← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فإذن كل شيء يضر أبداننا، أو يفوت منها شيئاً، فإنه لا يحل لنا أن نفعله، لقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) . فما حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن، فالبدن محترم. فقول الرسول ﷺ : (دماءكم) ، يشمل الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل، والدم الذي بدون ذلك، وهو الجرح، أو كسر العظم، أو ما أشبه ذلك. أما قوله ﷺ : (وأموالكم) فإن الأموال قد حرم الله على بعضنا أن يأخذ من مال أخيه بغير حق، بأي نوع من الأنواع؛ سواء أخذه غصباً بأن يأخذ بالقوة، أو أخذه سرقة، أو اختطافاً، أو خيانة، أو غشاً، أو كذباً، بأي نوع من هذه الأنواع يأخذه، فإنه حرام عليه. وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش ـ ولا سيما أهل الخضار ـ فإن كل مالٍ، بل كل قرش يدخل عليهم من زيادة في الثمن بسبب الغش؛ فإنه حرام، فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محظورين: المحظور الأول: العدوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق. المحظور الثاني: أنهم ينالون تبرؤ النبي ﷺ منهم، وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها بالبراءة من رسول الله ﷺ قال النبي ﷺ فيما صح عنه: (من غشنا فليس منا) .

стр. 702

ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران، حيث تجده يدخل المراسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن (من اقتطع من الأرض شبر بغير حق، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يكون يوم القيامة من سبع ارضين، في عنقه طرق من سبع أرضين ـ والعياذ بالله ـ يحمله في يوم المحشر. وهذا من الظلم. ومن الظلم أيضاً: أن يكون لشخص على شخص دراهم، ثم ينكر الذي عليه الحق، ويقول: ليس لك عندي شيء، فهذا من أكل المال بالباطل، حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه، وغلبه عند القاضي، فإنه لا يغلبه عند الله، قال النبي ﵊ (إنكم تختصمون إلى، لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فاقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه؛ فإنما أقتطع له جمرة من نار، فليستقل أو ليستكثر) فلا تظن أنك إن غلبت خصمك عند القاضي، وكنت مبطلاً، تسلم بهذا في الآخرة أبداً؛ لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع ولا يعلم الغيب، ولكن علام الغيوب ـ جل وعلا ـ هو الذي يحاسبك يوم القيامة.

стр. 703

وكذلك أيضاً من أكل الأموال: أن يدعي شخص على آخر ما ليس له، ويقيم على ذلك البينة بالشهادة الزور، ويحكم له بذلك، فإن هذا من أكل المال بالباطل، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا قال (فلا تظالموا) . أما الأعراض فهي أيضاً حرام، فلا يحل للإنسان أن يقع في عرض أخيه، فيغتابه في المجلس أو يسبه، فإن ذلك من كبائر الذنوب. قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) (الحجرات: ١٢) أنظر للترتيب: أجتنبوا كثيراً من الظن، فإن ظن الإنسان بأخيه شيئاً تجسس عليه، ولهذا قال: (وَلا تَجَسَّسُوا) ، فإذا تجسس صار يغتابه، ولهذا قال في الثالثة: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) . ثم قال تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً) ؟ الجواب: لا. لا يجب، بل يكره، ولهذا قال: (فَكَرِهْتُمُوهُ) ، قال بعض المفسرين: إذا كان يوم القيامة، فإنه يؤتي بالرجل الذي اغتابه الشخص، يمثل له بصورة إنسان ميت، ثم يقال له: كل من لحمه، ويكره على ذلك، وهو يكرهه، لكن يكره على هذا عقوبة له، والعياذ بالله. فالغيبة ـ وهي انتهاك عرض أخيك ـ محرمة، وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ مر ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس، فقال: (يا جبريل، من هؤلاء؟) قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم

стр. 704

الناس ويفعلون في أعراضهم. نعوذ بالله. ثم أن الإنسان إذا انتهك عرض أخيه، فإن أخاه يأخذ في الآخرة من حسناته، ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له: إن فلان يغتابك، فقال: مؤكداً؟ قال: نعم، اغتابك، فصنع هدية له، ثم بعث بها إليه، فاستغرب الرجل! كيف يغتابه، ويرسل له هدية؟ قال: نعن إنك أهديت إلي حسنات، والحسنات تبقى، وأن أهديت إليك هدية تذهب في الدنيا، فهذه مكافأة على هديتك لي , انظر فقه السلف ﵃. فالحاصل أن الغيبة حرام، ومن كبائر الذنوب، ولا سيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء، فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس، لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم، والذي يعلمونه الناس، فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم، وهذا ضرر على الدين، وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم؛ فيتمردون عليهم وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا فنسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه، إنه جواد كريم. ثم قال الله تعالى: (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدني أهدكم) ، ضال يعني: تائهاً، أي لا يعرف الحق، ضال يعني: غاوياً لا

стр. 705

يقبل الحق، فالناس في الضلال قسمان: قسم تائه: لا يعرف الحق. من النصارى، فإن النصارى ضالون، تائهون، لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي ﷺ ، فإنهم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عنه، فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه. وقسم غاو: أي اختار الغي على الرشد بعد أن علم بالرشد، وهؤلاء مثل اليهود، فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوا، بل ردوه. ومن ذلك قوله ﵎: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت: ١٧) ، هداهم الله، وبين لهم، ودلهم، لكنهم استحبوا العمى على الهدى، واستحبوا الغي على الرشد، فالناس كلهم ضالون إلا من هدى الله. لكن؛ ما هي هداية القسم الأول، وهو الضال الذي لم يعرف الحق؟ هداية القسم الأول: أن يبين الله لهم الحق ويدلهم عليه، وهذه الهداية حق على الله، حق على الله أوجبه الله على نفسه، فكل الخلق قد هداهم الله بهذا المعنى، يعني بمعنى البيان، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢) ، وقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) (البقرة: ١٨٥) ، هدى للناس عموماً. ولكن الهداية الثانية، هي هداية التوفيق لقبول الحق، هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده، فالهداية هديتان هداية بيان الحق، وهذه عامة لكل أحد، وقد أوجبها الله على نفسه، وبين لعباده الحق من

