Полный текст (3 784 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وهذا نص صريح من رسول الله ﷺ أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
وقوله ﵊: (من صلى البردين) المراد صلاهما على الوجه الذي أمر به، ذلك بأن يأتي بهما في الوقت، وإذا كان من أصحاب الجماعة كالرجال فليأت بهما مع الجماعة، لأن الجماعة واجبة، ولا يحل لرجل أن يدع صلاة الجماعة في المسجد وهو قادر عليها.
أما حديثه الثاني: فهو أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً) يعني أن الإنسان إذا كان من عادته أن يعمل عملاً صالحاً، ثم مرض فلم يقدر عليه، فإنه يكتب له الأجر كاملاً. والحمد لله على نعمه.
إذا كنت مثلاً من عادتك أن تصلي مع الجماعة، ثم مرضت ولم تستطيع أن تصلي مع الجماعة، فكأنك مصل مع الجماعة، يكتب لك سبع وعشرون درجة، ولو سافرت وكان من عادتك وأنت مقيم في البلد أن تصلي نوافل، وأن تقرأ قرآناً، وأن تسبح وتهلل وتكبر، ولكنك لما سافرت انشغلت بالسفر عن هذا، فإنه يكتب لك ما كنت تعمله في البلد مقيماً، مثلاً لو سافرت وصليت وحدك في البر ليس معك أحد، فإنه يكتب لك صلاة الجماعة كاملاً إذا كنت في حال الإقامة تصلي مع الجماعة.
وفي هذا تنبيه على أنه ينبغي للعاقل ما دام في حال الصحة والفراغ، أن يحرص على الأعمال الصالحة، حتى إذا عجز عنها لمرض أو شغل كتبت له كاملة. اغتنم الصحة، اغتنم الفراغ، اعمل صالحاً، حتى إذا شغلت عنه بمرض أو غيره كتب لك كاملاً، ولله الحمد. ولهذا قال ابن
стр. 772
عمر: (خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) ، هكذا جاء في حديث ابن عمر، أما من قوله، وإما من قول النبي ﵊، أن الإنسان ينبغي له في حال الصحة أن يغتنم الفرصة، حتى إذا مرض كتب له عمله في الصحة، وأن يحرص ـ ما دام مقيماً ـ على كثرة الأعمال الصالحة، حتى إذا سافر كتب له ما كان يعمل في الإقامة. نسأل الله أن يخلص لنا ولكم النية، ويصلح لنا لكم العمل.
* * *
١٣٤ ـ الثامن عشر: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (كل معروف صدقة) رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية حذيفة ﵁.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في باب كثرة طرق الخيرات، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال: (كل معروف صدقة) .
المعروف: ما عرف في الشرع حسنه إن كان مما يتعبد به لله، وإن كان
стр. 773
مما يتعامل به الناس فهو مما تعارف الناس على حسنه، وهذا الحديث (كل معروف) يشمل هذا وهذا، فكل عمل تتعبد به إلى الله فإنه صدقة، كما ورد في حديث سابق: (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة) .
وأما ما يتعارف عليه الناس على حسنه مما يتعلق بالمعاملة بين الناس فهو معروف، مثل الإحسان إلى الخلق بالمال، أو بالجاه، أو بغير ذلك من أنواع الإحسان. ومن ذلك: أن تلقى أخاك بوجه طلق لا بوجه عبوس، وأن تلين له القول، وأن تدخل عليه السرور؛ ولهذا قال العلماء ﵏ إن من الخير: إذا عاد الإنسان مريضاً، أن يدخل عليه السرور ويقول: أنت في عافية، وإن كان الأمر على خلاف ما قال، بأن كان مرضه شديداً، يقول ذلك ناوياً أنه في عافية أحسن ممن هو دونه، لأن إدخال السرور على المريض سبب للشفاء. ولهذا تجد أن الإنسان إذا كان مريضاً مرضاً عادياً صغيراً، إذا قال له الإنسان إن هذا شيء يسير هين لا يضر سر بذلك ونسى المرض، ونسيان المرض سبب لشفائه، وكون الإنسان يعلق قلبه بالمرض فذلك سبب لبقائه. وأضرب لكم مثلاً لذلك برجل فيه جرح، تجد أنه تلهى بحاجة أخرى لا يحس بألم الجرح، لكن إذا تفرغ تذكر هذا الجرح وآلمه.
انظر مثلاً إلى الحمالين الذين يحملون الأشياء على السيارات
стр. 774
وينزلونها، أحياناً يسقط على قدمه شيء فيجرحه، ولكنه ما دام يحمل لا يشعر به ولا يحس به، فإذا فرغ أحس به وتألم.
إذن فغفلة المريض عن المرض، وإدخال السرور عليه، تأميله بأن الله سيشفيه، فهذا خير ينسيه المرض، وربما كان سبباً للشفاء.
إذن كل معروف صدقة. لو أن أحد إلى جنبك ورأيته محتراً يتصبب العرق من جنبيه، فروحت عليه بالمروحة، فإنه لك صدقة، لأنه معروف. لو قابلت الضيوف بالانبساط وتعجيل الضيافة لهم وما أشبه ذلك فهذا صدقة.
انظر إلى إبراهيم ﵊ لما جاءته الملائكة ضيوفاً ماذا صنعه؟ قالوا: سلاماً. قال: سلام. قال العلماء: وقول إبراهيم سلامٌ ابلغ من قول الملائكة سلاماً، لأن قول الملائكة سلاماً يعني نسلم سلاماً، وهو جملة فعلية تدل على التجدد والحدوث. وقول إبراهيم: سلامٌ جملة اسمية تدل على الثبوت والاستمرار فهو أبلغ. وماذا صنع ﵊؟ راغ إلى أهله فجاء بعجل سمين.
(فراغ) : قال العلماء: معناه انصرف مسرعاً بخفية، وهذا من حسن الضيافة، ذهب مسرعاً لئلا يمنعوه، أو يقولوا: انتظر ما نريد شيئاً (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦) ، وفي الآية الأخرى: (بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (هود: ٦٩) .
حنيذ يعني مشوياً، ومعلوم أن اللحم المشوي أطعم من اللحم المطبوخ، لأن طعمه يكون باقياً فيه (فَجَاءَ بِعِجْلٍ) والعلماء يقولون: إن
стр. 775
العجل من أفضل أنواع اللحم، لأن للحمه ليناً وطعماً. ثم قال تعالى: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) ما وضعه في مكان بعيد وقال لهم اذهبوا إلى مكان الطعام وإنما قربه إليهم.
