Полный текст (3 784 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن الله أنزل قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وأن أحب مالي إلى بيرحاء، وبيرحاء بستان نظيف قريب من مسجد النبي ﷺ ، كان النبي ﷺ يأتني إليه، ويشرب من ماء فيه طيب عذب، وهذا يكون غالباًً عند صاحبه، فقال أبو طلحة: وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أجعلها صدقة لله ورسوله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال النبي ﷺ : (بخ. بخ) . يعني يتعجب ويقول: (مال رابح، مال رابح) ثم قال: (أرى أن تجعلها في الأقربين) ، فقسمها أبو طلحة في قرابته، والشاهد أن الصحابة يتبادرون الخيرات.
ثم سأله أبو ذر: إن لم يجد، يعني رقبة بهذا المعني، أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمناً؟ قال: (تعين صانعاً أو تصنع لأخرق) ، يعني: تصنع لإنسان معروفاً، أو تعين أخرق، ما يعرف، فتساعده وتعينه، فهذا أيضاً صدقة ومن الأعمال الصالحة.
قال: فإن لم أفعل؟ قال: (تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك) وهذا أدنى ما يكون؛ أن يكف الإنسان شره عن غيره، فيسلم الناس منه، والله الموفق.
* * *
стр. 737
١١٨ ـ الثاني: عن أبي ذر أيضاً ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقه، وكل تهليله صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه مسلم. (السلامى) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في باب كثرة طرق الخيرات، فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة) السلامى هي العظام، أو مفاصل العظام، يعني أنه يصبح كل يوم على كل واحد من الناس صدقة في كل عضو من أعضائه، في كل مفصل من مفاصله، قالوا: والبدن فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، ما بين صغير وكبير، فيصبح على كل إنسان كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة.
ولكن هذا الصدقات ليست صدقات مالية، بل هي عامة، كل أبواب الخير صدقة، كل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، حتى إن النبي ﷺ قال: (إنك إذا أعنت الرجل في دابته وحملته عليها أو رفعت له
стр. 738
عليها متعة فهو صدقة) كل شيء صدقة، قراءة القرآن صدقة، طلب العلم صدقة، وحينئذ تكثر الصدقات، ويمكن أن يأتي الإنسان بما عليه من الصدقات، وهي ثلاثمائة وستون صدقة.
ثم قال: (ويجزى من ذلك) ، يعني: عن ذلك (ركعتان يركعهما من الضحى) يعني أنك صليت من الضحى ركعتين؛ أجزأت عن كل الصدقات التي عليك، وهذا من تيسير الله على العباد.
وفي الحديث دليل على أن الصدقة تطلق على ما ليس بمال.
وفيه أيضاً دليل على أن ركعتي الضحى سنة، سنة كل يوم، لأنه إذا كان كل يوم عليك صدقة على كل عضو من أعضائك، وكانت الركعتان تجزي، فهذا يقضي أن صلاة الضحى سنة كل يوم، من أجل أن تقضي الصدقات التي عليك.
قال أهل العلم: وسنة الضحى يبتدئ وقتها مع ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني حوالي ربع إلى ثلث ساعة بعد الطلوع، إلى قبيل الزوال، أي إلى قبل الزوال بعشر دقائق، كل هذا وقت لصلاة الضحى، في أي وقت فيه تصلى ركعتي الضحى، ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال، فإنه يجزي لكن الأفضل أن تكون في آخر الوقت، لقول النبي
стр. 739
صلى الله عليه وسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) ، يعني حين تقوم الفصال من الرمضاء لشدة حرارتها؛ ولهذا قال العلماء: إن تأخير ركعتي الضحى إلى آخر الوقت أفضل من تقديمها، كما كان النبي ﷺ يستحب أن تؤخر صلاة العشاء إلى آخر الوقت، إلا مع المشقة.
فالحاصل أن الإنسان قد فتح الله له أبواب طرق الخير كثيرة، وكل شيء يفعله الإنسان من هذه الطرق، فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. والله الموفق.
* * *
١١٩ ـ الثالث: عنه قال: قال النبي ﷺ : (عرضت علي أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها) عرضت علي: يعني بلغت عنها، وبينت لي، والذي بينها له هو الله لأن الله هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، فعرض الله على نبينا محمد ﷺ المحاسن والمساوئ من أعمال الأمة، فوجد من
стр. 740
محاسنها: الأذى يماط عن الطريق، ويماط: يعني يزال، والأذى ما يؤذي المارة؛ من شوك، وأعواد، وأحجار، وزجاج، وأرواث، وغير ذلك. كل ما يؤذي فإماطته من محاسن الأعمال.
وقد بين النبي ﵊ أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فهو من محاسن الأعمال، وفيه ثواب الصدقة، وبين النبي ﷺ : أن (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، فإذا وجدت في الطريق أذى فأماطته؛ فإن ذلك من محاسن أعمالك، وهو صدقة لك، وهو من خصال الإيمان وشعب الإيمان.
وإذا كان هذا من المحاسن ومن الصدقات، فإن وضع الأذى في طريق المسلمين من مساوئ الأعمال، فهؤلاء الناس الذين يلقون القشور في الأسواق، في ممرات الناس؛ لاشك أنهم إذا آذوا المسلمين فإنهم مأزورون، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب: ٥٨) قال العلماء: لو زلق به حيوان أو إنسان فانكسر، فعلى من وضعه ضمانه، يضمنه بالدية أو بما دون الدية إذ كان لا يحتمل الدية، المهم أن هذا من أذية المسلمين.
ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض الناس من إراقة المياه في الأسواق
стр. 741
فتؤذي الناس، وربما السيارات من عندها، فتفسد على الإنسان ثيابه، وربما يكون فيها فساد لا شك للإسفلت؛ لأن الإسفلت كلما أتى عليه الماء وتكرر؛ فإنه يذوب ويفسد.
فالمهم أننا ـ مع الأسف الشديد ونحن أمة مسلمة ـ لا تبالي بهذه الأمور، وكأنها لا شيء، يلقى الإنسان الأذى في الأسواق، ولا يهتم بذلك، يكسر الزجاجات في الأسواق، ولا يهتم بذلك، الأعواد يلقيها؛ لا يهتم بذلك، حجر يضعه لا يهتم بذلك، إذن يستحب لنا كلما رأينا ما يؤذي أن نزيله عن الطريق؛ لأن ذلك صدقة، ومن محاسن الأعمال.