стр. 706

الباطل، وهداية توفيق لقبول الحق والعمل به، تصديقاً للخبر وقياماً بالطلب، وهذه خاصة يختص الله بها من يشاء من عباده. والناس في هذا الباب ينقسمون إلى أقسام: القسم الأول: من هدي الهدايتين، أي علمه الله ووفقه للحق وقبوله. والقسم الثاني: من حرم الهدايتين، فليس عنده علم، وليس له عبادة. والقسم الثالث: من هدي بالدلالة والإرشاد، ولكنه لم يهد هداية التوفيق، وهذا شر الأقسام، والعياذ بالله. والمهم أن الله يقول: (كلكم ضال) ، أي كلكم لا يعرف الحق. أو كلكم لا يقبل الحق، إلا من هديته (فاستهدوني أهدكم) يعني: اطلبوا الهداية مني، فإذا طلبتموها؛ فإنني أجيبكم وأهديكم إلى الحق، ولهذا جاء الجواب في: (استهدوني أهدكم) ، وكأنه جواب شرط، ليتحقق المشروط عند وجود الشرط، ودليل هذا أن الفعل جزم (استهدوني أهدكم) ، فمتى طلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه، وإلحاح، فإن الله يهديك. ولكن أكثرنا معرض عن هذا، فأكثرنا قائم بالعبادة، لكن على العادة، وعلى ما يفعل الناس، كأننا لسنا مفتقرين إلى الله في طلب الهداية، فالذي يليق بنا: أن نسأل الله دائماً الهداية، والإنسان في كل صلاة يقول: رب اغفر لي، ارحمني واهدني بل إنه في كل صلاة: يقول على سبيل الركنية: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ

стр. 707

أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: ٧) ، ولكن أين القلوب الواعية؟ ! إن أكثر المصلين يقرأ هذه الآية، وتمر عليه مر الطيف، أي مر الغيم الذي يجري بدون ماء، وبدون شيء، ولا ينتبه لها. والذي يليق بنا أن نتنبه، وأن نعلم أننا مفتقرون إلى الله في الهداية، سواء الهداية العلمية، أو الهداية العملية، أي هداية الإرشاد والدلالة ـ أو هداية التوفيق، فلابد أن نسأل الله دائماً الهداية. (فاستهدوني أهدكم) وربما تشمل هذه الجملة الطريق الحسي، كما تشمل الطريق المعنوي، فالهداية للطريق المعنوي: هي الهداية إلى دين الله، والهداية للطريق الحسي: كأن تكون في أرضه قد ضللت الطريق وضعت، فمن تسأل؟ فإنك تسأل الله الهداية، ولهذا قال الله عن موسى ﷺ : (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص: ٢٢) ، أي السبيل المستوي الموصل للمقصود بدون تعب، وقد جرب هذا، فإن الإنسان إذا ضاع في البر فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويقول: رب أهدني سواء السبيل، أو عسى ربي أن يهديني سواء السبيل،، وذلك لأننا محتاجون إلى الله في الهدايتين؛ هداية الطريق الحسي، كما أننا محتاجون إلى الله في الهداية إلى الطريق المعنوي. نسأل الله أن يهدينا جميعاً الهداية فيمن هدى. ثم قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فإستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) ، هاتان الجملتان الخاصتان بالجوع والعرى ذكرهما

стр. 708

الله بعد أن ذكر الهداية، لأن في الهداية غذاء القلب بالعلم والإيمان، والجوارح بالعمل الصالح. أما الطعام والشراب والكسوة فهي غذاء البدن، لأن البدن لا يستقيم إلا بالطعام، ولا يستتر إلا بالكسوة، ولهذا قال: (يا عبادي، لكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) وصدق ربنا كلنا جائع إلا من أطعمه الله، ولولا أن الله تعالى يسر لنا ما يكون به طعامنا لهلكنا، يقول الله تعالى مبيناً ذلك في سورة الواقعة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) . والجواب: بل أنت ـ يا ربنا ـ الذي زرعته، لأن الله يقول: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (الواقعة: ٦٥، ٦٧) ، وتأمل كيف قال تعالى: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً) ، ولم يقل: لو نشاء ما أنبتناه، لأنه إذا نبت وشاهده الناس؛ تعلقت به قلوبهم، فإذا جعل حطاماً بعد أن تعلقت به القلوب؛ صار ذلك أشد نكاية، ولهذا قال تعالى (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً) ، ولم يقل لو نشاء ما أنبتناه. وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) (الواقعة: ٦٩) ، يعني: من السحاب، (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) ؛ لأن الماء الذي نشرب من السحاب، ينزله الله على الأرض فيسلكه ينابيع، يدخله في الأرض، ويجري فيما تحت الأرض كالأنهار، ثم يستخرج بالأدوات التي سخرها الله في كل وقت بحسبه، وهذا من حكمة الله أن استودع الماء في بطون الأرض، ولو بقى على ظهر

стр. 709

الأرض لفسد، وأفسد الهواء وأهلك المواشي، بل وأهلك الآدميين من رائحته ونتنه، ولكن الله بحكمته ورحمته جعل هذه الأرض تشربه وتسلكه ينابيع فيها، حتى تأتي حاجة الناس إليه؛ فيحفرونه، فيصلون إليه. والذي أنزله هو الله ، ولو اجتمع الناس كلهم على أن ينزلوا قطرة من السماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولكن الله هو الذي ينزله بقدرته ورحمته، إذن، نحن لا نطمع شيئاً من طعام، أو مأكول، ولا من مشروب؛ إلا بالله ولهذا قال: (كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) . واستطعام الله يكون بالقول وبالفعل؛ بالقول: بأن تسأل الله أن يطعمنا وأن يرزقنا، وأما بالفعل، فله جهتان: الجهة الأولى: العمل الصالح، فإن العمل الصالح سبب لكثرة الأرزاق وسعتها، قال الله : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦) ، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (المائدة: ٦٥، ٦٦) ، (مِنْ فَوْقِهِمْ) : أي من ثمار الأشجار، (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) : أي من ثمار الزروع، فالمهم أن هذا من أسباب إطعام الله. الجهة الثانية من جهة الاستطعام الفعلي: أن نحرث الأرض، ونحفر

стр. 710

الآبار، ونستخرج المياه، ونزرع الحبوب، ونغرس الأشجار، وما أشبه ذلك. فالاستطعام يكون بالقول، ويكون بالفعل، والفعل له جهتان: الجهة الأولى: العمل الصالح، والجهة الثانية: الأسباب الحسية المادية كالحرث، وحفر الآبار، وما أشبه ذلك. وقوله ـ جل ذكره ـ: (فاستطعموني أطعمكم) هذا جواب شرط مقدر، أو جواب الأمر الذي كان في الشرط، يعني أنك إذا استطعمت الله فإن الله يطعمك، ولكن استطعام الله يحتاج إلى أمر مهم، وهو حسن الظن بالله ـ جل وعلا ـ، أي أن تحسن الظن بربك أنك إذا استطعمته أطعمك، أما أن تدعو الله وأنت غافل لاهٍ، أو تفعل الأسباب وأنت معتمد على قوتك لا على ربك؛ فإنك قد تكون مخذولاً، والعياذ بالله، لكن استطعم الله وحده وأخلص له وحده في ذلك. (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) ، كلكم عار إلا من كسوته، ذلك لأن الإنسان يخرج من بطن أمه ليس عليه ثياب، بل يخرج مجرداً؛ لا ثياب، ولا شعر يكسوه، كما يكون في الحيوان، وهذا من حكمة الله . فمن حكمته تعالى: أن جعلنا نخرج بادية أبشارنا، بادية جلودنا، حتى نعرف أننا محتاجون إلى كسوة تستر عورتنا حساً، كما أننا محتاجون إلى عمل صالح يستر عورتنا معنى، لأن التقوى لباس، كما قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف: ٢٦) ، فأنت انظر في نفسك تجد أنك

