Полный текст (3 784 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) وهذه الآية فيها إقسام من الله بربوبيته لمحمد ﷺ ، الدالة على عنايته به ﷺ عناية خاصة، وذلك لأن الربوبية هنا ربوبية خاصة.
ولله على خلقه ربوبيتان: ربوبية عامة لكل أحد، مثل قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) ، وربوبية خاصة لمن اختصه من عباده مثل هذه الآية: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) . وقد اجتمع النوعان في قوله ـ تعالى ـ عن سحرة آل فرعون: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف: ١٢٢) ، فرب العالمين عامة، ورب موسى وهارون خاصة.
والربوبية الخاصة تقتضي عناية خاصة من الله ، فاقسم ـ سبحانه وبحمده ـ بربوبيته لعبده محمد ﷺ فسماً مؤكداً بلا في قوله: (فَلا وَرَبِّكَ) و (لا) هذه يراد بها التوكيد ولو قال: فوربك لا يؤمنون؛ لتم الكلام، ولكنه أتي بلا للتوكيد، كقوله تعالى: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (القيامة: ١) ، ليس المراد النفي أن الله لا يقسم بيوم القيامة، بل المراد التوكيد، فهي هنا للتوكيد والتنبيه.
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي يجعلونك حكماً فيما حصل بينهم من النزاع؛ لأن معنى (شجر) أي حصل من النزاع (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) يجعلوك أنت الحكم فيما حصل بينهم من النزاع، في أمور الدين، وفي أمور الدنيا.
стр. 842
ففي أمور الدين: لو تنازع رجلان في حكم مسألة شرعية؛ فقال أحدهما: هي حرام، وقال الثاني: هي حلال، فالتحاكم إلى الرسول ﵊؛ فلا يؤمن أحد منهما ـ أي من المتشاجرين ـ إلا إذا حكم رسول الله ﷺ .
ولو تنازع الناس في أمر دنيوي بينهم، كما حصل بين الزبير بن العوام ﵁ وجاره الأنصاري، حين تحاكما إلى رسول الله ﷺ في ماء الوادي، فحكم بينهما، فهذا تحاكم في أمور الدنيا، المهم أنه لا يؤمن أحد حتى يكون تحاكمه في أمور الدين والدنيا إلى رسول الله ﷺ .
ثم إن الإيمان المنفي هنا، إن الإنسان لا يرضى بحكم الرسول ﷺ مطلقاً، فهو نفى للإيمان من أصله، لأن من لا يرضى بحكم الرسول ﷺ مطلقاً كافر، ـ والعياذ بالله ـ خارج عن الإسلام، وإن كان عدم الرضا بالحكم في مسألة خاصة، وعصى فيها، فإنها ـ إذا لم تكن مكفرة ـ فإنه لا يكفر.
وقوله : (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) لو قال قائل: كيف يكون تحكيم الرسول ﷺ بعد موته؟ فالجواب أن نقول: يكون تحكيمه بعد موته بتحكيم سنته ﷺ .
فالشيء الأول: (لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) .
والشيء الثاني: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) ، يعني أن الإنسان قد يحكم الكتاب والسنة، ولكن يكون في قلبه حرج، يعني ما يطمئن أو ما يرضى إلا رغماً عنه، فلابد من أن لا يجد الإنسان في نفسه
стр. 843
حرجاً مما قضى الله ورسوله.
الشيء الثالث: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أي ينقادوا انقياداً تاماً، ليس فيه تأخر ولا تقهقر، فهذه شروط ثلاثة لا يتم الإيمان إلا بها.
أولاً: تحكيم الرسول ﷺ .
والثاني: أن لا يجد الإنسان في نفسه حرجاً مما قضاه الرسول ﷺ .
والثالث: أن يسلم تسليماً تاماً بالغاً.
وبناءً على هذا نقول: إن الذين يحكمون القوانين الآن، ويتركون وراءهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما هم بمؤمنين؛ ليسوا بمؤمنين، لقول الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ولقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤) ، وهؤلاء المحكمون للقوانين لا يحكمونها في قضية معينة خالفوا فيها الكتاب والسنة، لهوى أو لظلم، ولكنهم استبدلوا الدين بهذا القانون، وجعلوا هذا القانون يحل محل شريعة الله، وهذا كفر؛ حتى لو صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا، فهم كفار ما داموا عدلوا عن حكم الله ـ وهم يعلمون بحكم الله ـ وإلى هذه القوانين المخالفة لحكم الله.
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء: ٦٥) ، فلا تستغرب إذا قلنا: إن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين فإنه يكفر ولو صام وصلى؛ لأن الكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله، فالشرع لا يتبعض، إما تؤمن به جميعاً، وإما أن تكفر به جميعاً، وإذا آمنت ببعض
стр. 844
وكفرت ببعض، فأنت كافر بالجميع، لأن حالك تقول: إنك لا تؤمن إلا بما لا يخالف هواك. وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به. هذا هو الكفر. فأنت بذلك اتبعت الهوى، واتخذت هواك إلهاً من دون الله.
فالحاصل أن المسألة خطيرة جداً، من أخطر ما يكون بالنسبة لحكام المسلمين اليوم، فإنهم قد وضعوا قوانين تخالف الشريعة وهم يعرفون الشريعة، ولكن وضعوها ـ والعياذ بالله ـ تبعاً لأعداء الله من الكفرة الذين سنوا هذه القوانين ومشى الناس عليها، والعجب أنه لقصور علم هؤلاء وضعف دينهم، أنهم يعلمون أن واضع القانون هو فلان بن فلان من الكفار، في عصر قد اختلفت العصور عنه من مئات السنين، ثم هو في مكان يختلف عن مكان الأمة الإسلامية، ثم هو في شعب يختلف عن شعوب الأمة الإسلامية، ومع ذلك يفرضون هذه القوانين على الأمة الإسلامية، ولا يرجعون إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله ﷺ ، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان؟ وأين التصديق برسالة محمد ﷺ وأنه رسول إلى الناس كافة؟ وأين التصديق بعموم رسالته وأنها عامة في كل شيء؟.
كثير من الجهلة يظنون أن الشريعة خاصة بالعبادة التي بينك وبين الله فقط، أو في الأحوال الشخصية من نكاح وميراث وشبهه، ولكنهم أخطئوا في هذا الظن، فالشريعة عامة في كل شيء، وإذا شئت أن يتبين لك هذا؛ فسال ما هي أطول آية في كتاب الله؟ سيقال لك إن أطول آية هي: آيه الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ....) (البقرة: ٢٨٢) كلها في المعاملات، فكيف نقول إن الشرع الإسلامي خاص
стр. 845
بالعبادة أو بالأحوال الشخصية. هذا جهل وضلال، إن كان عن عمد فهو ضلال واستكبار، وإن كان عن جهل فهو قصور، والواجب أن يتعلم الإنسان ويعرف، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
المهم أن الإنسان لا يمكن أن يؤمن إلا بثلاثة شروط:
الأول: تحكيم النبي ﷺ .
والثاني: ألا يجد في صدره حرجاً ولا يطيق صدره بما قضى النبي ﵊.
والثالث: أن يسلم تسليماً، وينقاد انقياداً تاماً. فبهذه الشروط الثلاثة يكون مؤمناً، وإن لم تتم فإنه إما خالي من الإيمان مطلقاً، وإما ناقص الإيمان، والله الموفق.