ثم قال: (ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) النخاعة يعني النخامة، وسميت بذلك لأنها تخرج من النخاع، النخامة تكون في المسجد لا تدفن؛ لأن المسجد في عهد الرسول ﷺ مفروش بالحصباء، بالحصى الصغار، فالنخامة تدفن في التراب، أما عندنا الآن فليس هناك تراب، ولكن إذا وجدت فإنها تحك بالمنديل حتى تذهب، واعلم أن النخامة في المسجد حرام، فمن تنخع في المسجد فقد أثم، لقول النبي ﷺ : (البصاق في المسجد خطيئة) فأثبت النبي ﷺ أنها خطيئة وكفارتها دفنها، يعني إذا فعلها الإنسان وأراد أن يتوب فليدفنها، لكن في عهدنا: فليحكها بمنديل أو نحوه حتى تزول.
وإذا كانت هذه النخاعة، فما بالك بما هو أعظم منها، مثل ما كان فيما مضى، حيث يدخل الإنسان المسجد بحذائه ولم يقلبها ويفتش فيها، ويكون فيها الروث الذي ينزل إلى المسجد، فيتلوث به فأنت اعتبر
стр. 742
بالنخامة، ما هو مثلها في أذية المسجد، أو أعظم منها ومن ذلك أيضاً أن بعض الناس تكون معه المناديل الخفيفة، ثم يتنخع فيها ويرمي بها في أرض المسجد، هذا أذى، ولا شك أن النفوس تتقزز إذا رأت مثل ذلك، فكيف إذا كان ذلك في بيت من بيوت الله، فإذا تنخعت في منديل، فضعه في جيبك، حتى تخرج فترمي به فيما أعد لذلك، على ألا تؤذي به أحداً. والله الموفق.
* * *
١٢٠ ـ الرابع: عنه: أن ناساً قالوا يا رسول الله: ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحه صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.
(الدثور) بالثاء المثلثة: الأموال، وأحدها دثر.
стр. 743
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن ناساً قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يعني استأثروا بالأجور وأخذوها عنا، وأهل الدثور: يعني أهل الأموال؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم؛ يعني: فنحن وهم سواء في الصلاة وفي الصيام، ولكنهم يفضلوننا بالتصدق بفضول أموالهم، أي بما أعطاهم الله تعالى من فضل المال؛ يعني: ولا نتصدق.
وهذا كما جاء في الحديث الآخر عن فقراء المهاجرين، قالوا: ويعتقون ولا نعتق. فانظر إلى الهمم العالية من الصحابة ﵃؛ يغبطون إخوانهم بما أنعم الله عليهم من الأموال التي يتصدقون بها ويعتقون منها، وليسوا يقولون: عندهم فضول أموال؛ يركبون بها المراكب الفخمة، ويسكنون القصور المشيدة، ويلبسون الثياب الجميلة؛ ذلك لأنهم قوم يريدون ما هو خير وأبقى، وهو الآخرة، قال الله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: ١٦، ١٧) ، وقال الله تعالى لنبيه صلى اله عليه وسلم: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى: ٤) .
فهم اشتكوا إلى الرسول ﵊ شكوى غبطة، لا شكوى حسد، ولا اعتراض على الله ولكن يطلبون فضلاً يتميزون به عمن أغناهم الله؛ فتصدقوا بفضول أموالهم.
فقال النبي ﷺ : (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟!) يعني إذا
стр. 744
فاتتكم الصدقة بالمال، فهناك الصدقة بالأعمال الصالحة: (إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة) ، وقد سبق الكلام على الأربع الأولى فيما سبق.
أما قوله ﷺ : (أمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة) فإن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أفضل الصدقات؛ لأن هذا هو الذي فضل الله به هذه الأمة على غيرها، فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: ١١٠) ، ولكن لابد للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من شروط:
الشرط الأول: أن يكون الأمر والناهي عالماً بحكم الشرع، فإن كان جاهلاً فإنه لا يجوز أن يتكلم؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يأمر بما يعتقد الناس أنه شرع الله ـ وليس له أن يتكلم في شرع الله بما لا يعلم؛ لأن الله حرم ذلك بنص القرآن، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) .
فمن منكرات الأمور: أن يتكلم الإنسان عن شيء يقول إنه معروف، وهولا يدري أنه معروف، أو يقول: إنه منكر، وهو لا يدري أنه منكر.
الشرط الثاني: أن يكون عالماً بأن المخاطب قد ترك المأمور أو فعل المحظور، فإن كان لا يدري ' فإنه لا يجوز له أن يفعل؛ لأنه حينئذ يكون
стр. 745
قد قفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦) .
يوجد بعض الناس الذين عندهم غيرة، وحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يتسرع فينكر من غير أن يعلم الحال التي عليها المخاطب. فمثلاً يجد إنساناً معه امرأة في السوق، فيتكلم في ذلك مع الرجل: لماذا تمشي مع المرأة؟ وهو لا يدري أنه محرم لها. هذا خطأ عظيم، إذا كنت في شك فسأله قبل أن تتكلم. أما إذا لم تكن هناك قرائن توجب الشك في هذا الرجل فلا تتكلم. ما أكثر الناس الذين يصطحبون نساءهم في الأسواق. وانظر إلى حال النبي ـ عليه الصلاة السلام ـ كيف يعامل الناس في هذه المسألة.
دخل رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فجلس، فقال له النبي ﷺ : (أصليت؟) قال: لا. قال: (قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) . ما قال له: لماذا تقعد؟ لأن الإنسان إذا دخل المسجد ينهى أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين، ففي أي وقت تدخل المسجد، في الصباح، في المساء، بعد العصر، بعد المغرب، بعد الفجر؛ لا تجلس حتى تصلي ركعتين، فهذا الرجل جاء وجلس، لكن هناك احتمال أنه صلى قبل أن يجلس، والنبي ﷺ لم يره، ولهذا قال له: (أصليت؟) قال: لا. قال: (قم فصل
стр. 746
ركعتين وتجوز فيهما) يعني خفف. فهنا لم يأمره أن يقوم فيصلي حتى سأله، وهذه هي الحكمة.