стр. 711

محتاج إلى الكسوة الحسية لأنك عار، كذلك أيضاً محتاج إلى الكسوة المعنوية ـ وهي العمل الصالح ـ حتى لا تكون عارياً، ولهذا ذكر بعض العابرين للرؤيا أن الإنسان إذا رأى نفسه في المنام عارياً فإنه يحتاج إلى كثرة الاستغفار، لأن هذا دليل على نقصان تقواه، فإن التقوى لباس. وعلى كل حال؛ فنحن عراة إلا كسوة الله وقد سخر الله لنا من الكسوة ما نكسو به أبداننا ـ ولله الحمد ـ من أصناف اللباس المتنوعة، لا سيما في البلاد الغنية التي ابتلاها الله بالمال، فإن المال ـ في الحقيقة ـ فتنة يخشى على الأمة منه، كما قال محمد ﷺ : (والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم؛ فتهلككم كما أهلكتهم) فالمال ابتلاء وبلوى، تحتاج إلى صبر على أداء ما يجب فيه، وإلى شكر على ما يجب له. وعلى كل حال، أقول: إن الله من علينا باللباس، ولولا أن الله يسره لنا ما تيسر، ولو أنك نظرت في الخلق في وقتك الآن، وتأملت لوجدت ـ كما سمعنا ـ من يبتون عراة، ليس على أبدانهم ما يسترهم، ربما يسترون السوءة بالأشجار ونحوها، وليس عليهم ما يسترهم دون ذلك، فمن الذي سترك ومن عليك؟ هو الله، ولهذا قال (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) . ونقول في قوله: (استكسوني أكسكم) كما قلنا في قوله: (استطعموني

стр. 712

أطعمكم) ، يعني أن الاستكساء يكون بالقول، ويكون بالفعل؛ أما الذي بالقول: فبأن تسال الله أن يكسوك، وإذا سالت الله أن يكسو بدنك حسياً، فسأل الله أن يكسو عورتك المعنوية بالتوفيق إلى طاعته. وأما الاستكساء بالفعل فعلى وجهين: الوجه الأول: بالأعمال الصالحة، والوجه الثاني: بفعل الأسباب الحسية التي تكون بها الكسوة؛ من إحداث المعامل، والمصانع، وغير ذلك. وفي الربط بن الطعام والكسوة والهداية مناسبة؛ لأن الطعام في الحقيقة كسوة البدن باطناً، لأن الجوع والعطش معناه خلو المعدة من الطعام والشراب، وهذا تعرٍّ لها، والكسوة ستر البدن ظاهراً، والهداية الستر المهم المقصود وهو ستر القلوب والنفوس من عيوب الذنوب. ثم قال تعالى: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) هذا أيضاً من تمام نعمة الله على العبد، إنه ـ جل وعلا ـ يعرض عليه أن يستغفر إلى الله ويتوب إليه، مع أنه يقول: (إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً) ، أي جميع الذنوب، من الشرك بالله، والكفر، والكبائر، والصغائر، كلها يغفرها الله، ولكن بعد أن يستغفر الإنسان ربه، ولهذا قال: (فاستغفروني أغفر لكم) ،، أي اطلبوا منى المغفرة حتى أغفر لكم. ولكن طلب المغفرة ليس مجرد أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي، بل لابد من توبة صادقة يتوب بها الإنسان إلى الله .

стр. 713

والتوبة الصادقة هي التي تجمع خمسة شروط: الشرط الأول: أن يكون الإنسان مخلصاً فيها لله لا يحمله على التوبة مراءاة الناس، ولا تسميعهم، ولا أن يتقرب إليهم بشيء، وإنما يقصد بالتوبة الرجوع إلى الله حقيقة، والإخلاص شرط في كل عمل، ومن جملة الأعمال الصالحة: التوبة إلى الله ، كما قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: ٣١) . الشرط الثاني: أن يندم الإنسان على ما وقع منه من الذنب، يعني أن يحزن، ويتأسف، ويعرف أنه ارتكب خطأ حتى يندم عليه، أما أن يكون ارتكاب الخطأ وعدمه عنده على حد سواء؛ فهذه ليست بتوبة، بل لابد من أن يندم بقلبه ندماً يتمنى أنه لم يقع منه هذا الذنب. الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب فلا توبة مع الإصرار على الذنوب، كما قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: ١٣٥) ، أما أن بقول إنه تائب من الذنب وهو مصر عليه، فإنه كاذب مستهزئ بالله ، فمثلاً لو قال: أتوب إلى الله من الغيبة، ولكنه كلما جلس مجلساً اغتاب عباد الله؛ فإنه كاذب في توبته، ولو قال أتوب إلى الله من الربا ولكنه مصر عليه؛ يبيع بالربا ويشتري بالربا، فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من استماع الأغاني، ولكنه مصر على ذلك، فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من معصية الرسول ﷺ في إعفاء اللحية، وكان يحلقها، وهو يقول أتوب إلى الله من حلقها: فإنه كاذب، وهكذا جميع المعاصي إذا كان الإنسان مصراً عليها فإن دعواه

стр. 714

التوبة كذب، ولا تقبل توبته. ومن التخلي عن الذنب والإقلاع عنه: أن يرد المظالم إلى أهلها إذا كانت المعصية في حقوق العباد، فإن كانت في أخذ مال فليرد المال إلى من أخذه منه، فإن كان قد مات فليرده إلى ورثته، فإن تعذر عليه أن يعرف الورثة، أو نسى الرجل، أو ذهب الرجل إلى مكان لا يمكن العثور عليه، مثل أن يكون أجنبياً، فيرجع إلى بلده، ولا يدري أين هو، ففي هذه الحال يخرج ما عليه صدقة ينويها لصاحب المال الذي يطلبه. وإذا كان الذنب في غيبة، وكان المغتاب قد علم أن هذا الرجل قد اغتابه، فلابد أن يذهب إلى المغتاب ويتحلل منه، وينبغي للمغتاب إذا جاءه أخوه يعتذر إليه أن يقبل، وأن يسامح عنه، فإذا جاء إليك أخوك معتذراً مقراً بالذنب، فاعف عنه واصفح (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة: ١٣) ، ولكن إذا لم يقبل أن يتسامح عن غيبته إلا بشيء من المال؛ فأعطه من المال حتى يقتنع ويحللك. كذلك إذا كانت المعصية مسابة بينك وبين أحد حتى ضربته مثلاً، فإن التوبة من ذلك أن تذهب إليه وتستسمح منه، وتقول: ها أنا أمامك اضربني كما ضربتك، حتى يصفح عنك، المهم أن من الإقلاع عن المعصية إذا كانت لآدمي أن تحلل منه، سواء كانت مظلمة مال، أو بدن، أو عرض. الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن تاب وأقلع عن الذنب، لكن في قلبه أنه حانت الفرصة عاد إلى ذنبه، فإن ذلك لا