ثم قال: (أَلا تَأْكُلُونَ) ولم يقل لهم: كلوا. و (ألا) أداة عرض يعني عرض عليهم الأكل ولم يأمرهم.
ولكن الملائكة لم يأكلوا، فهم لا يأكلون، ليس لهم أجواف، بل خلقهم الله من نور جسراً واحداً: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء: ٢٠) ، دائماً يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلم يأكلوا لهذا السبب.
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لأنهم لم يأكلوا، يقولون: أنه من عادة العرب أن الضيف إذا لم يأكل فقد تأبط شراً، ولهذا فمن عادتنا إلى الآن أنه إذا جاء الضيف ولم يأكل قالوا: مالح، يعني ذق من طعامنا، فإذا لم يمالح قالوا إن هذا الرجل قد نوى بنا شراً. فنكرهم إبراهيم ﵊ وأوجس منهم خيفة (قَالُوا لا تَخَفْ) ثم بينوا له الأمر (قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) (الذريات: ٢٨) وكان قد كبر، وكانت امرأته قد كبرت. (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ) لما سمعت البشرى (فِي صَرَّةٍ) أي في صيحة (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) عجباً، (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) ، يعني أألد وأنا عجوز عقيم؟ قالت الملائكة: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ) الرب يفعل ما يشاء إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
ثم قال تعالى: (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيم ُ) (الذريات: ٣٠) ، وهنا قدم الحكيم على العليم، وفي آيات كثيرة يقدم العليم على الحكيم، والسبب
стр. 776
أن هذه المسألة، أي كونها تلد وهي عجوز خرجت عن نظائرها، ما لها نظير إلا نادراً ن فبدأ بالحكيم الدال على الحكمة، يعني أن الله حكيم أن تلدي وأنت عجوز.
المهم أن إبراهيم ـ عليه الصلاة السلام ـ قد ضرب المثل في حسن الضيافة، وحسن الضيافة من المعروف، وكل معروف صدقة، فاصنع للناس خيراً ومعروفاً، واعلم أن هذه صدقة تثاب عليها ثواب الصدقة. والله الموفق.
* * *
١٣٥ ـ التاسع عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة) . رواه مسلم.
وفي رواية له: (فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة) .
وفي رواية له: (لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة) وروياه جميعاً من رواية أنس رضي
стр. 777
الله عنه.
قوله (يرزؤه) أي ينقصه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في باب كثرة طرق الخيرات ما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ ذكر فيمن غرس غرساً، فأكل من شيء، من إنسان، أو حيوان، أو طير، أو غير ذلك، أو نقصه أو سرق منه، فإنه له بذلك صدقة. ففي هذا الحديث حث على الزرع، وعلى الغرس، وأن الزرع والغرس فيه الخير الكثير، فيه مصلحة في الدين، ومصلحة في الدنيا.
أما مصلحة الدنيا: فما يحصل فيه من إنتاج، ومصلحة الغرس والزرع ليست كمصلحة الدراهم والنقود، لأن الزرع والغرس ينفع نفس الزارع والغارس، وينفع البلد كله، كل الناس ينتفعون منه، بشراء الثمر، وشراء الحب، والأكل منه، ويكون في هذا نمو للمجتمع وكثرة لخيراته، بخلاف الدراهم التي تودع في الصناديق ولا ينتفع بها أحد.
أما المنافع الدينية: فإنه إن أكل منه طير؛ عصفور، أو حمامه، أو دجاجة، أو غيرها ولو حبة واحدة، فإنه له صدقة، سواء شاء ذلك أو لم يشأ، حتى لو فرض أن الإنسان حين زرع أو حين غرس لم يكن بباله هذا
стр. 778
الأمر، فإنه إذا أكل منه صار له صدقة، وأعجب من ذلك لو سرق منه سارق، كما لو جاء شخص مثلاً إلى نخل وسرق منه تمراً، فإن لصاحبه في ذلك أجراً، مع أنه لو علم بهذا السارق لرفعه إلى المحكمة، ومع ذلك فإن الله تعالى يكتب له بهذه السرقة صدقة إلى يوم القيامة!
كذلك أيضاً إذا أكل من هذا الزرع دواب الأرض وهوامها كان لصاحبه صدقة. ففي هذا الحديث دلاله واضحة على حث النبي ﵊ على الزرع وعلى الغرس، لما فيه من المصلحة الدينية والمصالح الدنيوية.
وفيه دليل على كثرة طرق الخير، وأن ما انتفع به الناس من الخير، فإن لصاحبه أجراً وله فيه الخير، سواء نوى أو لم ينو، وهذا كقوله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء: ١١٤) ، فذكر الله أن هذه الأشياء فيها خير، سواء نويت أو لم تنو، من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهو خير ومعروف، نوى أم لم ينو، فإن نوى بذلك ابتغاء وجه الله فإن الله يقول: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) .
وفي هذا دليل على أن المصالح والمنافع إذا انتفع الناس بها كانت خيراً لصاحبها وأجراً وإن لم ينو، فإن نوى زاد خيراً على خير، وآتاه الله تعالى من فضله أجراً عظيماً. أسأل الله العظيم أن يمن علي وعليكم بالإخلاص والمتابعة لرسول ﷺ إنه جواد كريم.
стр. 779
١٣٦ ـ العشرون: عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ رسول الله ﷺ فقال لهم: (إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟) فقالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: (بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) رواه مسلم.
وفي رواية: (إن بكل خطوة درجة) رواه مسلم. ورواه البخاري أيضاً بمعناه من رواية أنس ﵁.
و (بنو سلمة) بكسر اللام: قبيلة معروفة من الأنصار ﵃، (وآثارهم) خطاهم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ ما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أراد بنو سلمة أن يقربوا من المسجد، ينتقلوا من ديارهم وأحيائهم حتى يكونوا قرب مسجد النبي ﷺ ، من أجل أن يدركوا الصلوات معه ويتلقوا من عمله، فبلغ ذلك النبي ﷺ فسألهم، قال: (إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنقلوا قرب المسجد) قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال رسول الله ﷺ : (دياركم تكتب آثاركم) قالها مرتين، وبين لهم أن لهم بكل خطوة حسنة أو درجة.