الشرط الثالث: من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ألا يترتب على النهي عن المنكر ما هو أنكر منه، فإن ترتب على ذلك ما هو أنكر منه فإنه لا يجوز، من باب درء أعلى المفسدتين بأدناهما
فلو فرض أن شخصاً وجدناه على منكر كأن يشرب الدخان مثلاً، ولو نهيناه عن شرب الدخان ذهب يشرب الخمر، فإننا لا ننهاه؛ إذ كنا نعلم أن هذا الرجل سيقدم على ما هو أعظم؛ فإننا لا ننهاه عن شرب الدخان عندئذ. لماذا؟ لأن شرب الدخان أهون من شرب الخمر، ودليل هذه المسألة قول الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: ١٠٨) ، فسب آلهة المشركين مصلحة مشروعة، لكن إذا ترتب عليها سب الله وهو أهل للثناء والمجد، فإنه ينهى عنه. لهذا قال الرسول ﵊: (لعن الله من لعن والديه) ، وقال ﷺ : (من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) .
فالحاصل: أنه لابد ألا يتضمن الإنكار ما هو أنكر من المنكر؛ درءاً
стр. 747
لأعلى المفسدتين بأدناهما.
ثم إنه يجب على الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن ينوي بهذا إصلاح الخلق. لا الانتصار عليهم، لأن من الناس من يأمر بالمعروف أو ينهي عن المنكر لينفذ سلطته وينتصر لنفسه، وهذا نقص كبير. قد يحصل فيه خير من جهة درء المنكر وفعل المعرف، ولكنه نقص كبير فأنت إذا أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، فانو بقلبك أنك تريد إصلاح الخلق، لا أنك تتسلط عليهم، وتنتصر عليهم، حتى تؤجر، ويجعل الله في أمرك ونهيك بركة. والله المستعان.
ثم قال النبي ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة) يعني أن الرجل إذا أتى امرأته، فإن ذلك صدقة، قالوا يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟) يعني لو زنى ووضع الشهوة في الحرام، هل يكون عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) والحمد لله. ومعنى ذلك: أن الرجل إذا استغنى بالحلال عن الحرام، كان له بهذا الاستغناء أجر.
ومن ذلك أيضاً: إذا أكل الإنسان طعاماً، فإنه ينال شهوته بالأكل والشرب، ومع ذلك ـ لكونه يستغني به عن الحرام ـ فإنه يكتب له به أجر.
ولهذا قال النبي ﵊ لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في فم
стр. 748
امرأتك) ، مع أن ما يجعله الإنسان في فم امرأته أمر لابد منه، إذ إن المرأة تقول: أنفق علي أو طلقني، وتخصمه في ذلك، تغلبه إذا لم ينفق، مع قدرته على الإنفاق، فلها الحق في أن تفسخ النكاح. ومع ذلك إذا أنفق عليها ينبغي بذلك وجه الله، فإن الله تعالى يؤجره على ذلك.
وفي حديث أبي ذر ﵁ تنبيه على ما يسميه الفقهاء قياس العكس: وهو إثبات نقص حكم الأصل في ضد الأصل لمفارقة العلة فهنا العلة في كون الإنسان يؤخر إذا أتى أهله، هو أنه وضع شهوته في حلال، نقيض هذه العلة: إذا وضع شهوته في حرام، فإنه يعاقب على ذلك، وهذا هو ما يسمى عند العلماء بقياس العكس، لأن القياس أنواع قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقياس عكس. والله الموفق.
١٢٣ ـ السابع: عنه عن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح) متفق عليه.
(النزل) : القوت والرزق وما يهيأ للضيف.
١٢٤ ـ الثامن: عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يا نساء المسلمات لا تحقرن
стр. 749
جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه.
قال الجوهري: الفرسن من البعير: كالحافر من الدابة، قال: ربما استعير في الشاة.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديثان اللذان نقلهما المؤلف ﵀ عن أبي هريرة رضي اله عنه ـ عن النبي ﷺ .
أما الأول: فهو أنه ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح) ، غدا: يعني ذهب غدوة، أي ذهب أول النهار، وذلك مثل أن يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر. (أو راح) : الرواح يطلق على بعد الزوال، مثل الذهاب إلى صلاة الظهر أو العصر، وقد يطلق الرواح على مجرد الذهاب، كما في قول النبي ﵊ في حديث أبي هريرة: (من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى..) إلى آخر الحديث فإن معنى راح في الساعة الأولى: أي ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى، لكن إذا ذكرت الغدوة مع الرواح، صارت الغدوة أو النهار، والرواح آخر النهار.
وظاهر الحديث أن من غدا إلى المسجد أو راح، سواء غداء للصلاة،
стр. 750
أو لطلب علم، أو لغير ذلك من مقاصد الخير، أن الله يكتب له الجنة نزلاً، والنزل: ما يقدم للضيف من طعام ونحوه على وجه الإكرام، أي أن الله تعالى يعد لهذا الرجل الذي ذهب إلى المسجد صباحاً أو مساءً، يعد له في الجنة نزلاً إكراماً له.
ففي هذا الحديث إثبات هذا الجزاء العظيم لمن ذهب إلى المسجد أو النهار أو آخره. وفيه بيان فضل الله على العبد، حيث يعطيه على مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل.
وأما حديثه الثاني: فهو قول النبي ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) ، يعني أن الرسول ﵊ في هذا الحديث حث على الهدية للجار ولو شيئاً قليلاً، قال: (ولو فرسن شاة) الفرسن ما يكون في ظلف الشاة، وهو شيء بسيط زهيد كأن النبي ﵊ يقول: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو قل.
وقد جاء عنه ﵊ أنه قال: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) . حتى المرق إذا أعطيته جيرانك هدية، فإنك تثاب على ذلك. كذلك أيضاً: (لا تحقرن شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) فإن هذا من المعروف. إذا لم تلق أخاك بوجه عبوس مكفهر، بل بوجه منطلق منشرح، فإن هذا من الخير ومن المعروف، لأن أخاك إذا واجهته بهذه المواجهة يدخل عليه السرور ويفرح، وكل شيء يدخل
стр. 751
السرور على أخيك المسلم؛ فإنه خير وأجر، كل شيء تغيظ به الكافر فإنه خير وأجر. قال الله تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِح) (التوبة: ١٢٠) .
* * *
١٢٥ ـ التاسع عنه عن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.
