← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

تجد أنها سهلة، فأولاً لا تجب إلا في الأموال النامية، أو ما في حكمها، ولا تجب في كل مال، بل في الأموال النامية التي تنمو وتزيد كالتجارة، أو ما في حكمها كالذهب والفضة وإن كان لا يزيد، أما ما يستعمله الإنسان في بيته، وفي مركوبه، فقد قال النبي ﵊: (ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة) ، جميع أواني البيت وفرش البيت والخدم الذين في البيت، والسيارات وغيرها مما يستعمله الإنسان لخاصة نفسه، فإنه ليس فيه زكاة، فهذا يسر. ثم الزكاة الواجبة يسيرة جداً، فهي ربع العشر، يعني واحد من أربعين، وهذا أيضاً يسير، ثم إذا أديت الزكاة فإنها لن تنقص مالك، كما قال النبي ﵊: (ما نقصت صدقة من مال) ، بل تجعل فيه البركة وتنميه وتزكيه وتطهره. وانظر إلى الصوم أيضاً، ليس كل السنة ولا نصف السنة ولا ربع السنة، بل شهر واحد من أثنى عشر شهراً، ومع ذلك فهو ميسر، إذا مرضت فأفطر، وإذا سافرت فأفطر، وإذا كنت لا تستطيع الصوم في كل دهرك فأطعم عن كل يوم مسكيناً. أنظر إلى الحج أيضاً ميسر، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ

стр. 807

اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: ٩٧) ومن لم يستطع: إن كان غنياً بماله أناب من يحج عنه، وإن كان غير غني بماله ولا بدنه سقط عنه الحج. فالحاصل أن الدين يسر، يسر في أصل التشريع، ويسر فيما إذا طرأ ما يوجب الحاجة إلى التيسير، قال النبي ﵊ لعمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) فالدين يسر. ثم قال النبي ﷺ : (ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه) يعني: لن يطلب أحد التشدد في الدين إلا غلب وهزم، وكل ومل وتعب، ثم استحسر فترك، هذا معنى قوله: (لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه) يعني أنك إذا شددت الدين وطلبت الشدة، فسوف يغلبك الدين، وسوف تهلك، كما قال النبي ﷺ في الحديث السابق: (هلك المتنطعون) . ثم قال ﵊: (فسددوا وقاربوا ابشروا) ، سدد أي افعل الشيء على وجه السداد والإصابة، فإن لم يتيسر فقارب، ولهذا قال: (وقاربوا) ، والواو هنا بمعنى (أو) ، يعني سددوا إن أمكن، وإن لم يمكن فالمقاربة. (وابشروا) يعني ابشروا أنكم إذا سددتم أصبتم، أو قاربتم، فابشروا بالثواب الجزيل والخير والمعونة من الله ، وهذا يستعمله النبي ﵊ كثيراً يبشر أصحابه بما يسرهم،

стр. 808

ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على إدخال السرور على إخوانه ما استطاع، بالبشارة والبشاشة وغير ذلك. ومن ذلك أن النبي ﵊ لما حدث أصحابه بأن الله تعالى يقول يوم القيامة: (يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فاشتد ذلك على الصحابة وقالوا: يا رسول الله، آينا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً، ومنك رجل. ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبرنا، فقال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود) . وهكذا ينبغي للإنسان أن يستعمل البشرى لإخوانه ما استطاع. ولكن أحياناً يكون الإنذار خيراً لأخيه المسلم، فقد يكون أخوك المسلم في جانب تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم، فيكون من المصلحة أن تنذره وتخوفه. فالإنسان ينبغي له أن يستعمل الحكمة، ولكن يغلب جانب البشري، فلو جاءك رجل مثلاً وقال: إنه أسرف على نفسه، وفعل معاصي كبيرة، وسأل هل له من توبة؟ فينبغي لك أن تقول: نعم أبشر، إذا تبت تاب

стр. 809

الله عليك، فتدخل عليه السرور، وتدخل عليه الأمل حتى لا ييأس من رحمة الله . الحاصل أن الرسول ﵊ قال: (سددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القَصد تبلغوا) يعني معناه: استعينوا في أطراف النهار؛ وأوله وآخره، وشيء من الليل (والقصد القصد تبلغوا) هذا يحتمل أن الرسول ﷺ أراد أن يضرب مثلاً للسفر المعنوي بالسفر الحسي، فإن الإنسان المسافر حساً يبتغي له أن يكون سيرة في أول النهار وفي آخر النهار وفي شيء من الليل، لأن ذلك هو الوقت المريح للراحلة وللمسافر، ويحتمل أنه أراد بذلك أن أول النهار وآخره محل التسبيح، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الأحزاب: ٤١، ٤٢) ، وكذلك الليل محل للقيام. وعلى كل حال فالرسول ﵊ أمرنا أن لا نجعل أوقاتنا كلها دأباً في العبادة، لأن ذلك يؤدي إلى الملل والاستحسار والتعب والترك في النهاية. أعانني الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. * * * ١٤٦ ـ وعن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: (ما هذا الحبل؟) قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ﷺ : (حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد) متفق عليه. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ دخل المسجد يعني المسجد النبوي ـ فإذا حبل ممدود بين ساريتين، أي بين عمودين، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا حبل لزينب تربطه، فإذا تعبت من الصلاة تعلقت به من أجل أن تنشط، فقال النبي ﷺ : (حلوه) يعني أخروه وأزيلوه. ثم قال: (ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر

стр. 810

فليرقد) . ففي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتعمق وأن يتنطع في العبادة، أن يكلف نفسه ما لا تطيق، بل يصلي ما دام نشيطاً، فإذا تعب فليرقد ولينم، لأنه إذا صلى مع التعب تشوش فكره وسئم ومل وربما كره العبادة، وربما ذهب ليدعو لنفسه فإذا به يدعو عليها، فلو سجد وأصابه النعاس ربما أراد أن يقول: رب اغفر لي، قال: رب لا تغفر لي، لأنه نائم، فلهذا أمر النبي ﵊ بحل هذا الحبل، وأمرنا أن يصلي الإنسان نشاطه، فإذا تعب فليرقد. وهذا وإن ورد في الصلاة فإنه يشمل جميع الأعمال، فلا تكلف نفسك ما لا تطيق، بل عامل نفسك بالرفق واللين، ولا تتعجل الأمور، الأمور ربما تتأخر لحكمة يريدها الله ، لا تقل أنا أريد أن أتعب