* * *
وقال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) .
[الشَّرْحُ]
ثم ينقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في سياق الآيات في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) من يطع الرسول محمد صلى اله عليه وسلم فقد أطاع الله.
والطاعة: موافقة الأمر، سواء كان ذلك في فعل المأمور أو ترك المحذور، فإذا قيل طاعة ومعصية فالطاعة لفعل المأمور والمعصية لفعل المحذور.
أما إذا قيل: طاعة على سبيل الإطلاق، فإنها تشمل الأوامر والنواهي،
стр. 846
يعني أن امتثال الأوامر طاعة واجتناب النواهي طاعة، فالذي يطيع النبي ﷺ في أمره ونهيه، أي إذا أمره امتثل، وإذا نهاه اجتنب، فإنه يكون مطيعاً لله ، هذا منطوق الآية، ومفهومها: أن من يعص الرسول فقد عصى الله.
وفي هذه الآية دليل على أن ما ثبت في السنة، فإنه كالذي ثبت في القرآن، أي أنه من شريعة الله ويجب التمسك به، ولا يجوز لأحد أن يفرق بين الكتاب والسنة، ولقد أخبر النبي ﵊ محذراً؛ حينما قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من عندي فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) ، يعني إنه يحذر من أنه ربما يأتي زمان على الناس يقولون: لا نتبع إلا ما في القرآن، أما ما في السنة فلا تأخذ به.
وهذا أمر قد وقع، فوجد من الملاحدة من يقول: لا نقبل السنة، لا نقبل إلا القرآن، والحقيقة لأنهم كذبة، فإنهم لم يقبلوا لا السنة ولا القرآن، لأن القرآن يدل على وجوب اتباع السنة، وأن ما جاء في السنة كالذي جاء في القرآن، ولكنهم يموهون على العامة، ويقولون: إن السنة ما دامت ليست قرآناً يتلى ويتواتر بين المسلمين، فإن ما فيها قابل للشك، وقابل للنسيان، وقابل للوهم وما أشبه ذلك. والله الموفق.
* * *
стр. 847
وقال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: ٦٣) ، وهذا تحذير من الله للذين يخالفون عن أمر الرسول ﷺ ، يعني يرغبون عن أمره فيخالفونه، ولهذا لم يقل: يخالفون أمره، وإنما قال: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي يرغبون عنه فيخالفونه، حذرهم من أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك والعياذ بالله.
أي أنه إذا رد شيئاً من كلام الرسول ﵊، فربما يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ويهلك لبس هلاكاً بدنياً، بل هلاكاً دينياً. والهلاك الديني أشد من الهلاك البدني مثآل كل حي، طالت به الحياة أم قصرت، لكن الهلاك الديني خسارة في الدنيا والآخرة والعياذ بالله.
وقوله (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يعني أنهم يعاقبون قبل أن تحل بهم الفتنة تسأل الله العافية، ففي هذا دليل على وجوب قبول أمر النبي ﷺ ، وأن الذي يخالف عنه مهدد بهذه العقوبة (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
* * *
стр. 848
وقال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما ذكره من الآيات التي صدر بها باب المحافظة على اتباع السنة وآدابها قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) والخطاب هنا للنبي ﷺ أخبره الله أنه يهدي إلى صراط مستقيم؛ يعني يدل إليه ويبينه للناس، والصراط المستقيم بينه الله في قوله: (صِرَاطِ اللَّهِ) يعني الصراط الذي نصبه الله ـ تعالى ـ لعباده، هو شريعته، وأضافه الله إلى نفسه، لأنه هو الذي نصبه، لأنه يوصل إليه، كما أنه أضافه في سورة الفاتحة إلى الذين أنعم الله عليهم، لأنهم هم الذين يسلكونه.
فالنبي ﵊ يهدي الناس إلى الصراط، ويدلهم عليه، ويدعوهم إليه، ويرغبهم في سلوكه، ويحذرهم من مخالفته، وهكذا من خلفه في أمته من العلماء الربانيين، فإنهم يدعون إلى الصراط المستقيم، صراط الله العزيز الحكيم.
فإذا قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وبين قوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) (القصص: ٥٦) ، فإن هذه الآية نزلت حين اغتم النبي ﷺ لعمه أبي طالب، وكان عمه أبو طالب مشركاً، ولكنه كان يدافع عنه، ويرفع منزلته، ويذب عنه، ويقول فيه المدائح والقصائد العظيمة، ولكنه حرم خير الإسلام والعياذ بالله، ومات على الكفر.
قال أهل العلم: الجمع بينهما أن الآية التي وفيها إثبات الهداية يراد بها
стр. 849
هداية الدلالة، يعني أنك تدل الخلق، وليس كل من دل على الصراط اهتدى، وأما الهداية التي نفى الله عن رسوله ﵊ حيث قال: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) فهي هداية التوفيق، لا أحد يستطيع أن يوفق أحد للحق، ولو كان أباه، أو أبنه أو عمه، أو أمه، أو خاله، أو جدته، أبداً، من يضلل الله فلا هدي له.
ولكن علينا أن ندعو عباد الله إلى دين الله، وأن نرغبهم فيه، وأن نبينه لهم، ثم إن اهتدوا فلنا ولهم، وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم، قال الله تعالى: (طسَمَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ١-٣) ، يعني لعلك تهلك نفسك بالهم والغم، إذا لم يكونوا مؤمنين، فلا تفعل، إن الهداية بيد الله، بل أدّ ما عليك وقد برئت ذمتك، والله الموفق.
* * *
وقال الله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً) .
[الشَّرْحُ]
ختم المؤلف الآيات بقوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً) (الأحزاب: ٣٤) ، والخطاب لزوجات النبي ﷺ الطاهرات المطهرات الطيبات، هؤلاء النسوة هن أطهر زوجات على وجه الأرض منذ خلق أدم.
وقد حاول المنافقون أن يدنسوا فراش رسول الله ﷺ ، وذلك في قصة الإفك؛ التي نسجوا خيوطها ورموا بها الصديقة بنت الصديق رضي الله
стр. 850
عنها، حيث اتهموها بما هي بريئة منه، فأنزل الله في براءتها عشر آيات من كتابه تتلى إلى يوم القيامة، فقال تعالى: (نَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ) إلى قوله تعالى: (تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: ١١) ، فنساء النبي ﵊ يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة ما يتلى، يتلوه النبي ﵊ ويتلونه هن أيضاً، فيقول : اذكرن هذا، اذكرن ما يتلى في البيوت، والتزمن بالسنة، وقمن بما يجب، لأن الذي يتلى في بيته الكتاب والحكمة، لا شك أنه قد حصل على خير كثير، وعلم غزير، وأنه مسئول عن هذا العلم، فكل من آتاه الله علماً وحكمة، فإنه مسئول عنه أكثر ممن جهل، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى العلم والحكمة. إنه جواد كريم.