(البضع) من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح. (والشعبة) : القطعة.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث بين فيه الرسول ﵊ أن الإيمان ليس خصلة واحدة، أو شعبة واحدة، ولكنه شعب كثيرة؛ بضع وسبعون، يعني من ثلاث وسبعين إلى تسع وسبعين، أو بضع وستون شعبة، ولكن أفضها كلمة واحدة: وهي لا إله إلا الله، هذه الكلمة لو وزنت بها السماوات والأرض لرجحت بها، لأنها كلمة الإخلاص، وكلمة التوحيد، الكلمة التي سأل الله أن يختم لي ولكم بها، من كانت آخر كلامه من الدنيا دخل
стр. 752
الجنة. هذه الكلمة هي أفضل شعب الإيمان، (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، يعني إزالة الأذى عن الطريق، وهو كل ما يؤذي المارين، من حجر، أو شوك، أو زجاج، أو خرق، أو غير ذلك، كل ما يؤذي المارين إذا أزلته فإن ذلك من الإيمان.
(والحياء شعبة من الإيمان) وفي حديث آخر: (الحياء من الإيمان) . والحياء: حالة نفسية تعتري الإنسان عند فعل ما يخجل منه، وهي صفة حميدة كانت خلق النبي ﵊ فكان من خلقه ﵊ الحياء، حتى أنه كان أكثر حياء من العذراء في خدرها ﵊ إلا أنه لا يستحي من الحق.
فالحياء صفة محمودة، لكن الحق لا يستحي منه، فإن الله يقول: (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) (الأحزاب: ٥٣) ، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) (البقرة: ٢٦) الحق لا يستحي منه، ولكن ما سوى الحق فإن من الأخلاق الحميدة أن تكون حيياً، ضد ذلك من لا يستحي، فلا يبالي بما فعل، ولا يبالي بما قال. ولهذا جاء في الحديث: (إن مما أردك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) . والله الموفق.
* * *
стр. 753
١٢٦ ـ العاشر: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه، حتى رقى فسقى الكلب، فشكر له، فغفر له قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً فقال في كل كبدٍ رطبةٍ أجر) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: (فشكر الله له، فغفر له، فأدخله الجنة) .
وفي روايى لهما: (بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاسقت له به، فسقته فغفر لها به) .
(الموق) : الخف. و (يطيف) يدور حول (ركية) وهي البئر.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ في باب كثرة طرق الخيرات هذه القصة الغريبة التي رواها أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه بينا رجل يمشي في الطريق مسافراً، أصابه العطش، فنزل بئراً فشرب منها، وانتهى عطشه، فلما خرج، وإذا بكلب يأكل الثرى من العطش، يعني: يأكل الطين المبتل الرطب، يأكله من العطش، من أجل أن يمص ما فيه من
стр. 754
الماء، من شدة عطشه، فقال الرجل: والله لقد أصاب الكلب من العطش ما أصابني، أو بلغ بهذا الكلب من العطش ما يلغي بي، ثم نزل البئر وملأ خفه ماء. الخف: ما يلبس على الرجل من جلود ونحوها، فملأه ماء فأمسكه بفيه، وجعل يصعد بيديه، حتى صعد من البئر، فسقى الكلب، فلما سقى الكلب شكر الله له ذلك العمل، وغفر له، وأدخله الجنة بسببه.
وهذا مصداق قول النبي ﵊: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) ، عمل يسير شكر الله به عامل هذا العمل، وغفر له الذنوب، وأدخله الجنة.
ولما حدث ﷺ الصحابة بهذا الحديث، وكانوا ﵃ -أشد الناس حرصاً على العلم، لا من أجل أن يعلموا فقط، لكن من أجل أن يعلموا فيعملوا. سألوا النبي ﵊ قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجراً؟ قال: (في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر) ؛ لأن هذا كلب من البهائم، فكيف يكون لهذا الرجل الذي سقاه هذا الأجر العظيم؟ هل لنا في البهائم من أجر؟ قال: (في كل ذات كبد رطبة أجر) الكبد الرطبة تحتاج إلى الماء؛ لأنه لولا الماء ليبست وهلك الحيوان.
стр. 755
إذن نأخذ من هذه قاعدة، وهي أن الرسول ﵊ إذا قص علينا قصة من بني إسرائيل فذلك من أجل أن نعتبر بها، وأن نأخذ منها عبرة، وهذا كما قال الله : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: ١١١) .
وفي رواية أخرى، ولعلها قصة أخرى، أن امرأة بغياً من بغايا بني إسرائيل، يعني أنها تمارس الزنى ـ والعياذ بالله ـ رأت كلباً يطوف بركية، يعني يدور عليها عطشان، لكن لا يمكن أن يصل إلى الماء؛ لأنها ركية بئر، فنزعت موقها ـ يعني الخف الذي تلبسه ـ استقت له به من هذا البئر، فغفر الله لها.
فدل هذا على أن البهائم فيها أجر. كل بهيمة أحسنت لها بسقي، أو إطعام، أو وقاية من حر، أو وقاية من برد، سواء كانت لك أو لغيرك من بني آدم، أو كانت من السوائب، فإن لك في ذلك أجراً عند الله هذا وهن بهائم؛ فكيف بالآدميين؟ إذا أحسنت إلى الآدميين كان أشد وأكثر أجراً. ولهذا قال النبي ﵊ (من سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم) ، يعني لو كان ولدك الصغير وقف عند البرادة يقول لك: أريد ماء، وأسقيته وهو ظمآن، فقد سقيت مسلماً على ظمأ، فإن الله يسقيك من الرحيق المختوم. أجر كثير، ولله الحمد، غنائم
стр. 756
ولكن أين القابل لهذه الغنائم؟ أين الذي يخلص النية، ويحتسب الأجر على الله ؟ فأوصيك يا أخي ونفسي لأن تحرص دائماً على اغتنام الأعمال بالنية الصالحة حتى تكون لك عند الله ذخراً يوم القيامة، فكم من عمل صغيراً أصبح بالنية كبيراً! وكم من عمل كبير أصبح بالغفلة صغيراً!
* * *
١٢٧ ـ الحادي عشر: عنه عن النبي ﷺ قال: (لقد أريت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة
стр. 757
قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) . رواه مسلم.
وفي رواية: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة) .
وفي رواية لهما: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لقد أريت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) . وفي الرواية الأخرى: أنه دخل الجنة، وغفر الله له بسبب غصن أزاله عن طريق المسلمين، وسواء كان هذا الغصن من فوق، يؤذيهم من عند رؤوسهم، أو من أسفل يؤذيهم من جهة أرجلهم. المهم أنه غصن شوك يؤذي المسلمين فأزاله عن الطريق، أبعده ونحاه، فشكر الله له ذلك، وأدخله الجنة، مع أن هذا الغصن إذا آذى المسلمين فإنما يؤذيهم في أبدانهم، ومع ذلك غفر الله لهذا الرجل، وأدخله الجنة. ففيه دليل على فضيلة إزالة الأذى عن الطريق، وأنه سبب لدخول الجنة.