стр. 811

نفسي، بل انتظر وأعط نفسك حقها، ثم بعد ذلك يحصل لك المقصود. ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض الطلبة، حيث تجده مثلاً يطالع في دروسه وهو نعسان، فيتعب نفسه ولا يحصل شيئاً، لأن الذي يراجع وهو نعسان لا يستفيد، وإن ظن أنه يستفيد فإنه لا يستفيد شيئاً أبداً؛ ولهذا ينبغي على الإنسان إذا أصابه النعاس وهو يراجع كتباً ـ سواء كتباً منهجية أو غير ذلك ـ ينبغي له أن يغلق الكتاب، وأن ينام ويستريح. وهذا يعم جميع الأوقات، حتى لو فرض أن الإنسان أصابه النعاس بعد صلاة العصر وأراد أن يرقد ويستريح فلا حرج، أو بعد صلاة الفجر وأراد أن يرقد ويستريح فلا حرج، كلما أتاك النوم فنم، وكلما صرت نشيطاً فاعمل (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح: ٧، ٨، كل الأمور اجعلها بالتيسير، إلا ما فرض الله عليك فلابد أن يكون في الوقت المحدد له، وأما الأمور التطوعية فالأمر فيها واسع، لا تتعب نفسك في شيء. نسأل الله أن يعيني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. * * * ١٤٧ ـ وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلي وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) متفق عليه.

стр. 812

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم) النعاس هو فترة في الحواس يكون نتيجة غلبة النوم، فلا يستطيع الإنسان معه أن يتحكم في حواسه، ولذلك أرشد النبي ﷺ من غلب عليه النعاس وهو يصلي أن ينصرف من صلاته، ولا يصلي وهو ناعس، ثم علل ذلك بقول: فإن أحدهم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسيب نفسه بدل أن يقول: اللهم اغفر لي ذنبي أو ما أذنبت، يذهب يسب نفسه بهذا الذنب الذي أراد أن يستغفر الله منه، وكذلك ربما أراد أن يسال الله الجنة فيسأله النار، وربما أراد أن يسال الهداية فيسأل ربه الضلالة وهكذا، لهذا أمره النبي ﷺ أن يرقد. ومن حكم ذلك أن الإنسان لنفسه عليه حق، فإذا أجبر نفسه على فعل العبادة مع المشقة فإنه يكون قد ظلم نفسه، فأنت يا أخي لا تفرط فتقصر، ولا تفرط فتزيد. ويؤخذ من هذا الحديث أنه لا ينبغي للإنسان أن يحمل نفسه ويشق عليها في العبادة، وإنما يأخذ ما يطيق. والله الموفق. * * *

стр. 813

١٤٨ ـ وعن أبي عبد الله جابر بن سمرة ﵄ قال: كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً) رواه مسلم. قوله: (قصداً) أي بين الطول والقصر. [الشَّرْحُ] حديث جابر بن سمرة ﵄، قال إنه صلى مع النبي ﷺ ، والظاهر أنه يريد الجمعة، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً، والقصد معناه التوسط، الذي ليس فيه تخفيف مخل ولا تثقيل ممل، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) أي علامة على فقهه ودليل عليه، ويؤخذ من هذا الحديث أنه لا ينبغي للإنسان أن يجمل نفسه ويشق عليها في العبادة، وإنما يأخذ ما يطيق. والله الموفق. * * * ١٤٩ ـ وعن أبي جحبفة وهب بن عبد الله ﵁ قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك: قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له: نم، فنام. ثم ذهب يقوم

стр. 814

فقال له: نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصلينا جميعاً، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه , فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: (صدق سلمان) . رواه البخاري. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما رواه عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله، أن النبي ﷺ آخى بين سلمان وأبي الدرداء ﵄ جميعاً، آخى بينهما: أي عقد بينهما عقد أخوة، وذلك أن المهاجرين حين قدموا المدينة آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، فكان المهاجرون في هذا العقد للأنصار بمنزلة الأخوة، حتى إنهم كانوا يتوارثون بهذا العقد، حتى أنزل الله : (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (الأنفال: ٧٥) . فجاء سلمان ذات يوم ودخل على دار أخيه أبي الدرداء ﵁، فوجد امرأته أن الدرداء متبذلة، يعني ليست عليها ثياب المرأة ذات الزوج، بل عليها ثياب ليست جميلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له شيء من الدنيا، يعني أنه معرض عن الدنيا، وعن الأهل، وعن الأكل، وعن كل شيء.

стр. 815

ثم إن أبا الدرداء لما جاء صنع لسلمان طعاماً، فقدمه إليه وقال: كل فإني صائم، فقال له: كل وأفطر ولا تصم، لأنه علم من حاله بواسطة كلام زوجته أنه يصوم دائماً، وأنه معرض عن الدنيا وعن الأكل وغيره، فأكل ثم نام، فقام ليصلي، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم قام ليصلي، فقال: نم ولما كان آخر الليل قام سلمان ﵁ وصليا جميعاً. وقوله صليا جميعاً: ظاهره أنهما صليا جماعة، ويحتمل أنهما صليا جميعاً في الزمن وكل يصلي وحده. وهذه المسألة ـ أعني الصلاة جماعة في صلاة الليل ـ جائزة، لكن لا تفعل دائماً، وإنما تفعل أحياناً، فقد صلى النبي ﷺ صلاة الليل جماعة مع ابن عباس ﵄، ومع حذيفة بن اليمان، ومع عبد الله بن مسعود، ولكن العلماء يقولون: إن هذا يفعل أحياناً لا دائماً. ثم قال له سلمان: (إن لنفسك عليك حقاً، وأن لأهلك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه) وهذا القول الذي قاله سلمان هو القول الذي قاله النبي ﵊ لعمر بن العاص ﵄. ففي هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يكلف نفسه بالصيام والقيام، وإنما يصلي ويقوم على وجه يحصل به الخير، ويزول به التعب والمشقة والعناء. والله الموفق. * * *

стр. 816

١٥١ ـ وعن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، أحد كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. قال أبو بكر ﵁: فو الله لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : (وما ذاك؟) قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسبنا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظة ساعة وساعة) ثلاث مرات، رواه مسلم. قوله: ربعي) بكسر الراء. (والأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين وبعدها ياء مكسورة مشددة وقوله: (عافسنا) هو بالعين والسين المهملتين، أي عالجنا ولا عبنا. (والضيعات) : المعايش.