* * *
١٥٦ـ فالأول عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن
стр. 851
النبي ﷺ قال: (دعوني ما تركتكم) قاله النبي ﵊؛ لأن بعض الصحابة من حرصهم على العلم ومعرفة السنة، كانوا يسألون النبي ﷺ عن أشياء قد لا تكون حراماً فتحرم من أجل مسألتهم، أو قد لا تكون واجبة، فتجب من أجل مسألتهم، فلهذا أمرهم النبي ﷺ أن يدعوه، أن يتركوا ما تركه ما دام لم يأمرهم ولم ينههم، فليحمدوا الله على العافية.
ثم علل ذلك بقوله: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم) يعني أن الذين من قبلنا أكثروا المسائل على الأنبياء، فشدد عليهم كما شددوا على أنفسهم، ثم اختلفوا على أنبيائهم أيضاً، فليتهم لما سألوا فأجيبوا قاموا بما يلزمهم، ولكنهم اختلفوا على الأنبياء.
والاختلاف على الإنسان يعني مخالفته، وهنا مثال جاء به القرآن مصدقاً لقول النبي ﷺ هذا، اختلف بنو إسرائيل في قتيل قتل بينهم، فادعت كل قبيلة أن الأخرى هي التي قتلته، وادارءوا فيها، وتنازعوا فيها، ورفعوا الأمر إلى نبيهم موسى ﵊، فقال لهم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: ٦٧) ، اذبحوا بقرة وخذوا عضواً من أعضائها واضربوا به القتيل وسيخبركم القتيل من الذي قتله.
فقالوا له: (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) أي: أتضحك علينا؟ وما صلة البقرة برجل قتل؟ وكيف يحيا القتيل بعد موته؟ وهذا من جبروت بين إسرائيل وعنادهم، ورجوعهم إلى العقول دون النص، هؤلاء رجعوا إلى عقولهم الوهمية دون النص، ولو أخذوا بالنص لسلموا من هذا (قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) لأن الذي يسخر بالناس جاهل معتد عليهم، والجهل
стр. 852
هنا بمعنى العدوان، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.
فلما رأوا أنه صادق، وهو صادق ﵊: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ) لو أنهم أخذوا أي بقرة من السوق وذبحوها لحصل المقصود، لكن تعنتوا، وتشددوا فشدد الله عليهم (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ) ؛ لا فارض: يعني لا طاعن في السن كبيرة، ولا بكر: يعني صغيرة (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) (البقرة: ٦٨) ، أمرهم أن يفعلوا، وهذا تأكيد للأمر السابق: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) لكنهم أبوا، (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا) عرفنا سنها فأخبرنا ما هو لونها، (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (البقرة: ٦٩) ، شدد عليهم مرة ثانية، لو ذبحوا أي بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك لكفى، لكن تشددوا فشدد عليهم. من يجد بقرة على هذه الصفة؟ صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، لونها جميل صاف بين.
ومع ذلك ما امتثلوا: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ) يعني ما عملها؟ (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) ليس فيها عيب: (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أعوذ بالله من الضلال، وتحكم العقول على النصوص، الآن جئت بالحق، وقبل ما جاء بالحق!! لكن أهواءهم وعقولهم أنكرت ذلك. (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) يعني ما قاربوا أن يفعلوا، ولكن بالإلحاح والمساءلات فعلوا.
стр. 853
ثم أخذوا جزءاً منها. فضربوا به القتيل فأحياه الله ثم قال: الذي قتلني فلان وانتهت المشكلة. المهم أن كثرة السؤال للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ قد تسبب شدة الأمر على الأمة.
ومن ذلك ما وقع للنبي ﵊ في قضية الأقرع بن حابس. الأقرع بن حابس من بني تميم. قال النبي ﷺ : (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) فرض الحج مرة، وحيث لم يطلب منا أن نكرر فيكفي مرة واحدة، فقال الأقرع: أفي كل عام يا رسول الله؟ فهذا السؤال في غير محله. قال: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من قبلكم: كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) .
هذا أيضاً من التشديد، ففي عهد الني ﷺ لا ينبغي أن يسأل عن شيء مسكوت عنه، ولهذا قال: (دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم) أما في عهدنا، وبعد انقطاع الوحي بموت النبي ﷺ فسأل، اسأل عن كل شيء تحتاج إليه؛ لأن الأمر مستقر الآن، وليس هناك زيادة ولا نقص، أما في عهد التشريع فيمكن أن يزاد ويمكن أن ينقص، وبعض العوام يفهم من قوله تعالى: (لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة: من الآية١٠١) ، وقوله ﷺ : (دعوني ما تركتكم ... ) يفهم من ذلك فهماً خاطئاً فتجده يفعل الحرام، ويترك
стр. 854
الواجب ولا يسأل، حتى إن بعضهم يقال له: هذا حرام، اسأل العلماء، فيقول لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم، وهذا لا يجوز.
فالواجب على الإنسان أن يتفقه في دين الله. قال النبي ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .
ثم قال ﷺ : (وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم) فعمم في النهي وخص في الأمر.
أما في النهي فقال: (ما نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) . فأي شيء ينهانا عنه الرسول ﵊ فإننا نتجنبه، وذلك لأن المنهي عنه متروك، فالنهي أمر بالترك ليس فيه مشقة. كل إنسان يستطيع أن يترك وليس عليه مشقة ولا ضرر، فما نهانا عنه فإننا نتجنبه، إلا أن هذا مقيد بالضرورة، فإذا اضطر الإنسان إلى شيءٍ محرم، وكان لا يجد سواه، وتندفع به ضرورته، فإنه حلال لقول الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه) (الأنعام: من الآية١١٩) ، ولقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... ) إلى قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٣) .
فيكون قول الرسول ﷺ : (ما نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) يكون مقيداً بحال الضرورة، يعني أنه وجدت ضرورة إلى شيءٍ محرم صار هذا
стр. 855
المحرم حلالاً بشرطين:
الشرط الأول: أن لا تندفع ضرورته بسواه.
الشرط الثاني: أن يكون مزيلاً للضرورة. وبهذين القيدين نعرف أنه لا ضرورة إلى دواء محرم، يعني لو كان هناك ولكنه محرم، فإنه لا ضرورة إليه.
فلو قال قائل: أنا أريد أن أشرب دماً أستشفي به، كما يدعي بعض الناس أنه إذا شرب من دم الذئب شفي من بعد الأمراض، نقول: هذا لا يجوز.
أولاً: لأن الإنسان ربما يشفى بغير هذا المحرم؛ إما من الله، وإما بدعاء، وإما بقراءة، وإما بدواء آخر مباح
وثانياً: أنه ليس يقيناً أنه إذا تداوى بالدواء يشفى، فما أكثر الذين يتداوون ولا يشفون، بخلاف من كان جائعاً وليس عنده إلا ميتة، أو لحم خنزير، أو لحم حمار، فإنه يجوز أن يؤكل في هذه الحالة؛ لأننا نعلم أن ضرورته تندفع بذلك، بخلاف الدواء.
وأما قوله ﵊: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) . فهذا يوافق قول الله : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية١٦) ، يعني إذا أمرنا بأمر، فإننا نأتي منه ما استطعنا، وما لا نستطيعه يسقط عنا، مثلاً: أمرنا بأن نصلي الفرض قياماً، فإذا لم نستطع صلينا جلوساً، فإذا لم نستطع صلينا على جنب، كما قال ﷺ لعمر بن حصين: (صل
стр. 856
قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً ن فإن لم تستطع فعلى جنب) .