وفيه أيضاً دليل على أن الجنة موجودة الآن؛ لأن النبي ﷺ رأى هذا الرجل يتقلب فيها، وهذا أمر دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الجنة موجودة الآن، ولهذا قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣) ، أعدت: يعني هيئت. وهذا دليل على أنها موجودة الآن، كما أن النار أيضاً موجودة الآن، ولا تفنيان أبداً. خلقهما الله للبقاء، لا فناء لهما، ومن دخلهما لا يفنى أيضاً، فمن كان من أهل الجنة بقى فيها خالداً مخلداً فيها أبد الآبدين. ومن كان من أهل النار من الكفار دخلها خالداً مخلداً فيها أبداً الآبدين.
وهذا الحديث دليل على أن من أزال عن المسلمين الأذى فله هذا الثواب العظيم في أمر حسيً، فكيف بالأمر المعنوي؟ هناك بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ أهل شر وبلاء، وأفكار خبيثة، وأخلاق سيئة، يصدون الناس
стр. 758
عن دين الله، فإزالة هؤلاء عن طريق المسلمين أفضل بكثير وأعظم أجراً عند الله. فإذا أزيل أذى هؤلاء، إذا كانوا أصحاب أفكار خبيثة سيئة إلحادية، يرد عليها، وتبطل أفكارهم.
فإن لم يجد ذلك شيئاً قطعت أعناقهم، لأن الله يقول في كتابه العزيز: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣) ، و (أو) هنا قال بعض العلماء: إنها للتنويع، يعني أنهم يقتلون ويصلبون وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وينفوا من الأرض حسب جريمتهم.
وقال بعض أهل العلم: بل إن (أو) هنا للتخيير، أي أن ولي الأمر مخير: أن شاء قتلهم وصلبهم، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء نفاهم من الأرض، حسب ما يرى فيه المصلحة، وهذا القول قول جيد جداً؛ اعني أن تكون (أو) هنا للتخيير لأنه ربما يكون هذا الإنسان جرمه ظاهر سهل، ولكنه على المدى البعيد يكون صعباً، ويكون مضلاً للأمة. فهنا مثلاً هل نقول لولي الأمر أن جرم هذا الإنسان سهل. أنفه من الأرض، أطرده يكفي، أو اقطع يده اليمنى ورجله اليسرى يكفي، قد يقول لا يكفي؛ هذا أمر يخشى منه في المستقبل، هذا لا يكفي المسلمين شره إلا أن أقتله؛ نقول: نعم لك ذلك. فكون (أو) هنا للتخيير أقرب للصواب من كونها تنزل على حسب الجريمة.
والواجب على ولاة الأمور أن يزيلوا الأذى عن طريق المسلمين، أي
стр. 759
أن يزيلوا كل داعية إلى شر، أو إلى إلحاد، أو إلى مجون، أو إلى فسوق بحيث يمنع من نشر ما يريد من أي شيء كان من الشر والفساد، وهذا هو الواجب.
ولكن لا شك أن ولاة الأمور الذين ولاهم الله على المسلمين في بعضهم تقصير، وفي بعضهم تهاون. يتهاونون بالأمر في أوله حتى ينمو ويزداد، وحينئذ يعجزون عن صده. فالواجب أن يقابل الشر من أول أمره بقطع دابره، حتى لا ينتشر ولا يضل الناس به.
المهم أن إزالة الأذى عن الطريق، والطريق الحسي، طريق الأقدام، والطريق المعنوي، طريق القلوب، والعمل على إزالة الأذى عن هذا الطريق كله مما يقرب إلى الله. وإزالة الأذى عن طريق القلوب، والعمل الصالح أعظم أجراً، وأشد إلحاحاً من إزالة الأذى عن طريق الأقدام. والله الموفق.
* * *
١٢٨ ـ الثاني عشر: عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع , أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا) رواه مسلم.
стр. 760
[الشَّرْحُ]
في هذا الحديث دليل على أن الحضور إلى الجمعة بعد أن يحسن الإنسان وضوءه، ثم يستمع إلى الخطيب وهو يخطب، وينصت، فإنه يغفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وفضل ثلاثة أيام، وهذا عمل يسير ليس فيه مشقة على الإنسان؛ أن يتوضأ ويحضر إلى الجمعة ن وينصت لخطبة الإمام حتى يفرغ.
وقوله في هذا الحديث (من توضأ) لا يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فإن هذا الحديث الثاني فيه زيادة على الحديث الأول، فيؤخذ بها. كما أنه أيضاً أصح منه. فإنه أخرجه الأئمة السبعة، وهذا لم يخرجه إلا مسلم، فيجب أولاً على من أراد حضور الجمعة أن يغتسل وجوباً، فإن لم يفعل كان آثماً، ولكن الجمعة تصح، لأن هذا الغسل ليس عن جنابة حتى نقول أن الجمعة لا تصح؛ بل هو غسل واجب كغيره من الوجبات، إذا تركه الإنسان أثم وإن فعله أثيب.
ويدل على أنه ليس شرطاً لصحة الصلاة وإنما هو واجب؛ أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ دخل ذات يوم وأمير المؤمنين
стр. 761
عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال أمير المؤمنين عمر: لماذا تأخرت؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت، يعني كأنه شغل ﵁ ولم يتمكن من الحضور مبتكراً. فقال عمر ـ وهو على المنبر والناس يسمعون ـ قال الأمير المؤمنين عثمان: والوضوء أيضاً، وقد قال النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) يعني كيف تقتصر على الوضوء؛ وقد قال النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فأمر من أتى الجمعة بالاغتسال؟! ولكن لم يقل له اذهب فاغتسل، لأنه لو ذهب واغتسل، فربما تفوته الجمعة التي من أجلها وجب الغسل فيضيع الأصل إلى الفرع.
فالحاصل أن هذا الحديث الذي ساقه المؤلف، وإن كان يدل على عدم وجوب الاغتسال؛ لكن هناك أحاديث أخرى تدل على وجوب الاغتسال.
