يأخذه، فإنه حرام عليه. وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش ـ ولا سيما أهل الخضار ـ فإن كل مالٍ، بل كل قرش يدخل عليهم من زيادة في الثمن بسبب الغش؛ فإنه حرام، فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محظورين: المحظور الأول: العدوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق. المحظور الثاني: أنهم ينالون تبرؤ النبي ﷺ منهم، وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها بالبراءة من رسول الله ﷺ قال النبي ﷺ فيما صح عنه: (من غشنا فليس منا) .

стр. 702

ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران، حيث تجده يدخل المراسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن (من اقتطع من الأرض شبر بغير حق، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يكون يوم القيامة من سبع ارضين، في عنقه طرق من سبع أرضين ـ والعياذ بالله ـ يحمله في يوم المحشر. وهذا من الظلم. ومن الظلم أيضاً: أن يكون لشخص على شخص دراهم، ثم ينكر الذي عليه الحق، ويقول: ليس لك عندي شيء، فهذا من أكل المال بالباطل، حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه، وغلبه عند القاضي، فإنه لا يغلبه عند الله، قال النبي ﵊ (إنكم تختصمون إلى، لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فاقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه؛ فإنما أقتطع له جمرة من نار، فليستقل أو ليستكثر) فلا تظن أنك إن غلبت خصمك عند القاضي، وكنت مبطلاً، تسلم بهذا في الآخرة أبداً؛ لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع ولا يعلم الغيب، ولكن علام الغيوب ـ جل وعلا ـ هو الذي يحاسبك يوم القيامة.

стр. 703

وكذلك أيضاً من أكل الأموال: أن يدعي شخص على آخر ما ليس له، ويقيم على ذلك البينة بالشهادة الزور، ويحكم له بذلك، فإن هذا من أكل المال بالباطل، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا قال (فلا تظالموا) . أما الأعراض فهي أيضاً حرام، فلا يحل للإنسان أن يقع في عرض أخيه، فيغتابه في المجلس أو يسبه، فإن ذلك من كبائر الذنوب. قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) (الحجرات: ١٢) أنظر للترتيب: أجتنبوا كثيراً من الظن، فإن ظن الإنسان بأخيه شيئاً تجسس عليه، ولهذا قال: (وَلا تَجَسَّسُوا) ، فإذا تجسس صار يغتابه، ولهذا قال في الثالثة: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) . ثم قال تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً) ؟ الجواب: لا. لا يجب، بل يكره، ولهذا قال: (فَكَرِهْتُمُوهُ) ، قال بعض المفسرين: إذا كان يوم القيامة، فإنه يؤتي بالرجل الذي اغتابه الشخص، يمثل له بصورة إنسان ميت، ثم يقال له: كل من لحمه، ويكره على ذلك، وهو يكرهه، لكن يكره على هذا عقوبة له، والعياذ بالله. فالغيبة ـ وهي انتهاك عرض أخيك ـ محرمة، وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ مر ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس، فقال: (يا جبريل، من هؤلاء؟) قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم

стр. 704

الناس ويفعلون في أعراضهم. نعوذ بالله. ثم أن الإنسان إذا انتهك عرض أخيه، فإن أخاه يأخذ في الآخرة من حسناته، ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له: إن فلان يغتابك، فقال: مؤكداً؟ قال: نعم، اغتابك، فصنع هدية له، ثم بعث بها إليه، فاستغرب الرجل! كيف يغتابه، ويرسل له هدية؟ قال: نعن إنك أهديت إلي حسنات، والحسنات تبقى، وأن أهديت إليك هدية تذهب في الدنيا، فهذه مكافأة على هديتك لي , انظر فقه السلف ﵃. فالحاصل أن الغيبة حرام، ومن كبائر الذنوب، ولا سيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء، فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس، لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم، والذي يعلمونه الناس، فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم، وهذا ضرر على الدين، وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم؛ فيتمردون عليهم وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا فنسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه، إنه جواد كريم. ثم قال الله تعالى: (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدني أهدكم) ، ضال يعني: تائهاً، أي لا يعرف الحق، ضال يعني: غاوياً لا

стр. 705

يقبل الحق، فالناس في الضلال قسمان: قسم تائه: لا يعرف الحق. من النصارى، فإن النصارى ضالون، تائهون، لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي ﷺ ، فإنهم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عنه، فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه. وقسم غاو: أي اختار الغي على الرشد بعد أن علم بالرشد، وهؤلاء مثل اليهود، فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوا، بل ردوه. ومن ذلك قوله ﵎: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت: ١٧) ، هداهم الله، وبين لهم، ودلهم، لكنهم استحبوا العمى على الهدى، واستحبوا الغي على الرشد، فالناس كلهم ضالون إلا من هدى الله. لكن؛ ما هي هداية القسم الأول، وهو الضال الذي لم يعرف الحق؟ هداية القسم الأول: أن يبين الله لهم الحق ويدلهم عليه، وهذه الهداية حق على الله، حق على الله أوجبه الله على نفسه، فكل الخلق قد هداهم الله بهذا المعنى، يعني بمعنى البيان، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢) ، وقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) (البقرة: ١٨٥) ، هدى للناس عموماً. ولكن الهداية الثانية، هي هداية التوفيق لقبول الحق، هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده، فالهداية هديتان هداية بيان الحق، وهذه عامة لكل أحد، وقد أوجبها الله على نفسه، وبين لعباده الحق من
следующие страницы →