ففي هذا الحديث دليل على أنه إذا مشى الإنسان إلى المسجد، فإنه لا
стр. 780
يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة، وقد جاء ذلك مفسراً في حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة) فسيكتب شيئين الأول: أنه يرفع له بها درجة. والثاني: أنه يحط بها عنه خطيئة. هذا إذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء سواء كان ذلك قليلاً ـ يعني سواء كانت الخطوات قليلة ـ أم كثيرة، فإنه يكتب له بكل خطوة شيئان: يرفع بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة.
وفي هذا الحديث دليل على أنه نقل للإنسان شيء عن أحد، فإنه يثبت قبل أن يحكم بالشيء، ولهذا سأل النبي ﷺ بني سلمة قبل أن يقول لهم شيئاً، قال: بلغني أنكم تريدون كذا وكذا. قالوا: نعم. فيؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان إذا نقل له شيء عن أحدٍ أن يثبت قبل أن يحكم بمقتضى الشيء الذي نقل له، حتى يكون إنساناً رزيناً ثقيلاً معتبراً، أما كونه يصدق بكل ما نقل، فإنه يفوته بذلك الشيء الكثير، ويحصل له ضرر، بل الإنسان ينبغي عليه أن يثبت.
وفي هذا الحديث أيضاً دليل على كثرة طرق الخيرات، وأن منها المشي إلى المساجد، وهو كما سبق مما يرفع الله به الدرجات، ويحط به الخطايا، فإن كثرة الخطايا إلى المساجد سبب لمغفرة الذنوب، وتكفير
стр. 781
السيئات، ورفعه الدرجات. والله الموفق.
* * *
١٣٧ ـ الحادي والعشرون: عن أبي المنذر أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له، أو فقلت له اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : (قد جمع الله لك ذلك كله) رواه مسلم.
وفي رواية: (إن لك ما احتسبت) .
(الرمضاء) : الأرض التي أصابها الحر الشديد.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث يتعلق بما قبله من الأحاديث الدالة على كثرة طرق الخير، وأن طرق الخير كثيرة، ومنها الذهاب إلى المساجد، وكذلك الرجوع منها، إذا احتسب الإنسان ذلك عند الله تعالى، فهذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ في قصة الرجل الذي كان له بيت بعيد عن المسجد، وكان يأتي إلى المسجد من بيته من بعد، يحتسب الأجر على
стр. 782
الله، قادماً إلى المسجد وراجعاً منه. فقال له بعض الناس: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء والرمضاء، يعني في الليل حين الظلام، في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أو في الرمضاء، أي في أيام الحر الشديد، ولا سيما في الحجاز، فإن جوها حار. فقال ﵁: ما يسرني أن بيتي إلى جنب المسجد؛ يعني أنه مسرور بأن بيته بعيد عن المسجد، يأتي إلى المسجد بخطى، ويرجع منه بخطى، وأنه لا يسره أن يكون بيته قريباً من المسجد، لأنه لو كان قريباً لم تكتب له تلك الخطى، وبين أنه يحتسب أجره على الله ، قادماً إلى المسجد وراجعاً منه، فقال النبي ﷺ (إن له ما احتسب) .
ففي هذا دليل على أن كثرة الخطى إلى المساجد من طرق الخير، وأن الإنسان إذا احتسب الأجر على الله كتب الله له الأجر حال مجيئه إلى المسجد وحال رجوعه منه.
ولا شك أن للنية أثراً كبيراً في صحة الأعمال، وأثراً كبيراً في ثوابها، وكم من شخصين يصليان جميعاً بعضهما إلى جنب بعض، ومع ذلك يكون بينهما في الثواب مثل ما بين السماء والأرض، وذلك بصلاح النية وحسن العمل، فكلما كان الإنسان أصدق إخلاصاً لله وأقوى اتباعاً لرسول الله ﷺ كان أكثر أجراً، وأعظم أجراً عند الله . والله الموفق.
* * *
стр. 783
١٣٩ ـ الثالث والعشرون: عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه.
وفي رواية لهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة) .
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث في بيان من طرق الخيرات، لأن طرق الخيرات ـ ولله الحمد ـ كثيرة، شرعها الله لعباده ليصلوا بها إلى غاية المقاصد، فمن ذلك الصدقة، فإن الصدقة كما صح عن النبي ﷺ : (تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) يعني كما لو أنك صببت ماءٍ على النار انطفأت، فكذلك الصدقة تطفئ الخطيئة.
ثم ذكر المؤلف هذا الحديث الذي بين فيه أن الله سبحانه وتعالى
стр. 784
سيكلم كل إنسان على حدة يوم القيامة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: ٦) ، يعني سوف تلاقي ربك ويحاسبك على هذا الكدح، أي الكد والتعب الذي عملت، ولكن بشرى للمؤمن، كما قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٢٢٣) ، الحمد لله. المؤمن إذا لاقى ربه فإنه على خير.
ولهذا قال النبي ﷺ هنا في الحديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) يعني بكلمة الله يوم القيامة بدون مترجم، يكلم الله كل عبد مؤمن، فيقرره بذنوبه، يقول له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فإذا أقر بها وظن أنه قد هلك، قال: (إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) فكم من ذنوب علينا سترها الله لا يعلمها إلا هو، فإذا كان يوم القيامة أتم علينا النعمة بمغفرتها وعدم العقوبة علينا. ولله الحمد.
ثم قال: (فينظر أيمن منه) يعني عن يمينه (فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشام منه) أي عن يساره (فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه) . قال النبي ﵊: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) يعني ولو بنصف تمرة أو قل. أتق النار بهذا.
стр. 785
ففي هذا الحديث دليل على كلام الله ، وأنه يتكلم بكلام مسموع مفهوم، لا يحتاج إلى ترجمة، يعرفه المخاطب به.
وفيه دليل على أن الصدقة ولو قلت تنجي من النار، لقوله: (اتقوا النار ولو شق تمرة) .
قال: (فإن لم يجد فبكلمة طيبة) يعني إن لم يجد شق تمرة فليتق النار بكلمة طيبة.
والكلمة الطيبة تشمل قراءة القرآن، فإن أطيب الكلمات القرآن الكريم. وتشمل التسبيح التهليل، وكذلك تشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتشمل تعليم العلم وتعلم العلم، وتشمل كذلك كل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه من القول، يعني إذا لم تجد شق تمرة فإنك تتقي النار ولو بكلمة طيبة. فهذا من طرق الخير وبيان كثرتها ويسرها، فالحمد لله أن شق التمرة تنجي من النار، وأن الكلمة الطيبة تنجب من النار. نسأل الله أن يجنبنا وإياكم من النار.