وفي هذا الحديث دليل على فضيلة الاستماع إلى الخطبة، والإنصات، والاستماع: أن يرعاها سمعه، والإنصات: ألا يتكلم، هذا الفرق بينهما. فيستمع الإنسان ويتابع بسمعه كلام الخطيب، ولا يتكلم. وقد ثبت عن النبي ﵊: أن (من يتكلم يوم الجمعة والأمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً) والحمار أبلد الحيوانات،
стр. 762
يحمل أسفاراً ـ يعني كتباً ـ ولكنه لا ينتفع بالكتب إذا حملها؟ ووجه الشبه بينهما أن هذا الذي حضر لم ينتفع بالخطبة لأنه تكلم، وقال ﷺ : (والذي يقول له: أنصت ـ يعني يسكته ـ فقد لغا) ومعنى لغا أي فاته أجر الجمعة، فالمسألة خطيرة.
ولهذا قال هنا: (ومن مس الحصى فقد لغا) وقد كان في عهد الرسول ﷺ يفرش المسجد بالحصبة، وهي الحصى الصغار مثل العدس، أو أكبر قليلاً، أو أقل، يفرش بها الفرش التي نفرشها الآن، فكان بعض الناس ربما يعبث بالحصى، يحركها بيده، أو يمسحها بيده، أو ما أشبه ذلك، فقال ﷺ (من مس الحصى فقد لغا) لأن مس الحصى يلهيه عن الاستماع للخطبة، ومن لغا فلا جمعة له، يعني يحرم ثواب الجمعة التي فضلت بها هذه الأمة على غيرها.
وإذا كان هذا في مس الحصى، فكذلك أيضاً الذي يعبث بغير مس الحصى، الذي يعبث بتحريك القلم، أو الساعة، أو المروحة التي يحركها ويلفها دون حاجة، أو الذي يعبث بالسواك، يريد أن يتسوك والإمام يخطب إلا لحاجة، كأن يأتيه النوم أو النعاس؛ فأخذ يتسوك ليطرد النعاس عنه؛ فهذا لا بأس به، لأنه لمصلحة استماع الخطبة، وقد سئلنا عن الرجل يكتب ما يستمعه في الخطبة؛ لأن بعض الناس ينسى فيقول: أنا كلما مرت
стр. 763
على جملة مفيدة أكتبها، هل يجوز أم لا؟ فالظاهر أنه لا يجوز، لأن هذا إذا اشتغل بالكتابة تلهى عما يأتي بعدها، لأن الإنسان ليس له قلبان. فإذا كان يشتغل بالكتابة تلهى عما يقوله الخطيب أثناء كتابته لما سبق، ولكن الحمد لله، الآن قد جعل الله للناس ما يرحهم، حيث جاءت هذه المسجلات. فبإمكانك أن تحضر المسجل تسجل الخطبة في راحة، وتستمع إليها في بيتك، أو في سيارتك، على أي وضع كنت. والله الموفق.
* * *
١٢٩ ـ الثالث عشر: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن، فغسل وجهه، وخرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع أخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع أخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ في فضائل الوضوء الذي أمر الله به في كتابه، في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: ٦) .
стр. 764
هذا الوضوء تطهر فيه الأعضاء الأربعة؛ الوجه، اليدان، والرأس، والرجلان، وهذا التطهير يكون تطهيراً حسياً، ويكون تطهيراً معنوياً. أما كونه تطهيراً حسياً فظاهر؛ لأن الإنسان يغسل وجهه، ويديه، ورجليه، ويمسح الرأس، وكان الرأس بصدد أن يغسل كما تغسل بقية الأعضاء، ولكن الله خفف في الرأس؛ ولأن الرأس يكون فيه الشعر، والرأس هو أعلى البدن، فلو غسل الرأس ولا سيما إذا كان فيه الشعر؛ لكان في هذه مشقة على الناس، ولا سيما في أيام الشتاء، ولكن من رحمة الله أن جعل فرض الرأس المسح فقط، فإذا توضأ الإنسان لا شك أنه يطهر أعضاء الوضوء تطهيراً حسياً، وهو يدل على كمال الإسلام؛ حيث فرض على معتنقيه أن يطهروا هذه الأعضاء التي هي غالباً ظاهرة بارزة.
أما الطهارة المعنوية، وهي التي ينبغي أن يقصدها المسلم، فهي تطهيره من الذنوب، فإذا غسل وجهه، خرجت كل خطايا نظر إليها بعينه، وذكر العين ـ والله أعلم ـ إنما هو على سبيل التمثيل، وإلا فالأنف قد يخطئ، والفم قد يخطئ؛ فقد يتكلم الإنسان بكلام حرام، وقد يشم أشياء ليس له حق يشمها، ولكن ذكر العين؛ لأن أكثر ما يكون الخطأ في النظر.
فلذلك إذا غسل الإنسان وجهه بالوضوء خرجت خطايا عينيه، فإذا غسل يديه خرجت خطايا يديه، فإذا غسل رجليه خرجت خطايا رجليه، حتى يكون نقياً من الذنوب. ولهذا قال الله تعالى حين ذكر الوضوء
стр. 765
والغسل والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) ، يعني ظاهراً وباطناً، حساً ومعنى، (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٦) ، فينبغي للإنسان إذا توضأ أن يستشعر هذا المعنى، أي أن وضوءه يكون تكفيراً لخطيئاته، حتى يكون بهذا الوضوء محتسباً الأجر على الله والله الموفق.
* * *
١٣٠ ـ الرابع عشر: عنه عن رسول الله ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
١٣١ ـ الخامس عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) قالوا بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) يعني أن الصلوات
стр. 766
الخمس تكفر الخطايا ما بين صلاة الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء إلى الفجر، هذه تكفر ما بينها من الخطايا. فإذا عمل الإنسان سيئة وأتقن هذه الصلوات الخمس، فإنها تمحو الخطايا، لكن قال: (إذا اجتنبت الكبائر) يعني إذا اجتنبت كبائر الذنوب.
وكبائر الذنوب هي: كل ذنب رتب عليه الشارع عقوبة خاصة، فكل ذنب لعن النبي ﷺ فاعله فهو من كبائر الذنوب، كل شيء فيه حد في الدنيا كالزنى، أو وعيد في الآخرة كأكل الربا، أو فيه نفي إيمان، مثل (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، أو فيه براءة منه، مثل (من غشنا فليس منا) ، أو ما أشبه ذلك فهو من كبائر الذنوب.