стр. 715

يقبل منه، فهذه توبة لا عب، فلابد أن يعزم، فإذا عزم قدر أنه نفسه سولت له بعد ذلك، وفعل المعصية، فإن ذلك لا ينقص التوبة السابقة، لكن يحتاج إلى توبة جديدة من الذنب مرة ثانية. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، فإن فات الأوان لم تنفع التوبة، ويفوت الأوان إذا حضر الإنسان الموت. فإذا حضره الموت فلا توبة ولو تاب لم ينفعه، لقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: ١٨) ، الآن لا فائدة فيها، ولهذا لما أغرق فرعون (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: ٩٠) فقيل له (آلْآنَ) ، يعني أتقول هذا الآن (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: ٩١) ، فات الأوان، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة، لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، كم من إنسان مات بغتة وفجأة، فليتب إلى الله قبل أن يفوت الأوان. أما الثاني الذي يفوت به أوان التوبة: إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن النبي ﵊ أخبر أن الشمس إذا غابت سجدت تحت عرش الرحمن ، واستأذنت الله، فإن أذن لها استمرت في سيرها، وإلا قيل: أرجعي من حيث جئت، فترجع بإذن الله وأمره،

стр. 716

فتطلع على الناس من المغرب، فحينئذ يؤمن جميع الناس، يتوبون ويرجعون إلى الله، ولكن ذلك لا ينفعهم، قال الله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) يعني عند الموت، (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يعني يوم القيامة للحساب، (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) يعني طلوع الشمس من مغربها، (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) (الأنعام: ١٥٨) . هذه خمسة شروط للتوبة، لا تقبل إلا بها، فعليك يا أخي أن تبادر بالتوبة إلى الله، والرجوع إليه، مادمت في زمن الإمهال، قبل ألا يحصل لك ذلك، واعلم أنك إذا تبت إلى الله توبة نصوحاً؛ فإن الله يتوب عليك، وربما يرفعك إلى منزلة أعلى من منزلتك، أنظر إلى أبيك أدم، حيث نهاه الله عن الأكل من الشجرة، فعصى ربه بوسوسة الشيطان له، قال الله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طه: ١٢١، ١٢٢) ، لما تاب نال الاجتباء. واجتباه الله، وصار في منزلة أعلى من قبل أن يعصي ربه، لأن المعصية أحدثت له خجلاً وحياء من الله، وأنابه إليه، ورجوعاً إليه، فصارت حاله أعلى حالاً من قبل. واعلم أن الله اشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل كان على راحلته وعليها طعامه وشرابه في أرض فلاة، لا أحد فيها، فأضاع الناقة، وطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بخطام ناقته متعلقاً بالشجرة، قد جاء الله بها، فأخذ بخطامها، وقال من شدة الفرح: (اللهم

стр. 717

أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) ، أراد أن يقول: اللهم أنت ربي، وأنا عبدك، ولكن أخطأ من شدة الفرح، لأن الإنسان إذا أشتد فرحه لا يدري ما يقول، كما أنه إذا اشتد غضبه لا يدري ما يقول، فالله بتوبة عبده المؤمن أشد فرحاً من فرح هذا بناقته. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، ويرزقنا الإنابة إليه. وقوله جل ذكره: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني) ، يعني أنه ﵎ غني عن العباد، ولا ينتفع بطاعتهم ولا تضره معصيتهم، فإنه قال في كتابه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذريات: ٥٦، ٥٨) ، فالله لا ينتفع بأحد، ولا يتضرر بأحد لأنه غني عن الخلق ـ جل وعلا ـ، وإنما خلق الخلق لحكمة أرادها ﵎ خلقهم لعبادته، ثم إنه وعد الطائعين بالثواب، وتوعد العاصين بالعقاب، وحكمة منه؛ لأته خلق الجنة والنار، وقال: لكل منكما على ملؤها , فالنار لابد أن تكلأ، والجنة لابد أن تملأ كما قال : (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود: ١١٩) ، إذن فالله تعالى لن ينفعه طاعة الطائعين، ولن تضره معصية العاصين، ولن يبلغ أحد ضرره مهما كان. ولهذا قال فيما بعد هذه الجملة: (لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم

стр. 718

كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد في ملكي شيئاً) . لو أن أول الخلق وأخرهم وأنسكم وجنهم كانوا متقين، على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملك الله من شيئاً، لأن الملك ملكه، لا للطائعين ولا للعاصين. كذلك أيضاً يقول ـ جل وعلا ـ: (يا عبادي، لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) لو كان العباد كلهم من جن وأنس، وأولهم وأخرهم، لو كانوا كلهم فجاراً وعلى أفجر قلب رجل، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئاً، قال الله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر: ٧) ، فالله ـ جل وعلا ـ لا ينقص ملكه بمعصية العصاة، ولا يزيد بطاعة الطائعين، هو ملك الله على كل حال. ففي هذه الجمل الثلاث دليل على غنى الله ، وكمال سلطانه، وأنه لا يتضرر بأحد ولا ينتفع بأحد؛ لأنه غني عن كل أحد. ثم قال تعالى: (يا عبادي لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) ، هذه الجملة تدل على سعة ملك الله وعلى كمال غناه ﵎ لو أن الأولين والآخرين، والأنس والجن، قاموا كلهم في صعيد واحد، فسألوا الله ما تبلغه نفوسهم، من أس مسألة وإن عظمت، فأعطي الله كل إنسان ما سأل، بل أعطي الله كل سائل ما سأل، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئاً؛ لأن الله جواد، واجد، عظيم الغني، واسع العطاء .

стр. 719

(إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) . أغمس المخيط في البحر، وانظر؛ ماذا ينقص البحر؟ إنه لا ينقص البحر شيئاً، ولا يأخذ المخيط من البحر شيئاً يمكن أن ينسب إليه، وذلك لأنه واسع الغنى، جواد، ماجد، كريم . (يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها، لكم، ثم أوفيكم إياها) ، ومعنى (إنما هي أعمالكم) أي الشأن كله أن الإنسان بعمله ـ يحصى الله أعماله، ثم إذا كان يوم القيامة وفاه إياها. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨) ، (فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) ؛ لأنه هو الذي أخطأ، وهو الذي منع نفسه الخير، أما إذا وجد خير فليحمد الله؛ لأن الله تعالى هو الذي من عليه أولاً وأخراً، من عليه أولاً بالعمل، ثم من عليه ثانياً بالجزاء الوافر (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) (الأنعام: ١٦٠) . فهذا الحديث حديث عظيم، تناوله العلماء بالشرح واستنباط الفوائد والأحكام منه، وممن أفرد له مؤلفاً: شيخ الإسلام أبن تيمية ﵀، فإنه شرح هذا الحديث في كتاب مستقل، فعلى الإنسان أن يتدبر هذا الحديث ويتأمله، ولا سيما الجملة الأخيرة منه، وهي أن الإنسان يجزى بعمله، إن خير فخير، وإن شراً فشر، وهذا هو وجه وضع المؤلف لهذا الحديث في باب المجاهدة، أن الإنسان ينبغي له أن يجاهد نفسه، وأن يعمل الخير حتى يجد ما عند الله خيراً وأعظم أجراً. والله الموفق.