стр. 817

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن حنظلة الكاتب، أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، إنه قال: لقيني أبو بكر ﵁ فقلت: نافق حنظلة، يعني نفسه، ومعنى نافق: يعني صار من المنافقين، قال ذلك ظناً منه ﵁ أن ما فعله نفاق، فقال أبو بكر: وما ذاك؟ فقال ﵁: نكون عند رسول الله ﷺ يذكر بالجنة والنار حتى كأنا رأى عين، يعني كأنما نرى الجنة والنار رأى عين من قوة اليقين، حيث يخبرهم بذلك ﷺ ، وما أخبر به النبي ﷺ فإنه كالمشاهد، بل قد يكون أعظم؛ لأنه خبر من اصدق الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وأعلم الخلق بالله. فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، يعني لهونا معهم ونسينا ما كنا عليه عند النبي ﷺ فقال أبو بكر عن نفسه أنه يصيبه كذلك، ثم ذهبا إلى النبي ﷺ ، فلما وصلا إليه قال حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله، قال: وما ذاك؟ فأخبره بأنهم إذا كانوا عند النبي ﷺ فحدثهم عن الجنة والنار، أخذهم من اليقين ما يجعلهم كأنهم يرونهما رأي العين، ولكن إذا خرجوا عافسوا الأهل والأولاد والضيعات وتلهوا بهم نسوا كثيراً. فقال النبي ﵊: (والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم) أي من شدة اليقين تصافحكم إكراماً لكم وتثبيتاً لكم؛ لأنه كلما

стр. 818

زاد يقين العيد، فإن الله يثبته ويقويه، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٧) ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ساعة وساعة. ساعة وساعة) يعني ساعة للرب ، وساعة مع الأهل والأولاد، وساعة للنفس حتى يعطي الإنسان لنفسه راحتها، ويعطي ذوي الحقوق حقوقهم. وهذا من عدل الشريعة الإسلامية وكمالها، أن الله له حق فيعطي حقه ، وكذلك للنفس حق فتعطى حقها، وللأهل حق فيعطون حقوقهم، وللزوار والضيوف حق فيعطون حقوقهم، حتى يقوم الإنسان بجميع الحقوق التي عليه على وجه الراحة، ويتعبد لله براحة، لأن الإنسان إذا أثقل على نفسه وشدد عليها مل وتعب، وأضاع حقوقاً كثيرة. وهذا كما يكون في العبادة وفي حقوق النفس والأهل والضيف، يكون كذلك أيضاً في العلوم، فإذا طلب الإنسان العلم ورأى في نفسه مللاً في مراجعة كتاب ما، فلينتقل إلى كتاب آخر، وإذا رأى من نفسه مللاً من دراسة فن معين، فإنه ينتقل إلى دراسة فن آخر، وهكذا يريح نفسه، ويحصل علماً كثيراً. أما إذا أكره نفسه على الشيء حصل له من الملل والتعب ما يجعله يسأم وينصرف، إلا ما شاء الله؛ فإن بعض الناس يكره نفسه على المراجعة والمطالعة والبحث مع التعب، ثم يأخذ عليه ويكون هذا دأبا له، ويكون ديدناً له، حتى إنه إذا فقد هذا الشيء ضاق صدره، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 819

١٥٢ـ وعن أبن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسال عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ولا يصوم، فقال النبي ﷺ : (مروه فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه) رواه البخاري. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ في باب الاقتصاد في العبادة هذا الحديث؛ الذي نذر فيه رجل يقال له أبو إسرائيل؛ أن يقوم في الشمس ولا يقعد، وأن يصمت ولا يتكلم، وأن يصوم، وكان النبي ﷺ يخطب، فرأى هذا الرجل قائماً في الشمس، فسأل عنه فأخبر عن قصته، فقال النبي ﷺ : (مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) . وهذا النذر كان قد تضمن أشياء محبوبة إلى الله ، وأشياء غير محبوبة، أما المحبوبة إلى الله فهي الصوم؛ لأن الصوم عبادة، وقد قال النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) ، وأما وقوفه قائماً في الشمس من غير أن يستظل، وكونه لا يتكلم؛ فهذا غير محبوب إلى الله ، فلهذا أمر النبي ﷺ هذا الرجل أن يترك ما نذر. وليعلم أن النذر اصله مكروه، بل قال بعض العلماء: أنه محرم، وأنه لا يجوز للإنسان أن ينذر؛ لأن الإنسان إذا نذر كلف نفسه ما لم يكلفه الله،

стр. 820

ولهذا نهى النبي ﷺ عن النذر وقال (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) ، ولكن إذا قدر أن الإنسان نذر فالنذر أقسام: قسم حكمه حكم اليمين، وقسم آخر نذر معصية، وقسم ثالث نذر طاعة. أما الذي حكمه حكم اليمين، فهو الذي قصد الإنسان به تأكيد الشيء؛ نفياً أو إثباتاً أو تصديقاً أو تأكيداً، ومثاله: إذا قيل للرجل أخبرتنا بكذا وكذا ولكنك لم تصدق، فقال: إن كنت كاذباً فلله على نذر أن أصوم سنة، فلا شك أن غرضه من ذلك أن يؤكد قوله ليصدقه الناس، هذا حكمه حكم اليمين؛ لأنه قصد بذلك تأكيد ما قال، وكذلك أيضاً إذا قصد الحث؛ مثل أن يقول: إن لم افعل كذا فلله على نذر أن أصوم سنة، فهذا أيضاً قصد الحث وأن يفعل ما ذكر، حكمه حكم اليمين أيضاً، ودليل هذا قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، وهذا نوى اليمين فله ما نوى. أما القسم الثاني: فهو المحرم فالمحرم إذا نذره الإنسان يحرم عليه الوفاء به، مثل أن يقول: لله عليه نذر أن يشرب الخمر، فهذا نذر محرم، فلا يحل له أن يشرب الخمر، ولكن عليه كفارة يمين على القول الراجح،

стр. 821

وإن كان بعض العلماء قال: إنه لا شيء عليه، لأنه غير منعقد، ولكن الصحيح أنه نذر منعقد، ولكن لا يجوز الوفاء به، ومثل ذلك أن تقول المرأة: لله عليها نذر أن تصوم أيام حيضها؛ فهذا حرام، ولا يجوز أن تصوم أيام الحيض، وعليها كفارة يمين. أما القسم الثالث: فهو نذر الطاعة، أن ينذر الإنسان نذر طاعة، مثل أن يقول: لله على نذر أن أصوم الأيام البيض؛ وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فيلزمه أن يوفي بنذره، لقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) ، أو يقول: لله علي نذر أن اصلي ركعتين في الضحى، فيلزمه أن يوفي بنذره لأنه طاعة، وقد قال النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) . فإن اشتمل نذره على طاعة وغير طاعة؛ وجب أن يوفي بالطاعة، وغير الطاعة لا يوفي، ويكفر كفارة يمين، مثل قصة الرجل، حيث نذر أن يقوم في الشمس، وألا يستظل، وألا يتكلم، وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يصوم لأنه طاعة، ولكنه قال في القيام، وعدم الاستظلال، وعدم الكلام؛ مروه فليستظل وليقعد وليتكلم، وكثير من الناس اليوم إذا استبعد الأمر أو أشفق عليه ينذر؛ فمثلاً: إذا مرض له إنسان؛ قال: لله علي نذر إن شفى الله مريضي لأفعلن كذا وكذا، فهذا منهي عنه، إما نهي كراهة أو نهي تحريم، اسأل الله العافية لمريضك بدون نذر، لكن لو فرضنا أنه نذر؛ إن شفي الله مريضه أن يفعل كذا وكذا فشفاه الله، وجب عليه أن يوفي بالنذر. والله الموفق.