* * *
١٤٠ ـ الرابع والعشرين: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.
стр. 786
والأكلة بفتح الهمزة هي الغدوة أو العشوة.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) وفسر المؤلف ﵀ الأكلة بأنها الغدوة أو العشوة، أي الغداء أو العشاء.
ففي هذا دليل على أن رضا الله قد ينال بأدنى سبب، قد ينال بهذا السبب اليسير ولله الحمد. يرضى الله عن الإنسان إذا انتهى من الأكل قال: الحمد لله، وإذا انتهى من الشرب قال: الحمد لله؛ وذلك أن للأكل والشرب آداباً فعلية وآداباً قولية.
أما الآداب الفعلية: فإن يأكل باليمين ويشرب باليمين، ولا يحل له أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، فإن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، وأكل رجل بشماله عنده فقال: (كل بيمينك) قال: لا أستطيع، فقال: (لا استطعت) ، فما استطاع الرجل بعد ذلك أن يرفع يده اليمنى إلى فمه؛ عوقب والعياذ بالله.
وأما الآداب القولية: فإن يسمي عند الأكل، يقول: باسم الله،
стр. 787
والصحيح أن التسمية عند الأكل أو الشرب واجبة، وأن الإنسان يأثم إذا لم يسم الله عند أكله أو شربه، لأنه إذا لم يفعل، إذا لم يسم عند الأكل والشرب، فإن الشيطان يأكل معه ويشرب معه.
ولهذا يجب على الإنسان إذا أراد يأكل أن يسمي الله، وإذا نسى أن يسمي في أول الطعام ثم ذكر في أثنائه فليقل: باسم الله أوله وآخره، وإذا نسى أحد أن يسمي فذكره؛ لأن النبي ﷺ ذكر عمر بن أبي سلمة وهو ربيبه بن زوجته أم سلمة ﵂، حينما تقدم للأكل فأكل، فقال له النبي ﷺ : (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) وهذا فيه دليل على أن التسمية ـ إذا كانوا جماعة ـ تكون من كل واحد، فكل واحد يسمي، ولا يكفي أن يسمي واحد عن الجميع، بل كل إنسان يسمي لنفسه.
أما عند الانتهاء فمن الآداب أن يحمد الله على هذه النعمة حيث يسر له هذا الأكل، مع أنه لا أحد يستطيع أن ييسره، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة: ٦٣، ٦٤) ، (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة (٨٦، ٩٦) لولا أن الله نمى هذا الزرع حتى كمل، وتيسر حتى وصل بين يديك، لعجزت عنه.
وكذلك الماء، لولا أن الله يسره فأنزله من المزن وسلكه ينابيع في
стр. 788
الأرض حتى استخرجته لما حصل لك هذا، ولهذا قال في الزرع: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٥) ، وقال في الماء: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: ٧٠) ، فلهذا كان من شكر نعمة الله عليك بهذا الأكل والشرب أن تحمد الله إذا انتهيت من الشرب أو من الأكل، ويكون هذا سبباً لرضا الله عنك.
قوله (الأكلة) فسرها المؤلف بأنها الغدوة أو العشوة، ليست الأكلة اللقمة، ليس كلما أكلت لقمة قلت: الحمد لله، أو كلما أكلت تمرة قلت: الحمد لله، السنة أن تقول إذا انتهيت نهائياً. وذكر أن الإمام أحمد ﵀ كان يأكل ويحمد على كل لقمة، فقيل له في ذلك فقال: أكل وحمد خير من أكل وسكوت، ولكن لا شك أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وأن الإنسان إذا حمد الله في آخر أكله أو آخر شربه كفى، ولكن إن رأى مصلحة مثلاً في الحمد؛ يذكر غيره أو ما أشبه ذلك، فأرجو ألا يكون في هذا بأس، كما فعله الإمام أحمد ﵀. والله الموفق.
* * *
١٤١ ـ الخامس والعشرون: عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة) قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: (يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) قال:: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: (يعين ذا الحاجة الملهوف) قال: أرأيت إن لم يستطع قال: (يأمر بالمعروف أو الخير) قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: (يمسك عن الشر فإنها صدقة) متفق عليه.
стр. 789
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ﵀ عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة) وقد مر علينا مثل هذا التعبير من رسول الله ﷺ ، بل أعم منه، حيث قال: (على كل سلامي من الناس صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس) ، والسلامى هي مفاصل العظام، وهذا يدل على أن لله علينا صدقة كل يوم، هذه الصدقة متنوعة؛ إما أن تكون تسبيحة، أو تكبيرة، أو تهليلة، أو أمر بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو أن تعين الملهوف، المهم أن طرق الخيرات كثيرة. ولكن النفس الأمارة بالسوء تثبط الإنسان عن الخير، وإذا هم بشيء فتحت له باباً غيره، ثم إذا هم به فتحت له باباً آخر حتى يضيع عليه الوقت، ويخسر وقته ولا يستفيد منه شيئاً.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يبادر ويسارع في الخير، كلما فتح له باب من الخير فليسارع إليه؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات) (المائدة: ٤٨) ، ولأن الإنسان إذا انفتح له باب الخير أول مرة ولم يفعل فإنه يوشك أن يؤخره الله . وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) ، فالمهم أنه ينبغي للإنسان العاقل الحازم المؤمن أن ينتهز سبل الخير، وأن يحرص غاية الحرص على أن يأخذ من
стр. 790
كل باب منها بنصيب حتى، يكون ممن سارع في الخيرات، وجنى ثمرات هذه الأعمال الصالحة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه جواد كريم.
стр. 791
١٤ ـ باب الاقتصاد في الطاعة
قال الله تعالى: (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ١، ٢) ، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) .
[الشَّرْحُ]
لما ذكر المؤلف ـ رحمة الله ـ في باب السابق كثرة طرق الخير، بين في هذا الباب أنه ينبغي للإنسان أن يقتصد في الطاعة، فقال: (باب اقتصاد في الطاعة) والاقتصاد: هو أن يكون الإنسان وسطاً بين الغلو والتفريط، لأن هذا هو المطلوب من الإنسان في جميع أحواله؛ أن يكون دائراً بين الغلو والتفريط، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (الفرقان: ٦٧) .