стр. 720

١٢ ـ باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) (فاطر: ٣٧) ، قال ابن عباس والمحققون: معناه: أو لم نعمركم سنين سنة؟ ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالى. وقيل: معناه: ثماني عشرة سنة. وقيل: أربعين سنة. قاله الحسن والكلبي ومسروق، ونقل عن ابن عباس أيضاً. ونقلوا: أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة: وقيل هو البلوغ. وقوله تعالى: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قال ابن عباس والجمهور: هو النبي ﷺ . وقيل الشيب، وقاله عكرمة، وابن عيينة، وغيرهما. والله أعلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: (باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر) . اعلم أن المدار على آخر العمر، كما قال النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) ، ولهذا كان من الدعاء المأثور: اللهم اجعل خير عمري آخره ,خير عملي خواتمه، وصح عن النبي ـ عليه الصلاة

стр. 721

والسلام: أن (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا اله دخل الجنة) . فالذي ينبغي للإنسان كلما طال به العمر؛ أن يكثر من الأعمال الصالحة، كما أنه ينبغي للشباب أيضاً أن يكثر من الأعمال الصالحة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يموت، قد يموت في شبابه، وقد يؤخر موته، لكن لا شك أن من تقدم به السن فهو إلى الموت أقرب من الشاب؛ لأنه أنهى العمر. ثم ساق المؤلف قول الله تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) (ما) : نكرة موصوفة؛ أي أو لم نعمركم عمراً يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير، وهذا العمر اختلف المفسرين فيه، فقيل: هو ستون سنة، وقيل ثمانية عشر سنة، وقيل أربعون سنة، وقيل البلوغ. والآية عامة، عمروا عمراً لهم فيه فرصة يتذكر فيه من يتذكر، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، فقد يكون الإنسان يتذكر في أقل من ثمانية عشر سنة، وقد لا يتذكر إلا بعد ذلك، حسب ما يأتيه من النذر والآيات، وما يكون حوله من البيئة الصالحة، أو غير الصالحة. المهم أنه يقال لهم توبيخاً: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) وفي هذا دليل على أنه كلما طال بالإنسان العمر، كان أولى بالتذكر. وأما قوله تعالى: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) فالصحيح أن المراد بالنذير:

стр. 722

النبي، وهو اسم جنس يشمل رسول الله ﷺ ، ويشمل الرسل الذين من قبله، كلهم نذر ـ عليهم الصلاة والسلام. فالواجب على الإنسان أن يحرص في آخر عمره على الإكثار من طاعة الله، ولا سيما ما أوجب الله عليه، وأن يكثر من الاستغفار والحمد، كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (النصر: ١٣) . هذه السورة يقال أنها آخر سورة نزلت على النبي ﷺ ، وفيها قصة عجيبة. نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة والعاقبة، وأن يجعل خير أعمارنا أواخرها، خير أعمالنا خواتيمها. * * * ١١٢ ـ وأما الأحاديث فالأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) رواه البخاري. قال العلماء: معناه: لم يترك له عذراً إذ أمهله هذه المدة. يقال: أعذر الرجل: إذا بلغ الغاية في العذر.

стр. 723

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) . والمعنى أن الله إذا عمر الإنسان حتى بلغ ستين سنة فقد أقام عليه الحجة، ونفى عنه العذر؛ لأن ستين سنة يبقى الله الإنسان إليها؛ يعرف من آيات الله ما يعرف، ولاسيما إذا كان ناشئاً في بلد إسلامي، لا شك أن هذا يؤدي إلى قطع حجته إذا لاقى الله لأنه لا عذر له، فلو أنه مثلاً قصر في عمره إلى خمس عشرة سنة، أو عشرين سنة، لكان قد يكون له عذر في أنه لم يتمهل ولم يتدبر الآيات، ولكنه إذا أبقاه إلى ستين سنة، فإنه لا عذر له، قد قامت عليه الحجة، مع أن الحجة تقوم على الإنسان من حين أن يبلغ، فإنه يدخل في التكليف ولا يعذر بالجهل، فإن الواجب على المرء أن يتعلم من شريعة الله ما يحتاج إليه، مثلاً: إذا أراد أن يتوضأ لابد أن يعرف كيف يتوضأ، إذا أراد أن يصلي لابد أن يعرف كيف يصلي، إذا صار عنده مال لابد أن يعرف ما مقدار النصاب، وما مقدار الواجب، وما أشبه ذلك، إذا أراد أن يصوم، لابد أن يعرف كيف يصوم، وما هي المفطرات، وإذا أراد أن يحج أو يعتمر يجب أن يعرف كيف يحج، وكيف يعتمر، وما هي محظورات الإحرام، إذا كان من الباعة الذين يبيعون ويشترون بالذهب مثلاً، لابد أن يعرف الربا، وأقسام الربا، وما الواجب في بيع الذهب بالذهب، أو بيع الذهب بالفضة، وهكذا إذا

стр. 724

كان ممن يبيع الطعام، لابد أن يعرف كيف يبيع الطعام، ولابد أن يعرف ما هو الغش الذي يمكن أن يكون، وهكذا. والمهم أن الإنسان إذا بلغ لستين سنة فقد قامت عليه الحجة التامة، وليس له عذر، وكل إنسان بحسبه، كل إنسان يجب عليه أن يتعلم من الشريعة ما يحتاج، إليه، في الصلاة والزكاة والصيام والحج والبيوع والأوقاف وغيرها، حسب ما يحتاج إليه. وفي هذا الحديث دليل على أن الله له الحجة على عباده وذلك أن الله أعطاهم عقولاً، وأعطاهم أفهاماً، وأرسل إليهم رسلاً، وجعل من الرسالات ما هو خالد إلي يوم القيامة، وهي رسالة النبي ﷺ فإن الرسالات السابقة محدودة، حيث إن نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحدودة في الزمن؛ حيث أن كل رسول يأتي بنسخ ما قبله، إذا كانت الأمة التي أرسل إليها الرسولان واحدة. أما هذه الأمة فقد أرسل الله إليها محمداً ﷺ ، وجعله خاتم الأنبياء، وجعل آيته العظيمة الباقية هذا القرآن العظيم، فإن آيات الأنبياء تموت بموتهم، ولا تبقى بعد موتهم إلا ذكرى، أما محمد ﷺ فإن آيته هذا القرآن العظيم، باقية إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) (العنكبوت: ٥٠، ٥١) ، فالكتاب كاف عن كل آية لمن تدبره، وتعقله، وعرف معانيه، وانتفع بأخباره، واتعظ بقصصه، فإنه يغني عن كل شيء من الآيات.