стр. 822

١٥ ـ باب المحافظة على الأعمال قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحديد: ١٦) ، وقال تعالى: (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد: ٢٧) ، وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً) (النحل: ٩٢) ، وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: ٩٩) . وأما الأحاديث؛ فمنها حديث عائشة: وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه وقد سبق في الباب قبله. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀: باب المحافظة على الأعمال: يعني الأعمال الصالحة. لما ذكر ﵀ باب الاقتصاد في الطاعة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يشق على نفسه في العبادة وإنما يكون متمشياً على هدى النبي ﷺ أعقبه بهذا الباب الذي فيه المحافظة على الطاعة، وذلك أن كثيراً من الناس ربما يكون نشيطاً مقبلاً على الخير فيجتهد، ولكنه بعد ذلك يفتر ثم يتقاعس ويتهاون. وهذا يجري كثيراً للشباب، لأن الشاب يكون عنده اندفاع قوي أو

стр. 823

تأخر شديد؛ إذ إن غالب تصرفات الشباب إنما تكون مبنية على العاطفة دون التعقل، فتجد الواحد منهم يندفع ويشتد في العبادة، ثم يعجز أو يتكاسل فيتأخر، ولهذا ينبغي للإنسان ـ كما نبه المؤلف ﵀ أن يكون مقتصداً في الطاعة غير منجرف، وأن يكون محافظاً عليها لأن المحافظة على الطاعة دليل على الرغبة فيها، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، فإذا حافظ الإنسان على عبادته واستمر عليها؛ كان هذا دليلاً على محبته وعلى رغبته في الخير. وقد ذكر المؤلف عدة آيات، منها قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً) (النحل: ٩٢) ، امرأة تغزل، فغزلت غزلاً جيداً قوياً متيناً، ثم بعد ذلك ذهبت تنقضه أنكاثاً، حتى لم يبق منه شيء، كذلك بعض الناس يشتد في العبادة ويزيد، ثم بعد ذلك ينقضها فيدعها. وكذلك ذكر ﵀ عن بني إسرائيل قول الله : (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) أي ما استمروا عليها ولا رعوها، ولكنهم أهملوها، وقال تعالى: (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحديد: ١٦) ، يعني طال عليهم الأمد ـ أي الزمن ـ بالأعمال، فقست قلوبهم وتركوا الأعمال والعياذ بالله، فالمهم أن الإنسان ينبغي له أن يحافظ على العمل، وألا يتكاسل وألا يدعه، بل يستمر على ما هو عليه.

стр. 824

وإذا كان هذا في العبادة فهو أيضاً في أمور العادة، فينبغي ألا يكون للإنسان كل ساعة وجهة، وكل ساعة فكر، بل يستمر ويبقى على ما هو عليه ما لم يتبين الخطأ، فإن تبين الخطأ فلا يقر الإنسان نفسه على خطأ لكن ما دام الأمر لم يتبين فيه الخطأ؛ فإن بقاءه على ما هو عليه أحسن، وأدل على ثباته، وعلى أنه رجل لا يخطو خطوة إلا عرف أين يضع قدمه وأين ينزع قدمه. وبعض الناس لا يهتم بأمور العادة، فتجد كل يوم له فكر، وكل يوم له نظر، وهذا يفوت عليه الوقت ولا يستقر نفسه على شيء، ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: من بورك له في شيء فليلزمه، كلمة عظيمة، يعني إذا بورك لك في شيء، أي شيء يكون؛ فالزمه ولا تخرج عنه مرة هنا ومره هنا، فيضيع عليك الوقت ولا تبني شيئاً، نسأل الله أن يثنتنا وإياكم على الحق، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره. * * * ١٥٣ ـ وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل) رواه مسلم.

стр. 825

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقضاه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، يعني فكأنما صلاه في ليلته. هذا فيه دليل على أن الإنسان ينبغي له إذا كان يعتاد شيئاً من العبادة أن يحافظ عليها، ولو بعد ذهاب وقتها. والحزب معناه: هو الجزء من الشيء، ومنه أحزاب القرآن، ومنه أيضاً الأحزاب من الناس، يعني الطوائف منهم، فإذا كان الإنسان لديه عادة يصليها في الليل؛ ولكنه نام عنها، أو عن شيء منها فقتضاه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ فكأنما صلاه في ليلته، ولكن إذا كان يوتر في الليل؛ فإنه إذا قضاه في النهر لا يوتر، ولكنه يشفع الوتر، أي يزيده ركعة، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث ركعات فليقض أربعة، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس فليقض ستاً، وإذا كان من عادته أن يوتر بسبع فليقض ثماني وهكذا. ودليل ذلك حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا غلبه نوم أو وجع من الليل؛ صلى من النهار تنتي عشرة ركعة، والقضاء فيما

стр. 826

بين صلاة الفجر وصلاة الظهر مقيد بأحاديث تدل على أن صلاة الفجر لا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس، ولا بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، فيقيد عموم هذا الحديث الذي ذكره المؤلف بخصوص الحديث الذي ذكرناه، وأن القضاء يكون من بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وقد يقال بأنه لا يقيد، لأن القضاء متى ذكره الإنسان قضاه، لعموم قول النبي ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلا ذلك) . ويؤخذ من الحديث الذي ذكره المؤلف أنه ينبغي للإنسان المداومة على فعل الخير، وألا يدع ما نسيه إذا كان يمكن قضاؤه، أما ما لا يمكن قضاؤه فإنه إذا نسيه سقط، مثل سنة دخول المسجد التي تسمى تحية المسجد، إذا دخل الإنسان المسجد، ونسى وجلس وطالت المدة؛ فإنه لا يقضيها؛ لأن هذه الصلاة سنة مقيدة بسبب، فإذا تأخرت عنه سقطت سنتها، وهكذا كل ما قيد بسبب؛ فإنه إذا زال سببه لا يقضى، إلا أن يكون واجباً من الواجبات؛ كالصلاة المفروضة، وأما ما قيد بوقت فإنه يقضى إذا فات؛ كالسنن الرواتب؛ لو نسيها الإنسان حتى خرج الوقت فإنه يقضيها بعد الوقت، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ . وكذلك لو فات الإنسان صيام ثلاثة أيام من الشهر ـ الأيام البيض ـ فإنه يقضيها بعد ذلك، وإن كان صيام ثلاثة أيام من الشهر واسعاً؛ فتجوز