وهكذا الطاعة ينبغي أن تقتصد فيها، بل يجب عليك أن تقتصد فيها؛ فلا تكلف نفسك ما لا تطيق، لأن النبي ﷺ لما بلغه خبر الثلاثة الذين قال أحدهم: إني لا أتزوج النساء، وقال الثاني: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أقوم ولا أنام، خطب ﵊ وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، وإني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فتبرأ النبي ﷺ ممن رغب عن سنته، وكلف نفسه
стр. 792
ما لا تطيق.
ثم استشهد المؤلف بقوله تعالى: (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ١، ٢) ، (طه) هذه حرفان من حروف الهجاء، أحدهما طاء والثاني هاء، وليست اسماً من أسماء النبي ﷺ كما زعمه بعضهم، بل هي من الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور الكريمة من كتابه العزيز، وهي حروف ليس لها معنى؛ لأن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تجعل للحروف الهجائية معنى، بل لا يكون لها معنى إلا إذا ركبت وكانت كلمة.
ولكن لها مغزى عظيم، هذا المغزى العظيم هو التحدي الظاهر لهؤلاء المكذبين للرسول ﵊، وهؤلاء المكذبون للرسول ﷺ عجزوا أن يأتوا بشيء مثل القرآن؛ لا سورة ولا بعشرة سور ولا بآية، ومع هذا فإن هذا القرآن الذي أعجزهم لم يأت بحروف غريبة لم يكونوا يعرفونها، بل أتى بالحروف التي يركبون منها كلامهم.
ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتدئت بهذه الحروف إلا وجدت بعدها ذكر القرآن، في سورة البقرة: (آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) ، وفي سورة آل عمران (آلم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) ، وفي سورة الأعراف (المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) وفي سورة يونس (آلر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) . وهكذا نجد بعد كل حروف هجائية في بداية السورة يأتي ذكر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلام العرب، ومع ذلك أعجز
стр. 793
العرب، هذا هو الصحيح في المراد من هذه الحروف الهجائية.
وقوله : (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) يعني ما أنزل الله على النبي ﷺ هذا القرآن لينال الشقاء به، ولكن لينال السعادة والخير والفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال الله سبحانه تعالى في هذه السورة نفسها (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه: ١٢٣، ١٢٧) ، (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) ولكن لتسعد في الدنيا والآخرة؛ ولهذا لما كانت الأمة الإسلامية أمة القرآن تتمسك به وتهتدي بهديه، صارت لها الكرامة والعزة والرفعة على جميع الأمم، ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ولما تخلفت عن العمل بهذا القرآن
تخلف عنها من العزة والنصر والكرامة بقدر ما تخلفت به من العمل بهذا القرآن.
ثم ساق المؤلف آية أخرى، وهي قول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) ، يعني أن الله يريد بنا فيما شرع لنا التيسير، وهذه الآية نزلت في آيات الصيام حتى لا يظن الظان أنه ألزم الناس به للمشقة والتعب، فبين الله تعالى أنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، ولهذا من سافر لم يجب عليه الصوم، ويقضي من أيام أخر، ومن مرض لم يجب عليه الصوم، ويقضي من أيام أخر، هذا من التيسير (يُرِيدُ
стр. 794
اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) .
ولهذا كان هذا الدين الإسلامي ـ ولله الحمد ـ دين السماحة واليسر والخير والسهولة، أسأل الله أن يرزقني وإياكم التمسك به والوفاة عليه وملاقاة ربنا عليه.
* * *
١٤٢ـ وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال: (من هذه؟) قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها، قال: (مه) ، عليكم بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا) وكان أجب الذين إليه ما داوم صاحبه عليه. متفق عليه.
(ومه) كلمة نهي وزجر، ومعنى (لا يمل الله) أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم، وبعاملكم معاملة المال حتى تملوا فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا مل تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عائشة ﵂ في باب الاقتصاد في الطاعة، أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، فقال: (من هذه؟) قالت: فلانة، وذكرت من صلاتها، يعني أنها تصلي كثيراً، فقال النبي ﷺ : (مه) ومه: يعني أمر بالكف، فهي عند النحويين
стр. 795
اسم فعل بمعنى اكفف، وصه: بمعنى أسكت.
فالمعنى أن الرسول ﵊ أمر هذه المرأة أن تكف عن عملها الكثير، الذي قد يشق عليها وتعجز عنه في المستقبل فلا نديمه، ثم أمر النبي ﵊ أن نأخذ من العمل بما نطيق، فقال: (عليكم بما تطيقون) يعني لا تكلفوا أنفسكم وتجهدوها، فإن الإنسان إذا أجهد نفسه، وكلف نفسه، ملت وكلت، ثم انحسرت وانقطعت.
وذكرت عائشة أن النبي ﷺ كان أحب الدين إليه أدومه، أي: ما دام عليه صاحبه، يعني أن يعمل وأن قل إذا داومت عليه كان أحسن لك، لأنك تفعل العمل براحة، وتتركه وأنت ترغب فيه، لا تتركه وأنت تمل منه.
ولهذا قال النبي ﵊: فو الله لا يمل الله حتى تملوا) يعني أن الله يعطيكم من الثواب بقدر عملكم، مهما داومتم من العمل فإن الله تعالى يثيبكم عليه.
وهذا الملل الذي يفهم من ظاهر الحديث أن الله يتصف به، ليس كمللنا نحن، لأن مللنا نحن ملل تعب وكسل، وأما ملل الله فإنه صفة يختص به جل وعلا، والله لا يلحقه تعب ولا يلحقه كسل، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (قّ: ٣٨) هذه السماوات العظيمة والأرض وما بينهما خلقها الله تعالى في ستة أيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، قال (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) يعني ما تعبنا بخلقها
стр. 796
في هذه المدة الوجيزة مع عظمها.
ففي هذا الحديث فوائد، منها: أن الإنسان ينبغي له إذا رأى عند أهله أحد أن يسأل: من هو؟ لأنه قد يكون هذا الداخل على الأهل ممن لا يرغب في دخوله، فإن من النساء من تأتي إلى أهل البيت تحدثهم بأحاديث يأثمون بها من الغيبة وغيرها، وربما تدخل امرأة ـ بحسن نية أو غير حسن نية ـ تسال مثلاً عن البيت؛ عما يفعل الزوج، وعما يفعل الابن، عما يفعل أخوك، ثم إذا ذكرت ما يفعل قالت: هذا يسير، كيف ما يعطيكم إلا كذا؟ كيف ما يعطيكم إلا هذه الثياب؟ إلا هذا الطعام؟ وما أشبه ذلك، حتى تفسد المرأة على زوجها، فلذلك ينبغي للإنسان إذا وجد عند أهله أحد أن يسأل عنهم: من هؤلاء؟ كما سأل النبي ﵊ عائشة عن المرأة التي عندها.