стр. 725

لكن الذي يجعلنا نحس بهذا الآيات العظيمة، أننا لا نقرأ القرآن على وجه نتدبره، ونتعظ بما فيه. كثير من المسلمين ـ إن لم يكن أكثر المسلمين ـ يتلون الكتاب للتبرك والأجر فقط، ولكن الذي يجب أن يكون هو أن نقرأ القرآن لنتدبره ونتعظ بما فيه، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ) ، هذا الأجر (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) هذه هي الثمرة، (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ: ٢٩) . والله الموفق. * * * ١١٣ ـ الثاني عن أبن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني مع أشياع بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من حيث علمتم! فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر: ١) ؟ فقال بعضهم: امرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذلك تقول يا أبن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وذلك علامة أجلك: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (النصر: ٣) فقال عمر ﵁ ما أعلم منها إلا ما تقول. رواه البخاري.

стр. 726

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن عباس- ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ -كان يدخله في أشياخ بدر وكان من سيره عمر وهديه ﵁ أنه يشاور الناس ذوي الرأي فيما يشكل عليه، كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: ١٥٩) ، والشورى الشرعية ليست تكوين مجلس للشورى حتى يكون مشاركاً في الحكم، ولكن الشورى الشرعية أن ولي الأمر إذا أشكل عليه أمر من الأمور، جمع الناس له من ذوي الرأي والأمانة من أجل أن يستشيرهم في القضية الواقعة، فكان من هدي عمر ﵁ ومن سنته المشكورة، وسعيه الحميد أنه يشاور الناس، يجمعهم ليستشيرهم في الأمور الشرعية، والأمور السياسية، وغير ذلك، وكان يدخل مع أشياخ بدر، أي مع كبار الصحابة ﵃ عبد الله بن عباس، وكان صغير السن بالنسبة لهؤلاء، فوجدوا في أنفسهم: كيف يدخ عبد الله بن عباس ـ رضي اله عنهما ـ مع أشياخ القوم ولهم أبناء مثله ولا يدخلهم. فأراد عمرـ ﵁ أن يريهم مكانة عبد الله بن عباس ﵄ من العلم والذكاء والفطنة، فجمعهم ودعاه، فعرض عليهم هذه السورة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً، فانقسموا إلى قسمين لما سألهم عنها ما تقولون فيها؟ قسم سكت، وقسم قال: إن الله أمرنا إذا جاء النصر والفتح، أن نستغفر لذنوبنا، وأن نحمده

стр. 727

ونسبح بحمده، ولكن عمر ﵁ أراد أن يعرف ما مغزى هذه السورة، ولم يرد أن يعرف معناها التركيبي من حيث الألفاظ والكلمات. فسال ابن عباس ﵄ قال: ما تقول في هذه السورة؟ قال: هو أجل رسول الله ﷺ ، يعني علامة قرب أجله، أعطاه الله آية: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يعني فتح مكة، فإن ذلك علامة أجلك؛ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) فقال: ما أعلم فيها إلا ما علمت، وظهر بذلك فضل عبد الله بن عباس ﵄. وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يفطن لمغزى الآيات الكريمة، فإن المعنى الظاهر الذي يفهم من الكلمات والتركيبات؛ هذا أمر قد يكون سهلاً، لكن مغزى الآيات الذي أراده الله تعالى هو الذي قد يخفي على كثير من الناس، ويحتاج إلى فهم يؤتيه الله تعالى من يشاء. وقوله ﵎: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) ، أي سبح الله مصحوباً بالحمد، فالباء هنا للمصاحبة، وذلك لأنه إذا كان التسبيح مصحوباً بالحمد فإنه به يتحقق الكمال، لأن الكمال لا يتحقق إلا بانتقاء العيوب، وثبوت صفات الكمال، فانتفاء العيوب مأخوذ من قوله: (فَسَبِّحْ) لأن التسبيح معناه التنزيه عن كل نقص وعيب، وثبوت الكمالات مأخوذ من قوله: (بِحَمْدِ) لأن الحمد هو وصف المحمود بالصفات الكاملة، وليس هو الثناء كما هو مشهور عند كثير من العلماء، إذا قالوا: الحمد هو الثناء على الله بالجميل، وبعضهم يقول: بالجميل الاختياري وما أشبه ذلك، والدليل على ذلك الحديث القدسي، حديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 728

النبي ﷺ قال: (إن الله قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي تصفين، يعني الفاتحة، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال: أثنى على عبدي) . ففرق بين الحمد والثناء. والمهم أن الإنسان إذا جمع بين التسبيح والحمد، فقد جمع بين إثبات الكمال لله ونفى النقائض عنه. أما قوله: (وَاسْتَغْفِرْهُ) ، فمعناه: أطلب منه المغفرة، والمغفرة هي التجاوز عن الذنب والستر، يعني: المغفرة تجمع بين الستر الذنب والتجاوز عنه، وذلك من مدلول اشتقاقها، فإنها مأخوذة من المغفر؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب ليقي السهام، فهو واق وساتر. وأما قوله: (إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) ، ففيه أن الله موصوف بكثرة التوبة، لقوله: (تَوَّاباً) وهي صيغة مبالغة، لكثرة من يتوب؛ فيتوب الله عليه. والله ت تواب على عبده توبة سابقة لتوبته، وتوبة لاحقه لها، كما قال الله تعالى: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (التوبة: ١١٨) ، فالتوبة السابقة: أن يوفق الله العبد للتوبة، والتوبة اللاحقة: أن يقبل الله منه التوبة إذا تاب إليه.

стр. 729

وللتوبة شروط خمسة سبق ذكرها. الأول: الإخلاص لله في التوبة. والثاني: الندم على ما حصل منه من الذنب. والثالث: الإقلاع عنه في الحال. والخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه. وينبغي للإنسان أن يكثر من هذا الذكر في الركوع والسجود: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي) . فإنه جامع بين الذكر والدعاء، وكان النبي ﷺ يكثر أن يقوله في ركوعه وسجوده بعد نزول هذه السورة. والله الموفق.