وتأمل قوله: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) بخلاف النهي، لأن الأمر فعل وإيجاب، قد يكون شاقاً على النفس ولا يستطيع الإنسان أن يقوم به، فلهذا قيده بقوله: (فأتوا منه ما استطعتم) ، مع ذلك فإن هذا الأمر مقيد بقيد آخر، وهو ألا يوجد مانع يمنع، فإذا وجد مانع يمنع، فهذا يدخل في قوله: (فأتوا منه ما استطعتم) . ولهذا قال العلماء: لا واجب مع عجز، ولا محرم مع الضرورة. والشاهد من هذا الحديث قول النبي ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) فإن هذا يدخل في المحافظة على السنة وآدابها.
وأما ما سكت عنه النبي ﷺ فهو عفو، وهذا من رحمة الله. فالأشياء إما مأمور بها، أو منهي عنها، أو مسكوت عنها، فما سكت الله ورسوله فإنه عفو لا يلزمنا فعله ولا تركه، والله الموفق.
* * *
١٥٧ـ الثاني: عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: (أوصيكم بتقوى الله. والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها
стр. 857
بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
(النواجذ) بالذال المعجمة: الأنياب، وقيل الأضراس.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في باب الأمور بالمحافظة على السنة وآدابها، عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منا القلوب وذرفت منها العيون) وهذا من دأبه ﷺ أنه كان يعظ الناس بالمواعظ أحياناً على وجهٍ راتب، كما في يوم الجمعة، خطب يوم الجمعة، وخطب العيدين. وأحياناً على وجهٍ عارض، إذا وجد سبب يقضي الموعظة، قام ﵊ فوعظ الناس.
ومن ذلك موعظته ﷺ بعد صلاة الكسوف، فإنه خطب ووعظ موعظة عظيمة بليغة، من أحب أن يرجع إليها فعليه بكتاب زاد المعاد لابن القيم ﵀.
أما هنا فيقول: (وعظنا موعظة بليغة، وجلت منا القلوب، وذرفت منها العيون) . وجلت: يعني خافت. وذرفت العيون من البكاء، فأثرت فيهم تأثيراً بالغاً، حتى قالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا؛
стр. 858
لأن المودع إذا أراد المغادرة، فإنه يعظ من خلفه بالمواعظ البليغة التي تكون ذكرى لهم فلا ينسونها، ولهذا تجد الإنسان إذا وعظ عند فراقه لسفر أو غيره، فإن الموعظة تمكث في قلب الموعوظ وتبقى، لهذا قالوا: كأنها موعظة مودع فأوصنا.
فقال ﷺ : (أوصيكم بتقوى الله) وهذه الوصية التي أوصى بها الله عباده، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: من الآية١٣١) ، والتقوى كلمة جامعة من أجمع الكلمات الشرعية، ومعناها: أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، ولا يكون هذا إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي، ولا يكون فعل الأوامر واجتناب النواهي إلا بعلم الأوامر والنواهي. إذاَ فلابد من علم، ولابد من عمل، فإذا اجتمع للإنسان العلم والعمل، نال بذلك خشية الله، وحصلت له التقوى.
فتقوى الله إذن: أن يتخذ الإنسان وقاية من عذابه، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولا وصول إلى ذلك إلا بالعلم. وليس المراد بالعلم أن يكون الإنسان بحراً في العلم، بل المراد به العلم بما يعين عليه من أوامر الله. والناس يختلفون في ذلك: فمثلاً من عنده مال يجب أن يعلم أحكام الزكاة، ومن قدر على الحج وجب عليه أن يعلم أحكام الحج، وغيرهم لا يجب عليهم، فعلوم الشريعة فرض كفاية إلا ما تعين على العبد فعله، فإن علمه يكون فرض عين.
قال ﷺ : (والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي) . السمع
стр. 859
والطاعة، يعني لولى الأمر (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) ، سواء كانت إمرته عامة، كالرئيس الأعلى في الدولة، أو خاصة كأمير بلدة، أو أمير قبيلة وما أشبه ذلك. وقد أخطأ من ظن أن المراد بقوله: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) أن المراد بهم الأمراء الذين دون الولي الأعظم الذي يسميه الفقهاء الإمام الأعظم، لأن الإمارة في الشرع تشمل الإمارة العظمى، وهي الإمامة وما دونها؛ كإمارة البلدان، والمقاطعات والقبائل وما أشبه ذلك. ودليل هذا أن المسلمين منذ تولى عمر بن الخطاب ﵁ يسمون الخليفة (أمير المؤمنين) فيجعلونه أميراً. وهذا لا شك فيه، ثم يسمى أيضاً إماماً، لأنه السلطان الأعظم، ويسمى سلطاناً. لكن الذي عليه الصحابة أنهم يسمونه (أمير المؤمنين) .
وقوله: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) يعني حتى ولو لم يكن من العرب، لو كان من الحبشة، وتولى، وجعل الله له السلطة، فإن الواجب السمع والطاعة له، لأنه صار أميراً، ولو قلنا بعدم السمع والطاعة له، لأصبح الناس فوضى، كلٌ يعتدي على الآخر، وكلٌ يضيع حقوق الآخرين، وقوله: (والسمع والطاعة) هذا الإطلاق مقيد بما قيده به النبي ﷺ حيث قال: (إنما الطاعة في المعروف) ثلاث مرات، يعني فيما يقره الشرع، وأما ما ينكره الشرع، فلا طاعة لأحد فيه حتى لو كان الأب أو
стр. 860
الأم أو الأمير العام أو الخاص، فإنه لا طاعة له.
فمثلاً لو أمر ولي الأمر بأن لا يصلي الجنود، قلنا: لا سمع ولا طاعة، لأن الصلاة فريضة، فرضها الله على العباد وعليك أنت أيضاً، أنت أول من يصلي، وأنت أول من تفرض عليه الصلاة، فلا سمع ولا طاعة.
ولو أمرهم بشيء محرم، كحلق اللحى مثلاً. قلنا: لا سمع ولا طاعة، نحن لا نطيعك، إنما نطيع النبي ﷺ الذي قال: (اعفوا اللحى، وحفّوا الشوارب) .
وهكذا كل ما أمر به ولي الأمر، إذا كان معصية لله، فإنه لا سمع له ولا طاعة، يجب أن يعصى علناً ولا يهتم به، أن من عصى الله وأمر العباد بمعصية الله، فإنه لا حق له في السمع والطاعة. لكن يجب أن يطاع في غير هذا. يعني ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقاً. لا. إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المعين الذي هو معصية لله. أما ما سوى ذلك، فإنه تجب طاعته، وقد ظن بعض الناس أنه لا تجب طاعة ولي الأمر إلا فيما أمر الله به، وهذا خطأ، لأن ما أمر الله به فإنه يجب علينا أن ننفذه ونفعله، سواء أمرنا به ولي الأمر أم لا.
فالأحوال ثلاثة: إما أن يكون ما أمر به ولي الأمر مأموراً به شرعاً، كما لو أمر بالصلاة مع الجماعة مثلاً، فهذا يجب امتثاله لأمر الله ورسوله ولأمر
стр. 861
ولي الأمر. وأما أن يأمر ولي الأمر بمعصية الله، من ترك واجب أو فعل محرم، فهنا لا طاعة له ولا سمع. وأما أن يأمر الناس بما ليس فيه أمر شرعي ولا معصية شرعية، فهذا تجب طاعته فيه، لأن الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) فطاعة ولي الأمر في غير معصية طاعة لله ولرسوله. والله الموفق.