стр. 827

في أول الشهر وفي وسطه وفي آخره، لكن الأفضل في الأيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. والله الموفق. * * * ١٥٤ ـ وعن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه. ١٥٥ ـ وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال له: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) ساق المؤلف هذا الحديث في باب الاستقامة على الطاعة ودوامها، وأن الإنسان لا يقطعها. وقد وصى النبي ﵊ عبد الله بن عمرو ألا يكون مثل

стр. 828

فلان ويحتمل هذا الإبهام أن يكون من النبي ﵊ وأن النبي ﷺ أحب ألا يذكر اسم الرجل، ويحتمل أنه من عبد الله بن عمرو أبهمه لئلا يطلع عليه الرواة، ويحتمل أنه من الراوى بعد عبد الله بن عمرو. وآياً كان ففيه دليل على أن المهم من الأمور والقضايا القضية نفسها دون ذكر الأشخاص، ولهذا كان من هدي النبي ﷺ أنه إذا أراد أن ينهي عن شيء فإنه لا يذكر الأشخاص، وإنما يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا وما أشبه ذلك. وترك ذكر اسم الشخص فيه فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: الستر على هذا الشخص. الفائدة الثانية: أن هذا الشخص ربما تتغير حاله؛ فلا يستحق الحكم الذي يحكم عليه في الوقت الحاضر؛ لأن القلوب بيد الله، فمثلاً: هب أنني رأيت رجلاً على فسق، فإذا ذكرت اسمه، فقلت لشخص: لا تكن مثل فلان؛ يسرق أو يزني أو يشرب الخمر، أو ما أشبه ذلك، فربما تتغير حال هذا الرجل، ويستقيم، ويعبد الله، فلا يستحق الحكم الذي ذكرته من قبل، فهذا كان الإبهام في هذه الأمور أولى وأحسن، لما فيه من ستر، ولما فيه من الإحتياط إذا تغيرت حال الشخص. وفي قوله ﵊ (كان يقوم من الليل فترك قيام الليل) التحذير من كون الإنسان يعمل العمل الصالح ثم يدعه، فإن هذا قد ينبئ عن رغبة عن الخير، وكراهة له، وهذا خطر عظيم، وإن كان الإنسان قد يترك الشيء لعذر، فإذا تركه لعذر، فإن كان مما يمكن قضاؤه قضاه وإن

стр. 829

كان مما لا يمكن قضاؤه فإن الله ـ تعالى ـ يعفو عنه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً، وكذلك إذا تركه لعذر فإنه يقضه. وفي حديث عائشة الذي ساقه المؤلف؛ أن النبي ﷺ كان إذا ترك القيام الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، لأنه ﷺ كان يوتر بإحدى عشر ركعة، فإذا قضي الليل ولم يوتر لنوم أو شبهه؛ فإنه يقضي هذه الصلاة، لكن لما فات وقت الوتر صار المشروع أن يجعله شفعاً، بناء على ذلك: فمن كان يوتر بثلاث ونام عن وتره فليصل في النهار أربعاً، وإذا كان يوتر بخمس فليصل ستاً، وإن كان يوتر بسبع فليصل ثماني، وإن كان يوتر بتسع فليصل عشراً، وإن كان يوتر بإحدى عشرة ركعة فليصل اثنتي عشرة ركعة، كما كان النبي ﷺ يفعله. وفي هذا دليل على فائدة مهمة وهي: أن العبادة المؤقتة إذا فاتت عن وقتها لعذر فإنها تقضى، أما العبادة المربوطة بسبب؛ فإنه إذا زال سببها لا تقضى، ومن ذلك سنة الوضوء مثلاً؛ إذا توضأ الإنسان فإن من السنة أن يصلي ركعتين، فإذا نسى ولم يذكر إلا بعد مدة طويلة سقطت عنه، وكذلك إذا دخل المسجد وجلس ناسياً، ولم يذكر إلا بعد مدة طويلة فإن تحية المسجد تسقط عنه؛ لأن المقرون بسبب لابد أن يكون موالياً للسبب، فإن فصل بينهما سقط، والله الموفق.

стр. 830

١٦ ـ باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها قال الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: ٧) وقال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: ٣، ٤) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: ٣١) ، وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب: ٢١) . [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها، السنة: يراد بها سنة الرسول ﷺ ، وهي طريقته التي كان عليها في عباداته وأخلاقه ومعاملاته، فهي أقواله ﷺ وأفعاله وإقراراته، هذه هي السنة. ويطلق الفقهاء السنة على العمل الذي يترجح فعله على تركه، وهو الذي يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه. ولا شك أن الرسول ﵊ بعثه الله ـ تعالى ـ بالهدى ودين الحق. والهدى: هو العلم النافع ودين الحق: هو العمل الصالح، فلابد من علم، ولابد من عمل، ولا يمكن أن يحافظ الإنسان على سنة الرسول ﷺ إلا بعد أن يعلمها، وعليه فيكون الأمر بالمحافظة على السنة أمراً بالعلم وطلب العلم. وطلب العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فرض عين، وفرض كفاية، وسنة.

стр. 831

أما فرض العين: فهو علم ما تتوقف العبادة عليه. يعني العلم الذي لا يسع المسلم جهله، مثل العلم بالوضوء، بالصلاة، بالزكاة، بالصيام، بالحج، وما أشبه ذلك، فالذي لا يسع المسلم جهله؛ فإن تعلمه يكون فرض عين. ولهذا نوجب على هذا الشخص أن يتعلم أحكام الزكاة لأنه ذو مال، ولا نوجب على الآخر أن يتعلم أحكام الزكاة لأنه ليس ذا مال. كذلك الحج: نوجب على هذا أن يتعلم أحكام الحج لأنه سوف يحج، ولا نوجب على الآخر أن يتعلمها؛ لأنه ليس بحاج. أما فرض كفاية: فهو العلم الذي تحفظ به الشريعة، يعني هو العلم الذي لو ترك لضاعت الشريعة، فهذا فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإذا قدر أن واحداً في البلد قد قام بالواجب في هذا الأمر وتعلم، وصار يفتي ويدرس، ويعلم الناس، صار طلب العلم في حق غيره سنة وهو القسم الثالث. إذن طالب العلم يدور أجره بين أجر السنة، وأجر فرض الكفاية، وأجر فرض العين. والمهم أنه لا يمكن أن نحافظ على السنة وآدابها إلا بعد معرفة السنة وآدابها. ثم ذكر المؤلف من كتاب الله ، منها قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١) ، هذه الآية يسمها بعض العلماء آية المحنة، أي آية الامتحان، لأن الله ـ تعالى ـ امتحن قوماً ادعوا أنهم يحبون الله، قالوا: نحن نحب الله، دعوى يسيرة، لكت على المدعي البينة، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) فمن ادعى محبة