стр. 730

١٣ ـ باب بيان كثرة طرق الخير قال الله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة: ٢١٥) ، وقال تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: ١٩٧) ، وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) ، وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ) (الجاثية: ١٥) ، والآيات في الباب كثيرة. [الشَّرْحُ] قال مؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: (باب بيان كثرة طرق الخير) ، الخير له طرق كثيرة وهذا من فضل الله على عباده من أجل أن تتنوع لهم الفضائل والأجور، والثواب الكثير، وأصول هذه الطرق ثلاثة: إما جهد بدني، وإما بذل مالي، وإما مركب من هذا وهذا، هذه أصول طرق الخير. أما الجهد البدني فهو أعمال البدن؛ مثل الصلاة، والصيام، والجهاد، وما أشبه ذلك، وأما البذل المالي فمثل الزكوات، والصدقات، والنفقات، وما أشبه ذلك، وأما المركب فمثل الجهاد فسبيل الله بالسلاح؛ فإنه يكون بالمال ويكون بالنفس، ولكن أنواع هذه الأصول كثيرة جداً، من أجل أن تتنوع للعباد الطاعات، حتى لا يملوا. لو كان الخير طريقاً واحد لمل الناس من ذلك وسئموا، ولما حصل الابتلاء، ولكن إذا تنوع كان ذلك أرفق بالناس، وأشد في الابتلاء. قال الله تعالى في هذا الباب: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨) ، وقال

стр. 731

تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (الأنبياء: ٩٠) ، وهذا يدل على أن الخيرات ليست خيراً واحداً، بل طرق كثيرة. ثم ذكر المؤلف آيات تشير إلى الخير له طرق، قال تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: ١٩٧) ، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة: ٢١٥) ، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) ، والآيات في هذا كثيرة، تدل على أن الخيرات ليست صنفاً واحداً، أو فرداً واحداً، أو جنساً واحداً. ويدل لما قلنا أن من الناس من تجده يألف الصلاة، فتجده كثير الصلوات، ومنهم من يألف قراءة القرآن، فتجده كثيراً يقرأ القرآن، ومنهم من يألف الذكر، والتسبيح، والتحميد، وما أشبه ذلك، فتجده يفعل ذلك كثيراً، ومنهم الكريم الطليق اليد الذي يحب بذل المال فتجده دائماً يتصدق، ودائماً ينفق على أهله ويوسع عليهم في غير إسراف. ومنهم من يرغب العلم وطلب العلم، الذي هو في وقتنا هذا قد يكون أفضل أعمال البدن؛ لأن الناس في الوقت الحاضر، في عصرنا، هذا محتاجون إلى العلم الشرعي، لغلبة الجهل، وكثرة المتعالمين الذين يدعون أنهم علماء، وليس عندهم من العلم إلا بضاعة مزجاة، فنحن في حاجة إلى طلبة علم، يكون عندهم علم راسخ ثابت مبني على الكتاب والسنة، من أجل أن يردوا هذه الفوضى التي أصبحت منتشرة في القرى والبلدان والمدن؛ كل إنسان عنده حديث أو حديثان عن رسول الله ﷺ يتصدى للفتيا، ويتهاون بها، وكأنه شيخ الإسلام ابن تيمية، أو الإمام

стр. 732

أحمد أو الإمام الشافعي، أو غيرهم من الأئمة، وهذا بنذر بخطر عظيم؛ إن لم يتدارك الله الأمة بعلماء راسخين، عندهم علم قوي وحجة قوية. ولهذا نرى أن طلب العلم اليوم أفضل الأعمال المتعدية للخلق، أفضل من الصدقة، وأفضل من الجهاد، بل هو جهاد في الحقيقة، لأن الله جعله عديلاً للجهاد في سبيل الله، وليس الجهاد الذي يشوبه ما يشوبه من الشبهات، ويشك الناس في صدق نية المجاهدين، لا، الجهاد الحقيقي الذي تعلم علم اليقين أن المجاهدين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فتجدهم مثلاً يطبقون هذا المبدأ في أنفسهم قبل أن يجاهدوا غيرهم، فالجهاد الحقيقي في سبيل الله: الذي يقاتل فيه المقاتلون لتكون كلمة الله هي العيا يعادله طلب العلم الشرعي، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) ، يعني ما كانوا ليذهبوا إلى الجهاد جميعاً، (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) يعني وقعدت طائفة، وإنما قعدوا (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢) ، فجعل الله طلب العلم معادلاً للجهاد في سبيل الله، الجهاد الحق الذي يعلم بقرائن الأحوال وحال المجاهدين أنهم يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا. فالمهم أن طرق الخير كثيرة، وأفضلها فيما أرى ـ بعد الفرائض التي فرضها الله ـ هو طلب العلم الشرعي، لأننا اليوم في ضرورة إليه، لقد سمعنا وجاءنا استفتاء عن شخص يقول: من صلى في مساجد البلد الفلاني فإنها لا تصح صلاته، لأن الذين تبرعوا لهذه المساجد فيهم كذا،

стр. 733

وكذا ومن صلى على حسب الأذان، فإنه لا تصح صلاته. لماذا؟! لأنه مبني على توقيت وليس على رؤية الشمس، والرسول ﷺ يقول: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر) ، أما الآن؛ الأوقات مكتوبة في أوراق، والناس يمشون عليها، هؤلاء كلهم لا تصح صلاتهم، يعني كل المسلمين ـ على زعمه ـ لا تصح صلاتهم، وهذه بلبلة. والمشكلة أن مثل هذا، يقال: إنه رجل عنده شيء من العلم، لكنه علم الأوراق الذي يعطى الإنسان فيه بطاقة تشهد بأنه متخرج من كذا وكذا، ثم يقول: أنا من، أنا ,,!! فالحاصل أنه لابد للأمة الإسلامية من علماء راسخين في العلم، أما أن تبقى الأمور هكذا فوضى، فإنهم على خطر عظيم، ولا يستقيم للناس دين، ولا تطمئن قلوبهم، ويصير كل واحدٍ تحت شجرة يفتي، وكل واحد تحت سقف يفتي، وكل واحد على قمة جبل يفتي، وهذا ليس صحيح، لابد من علماء عندهم علم راسخ ثابت، مبني على الكتاب والسنة، وعلى العقل والحكمة. والله الموفق. * * *

стр. 734

وأما الأحاديث فكثيرة جداً وهي غير منحصرة فنذكر، ومنها طرفاً منها: ١١٧ ـ الأول: عن أبى ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله، والجهاد في سبيله) قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: (أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً) ، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق) . قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة على نفسك) متفق عليه. (الصانع) بالصاد المهملة، هذا هو المشهور، وروي: (ضائعاً) بالمعجمة أي ذا ضياع من فقر أو عيال، ونحو ذلك، و (الأخرق) : الذي لا يتقن ما يحاول فعله. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في باب كثرة الخير، فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أنه سال النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) والصحابة ﵃ يسألون النبي ﷺ عن أفضل الأعمال من أجل أن يقوموا بها، وليسوا كمن بعدهم، فإن من بعدهم ربما يسألون عن أفضل الأعمال، ولكن لا يعملون. أما الصحابة فإنهم يعملون، فهذا ابن مسعود ـ رضي اله عنه ـ سأل النبي ﷺ :