واختلف العلماء ﵏ في قوله ﷺ : (إذا اجتنبت الكبائر) هل معني الحديث أن الصغائر تكفر إذا اجتنبت الكبائر، وأنها لا تكفر إلا بشرطين هما: الصلوات الخمس، واجتناب الكبائر؟ أو أن معنى الحديث أنها كفارة لما بينهن إلا الكبائر فلا تكفرها، وعلى هذا فيكون لتكفير السيئات الصغائر شرط واحد، وهو إقامة هذه الصلوات الخمس، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان، وهذا هو المتبادر ـ والله
стр. 767
أعلم ـ أن المعنى: أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها إلا الكبائر فلا تكفرها، وكذلك الجمعة إلى الجمعة، وكذلك رمضان إلى رمضان، وذلك لأن الكبائر لابد لها من توبة خاصة، فإذا لم يتب توبة خاصة فإن الأعمال الصالحة لا تكفرها، بل لابد من توبة خاصة.
أما حديث أبي هريرة الثاني، فهو أن النبي ﵊ عرض على أصحابه عرضاً، يعلم النبي ﷺ ماذا سيقولون في جوابه، ولكن هذا من حسن تعليمه ﵊، أنه أحياناً يعرض المسائل عرضاً، حتى ينتبه الإنسان لذلك، ويعرف ماذا سيلقى إليه، قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) يعرض عليهم هل يخبرهم، ومن المعلوم أنهم سيقولون: نعم يا رسول الله أخبرنا، ولكنه ﵊ اتخذ هذه الصيغة وهذا الأسلوب من أجل أن ينتبهوا إلى ما سيلقى إليهم، قالوا: بلى يا رسول الله، يعني أخبرنا فإننا نود أن تخبرنا بما ترفع به الدرجات وتمحا به الخطايا، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) هذه ثلاثة أشياء:
أولاً: إسباغ الوضوء على المكاره، يعني إتمام الوضوء في أيام الشتاء؛ لأن أيام الشتاء يكون الماء فيها بارداً. وإتمام الوضوء يعني إسباغه، فيكون فيه مشقة على النفس، فإذا أسبغ الإنسان وضوءه مع هذه المشقة، دل هذا على كمال الإيمان، فيرفع الله بذلك درجات العبد ويحط عنه خطيئته.
ثانياً: كثرة الخطا إلى المساجد، يعني أن يقصد الإنسان المساجد، حيث شرع له إتيانهن، وذلك في الصلوات الخمس، ولو بعد المسجد فإنه كلما بعد المسجد عن البيت ازدادت حسنات الإنسان، فإن الإنسان إذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء، ثم خرج منه إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة، وحط
стр. 768
عنه بها خطيئة.
ثالثاً: انتظار الصلاة بعد الصلاة، يعني أن الإنسان من شدة شوقه إلى الصلوات، كلما فرغ من صلاة، فقلبه متعلق بالصلاة الأخرى ينتظرها، فإن هذا يدل على إيمانه ومحبته وشوقه لهذه الصلوات العظيمة، التي قال عنها رسول الله ﷺ (وجعلت قرة عيني في الصلاة) . فإذا كان ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فإن هذا مما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا.
وقوله ﷺ : (فذلكم الرباط) أصل الرباط: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، وهذا من أعظم الإعمال، فلذلك شبه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة في هذا الحديث، أي أن المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله.
стр. 769
وقيل: إن الرباط هاهنا اسم لما يربط به الشيء، والمعنى: أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه عنها.
هذان الحديثان ذكرهما المؤلف في باب كثرة طرق الخير؛ لأن هذه طرق متعددة من الخير؛ الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، كثرة الخطا إلى المساجد، إسباغ الوضوء على المكاره، انتظار الصلاة بعد الصلاة. والله الموفق.
* * *
١٣٢ ـ السادس عشر: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
(البردان) الصبح والعصر.
١٣٣ ـ السابع عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) .
стр. 770
البردان: هما صلاة الفجر وصلاة العصر، وذلك لأن صلاة الفجر تقع في أبرد ما يكون من الليل، وصلاة العصر تقع في أبرد ما يكون من النهار بعد الزوال، من صلاهما دخل الجنة، يعني أن المحافظة على هاتين الصلاتين وإقامتهما من أسباب دخول الجنة.
وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) هذا فيه تشبيه الرؤيا بالرؤيا، وليس المعنى تشبيه المرئي بالمرئي، لأن الله ليس كمثله شيء، ولكنكم ترونه رؤية حقيقية مؤكدة كما يرى الإنسان القمر ليلة البدر، وإلا فإن الله أجل وأعظم من أن يشابهه شيء من مخلوقاته.
ثم قال النبي ﷺ في آخر هذا الحديث: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) يعني بالتي قبل الطلوع الشمس: الفجر، والتي قبل غروبها: العصر، فهاتان الصلاتان هما أفضل الصلوات، وأفضلها صلاة العصر؛ لأنها هي الصلاة الوسطى التي قال الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨) . فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة الأحزاب: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) ،
стр. 771
وهذا نص صريح من رسول الله ﷺ أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
وقوله ﵊: (من صلى البردين) المراد صلاهما على الوجه الذي أمر به، ذلك بأن يأتي بهما في الوقت، وإذا كان من أصحاب الجماعة كالرجال فليأت بهما مع الجماعة، لأن الجماعة واجبة، ولا يحل لرجل أن يدع صلاة الجماعة في المسجد وهو قادر عليها.
أما حديثه الثاني: فهو أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً) يعني أن الإنسان إذا كان من عادته أن يعمل عملاً صالحاً، ثم مرض فلم يقدر عليه، فإنه يكتب له الأجر كاملاً. والحمد لله على نعمه.
إذا كنت مثلاً من عادتك أن تصلي مع الجماعة، ثم مرضت ولم تستطيع أن تصلي مع الجماعة، فكأنك مصل مع الجماعة، يكتب لك سبع وعشرون درجة، ولو سافرت وكان من عادتك وأنت مقيم في البلد أن تصلي نوافل، وأن تقرأ قرآناً، وأن تسبح وتهلل وتكبر، ولكنك لما سافرت انشغلت بالسفر عن هذا، فإنه يكتب لك ما كنت تعمله في البلد مقيماً، مثلاً لو سافرت وصليت وحدك في البر ليس معك أحد، فإنه يكتب لك صلاة الجماعة كاملاً إذا كنت في حال الإقامة تصلي مع الجماعة.