стр. 832

الله، وهو لا يتبع الرسول ﵊ فليس صادقاً. بل هو كاذب، فعلامة محبة الله أن تتبع رسوله ﷺ . واعلم أنه بقدر تخلفك عن متابعة الرسول ﷺ يكون نقص محبتك لله، وما نتيجة متابعة الرسول ﷺ ؟ جاء ذلك في الآية نفسها (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وهذه الثمرة؛ أن الله يحبك، لا أن تدعي محبة الله. فإذا أحبك الله؛ فإنه لن يحبك إلا إذا أتيت ما يحب، فليس الشان أن يقول القائل: أنا أحب الله، ولكن الشأن كل الشأن أن يكون الله يحبه. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أحبابه. وهذا هو الشأن. وإذا أحب الله الشخص، يسر الله له أمور دينه ودنياه، ورد في الحديث: (أن الله إذا أحب شخصاً نادى جبريل: أني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماوات: أن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماوات، ثم يوضع له القبول في الأرض) فيحبه أهل الأرض، ويقبلونه، ويكون إماماً لهم، إذاً محبة الله هي الغاية، ولكنها غاية لمن كان متبعاً للرسول ﷺ غاية كمن كان يحب الرسول ﷺ فمن اتبع الرسول ﷺ أحبه الله. وذكر المؤلف قوله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: ٧) وهذه الآية في سياق قسمة الفيء؛ يعني المال الذي

стр. 833

يؤخذ من الكفار. يقول الله : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) يعني ما أعطاكم من المال فخذوه ولا تردوه، (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي لا تأخذوه. ولهذا بعث الرسول ﵊ عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة في سنة من السنوات، فلما رجع أعطاه فقال: يا رسول الله تصدق به على من هو أفقر مني، فقال النبي ﷺ : (ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) فما أعطانا الرسول ﷺ فإننا نأخذه، وما نهانا عنه فإننا لا نأخذه. وهذه الآية ـ وإن كانت في سياق قسمة الفيء ـ فإنها كذلك بالنسبة للأحكام الشرعية، فما أحله النبي ﷺ لنا فإننا نقبله ونعمل به على أنه حلال، وما نهانا عنه فإننا ننتهي عنه، ونتركه ولا نتعرض له، فهي وإن كانت في سياق الفيء فهي عامة تشمل هذا وهذا. ثم ذكر أيضاً قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) يعني بالأسوة: القدوة. والحسنة: ضد السيئة، والنبي ﵊ هو أسوتنا وقدوتنا، ولنا فيه أسوة حسنة، وكل شيء تتأسى فيه برسول الله ﷺ فإنه خير وحسن. ويشمل قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)

стр. 834

معنيين: المعنى الأول: هو أن كل ما يفعله فهو حسن، فالتأسي به حسن. الثاني: أننا مأمورون بأن نتأسى به أسوة حسنة، لا نزيد على ما شرع ولا ننقص عنه، لأن الزيادة أو النقص ضد الحسن، ولكننا مأمورون بأن نتأسى به وكل شيء نتأسى به فيه فإنه حسن. وأخذ العلماء من هذه الآية أن أفعال النبي ﷺ حجة يحتج بها ويقتدى به فيها، إلا ما قام الدليل على أنه خاص به، فما قام الدليل على أنه خاص به فهو مختص به، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) إلى أن قال (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الأحزاب: ٥٠) ، فما كان من خصائصه فهو من خصائصه. ومن ذلك أيضاً: الوصال في الصوم، أي أن يسدد الإنسان صوم يومين بلا فطر، فإن النبي ﷺ نهى عنه، قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل، يعني فكيف تنهانا؟ فقال: (إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقي) وفي لفظ: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) يعني يطعمه الله ويسقيه بما

стр. 835

يمده به من ذكره، وتعلق قلبه به حتى ينسى الأكل والشرب ولا يطلبه. ونحن نعلم الآن أن الرجل لو شغل بأمر من أمور الدنيا نسى الأكل والشرب حتى أن الشعراء يتمثلون بهذا بقولهم: لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد يعني أن أحاديثها بك إذا قامت تتحدث؛ ألهاها ذلك عن الشراب وعن الزاد. فالنبي ﵊ لقوة تعلقه بربه، إذا قام من الليل يتهجد، فإن الله ـ تعالى ـ يعطيه قوة بما يحصل له من الذكر، تكفيه عن الأكل والشرب. أما نحن فلسنا كهيئته، ولهذا منع الوصال، وبين أنه من خصائصه ﷺ . * * * وذكر المؤلف قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء: ٦٥) . [الشَّرْحُ] ساق المؤلف رحمه الله تعالى ـ فيما ساقه من الآيات الدالة على المحافظة على السنة وآدابها قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما) هذه الآية لها صلة بما قبلها وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا

стр. 836

الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩) ، فأمر الله ـ تعالى ـ بطاعته، وبطاعة رسوله وأولي الأمر منا. وأولو الأمر: يشمل العلماء والأمراء، لأن العلماء ولاة أمورنا في بيان دين الله، والأمراء ولاة أمرنا في تنفيذ شريعة الله ن ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء، ولا الأمراء إلا بالعلماء. فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء ليستبينوا منهم شريعة الله. والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء، وأن يخوفوهم بالله، وأن يعظوهم حتى يطبقوا شريعة الله في عباد الله . ثم قال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) يعني: إن اختلفتم في شيء من الأشياء، فليس قول بعضكم حجة على الآخر، ولكن هناك حكم الله ورسوله ﷺ فعليكم بالرجوع إلى حكم الله ـ تعالى ـ وحكم رسوله ﷺ أما الرجوع إلى الله فهو الرجوع إلي كتابه، القرآن العظيم، أما الرجوع إلي رسول الله ﷺ فهو الرجوع إلى سنته ﷺ إن كان حياً بمراجعه شخصياً، وإن كان ميتاً فبمراجتة ما صح من سنته ﷺ ، (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) وهذا حث على الرجوع إلى الله ـ تعالى ورسوله ﷺ وأن الرجوع إلى الله ورسوله من مقتضيات الإيمان. (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) يعني أحسن عاقبة، فالرجوع إلى الله ورسوله خير للأمة وأحسن عاقبة، مهما ظن الظان أن الرجوع إلى الكتاب والسنة يشكل أمراً قد يعجز الناس، وقد لا يطيقون ذلك، فهذا ظن خاطئ