стр. 735

أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) . قلت ثم أي؟ قال (بر الوالدين) . قلت ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) . وهذا أيضاً أبو ذر يسأل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال؛ فبين له النبي ﷺ أن أفضل الأعمال إيمان بالله، وجهاد في سبيله، ثم سأله عن الرقاب: أي الرقاب أفضل؟ والمراد بالرقاب: المماليك، يعني: ما هو الأفضل في إعتاق الرقاب؟ فقال: (أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً) وأنفسها عند أهلها يعني: أحبها عن أهلها، وأكثرها ثمناً: أي أغلاها ثمناً، فيجتمع في هذه الرقبة النفاسة، وكثرة الثمن، ومثل هذا لا يبذله إلا الإنسان عنده قوة وإيمان. ومثال ذلك: إذا كان عند رجل عبيد ومنهم واحد يحبه؛ لأنه قائم بأعماله، ولأنه خفيف النفس، ونافع لسيده، وهو كذلك أيضاً أغلى العبيد عنده ثمناً، فإذا سألا أيما أفضل؟ أعتق هذا، أو ما بعده، أو ما دونه؟ قلنا أن تعتق هذا، لأن هذا أنفس الرقاب عندك، وأغلاها ثمناً، وقد قال النبي ﷺ في الرقاب: أغلاها ثمناً، أنفسها عند أهلها. وهذا كقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: ٩٢) . وكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، اتباعاً لهذا الآية. وجاء أبو طلحة ﵁ حين نزلت هذه الآية: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ

стр. 736

حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن الله أنزل قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وأن أحب مالي إلى بيرحاء، وبيرحاء بستان نظيف قريب من مسجد النبي ﷺ ، كان النبي ﷺ يأتني إليه، ويشرب من ماء فيه طيب عذب، وهذا يكون غالباًً عند صاحبه، فقال أبو طلحة: وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أجعلها صدقة لله ورسوله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال النبي ﷺ : (بخ. بخ) . يعني يتعجب ويقول: (مال رابح، مال رابح) ثم قال: (أرى أن تجعلها في الأقربين) ، فقسمها أبو طلحة في قرابته، والشاهد أن الصحابة يتبادرون الخيرات. ثم سأله أبو ذر: إن لم يجد، يعني رقبة بهذا المعني، أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمناً؟ قال: (تعين صانعاً أو تصنع لأخرق) ، يعني: تصنع لإنسان معروفاً، أو تعين أخرق، ما يعرف، فتساعده وتعينه، فهذا أيضاً صدقة ومن الأعمال الصالحة. قال: فإن لم أفعل؟ قال: (تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك) وهذا أدنى ما يكون؛ أن يكف الإنسان شره عن غيره، فيسلم الناس منه، والله الموفق. * * *

стр. 737

١١٨ ـ الثاني: عن أبي ذر أيضاً ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقه، وكل تهليله صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه مسلم. (السلامى) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في باب كثرة طرق الخيرات، فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة) السلامى هي العظام، أو مفاصل العظام، يعني أنه يصبح كل يوم على كل واحد من الناس صدقة في كل عضو من أعضائه، في كل مفصل من مفاصله، قالوا: والبدن فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، ما بين صغير وكبير، فيصبح على كل إنسان كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة. ولكن هذا الصدقات ليست صدقات مالية، بل هي عامة، كل أبواب الخير صدقة، كل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، حتى إن النبي ﷺ قال: (إنك إذا أعنت الرجل في دابته وحملته عليها أو رفعت له

стр. 738

عليها متعة فهو صدقة) كل شيء صدقة، قراءة القرآن صدقة، طلب العلم صدقة، وحينئذ تكثر الصدقات، ويمكن أن يأتي الإنسان بما عليه من الصدقات، وهي ثلاثمائة وستون صدقة. ثم قال: (ويجزى من ذلك) ، يعني: عن ذلك (ركعتان يركعهما من الضحى) يعني أنك صليت من الضحى ركعتين؛ أجزأت عن كل الصدقات التي عليك، وهذا من تيسير الله على العباد. وفي الحديث دليل على أن الصدقة تطلق على ما ليس بمال. وفيه أيضاً دليل على أن ركعتي الضحى سنة، سنة كل يوم، لأنه إذا كان كل يوم عليك صدقة على كل عضو من أعضائك، وكانت الركعتان تجزي، فهذا يقضي أن صلاة الضحى سنة كل يوم، من أجل أن تقضي الصدقات التي عليك. قال أهل العلم: وسنة الضحى يبتدئ وقتها مع ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني حوالي ربع إلى ثلث ساعة بعد الطلوع، إلى قبيل الزوال، أي إلى قبل الزوال بعشر دقائق، كل هذا وقت لصلاة الضحى، في أي وقت فيه تصلى ركعتي الضحى، ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال، فإنه يجزي لكن الأفضل أن تكون في آخر الوقت، لقول النبي

стр. 739

صلى الله عليه وسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) ، يعني حين تقوم الفصال من الرمضاء لشدة حرارتها؛ ولهذا قال العلماء: إن تأخير ركعتي الضحى إلى آخر الوقت أفضل من تقديمها، كما كان النبي ﷺ يستحب أن تؤخر صلاة العشاء إلى آخر الوقت، إلا مع المشقة. فالحاصل أن الإنسان قد فتح الله له أبواب طرق الخير كثيرة، وكل شيء يفعله الإنسان من هذه الطرق، فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. والله الموفق. * * * ١١٩ ـ الثالث: عنه قال: قال النبي ﷺ : (عرضت علي أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها) عرضت علي: يعني بلغت عنها، وبينت لي، والذي بينها له هو الله لأن الله هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، فعرض الله على نبينا محمد ﷺ المحاسن والمساوئ من أعمال الأمة، فوجد من

стр. 740

محاسنها: الأذى يماط عن الطريق، ويماط: يعني يزال، والأذى ما يؤذي المارة؛ من شوك، وأعواد، وأحجار، وزجاج، وأرواث، وغير ذلك. كل ما يؤذي فإماطته من محاسن الأعمال. وقد بين النبي ﵊ أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فهو من محاسن الأعمال، وفيه ثواب الصدقة، وبين النبي ﷺ : أن (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، فإذا وجدت في الطريق أذى فأماطته؛ فإن ذلك من محاسن أعمالك، وهو صدقة لك، وهو من خصال الإيمان وشعب الإيمان. وإذا كان هذا من المحاسن ومن الصدقات، فإن وضع الأذى في طريق المسلمين من مساوئ الأعمال، فهؤلاء الناس الذين يلقون القشور في الأسواق، في ممرات الناس؛ لاشك أنهم إذا آذوا المسلمين فإنهم مأزورون، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب: ٥٨) قال العلماء: لو زلق به حيوان أو إنسان فانكسر، فعلى من وضعه ضمانه، يضمنه بالدية أو بما دون الدية إذ كان لا يحتمل الدية، المهم أن هذا من أذية المسلمين. ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض الناس من إراقة المياه في الأسواق
следующие страницы →