ثم قال ﷺ : (فإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافاً كثيراً) يعني أن من يعش منكم ويمد له في عمره، فسيرى اختلافاً كثيراً؛ اختلافاً كثيراً في الولاية، واختلافاً كثيراً في الرأي، واختلافاً كثيراً في العمل، واختلافاً كثيراً في حال الناس عموماً، وفي حال بعض الأفراد خصوصاً، وهذا الذي وقع؛ فإن الصحابة ﵃ لم ينقرضوا حتى حصلت الفتن العظيمة في مقتل عثمان ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وقبلها مقتل عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وغير ذلك من الفتن المعروفة في كتب التاريخ.
والذي يجب علينا ـ نحن إزاء هذه الفتن، أن نمسك عما شجر بين الصحابة ﵃، وألا نخوض فيه، وألا نتكلم فيه؛ لأنه كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀: هذه دماء طهر الله سيوفنا منها، فيجب أن نطهر ألسنتنا منها , وصدق ﵁، فما فائدتنا أن ننبش عما جرى بين علي بن أبي طالب وعائشة ﵄، أو بين علي ومعاوية ﵄ من الحروب التي مضت وانقضت، ذكر هذه الحروب وتذكرها لا يفيدنا إلا ضلالاً؛ لأننا في هذه الحال نحقد على بعض
стр. 862
الصحابة، ونغلو في بعض، كما فعلت الرافضة حين غلوا في آل البيت، فزعموا أنهم يوالون آل البيت، وبالله العظيم إن آل البيت لبرآء من غلوهم، وأول من تبرأ من غلوهم علي بن أبي طالب ﵁، فإن السبئية أتباع عبد الله بن سبأ، وهو أول من سن الرفض في هذه الأمة، وكان يهودياً، أظهر الإسلام ليفسد الإسلام، كما قال شيخ الإسلام أبن تيمية ﵀ وهو العلم الذي قد سبر حال القوم وعرفها، قال: إن عبد الله بن سبأ يهودي دخل في الإسلام ليفسده، كما دخل بولس في دين النصارى ليفسده، هذا الرجل ـ أعني عبد الله بن سبأ ـ عليه من الله ما تولاه ـ تظاهر بأنه يحب آل البيت،
وبأنه يدافع عنهم، ويدافع عن علي بن أبي طالب، حتى أنه قام بين يدي علي بن أبي طالب يقول له: أنت الله حقاً، قاتله الله، لكن علي بن أبي طالب ﵁ أمر بالأخدود؛ يعني بالحفر فحفرت، ثم ملئت حطباً، ثم دعا بأتباع هذا الرجل ثم أوقد فيهم النار، أحرقهم بالنار؛ لأن ذنبهم عظيم والعياذ بالله، ويقال: إن عبد الله بن سبأ أفلت منه وهرب إلى مصر. والله أعلم.
قال ابن عباس ﵄ حينما بلغه الخبر: إن علي بن أبي طالب أصاب في قتلهم، لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) وهؤلاء بدلوا دينهم؛ ولكن لو كنت إياه لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله) فبلغ ذلك علي بن أبي طالب فقال: ما أسقط ابن أم الفضل
стр. 863
على الهنات يعني: العيب، كأنه ﵁ صوب ما قال عبد الله بن عباس ﵃.
إنني أقول: إن من مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن نسكت عما شجر بين الصحابة، فلا نتكلم فيه، نعرض بقلوبنا وألسنتنا عما جرى بينهم، ونقول: كلهم مجتهدون، المصيب منهم له أجران، والمخطئ منهم له أجر واحد، تلك أمة قد خلت، لما ما كسبت، ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون، لو قرأ إنسان التاريخ حول هذه الأمور؛ لوجد العجب العجاب، وجد من ينتصر لبي أمية، ويقدح في علي بن أبي طالب وآل النبي، ووجد من يغلو في علي بن أبي طالب وآل النبي ويقدح قدحاً عظيماً في بني أمية؛ لأن التاريخ يخضع للسياسة.
لذا يجب علينا ـ نحن ـ فيما يتعلق بالتاريخ ألا نتعجل في الحكم، لأن التاريخ يكون فيه كذب، ويكون فيه هوى وتغيير للحقائق، ينشر غير ما يكون، ويحذف ما يكون، كل هذا تبعاً للسياسة، ولكن ـ على كل حال ـ ما جرى بين الصحابة ﵃ يجب علينا أن نكف عنه. كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، حتى لا يكون في قلوبنا غل على أحد منهم. نحبهم كلهم، ونسأل الله أن يميتنا على حبهم، نحبهم كلهم ونقول: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق ـ: (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) وهذا هو الذي وقع. ولكن هل هذه الجملة تنزل
стр. 864
على كل زمان، بمعنى أن من عاش من الناس فسوف يرى التغير، أو أن هذا خاص بمن خاطبهم الرسول ﵊؟ . نقول: إنه ينطبق على كل زمن، فالذين عمروا منا يجدون الاختلاف العظيم بين أول حياتهم وآخر حياتهم، فمن عاش ومد له في العمر؛ رأى التغير العظيم في الناس، رأى التغير لأنه كما قال الرسول ﵊: (من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) قد وقع، وحصل خلاف بين الأمة في السياسة، وفي العقيدة، وفي الأفعال، والأحكام العملية، ثم إن الرسول ﷺ حث عند هذا الاختلاف على لزوم سنة واحدة فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) .
فالرسول ﷺ أمرنا ـ عندما نرى هذا الاختلاف ـ أن نلزم سنته، فقال: (عليكم بسنتي) يعني ألزموها. وكلمة: عليكم، يقول علماء النحو: أنها جار ومجرور محول إلى فعل الأمر، يعني: ألزموا سنتي.
وسنته ﵊ هي: طريقته التي يمشي عليها، عقيدة، وخلقاً، وعملاً، وعبادةً وغير ذلك، نلزم سنته، ونجعل التحاكم إليها، كما قال الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء: ٦٥) ، فسنة النبي ﵊ هي سبيل النجاة لمن أراد الله نجاته من الخلافات والبدع، وهي ـ ولله الحمد ـ موجودة في كتب أهل العلم الذين ألفوا في السنة، مثل الصحيحين للبخاري ومسلم، والسنن والمسانيد وغيرها مما ألفه أهل العلم وحفظوا به سنة رسول الله ﷺ .
стр. 865
وقوله: (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) . الخلفاء جمع خليفة: وهم الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته علماً وعملاً ودعوة وسياسة، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين الأربعة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، وألحقنا بهم في جنات النعيم، هؤلاء الخلفاء الأربعة ومن بعدهم من خلفاء الأمة، الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته، هم الذين أمرنا باتباع سنتهم، ولكن ليعلم أن سنة هؤلاء الخلفاء تأتي بعد سنة الرسول ﵊، فلو تعارضت سنة خليفة من الخلفاء مع سنة محمد ﷺ ، فإن الحكم لسنة محمد ﷺ لا لغيرها؛ لأنها ـ أعني سنة الخلفاء -تابعة لسنة النبي ﷺ .