وفيه أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن لا يجهد نفسه بالطاعة وكثرة العمل، فإنه إذا فعل هذا مل، ثم ترك، وكونه يبقى على العمل ولو قليلاً مستمراً عليه أفضل، وقد بلغ النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، قال ذلك رغبة في الخير، فبلغ ذلك النبي ﵊، فقال له: (أنت الذي قلت ذلك؟) قال: نعم يا رسول الله، قال: (إنك لا تطيق ذلك) ثم أمره أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فقال: إني لا أطيق أكثر من ذلك، فأمره أن يصوم يوماً ويفطر يومين، فقال: أطيق أكثر من ذلك، فقال: (صم يوماً وأفطر يوماً) قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: (لا أكثر من ذلك هذا صيام داود) .
стр. 797
وكبر عبد الله بن عمرو وصار يشق عليه أن يصوم يوماً ويترك يوماً، فقال: ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ ، ثم صار يصوم خمسة عشراً يوماً سرداً، ويفطر خمسة عشر يوماً سرداً.
ففي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يعمل العبادة على وجه مقتصد، لا غلو ولا تفريط، حتى يتمكن من الاستمرار عليها، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. والله الموفق.
* * *
١٤٣ ـ وعن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غفر له تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فاصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه.
стр. 798
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عائشة ﵂ في باب الاقتصاد في العبادة: أن ثلاثة نفر جاءوا إلى بيوت النبي ﷺ يسألون زوجاته عن عمله الذي يعمله في بيته، وذلك لأن عمل النبي ﷺ إما ظاهر يعرفه الناس كلهم؛ كالذي يفعله في المسجد أو في السوق أو في مجتمعاته مع أصحابه، فهذا ظاهر يعرفه غالب الصحابة الذين في المدينة، وإما أن يكون سراً لا يعرفه إلا من في بيته، أو من كانوا من خدمه مثل عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك وغيرهما ﵃.
فجاء هؤلاء النفر الثلاثة إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألونهم كيف كانت عبادته في السر، يعني في بيته، فأخبروا بذلك، فكأنهم تقالوها، لأن النبي ﵊ كان يصوم ويفطر، وكان يقوم ويرقد، وكان يتزوج النساء ﵊ ويستمتع بهن، فكأنهم تقالوا هذا العمل، لأن معهم نشاطاً ﵃ على حب الخير، ولكن النشاط ليس مقياساً، المقياس ما جاء به الشرع.
فجاء النبي ﷺ فقال: أنتم قلتم كذا وكذا، قالوا: نعم، لأن أحدهم قال: أصلي الليل أبداً ولا أرقد، والثاني قال: أصوم النهار أبداً ولا أفطر، والثالث قال: أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فأقروا على أنفسهم بأنهم قالوا ذلك.
ولا شك أن هذا الذي قالوا خلاف الشرع، لأن هذا فيه إشقاقاً على النفس وإتعاباً لها؛ يبقى الإنسان لا يرقد أبداً كل الدهر يصلي! هذا لا شك
стр. 799
أنه مشق على النفس ومتعب لها، وأنه داع إلى الملل، وبالتالي إلى كرهة العبادة، لأن الإنسان إذا مل الشيء كرهه.
كذلك الذي قال: أصوم أبداً؛ يبقى صيفاً وشتاءً صائماً! هذا لا شك أنه مشقة.
والثالث قال: أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً، هذا أيضاً يشق على الإنسان، لاسيما الشباب يشق عليه أن يدع النكاح. ثم إن التبتل وعدم النكاح منهي عنه، قال عثمان بن مظعون: كان النبي ﷺ ينهانا عن التبتل، ولو إذن لنا لاختصينا.
فالمهم أن هذه العبادة التي أرادها هؤلاء ﵃ كانت شاقة، وهي خلاف السنة، ولكن النبي ﵊ سألهم واستقرهم: هل قالوا ذلك؟ قالوا: نعم، قال: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) يعني من رغب عن طريقي واتخذ عبادة أشد، فإنه ليس مني.
ففي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يقتصد في العبادة، بل ينبغي له أن يقتصد في جميع أموره، لأنه إن قصر فاته خير كثير، وإن شدد فإنه سوف يكل ويعجز ويرجع، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون في أعماله كلها
стр. 800
مقتصداً.
ولهذا جاء في الحديث: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) والمنبت الذي يمشي ليلاً ونهاراً دائماً، هذا لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، بل يتعب ظهره، وبالتالي يعجز ويتعب ويحسر ويقعد.
فالاقتصاد في العبادة من سنن النبي ﷺ ، فلا ينبغي لك أيها العبد أن تشق على نفسك، وأمش رويداً رويَداً، كما سبق الحديث أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، فعليك بالراحة، ولا تقتصر ولا تزد، فإن خير الهدي هدي النبي ﷺ . أسأل الله أن يجعلني وإياكم من متبعي هديه الذين يمشون على طريقته وسنته.
* * *
١٤٤ ـ وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً. رواه مسلم.
المتنطعون: المتعمقون المتشددون في غير مواضع التشديد.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما تقله عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هلك المتنطعون. هلك المتنطعون. هلك المتنطعون) الهلاك: ضد البقاء، يعني أنهم تلفوا وخسروا،
стр. 801
والمتنطعون: هم المتشددون في أمورهم الدينية والدنيوية، ولهذا جاء في الحديث: (لا تشددوا فيشدد الله عليكم) .
وانظر إلى قصة بني إسرائيل حين قتلوا قتيلاً فادرؤوا فيه وتنازعوا حتى كادت الفتنة أن تثور بينهم، فقال لهم موسى ﵊: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: ٦٧) ، يعني وتأخذوا جزءاً منها فتضربوا به القتيل، فيخبركم من الذي قتله، فقالوا له (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) يعني: تقول لنا اذبحوا بقرة واضربوا ببعضها القتيل ثم يخبركم عن قتله؟ ولو أنهم استسلموا وسلموا لأمر الله وذبحوا أي بقرة كانت لحصل مقصودهم، لكنهم تعنتوا فهلكوا، قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ ثم قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟ ثم قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما عملها؟ وبعد أن شدد عليهم ذبحوها وما كادوا يفعلون.