стр. 837

لا قيمة له، فبعض الناس يظنون أن الرجوع إلى الإسلام الذي كان في صدر هذه الأمة لا يتناسب مع الوقت الحاضر والعياذ بالله، ولم يعلم هؤلاء أن الإسلام حاكم وليس محكوماً عليه، وأن الإسلام لا يتغير باختلاف الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص، الإسلام هو الإسلام، فإن كنا نؤمن بالله واليوم الأخر؛ فلنرجع إلى الكتاب والسنة (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: أحسن مآلاً وعافية. ثم قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) (النساء: ٦٠) ، والاستفهام هذا للتعجب ح يعني ألا تتعجب من قوم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل عليك، وبما أنزل من قبلك، ولكنهم لا يريدون التحاكم إلى الله ورسوله، إنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت؛ وهو كل ما خالف شريعة الله. ومن هؤلاء القوم ما ابتلى الله به المسلمين من بعض الحكام الذين يريدون أن يرجعوا في الحكم بين الناس إلى قوانين ضالة بعيدة عن الشريعة، وضعها فلان وفلان من كفار، لا يعلمون عن الإسلام شيئاً، هم أيضاً في عصر قد تختلف العصور عنه، وفي أمة قد تختلف عنها الأمم الأخرى. لكن ـ مع الأسف ـ إن بعض الذين استعمروهم الكفار من البلاد الإسلامية، أخذوا هذه القوانين، وصاروا يطبقونها على الشعب الإسلامي، غير مبالين بمخالفتها لكتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم وهم

стр. 838

يزعمون أنهم آمنوا بالله ورسوله، كيف ذلك؟ وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، أمروا أمراً من الله أن يكفروا بالطاغوت، ومع ذلك يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت، (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (النساء: ٦٠) ، يريد الشيطان أن يضلهم عن دين الله ضلالاً بعيداً ليس قريباً، لأن من حكم غير شريعة الله فقد ضل أعظم الضلال، وأبعد الضلال. قال الله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) (النساء: ٦١) ، أي إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله؛؛ وهو القرآن، وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً، ولم يقل: رأيتهم لأجل أن يبين أه هؤلاء منافقين، فأظهر في وضع الإضمار لهذه الفائدة. ولأجل أن يشمل هؤلاء وغيرهم من المنافقين، فإن المنافق ـ والعياذ بالله ـ إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض وصد. (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) ، يعني كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة وكشفت عوراتهم واطلع عليها، ثم جاءوك يحلفون بالله وهم كاذبون: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) يعني ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الشريعة وبين القوانين الوضعية، ولا يمكن أن يكون هناك توفيق بين حكم الله وحكم الطاغوت أبداً، حكم الطاغوت لو فرض أنه وافق حكم الله؛ لكان حكماً لله لا للطاغوت؛ ولهذا ما في القوانين الوضعية من المسائل

стр. 839

النافعة، فإنها سبق إليها الشرع الإسلامي. ولهذا قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (النساء: ٦٣) ، يعني: هؤلاء هم الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وإن أظهروا للناس أنهم يؤمنون بالله، وأنهم يريدون الإحسان والتوفيق بين الأحكام الشرعية والأحكام القانونية، هؤلاء هم الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وماذا أرادوا لأمتهم (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) وهذا الأمر بالإعراض عنهم تهديد لهم (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) أي قل لهم قولاً بليغاً يبلغ إلى أنفسهم ليتعظوا به. ثم قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني ما أرسلنا الرسل لتقرأ أقوالهم ويتركون، بل ما أرسلت الرسل إلا ليطاعوا، وإلا فلا فائدة من إرسالهم. الرسالة معناها ومقتضاها أن الرسول يطاع: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً

стр. 840

رَحِيماً) يعني لو أنهم إذا ظلموا أنفسهم بما أضمروه في نفوسهم من الباطن، جاءوك فاستغفروا الله: يعني طلبوا من الله المغفرة، واستغفرت لهم أنت؛ لوجدوا الله تواباً رحيماً، ولكنهم ـ والعياذ بالله ـ بقوا على نفاقهم وعلى عنادهم. وهذه الآية استدل بها دعاة القبور الذين يدعون القبور ويستغفرونها حيث قالوا: لأن الله قال لنبيه ﵊: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) فأنت إذا أذنبت، فأذهب إلى قبر النبي ﵊، واستغفر الله ليستغفر لك الرسول. ولكن هؤلاء ضلوا ضلالاً بعيداً؛ لأن الآية صريحة قال: (إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ولم يقل: إذا ظلموا أنفسهم جاءوك، فهي تتحدث عن شيء مضى وانقضى، يقول: لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بما أحدثوا، ثم جاءوك في حياتك، واستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توباً رحيما، أما بعد موت الرسول ﵊؛ فإنه لا يمكن أن يستغفر الرسول ﷺ لأحد؛ لأنه انقطع عمله، كما قال الرسول ﵊: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فعمل النبي ﷺ نفسه بعد موته لا يمكن، لكنه ﷺ يكتب له أجر كل ما عملته الأمة، فكل ما عملنا من خير وعمل صالح من فرائض ونوافل، فإنه يكتب أجره للرسول ﵊؛ لأنه هو الذي علمنا، فهذا داخل في قوله: (أو علم ينتفع به) . الحاصل أنه لا دلالة في هذه الآية على ما زعمه هؤلاء الداعون لقبر النبي ﵊. ثم ذكر المؤلف ـ رحمه اله ـ قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) هذه الآية ذكرها الله عقب قوله تعالى: (وَمَا

стр. 841

أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) وهذه الآية فيها إقسام من الله بربوبيته لمحمد ﷺ ، الدالة على عنايته به ﷺ عناية خاصة، وذلك لأن الربوبية هنا ربوبية خاصة. ولله على خلقه ربوبيتان: ربوبية عامة لكل أحد، مثل قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) ، وربوبية خاصة لمن اختصه من عباده مثل هذه الآية: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) . وقد اجتمع النوعان في قوله ـ تعالى ـ عن سحرة آل فرعون: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف: ١٢٢) ، فرب العالمين عامة، ورب موسى وهارون خاصة. والربوبية الخاصة تقتضي عناية خاصة من الله ، فاقسم ـ سبحانه وبحمده ـ بربوبيته لعبده محمد ﷺ فسماً مؤكداً بلا في قوله: (فَلا وَرَبِّكَ) و (لا) هذه يراد بها التوكيد ولو قال: فوربك لا يؤمنون؛ لتم الكلام، ولكنه أتي بلا للتوكيد، كقوله تعالى: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (القيامة: ١) ، ليس المراد النفي أن الله لا يقسم بيوم القيامة، بل المراد التوكيد، فهي هنا للتوكيد والتنبيه. (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي يجعلونك حكماً فيما حصل بينهم من النزاع؛ لأن معنى (شجر) أي حصل من النزاع (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) يجعلوك أنت الحكم فيما حصل بينهم من النزاع، في أمور الدين، وفي أمور الدنيا.