أقول هذا؛ لأنه قد جرى نقاش بين طالبين من طلبة العلم في صلاة التراويح، أحدهما يقول: السنة أن تكون ثلاثاً وعشرون ركعة. والثاني يقول: السنة أن تكون ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة. فقال الأول للثاني: هذه سنة الخليفة عمر بن الخطاب أنها ثلاث وعشرون، يريد أن يعارض بهذا سنة الرسول ﷺ فقال الآخر: سنة النبي ﷺ مقدمة، هذا إن صح عن عمر أنها ثلاث وعشرون، ومع أن الذي صح عن عمر بأصح إسناد، رواه مالك في الموطأ أنه أمر تميماً الداري وأبي بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة لا ثلاث وعشرون، هذا الذي صح عنه رضى الله عنه. على كل حال لا يمكن أن نعارض سنة الرسول ﵊ بسنة أحد من الناس، لا الخلفاء ولا غيرهم، وما خالف سنة الرسول ﷺ من أقوال الخلفاء، فإنه يعتذر عنه ولا يحتج به، ولا يجعل حجة على سنة
стр. 866
الرسول صلى اله عليه وسلم.
المهم أن سنة الخلفاء الراشدين تأتي بعد سنة الرسول ﷺ . قال ابن عباس ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!! هذا وهما أبو بكر وعمر فكيف بمن عارض قول الرسول ﷺ بقول من دون أبى بكر وعمر بمراحل.
يوجد بعض الناس إذا قيل له: هذه هي السنة، قال: لكن قال العالم الفلاني كذا وكذا، من المقلدين المتعصبين. أما من احتج بقول عالم وهو لا يدري عن السنة فهذا لا بأس به، لأن التقليد لمن لا يعلم بنفسه جائز ولا بأس به.
ثم قال النبي ﷺ : (تمسكوا بها) أي تمسكوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، (عضوا عليها بالنواجذ) والنواجذ: أقصى الأضراس، وهو كناية عن شدة التمسك، فإذا تمسك الإنسان بيديه بالشيء وعض عليه بأقصى أسنانه، فإنه يكون ذلك أشد تمسكاً مما لو أمسكه بيد واحدة، أو بيدين بدون عض، فهذا يدل على أن النبي ﷺ أمرنا أن نمسك أشد التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ﵊.
ثم قال النبي ﷺ بعد أن أمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وحث علة التمسك بها، والعض عليها بالنواجذ، قال: (وإياكم ومحدثان الأمور) . يعني أحذركم من محدثات الأمور، أي من الأمور المحدثة، وهذه الإضافة من باب إضافة الصفة إلى موصوفها،
стр. 867
والأمور المحدثة يعني بها صلوات الله وسلامه عليه: المحدثات في دين الله. وذلك لن الأصل قيما يدين به الإنسان ربه، ويتقرب به إليه، والأصل فيه المنع والتحريم، حتى يقوم دليل على أنه مشروع.
ولهذا أنكر الله على من يحللون ويحرمون بأهوائهم؛ فقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) (النحل: من الآية١١٦) ، وأنكر على من شرع في دينه ما لم يأذن به؛ فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى: من الآية٢١) ، وقال (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس: من الآية٥٩) .
أما الأمور العادية وأمور الدنيا، فهذه لا ينكر على محدثاتها إلا إذا كان قد نص على تحريمه، أو كان داخلاً في قاعدة عامة تدل على التحريم، فمثلاً السيارات والدبابات وما أشبهها، لا نقول إن هذه محدثة لم توجد في عهد الرسول ﷺ ، فلا يجوز استعمالها، لأن هذه من الأمور الدنيوية، الثياب وأنواعها، لا نقول لا تلبس إلا ما كان يلبسه الصحابة، البس ما شئت مما أحل الله لك؛ لأن الأصل الحل، إلا ما نص الشرع على تحريمه، كتحريم الحرير والذهب على الرجال، وتحريم ما فيه الصورة وما أشبه ذلك.
فقوله صلوات الله وسلامه عليه: (وإياكم ومحدثان الأمور) يعني في دين الله، وفيما يتعبد به الإنسان لربه، ثم قال: (فإن كل بدعة ضلالة) يعني أن كل بدعة في دين الله فهي ضلالة، وإن ظن صاحبها أنها خير، وأنها هدى، فإنها ضلالة لا تزيده من الله إلا بعداً.
стр. 868
وقوله صلوات الله وسلامه عليه: (كل بدعة ضلالة) يشمل ما كان مبتدعاً في أصله، وما كان مبتدعاً في وصفه. فمثلاً: لو أن أحد أراد أن يذكر الله بأذكار معينة بصفتها أو عددها، بدون سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، فإنا ننكر عليه ولا ننكر أصل الذكر، ولكن ننكر ترتيبه على صفة معينة بدون دليل.
فإن قال قائل: ما تقولون في قول عمر ﵁ حين أمر أبي بن كعب وتميماً الداري ﵄ أن يقوما بالناس في رمضان في تراويحهم، وأن يجتمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا أوزاعاً، فخرج ذات ليلة والناس خلف إمامهم فقال: (نعمت البدعة هذه) فأثنى عليها ووصفها بأنها بدعة، والرسول ﵊ يقول: (كل بدعة ضلالة) .
قلنا: إن هذه البدعة ليست بدعة مبتدأة، لكنها بدعة نسبية، وذلك لأن النبي ﷺ صلى بأصحابه ثلاث ليال أو أربع ليال في رمضان، يقوم بهم، ثم تخلف في الثالثة أو الرابعة، وقال: (إني خشيت أن تفرض عليكم) فصار الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة سنها النبي ﷺ ، ولكن تركها خزفاً من أن تفرض علينا.
ثم بقيت الحال ما هي عليه، يصلي الرجلان والثلاثة والواحد
стр. 869
على حده؛ في خلافة أبي بكر وفي أول خلافة عمر ﵄ جمع الناس على إمام واحد، فصار هذا الجمع بدعة بالنسبة لتركه في آخر حياة الرسول ﵊، وفي عهد أبي بكر، وفي أوا خلافة عمر ﵄، فهذه بدعة نسبية، وإن شئت فقل: إنها بدعة إضافية، يعني بالنسبة لترك الناس لها هذه المدة آخر حياة الرسول ﷺ ، وخلافة أبي بكر وأول خلافة عمر. ثم أنه بعد ذلك استؤنفت هذه الصلاة، وإلا فلا شك أن قول الرسول ﷺ : (كل بدعة ضلالة) عام، وهو صادر من أفصح الخلق وأنصح الخلق ﵊ وهو كلام واضحة، كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها، فإنها ضلالة. والله الموفق.
* * *
١٦٠ـ الخامس: عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوماً، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره فقال: (عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) .
стр. 870
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمة الله تعالى، فيما نقله عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم) .
الجملة الأولى: مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ بالقسم المقدر، واللام، ونون التوكيد، (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) ، يعني إن لم ننسو الصفوف؛ خالف الله بين وجوهكم، وهذا الجملة أيضاً مؤكدة بثلاثة مؤكدات: بالقسم، واللام، والنون.