كذلك أيضاً من التشديد في العبادة، أن يشدد الإنسان على نفسه في الصلاة أو في الصوم أو في غير ذلك مما يسره الله عليه، فإنه إذا شدد على نفسه فيما يسره الله فهو هالك. ومن ذلك ما يفعله بعض المرضى ولا سيما في رمضان حي يكون الله قد اباح له الفطر وهو مريض ويحتاج إلي الأكل والشرب، ولكنه يشدد على نفسه فيبقى صائماً فهذا أيضاً نقول إنه ينطبق عليه الحديث: هلك المتنطعون.
стр. 802
ومن ذلك ما يفعله بعض الطلبة المجتهدين في باب التوحيد؛ حيث تجدهم إذا مرت بهم الآيات والأحاديث في صفات الرب جعلوا ينقبون عنها، ويسألون أسئلة ما كلفوا بها، ولا درج عليها سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى من بعدهم، فتجد الواحد ينقب عن أشياء ليست من الأمور التي كلف بها تنطعاً وتشقاً، فنحن نقول لهؤلاء: إن كان يسعكم ما وسع الصحابة ﵃ فأمسكوا، وإن لم يسعكم فلا وسع الله عليكم، وثقوا بأنكم ستقعون في شدة وفي حرج وفي قلق.
مثال ذلك: يقول بعض الناس: إن الله له أصابع، كما جاء في الحديث الصحيح: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) فيأتي هذا المتنطع فيبحث: هذه الأصابع كم عددها؟ وهل لها أنامل؟ وكم أناملها؟ وما أشبه ذلك.
كذلك مثلاً: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى الثلث الآخر) ، يقول: كيف ينزل؟ كيف ينزل في ثلث الليل وثلث الليل يدور على الأرض كلها؟ معنى هذا أنه نازل دائماً، وما أشبه ذلك الكلام الذي لا يؤجرون عليه، ولا يحمدون عليه، بل هم إلى الإثم أقرب منهم
стр. 803
إلى السلامة وهم إلى الذم أقرب منهم إلى المدح.
هذه المسائل التي يكلف بها الإنسان، وهي من مسائل الغيب، ولم يسال عنها من هو خير منه، وأحرص منه على معرفة الله بأسمائه وصفاته، يجب عليه أن يمسك عنها، وأن يقول: سمعنا وأطعنا وصدقنا وآمنا، أما أن يبحث أشياء هي مسائل الغيب، فإن هذا لا شك أنه من التنطع.
ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض الطلبة من إدخال الاحتمالات العقلية في الدلائل اللفظية؛ فتجده يقول: يحتمل كذا ويحتمل كذا، حتى تضيع فائدة النص، وحتى يبقى النص كله مرجوجاً لا يستفاد منه. هذا غلط. خذ بظاهر النصوص ودع عنك هذه الاحتمالات العقلية، فإننا لو سلطنا الاحتمالات العقلية على الأدلة اللفظية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما بقى لنا حديث واحد أو آية واحدة يستدل بها الإنسان، ولأورد عليها كل شيء، وقد تكون هذه الأمور العقلية وهميات وخيالات من الشيطان، يلقيها في قلب الإنسان حتى يزعزع عقيدته وإيمانه والعياذ بالله.
ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض المتشددين في الوضوء، حيث تجده مثلاً يتوضأ ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر، وهو في عافية من ذلك. يذكر أن ابن عباس ﵄ كان يتوضأ، فإذا وجهه الأرض التي تحته ليس فيها إلا نقط من الماء، من قلة ما يستعمل من الماء، وبعض الناس تجده يشدد في الماء فيشدد الله عليه، فإنه إذا استرسل مع هذه الوساوس ما كفاه أربع ولا خمس ولا ست ولا أكثر من
стр. 804
ذلك، فيسترسل مع الشيطان حتى يخرج عن طوره، حتى يقول: هل أحد عاقل يتصرف هذا التصرف.
أيضاً في الاغتسال من الجنابة، تجده يتعب تعباً عظيماً عند الاغتسال، في إدخال الماء في أذنيه، وفي إدخال الماء في منخريه، وكل هذا داخل في قول الرسول ﵊: (هلك المتنطعون. هلك المتنطعون. هلك المتنطعون) . فكل من شدد على نفسه في أمر قد وسع الله له فيه فإنه يدخل في هذا الحديث. والله الموفق.
* * *
١٤٥ ـ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الذين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ابشروا، استعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة) رواه البخاري.
وفي رواية له: (سددوا وقاربوا اغدوا وروحوا، وشيءٍ من الدلجة القصد القَصد تبلغوا) .
قوله: (الذين) هو مرفوع على ما لم يسم فاعله. وروي منصوباً، وروي: (لن يشاد الدين أحد) وقوله ﷺ : (إلا غلبه) أي: غلبه الدين، وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه. (والغدوة) سير أول النهار، (والروحة) : آخر النهار. (والدلجة) : آخر الليل. وهذا استعارة وتمثيل،
стр. 805
ومعناه: استعينوا على طاعة الله بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم، بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون، وتبلغون مقصود كم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعب. والله أعلم.
[الشَّرْحُ]
ساق المؤلف ﵀ في باب القصد في العبادة حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ : (إن الدين يسر) يعني: الدين الذي بعث به الله محمد ﷺ ، والذي يدين به العباد ربهم ويتعبدون له به يسر، كما قال (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) ، وقال تعالى حين ذكره أمره بالوضوء والغسل من الجنابة والتيمم ـ عند العدم أو المرض ـ قال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (المائدة: ٦) ، وقال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج: ٧٨) .
فالنصوص كلها تدل على أن هذا الدين يسر، وهو كذلك.
ولو تفكر الإنسان في العبادات اليومية لوجد الصلاة خمس صلوات ميسرة موزعة في أوقات، يتقدمها الطهر؛ طهر للبدن وطهر للقلب، فيتوضأ الإنسان عند كل صلاة، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فيطهر بدنه أولاً ثم قلبه بالتوحيد ثانياً، ثم يصلي.