وفي هذا تنبيه على أنه ينبغي للعاقل ما دام في حال الصحة والفراغ، أن يحرص على الأعمال الصالحة، حتى إذا عجز عنها لمرض أو شغل كتبت له كاملة. اغتنم الصحة، اغتنم الفراغ، اعمل صالحاً، حتى إذا شغلت عنه بمرض أو غيره كتب لك كاملاً، ولله الحمد. ولهذا قال ابن
стр. 772
عمر: (خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) ، هكذا جاء في حديث ابن عمر، أما من قوله، وإما من قول النبي ﵊، أن الإنسان ينبغي له في حال الصحة أن يغتنم الفرصة، حتى إذا مرض كتب له عمله في الصحة، وأن يحرص ـ ما دام مقيماً ـ على كثرة الأعمال الصالحة، حتى إذا سافر كتب له ما كان يعمل في الإقامة. نسأل الله أن يخلص لنا ولكم النية، ويصلح لنا لكم العمل.
* * *
١٣٤ ـ الثامن عشر: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (كل معروف صدقة) رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية حذيفة ﵁.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في باب كثرة طرق الخيرات، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال: (كل معروف صدقة) .
المعروف: ما عرف في الشرع حسنه إن كان مما يتعبد به لله، وإن كان
стр. 773
مما يتعامل به الناس فهو مما تعارف الناس على حسنه، وهذا الحديث (كل معروف) يشمل هذا وهذا، فكل عمل تتعبد به إلى الله فإنه صدقة، كما ورد في حديث سابق: (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة) .
وأما ما يتعارف عليه الناس على حسنه مما يتعلق بالمعاملة بين الناس فهو معروف، مثل الإحسان إلى الخلق بالمال، أو بالجاه، أو بغير ذلك من أنواع الإحسان. ومن ذلك: أن تلقى أخاك بوجه طلق لا بوجه عبوس، وأن تلين له القول، وأن تدخل عليه السرور؛ ولهذا قال العلماء ﵏ إن من الخير: إذا عاد الإنسان مريضاً، أن يدخل عليه السرور ويقول: أنت في عافية، وإن كان الأمر على خلاف ما قال، بأن كان مرضه شديداً، يقول ذلك ناوياً أنه في عافية أحسن ممن هو دونه، لأن إدخال السرور على المريض سبب للشفاء. ولهذا تجد أن الإنسان إذا كان مريضاً مرضاً عادياً صغيراً، إذا قال له الإنسان إن هذا شيء يسير هين لا يضر سر بذلك ونسى المرض، ونسيان المرض سبب لشفائه، وكون الإنسان يعلق قلبه بالمرض فذلك سبب لبقائه. وأضرب لكم مثلاً لذلك برجل فيه جرح، تجد أنه تلهى بحاجة أخرى لا يحس بألم الجرح، لكن إذا تفرغ تذكر هذا الجرح وآلمه.
انظر مثلاً إلى الحمالين الذين يحملون الأشياء على السيارات
стр. 774
وينزلونها، أحياناً يسقط على قدمه شيء فيجرحه، ولكنه ما دام يحمل لا يشعر به ولا يحس به، فإذا فرغ أحس به وتألم.
إذن فغفلة المريض عن المرض، وإدخال السرور عليه، تأميله بأن الله سيشفيه، فهذا خير ينسيه المرض، وربما كان سبباً للشفاء.
إذن كل معروف صدقة. لو أن أحد إلى جنبك ورأيته محتراً يتصبب العرق من جنبيه، فروحت عليه بالمروحة، فإنه لك صدقة، لأنه معروف. لو قابلت الضيوف بالانبساط وتعجيل الضيافة لهم وما أشبه ذلك فهذا صدقة.
انظر إلى إبراهيم ﵊ لما جاءته الملائكة ضيوفاً ماذا صنعه؟ قالوا: سلاماً. قال: سلام. قال العلماء: وقول إبراهيم سلامٌ ابلغ من قول الملائكة سلاماً، لأن قول الملائكة سلاماً يعني نسلم سلاماً، وهو جملة فعلية تدل على التجدد والحدوث. وقول إبراهيم: سلامٌ جملة اسمية تدل على الثبوت والاستمرار فهو أبلغ. وماذا صنع ﵊؟ راغ إلى أهله فجاء بعجل سمين.
(فراغ) : قال العلماء: معناه انصرف مسرعاً بخفية، وهذا من حسن الضيافة، ذهب مسرعاً لئلا يمنعوه، أو يقولوا: انتظر ما نريد شيئاً (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦) ، وفي الآية الأخرى: (بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (هود: ٦٩) .
حنيذ يعني مشوياً، ومعلوم أن اللحم المشوي أطعم من اللحم المطبوخ، لأن طعمه يكون باقياً فيه (فَجَاءَ بِعِجْلٍ) والعلماء يقولون: إن
стр. 775
العجل من أفضل أنواع اللحم، لأن للحمه ليناً وطعماً. ثم قال تعالى: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) ما وضعه في مكان بعيد وقال لهم اذهبوا إلى مكان الطعام وإنما قربه إليهم.
ثم قال: (أَلا تَأْكُلُونَ) ولم يقل لهم: كلوا. و (ألا) أداة عرض يعني عرض عليهم الأكل ولم يأمرهم.
ولكن الملائكة لم يأكلوا، فهم لا يأكلون، ليس لهم أجواف، بل خلقهم الله من نور جسراً واحداً: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء: ٢٠) ، دائماً يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلم يأكلوا لهذا السبب.
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لأنهم لم يأكلوا، يقولون: أنه من عادة العرب أن الضيف إذا لم يأكل فقد تأبط شراً، ولهذا فمن عادتنا إلى الآن أنه إذا جاء الضيف ولم يأكل قالوا: مالح، يعني ذق من طعامنا، فإذا لم يمالح قالوا إن هذا الرجل قد نوى بنا شراً. فنكرهم إبراهيم ﵊ وأوجس منهم خيفة (قَالُوا لا تَخَفْ) ثم بينوا له الأمر (قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) (الذريات: ٢٨) وكان قد كبر، وكانت امرأته قد كبرت. (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ) لما سمعت البشرى (فِي صَرَّةٍ) أي في صيحة (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) عجباً، (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) ، يعني أألد وأنا عجوز عقيم؟ قالت الملائكة: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ) الرب يفعل ما يشاء إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
ثم قال تعالى: (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيم ُ) (الذريات: ٣٠) ، وهنا قدم الحكيم على العليم، وفي آيات كثيرة يقدم العليم على الحكيم، والسبب
следующие страницы →