واختلف العلماء ﵏ في معنى مخالفة الوجه. فقال بعضهم: إن المعنى أن الله يخالف بين وجوههم مخالفة حسية، بحيث يلوي الرقية، حتى يكون وجه هذا مخالفاً لوجه هذا، والله على كل شيء قدير، فهو قلب بعض بني أدم قردة، قال لهم: كونوا قردة، فكانوا قردة، فهو قادر على أن يلوي رقبة لإنسان حتى يكون وجهه من عند ظهره، وهذه عقوبة حسية.
وقال بعض العلماء: بل المراد بالمخالفة: المخالفة المعنوية، يعني مخالفة القلوب؛ لأن القلب له اتجاه، فإذا اتفقت القلوب على وجهة واحدة حصل في هذا الخير الكثير، وإذا اختلفت تفرقت الأمة. فالمراد بالمخالفة مخالفة القلوب، وهذا التفسير أصح؛ لأنه قد ورد في بعض الألفاظ: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) . وفي رواية: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) .
стр. 871
وعلى هذا فيكون المراد بقوله: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) ، أي بين وجهات نظركم، وذلك باختلاف القلوب. وعلى كل حال، ففي هذا دليل على وجوب تسوية الصفوف، وأنه يجب على المأمومين أن تسوى صفوفهم، وأنهم إن لم يفعلوا ذلك، فقد عرضوا أنفسهم لعقوبة الله والعياذ بالله.
وهذا القول ـ أعني وجوب تسوية الصف ـ هو الصحيح، والواجب على الأئمة أن ينظروا في الصف، فإذا وجدوا فيه اعوجاجاً أو تقدماً أو تأخراً، نبهوا على ذلك، وكان النبي ﷺ أحياناً -يمشي على الصفوف يسويها بيده الكريمة ﵊، من أول الصف لآخره، ولما كثر الناس في زمن الخلفاء، أمر عمر بين الخطاب ﵁ رجلاً يسوي الصفوف إذا أقيمت الصلاة، فإذا جاء وقال إنها قد سويت كبر للصلاة، وكذلك فعل عثمان ﵁، وكل رجلاً يسوي صفوف الناس، فإذا جاء وقال قد استوت كبر. وهذا يدل على اعتناء النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بتسوية الصف.
ولكن مع الأسف الآن نجد أن المأمومين لا يبالون بالتسوية، يتقدم إنسان ويتأخر إنسان ولا يبالي، وربما يكون مستوياً مع أخيه في أول الركعة، ثم عند السجود يحصل من الاندفاع تقدم أو تأخر، ولا يساوون الصف في الركعة الثانية، بل يبقون على ما هو عليه، وهذا خطأٌ، فالمهم أنه يجب تسوية الصف.
فإذا قال قائل: إذا كان هناك إمام ومأموم فقط، فهل يتقدم الإمام
стр. 872
قليلاً، أو يسوي المأموم؟
فالجواب: أنه يساوي المأموم؛ لأنه إذا كان إمام ومأموم، فالصف واحد، لا يمكن أن يكون المأمون خلف الإمام وحده، بل هم صف واحد، والصف الواحد يسوى فيه خلافاً لما قال بعض أهل العلم إنه يتقدم الإمام قليلاً؛ لأن هذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، وهو أن يسوي بين الإمام والمأموم إذا كانا اثنين.
ثم قال في رواية: (كان النبي ﷺ يسوي صفوفنا كأنما يسوي بها القداح) .
والقداح: هي ريش السهم، كانوا يسوونها تماماً، بحيث لا يتقدم شيء على شيء، مثل مشط البندق، يكون مستوياً، فكان يسوي الصفوف كأنما يسوي بها القداح، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه، يعني فهمنا وعرفنا أن التسوية لابد منها، خرج ذات يوم فرأى رجلاً بادياً صدره، فقال: (عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) , فدل هذا على سبب قول الرسول ﷺ : (لتسون صفوفكم) ، لأن سببه أنه رأى رجلاً بادياً صدره فقط، يعني ظاهراً صدره قليلاً من على الصف، فدل ذلك على أن من هدي النبي ﷺ أنه يتفقد الصف، وأنه يتوعد من تقدم على الصف بهذا الوعيد: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) .
فعلينا أن نبين هذه المسألة لأئمة المساجد، وكذلك للمأمومين حتى ينتبهوا لهذا الأمر ويعتنوا بشأن تسوية الصف، ولا يحصل تهاون بين الناس. والله الموفق
* * *
стр. 873
١٦١ـ السادس: عن أبي موسى ﵁ قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فلما حدث رسول الله ﷺ بشأنهم قال: (إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف في باب الحث على اتباع السنة وآدابها هذا الحديث؛ الذي وقع في عهد النبي ﷺ ، أن قوماً احترق عليهم بيتهم في الليل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) .
هذه النار التي خلقها الله وأنشأ شجرها، امتن الله بها على عباده؛ فقال : (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) (الواقعة: ٧١-٧٢) ، والجواب؛ بل أنت يا ربنا الذي أنشأتها: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ) (الواقعة: ٧٣) تذكرة يتذكر بها الإنسان جهنم، فإن هذه النار جزء من ستين جزءاً من نار جهنم، كل نار الدنيا الشديدة الحرارة والخفيفة، كلها جزء من ستين جزءاً من نار جهنم، أعاذني الله وإياكم منها.
فجعلها الله تذكرة؛ حتى إن بعض السلف كان إذا هم بمعصية ذهب إلى النار، ووضع إصبعه عليها؛ يعني يقول لنفسه: اذكري هذه الحرارة؛ حتى لا تتجرأ نفسه على المعصية التي هي سبب لدخول النار نسأل الله
стр. 874
العافية.
ومن هذا يقول تعالى: (وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ) يعني جعلناها متاعاً للمسافرين وغيرهم من المحتاجين إليها، يتمتعون بها، ويستدفئون بها في الشتاء، ويسخنون بها مياههم، ويطبخون عليها أطعمتهم، فهي مصلحة، ولكن قد تكون مضرة؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث: (إن هذه النار عدوٌ لكم) فهي عدو إذا لم يحسن الإنسان ضبطها وقيدها، وصارت عدواً إذا فرط فيها أو تعدى، فرط فيها بأن لم يبعد ما تكون سبباً لاشتغاله، أو تعدى فيها بأن أوقدها حول ما يشتعل سريعاً، كالبنزين والغاز وما أشبه ذلك، فإنها تكون عدواً للإنسان.
وفي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يتخذ الاحتياط في الأمور التي يخشى شرها، ولهذا أمر الإنسان عند النوم أن يطفئ النار ولا يقول هذه سهلة أنا آمن من ذلك، ربما يظن هذا الظن ولكن يحدث مالا يخطر على باله.
ومن ذلك أيضاً صمامات الغاز التي حدثت في عصرنا الحاضر، فصمامات الغاز يجب على الإنسان أن يتفقدها؛ لئلا يكون فيها شيء من التسريب؛ فتملأ الجو من الغز، فإذا أشعل النار احترق المكان كله.
ومن ذلك أيضاً أفياش الكهرباء، ينبغي على الإنسان أن يكون حريصاً عليها ومتفقداً لها، وأن يكون الذي يركبها شخصاً عارفاً مهندساً؛ حتى لا تركب على وجه الخطأ؛ فيحصل بذلك الاحتراق، إما احتراقاً كلياً للبيت كله أو لجزء منه. المهم أن الإنسان يجب عليه الاحتراز من كل ما يخشى
стр. 875
ضرره.