ولو تفكرت أيضاً في الزكاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام،
стр. 806
تجد أنها سهلة، فأولاً لا تجب إلا في الأموال النامية، أو ما في حكمها، ولا تجب في كل مال، بل في الأموال النامية التي تنمو وتزيد كالتجارة، أو ما في حكمها كالذهب والفضة وإن كان لا يزيد، أما ما يستعمله الإنسان في بيته، وفي مركوبه، فقد قال النبي ﵊: (ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة) ، جميع أواني البيت وفرش البيت والخدم الذين في البيت، والسيارات وغيرها مما يستعمله الإنسان لخاصة نفسه، فإنه ليس فيه زكاة، فهذا يسر.
ثم الزكاة الواجبة يسيرة جداً، فهي ربع العشر، يعني واحد من أربعين، وهذا أيضاً يسير، ثم إذا أديت الزكاة فإنها لن تنقص مالك، كما قال النبي ﵊: (ما نقصت صدقة من مال) ، بل تجعل فيه البركة وتنميه وتزكيه وتطهره.
وانظر إلى الصوم أيضاً، ليس كل السنة ولا نصف السنة ولا ربع السنة، بل شهر واحد من أثنى عشر شهراً، ومع ذلك فهو ميسر، إذا مرضت فأفطر، وإذا سافرت فأفطر، وإذا كنت لا تستطيع الصوم في كل دهرك فأطعم عن كل يوم مسكيناً.
أنظر إلى الحج أيضاً ميسر، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
стр. 807
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: ٩٧) ومن لم يستطع: إن كان غنياً بماله أناب من يحج عنه، وإن كان غير غني بماله ولا بدنه سقط عنه الحج.
فالحاصل أن الدين يسر، يسر في أصل التشريع، ويسر فيما إذا طرأ ما يوجب الحاجة إلى التيسير، قال النبي ﵊ لعمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) فالدين يسر.
ثم قال النبي ﷺ : (ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه) يعني: لن يطلب أحد التشدد في الدين إلا غلب وهزم، وكل ومل وتعب، ثم استحسر فترك، هذا معنى قوله: (لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه) يعني أنك إذا شددت الدين وطلبت الشدة، فسوف يغلبك الدين، وسوف تهلك، كما قال النبي ﷺ في الحديث السابق: (هلك المتنطعون) .
ثم قال ﵊: (فسددوا وقاربوا ابشروا) ، سدد أي افعل الشيء على وجه السداد والإصابة، فإن لم يتيسر فقارب، ولهذا قال: (وقاربوا) ، والواو هنا بمعنى (أو) ، يعني سددوا إن أمكن، وإن لم يمكن فالمقاربة. (وابشروا) يعني ابشروا أنكم إذا سددتم أصبتم، أو قاربتم، فابشروا بالثواب الجزيل والخير والمعونة من الله ، وهذا يستعمله النبي ﵊ كثيراً يبشر أصحابه بما يسرهم،
стр. 808
ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على إدخال السرور على إخوانه ما استطاع، بالبشارة والبشاشة وغير ذلك.
ومن ذلك أن النبي ﵊ لما حدث أصحابه بأن الله تعالى يقول يوم القيامة: (يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فاشتد ذلك على الصحابة وقالوا: يا رسول الله، آينا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً، ومنك رجل. ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبرنا، فقال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود) .
وهكذا ينبغي للإنسان أن يستعمل البشرى لإخوانه ما استطاع. ولكن أحياناً يكون الإنذار خيراً لأخيه المسلم، فقد يكون أخوك المسلم في جانب تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم، فيكون من المصلحة أن تنذره وتخوفه. فالإنسان ينبغي له أن يستعمل الحكمة، ولكن يغلب جانب البشري، فلو جاءك رجل مثلاً وقال: إنه أسرف على نفسه، وفعل معاصي كبيرة، وسأل هل له من توبة؟ فينبغي لك أن تقول: نعم أبشر، إذا تبت تاب
стр. 809
الله عليك، فتدخل عليه السرور، وتدخل عليه الأمل حتى لا ييأس من رحمة الله .
الحاصل أن الرسول ﵊ قال: (سددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القَصد تبلغوا) يعني معناه: استعينوا في أطراف النهار؛ وأوله وآخره، وشيء من الليل (والقصد القصد تبلغوا) هذا يحتمل أن الرسول ﷺ أراد أن يضرب مثلاً للسفر المعنوي بالسفر الحسي، فإن الإنسان المسافر حساً يبتغي له أن يكون سيرة في أول النهار وفي آخر النهار وفي شيء من الليل، لأن ذلك هو الوقت المريح للراحلة وللمسافر، ويحتمل أنه أراد بذلك أن أول النهار وآخره محل التسبيح، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الأحزاب: ٤١، ٤٢) ، وكذلك الليل محل للقيام.
وعلى كل حال فالرسول ﵊ أمرنا أن لا نجعل أوقاتنا كلها دأباً في العبادة، لأن ذلك يؤدي إلى الملل والاستحسار والتعب والترك في النهاية. أعانني الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
* * *
١٤٦ ـ وعن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: (ما هذا الحبل؟) قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ﷺ : (حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ دخل المسجد يعني المسجد النبوي ـ فإذا حبل ممدود بين ساريتين، أي بين عمودين، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا حبل لزينب تربطه، فإذا تعبت من الصلاة تعلقت به من أجل أن تنشط، فقال النبي ﷺ : (حلوه) يعني أخروه وأزيلوه. ثم قال: (ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر
стр. 810
فليرقد) .
ففي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتعمق وأن يتنطع في العبادة، أن يكلف نفسه ما لا تطيق، بل يصلي ما دام نشيطاً، فإذا تعب فليرقد ولينم، لأنه إذا صلى مع التعب تشوش فكره وسئم ومل وربما كره العبادة، وربما ذهب ليدعو لنفسه فإذا به يدعو عليها، فلو سجد وأصابه النعاس ربما أراد أن يقول: رب اغفر لي، قال: رب لا تغفر لي، لأنه نائم، فلهذا أمر النبي ﵊ بحل هذا الحبل، وأمرنا أن يصلي الإنسان نشاطه، فإذا تعب فليرقد.
وهذا وإن ورد في الصلاة فإنه يشمل جميع الأعمال، فلا تكلف نفسك ما لا تطيق، بل عامل نفسك بالرفق واللين، ولا تتعجل الأمور، الأمور ربما تتأخر لحكمة يريدها الله ، لا تقل أنا أريد أن أتعب
следующие страницы →