стр. 842

ففي أمور الدين: لو تنازع رجلان في حكم مسألة شرعية؛ فقال أحدهما: هي حرام، وقال الثاني: هي حلال، فالتحاكم إلى الرسول ﵊؛ فلا يؤمن أحد منهما ـ أي من المتشاجرين ـ إلا إذا حكم رسول الله ﷺ . ولو تنازع الناس في أمر دنيوي بينهم، كما حصل بين الزبير بن العوام ﵁ وجاره الأنصاري، حين تحاكما إلى رسول الله ﷺ في ماء الوادي، فحكم بينهما، فهذا تحاكم في أمور الدنيا، المهم أنه لا يؤمن أحد حتى يكون تحاكمه في أمور الدين والدنيا إلى رسول الله ﷺ . ثم إن الإيمان المنفي هنا، إن الإنسان لا يرضى بحكم الرسول ﷺ مطلقاً، فهو نفى للإيمان من أصله، لأن من لا يرضى بحكم الرسول ﷺ مطلقاً كافر، ـ والعياذ بالله ـ خارج عن الإسلام، وإن كان عدم الرضا بالحكم في مسألة خاصة، وعصى فيها، فإنها ـ إذا لم تكن مكفرة ـ فإنه لا يكفر. وقوله : (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) لو قال قائل: كيف يكون تحكيم الرسول ﷺ بعد موته؟ فالجواب أن نقول: يكون تحكيمه بعد موته بتحكيم سنته ﷺ . فالشيء الأول: (لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) . والشيء الثاني: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) ، يعني أن الإنسان قد يحكم الكتاب والسنة، ولكن يكون في قلبه حرج، يعني ما يطمئن أو ما يرضى إلا رغماً عنه، فلابد من أن لا يجد الإنسان في نفسه

стр. 843

حرجاً مما قضى الله ورسوله. الشيء الثالث: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أي ينقادوا انقياداً تاماً، ليس فيه تأخر ولا تقهقر، فهذه شروط ثلاثة لا يتم الإيمان إلا بها. أولاً: تحكيم الرسول ﷺ . والثاني: أن لا يجد الإنسان في نفسه حرجاً مما قضاه الرسول ﷺ . والثالث: أن يسلم تسليماً تاماً بالغاً. وبناءً على هذا نقول: إن الذين يحكمون القوانين الآن، ويتركون وراءهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما هم بمؤمنين؛ ليسوا بمؤمنين، لقول الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ولقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤) ، وهؤلاء المحكمون للقوانين لا يحكمونها في قضية معينة خالفوا فيها الكتاب والسنة، لهوى أو لظلم، ولكنهم استبدلوا الدين بهذا القانون، وجعلوا هذا القانون يحل محل شريعة الله، وهذا كفر؛ حتى لو صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا، فهم كفار ما داموا عدلوا عن حكم الله ـ وهم يعلمون بحكم الله ـ وإلى هذه القوانين المخالفة لحكم الله. (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء: ٦٥) ، فلا تستغرب إذا قلنا: إن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين فإنه يكفر ولو صام وصلى؛ لأن الكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله، فالشرع لا يتبعض، إما تؤمن به جميعاً، وإما أن تكفر به جميعاً، وإذا آمنت ببعض

стр. 844

وكفرت ببعض، فأنت كافر بالجميع، لأن حالك تقول: إنك لا تؤمن إلا بما لا يخالف هواك. وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به. هذا هو الكفر. فأنت بذلك اتبعت الهوى، واتخذت هواك إلهاً من دون الله. فالحاصل أن المسألة خطيرة جداً، من أخطر ما يكون بالنسبة لحكام المسلمين اليوم، فإنهم قد وضعوا قوانين تخالف الشريعة وهم يعرفون الشريعة، ولكن وضعوها ـ والعياذ بالله ـ تبعاً لأعداء الله من الكفرة الذين سنوا هذه القوانين ومشى الناس عليها، والعجب أنه لقصور علم هؤلاء وضعف دينهم، أنهم يعلمون أن واضع القانون هو فلان بن فلان من الكفار، في عصر قد اختلفت العصور عنه من مئات السنين، ثم هو في مكان يختلف عن مكان الأمة الإسلامية، ثم هو في شعب يختلف عن شعوب الأمة الإسلامية، ومع ذلك يفرضون هذه القوانين على الأمة الإسلامية، ولا يرجعون إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله ﷺ ، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان؟ وأين التصديق برسالة محمد ﷺ وأنه رسول إلى الناس كافة؟ وأين التصديق بعموم رسالته وأنها عامة في كل شيء؟. كثير من الجهلة يظنون أن الشريعة خاصة بالعبادة التي بينك وبين الله فقط، أو في الأحوال الشخصية من نكاح وميراث وشبهه، ولكنهم أخطئوا في هذا الظن، فالشريعة عامة في كل شيء، وإذا شئت أن يتبين لك هذا؛ فسال ما هي أطول آية في كتاب الله؟ سيقال لك إن أطول آية هي: آيه الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ....) (البقرة: ٢٨٢) كلها في المعاملات، فكيف نقول إن الشرع الإسلامي خاص

стр. 845

بالعبادة أو بالأحوال الشخصية. هذا جهل وضلال، إن كان عن عمد فهو ضلال واستكبار، وإن كان عن جهل فهو قصور، والواجب أن يتعلم الإنسان ويعرف، نسأل الله لنا ولهم الهداية. المهم أن الإنسان لا يمكن أن يؤمن إلا بثلاثة شروط: الأول: تحكيم النبي ﷺ . والثاني: ألا يجد في صدره حرجاً ولا يطيق صدره بما قضى النبي ﵊. والثالث: أن يسلم تسليماً، وينقاد انقياداً تاماً. فبهذه الشروط الثلاثة يكون مؤمناً، وإن لم تتم فإنه إما خالي من الإيمان مطلقاً، وإما ناقص الإيمان، والله الموفق. * * * وقال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) . [الشَّرْحُ] ثم ينقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في سياق الآيات في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) من يطع الرسول محمد صلى اله عليه وسلم فقد أطاع الله. والطاعة: موافقة الأمر، سواء كان ذلك في فعل المأمور أو ترك المحذور، فإذا قيل طاعة ومعصية فالطاعة لفعل المأمور والمعصية لفعل المحذور. أما إذا قيل: طاعة على سبيل الإطلاق، فإنها تشمل الأوامر والنواهي،
следующие страницы →