وإذا كان هذا في نار الدنيا، فكذلك يجب أن يحترس مما يكون سبباً لعذاب النار في الآخرة، من أسباب المعاصي، ووسائلها، وذرائعها ولهذا قال أهل العلم ﵏: إن الوسائل لها أحكام المقاصد، وأن الذرائع يجب أن تسد إذا كانت ذريعة إلى محرم، خشية من الوقوع في الهلاك. والله الموفق.
* * *
١٦٢ـ السابع: عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفة منا أخرى، أنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) متفق عليه.
(فقه) بضم القاف على المشهور، وقيل بكسرها، أي صار فقيهاً.
стр. 876
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ﵁ في هذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ فقال (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً) الغيث: يعني المطر، فكانت هذه الأرض ثلاثة أقسام: قسم رياض: قبلت الماء، وأنبتت العشب الكثير والزرع، فانتفع الناس بها، وقسم آخر قيعان: أمسكت الماء وانتفع الناس به فاسقوا مه ورووا منه، والقسم الثالث: أرض سبخة: ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ.
فهكذا الناس بالنسبة لما بعث الله به النبي ﷺ من العلم والهدى، منهم من فقه في دين الله، فعلم وعلم، وانتفع الناس بعلمه. وانتفع هو بعلمه، وهذا كمثل الأرض لتي أنبتت العشب والكلأ فأمل الناس منها، وأكلت منها مواشيه.
والقسم الثاني: في قوم حملوا الهدى، ولكن لم يفقهوا في هذا الهدى شيئاً، بمعنى أنهم كانوا رواة للعلم والحديث، لكن ليس عندهم فقه، فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي حفظت الماء، واستقى الناس منه، وشربوا منه، لكن الأرض نفسها لم تنبت شيئاً؛ لأن هؤلاء يروون أحاديث وينقلونها، ولكن ليس عندهم فيها فقه وفهم.
والقسم الثالث: من لم يرفع بما جاء به النبي ﷺ من العلم والهدى رأساً، وأعرض عنه، ولم يبال به، فهذا لم ينتفع بما جاء به النبي عليه
стр. 877
الصلاة والسلام، ولم ينفع غيره، فمثله كمثل الأرض التي بلعت الماء ولم تنبت شيئاً.
وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله، وعلم من سنة رسول الله ﷺ ما يعلم فإنه خير الأقسام، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس، ويليه من علم ولكن لم يفقه، يعني روى الحديث وحمله لكن لم يفقه منه شيئاً، وإنما هو رواية فقط، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان.
والقسم الثالث: لا خير له، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي ﵊، ولكنه لم يرفع به رأساً ولم ينتفع به، ولم يعلمه الناس، فكان ـ والعياذ بالله ـ كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئاً للناس، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به.
وفي هذا الحديث دليل على حسن تعليم الرسول ﵊، ذلك بضرب الأمثال لأن ضرب الأمثال الحسية يقرب المعاني العقلية أي: ما يدرك بالعقل يقربه ما يرك بالحس، وهذا مشاهد؛ فإن كثيراً من الناس لا يفهم، فإذا ضربت له مثلاً محسوساً فهم وانتفع، ولهذا قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: ٤٣) وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) (الروم: ٥٨) فضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم. والله الموفق.
стр. 878
١٦٣ـ الثامن: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي) رواه مسلم.
(الجنادب) : نحو الجراد والفراش، هذا هو المعروف الذي يقع في النار، و (الحجز) : جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً) أراد النبي ﵊ بهذا المثل أن يبين حاله مع أمته ﵊، وذكر أن هذه الحال كحال رجل في برية، أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها. والجنادب: نزع من الجراد، أما الفراش فمعروف، (يقعن فيها) لأن هذه هي عادة الفراش والجنادب والحشرات الصغيرة، إذا أوقد إنسان ناراً في البر؛ فإنها تأوي إلى هذا الضوء. قال: (وأنا آخذ بحجزكم) يعني لأمنعكم من الوقوع فيها، ولكنكم تفلتون من يدي.
ففي هذا دليل على حرص النبي ﷺ جزاه الله عنا خيراً ـ على حماية أمته من النار، وأنه يأخذ بحجزها ويشدها حتى لا تقع في هذه النار، ولكننا نفلت من ذلك، ونسأل الله أن يعاملنا بعفوه. فالإنسان ينبغي له أن ينقاد لسنة النبي ﷺ ، وأن يكون لها طوعاً؛ لأن
стр. 879
الرسول ﷺ إنما يدل على الخير واتقاء الشر، كالذي يأخذ بحجزة غيره، يأخذ بها حتى لا يقع في النار، لأن الرسول ﵊ كما وصفه الله في كتابه: (لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: ١٢٨) ، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان ـ بل يجب ـ أن يتبع سنة الرسول ﷺ في كل ما أمر به، وفي كل ما نهى عنه، وفي كل ما فعله، وفي كل ما تركه، يلتزم بذلك، ويعتقد أنه الإمام المتبوع صلوات الله وسلامه عليه، لكن من المعلوم أن من الشريعة ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه، وما هو محرم يأثم بفعله، ومنها ما هو مستحب؛ إن فعله فهو خير وأجر، وأن تركه فلا أثم عليه. وكذلك من الشريعة ما هو مكروه كراهة تنزيه؛ إن تركه الإنسان فهو خير له، وإن فعله فلا حرج عليه، لكن المهم أن تلتزم بالسنة عموماً، وأن تعتقد أن أمامك ومتبوعك هو محمد ﷺ وأنه ليس هناك سبيل إلى النجاة إلا باتباعه، والسير في طريقه، والتمسك بهديه.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان عظم حق النبي ﷺ على أمته، وأنه كان لا يألو جهداً في منعها وصدها عن كل ما يضرها في دينها ودنياها، كما يكون صاحب النار التي أوقدها وجعل الجنادب والفراش تقع فيها وهو يأخذ بها.
وبناءً على ذلك، فإذا رأيت نهي النبي ﷺ عن شيء؛ فأعلم أن فعله شر، ولا تقل هل هو للكراهة أم هو للتحريم، اترك ما نهى عنه، سواء كان
стр. 880
للكراهة أو للتحريم، ولا تعرض نفسك للمساءلة لأن الأصل في نهي الرسول ﷺ أنه للتحريم، إلا إذا قام دليل على أنه للكراهة التنزيهية.
وكذلك إذا أمر بشيءٍ، فلا تقل هذا واجب أو غير واجب، افعل ما أمر به، فهو خير لك، إن كان واجباً فقد أبرأت ذمتك، وحصلت على الأجر، وإن كان مستحباً فقد حصلت على الأجر، وكنت متبعاً تمام الاتباع للرسول ﷺ ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم إتباعه ظاهراً وباطناً.
* * *
١٦٤ـ التاسع: عنه أن رسول الله ﷺ ، أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: (إنكم لا تدرون في آيه البركة) رواه مسلم.
وفي رواية له: (إذا وقعت لقمة أحدكم. فيأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) .
وفي رواية له: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى فليأكلها، ولا يدعها للشيطان) .
следующие страницы →