Полный текст (3 784 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ﵁ في هذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ فقال (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً) الغيث: يعني المطر، فكانت هذه الأرض ثلاثة أقسام: قسم رياض: قبلت الماء، وأنبتت العشب الكثير والزرع، فانتفع الناس بها، وقسم آخر قيعان: أمسكت الماء وانتفع الناس به فاسقوا مه ورووا منه، والقسم الثالث: أرض سبخة: ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ.
فهكذا الناس بالنسبة لما بعث الله به النبي ﷺ من العلم والهدى، منهم من فقه في دين الله، فعلم وعلم، وانتفع الناس بعلمه. وانتفع هو بعلمه، وهذا كمثل الأرض لتي أنبتت العشب والكلأ فأمل الناس منها، وأكلت منها مواشيه.
والقسم الثاني: في قوم حملوا الهدى، ولكن لم يفقهوا في هذا الهدى شيئاً، بمعنى أنهم كانوا رواة للعلم والحديث، لكن ليس عندهم فقه، فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي حفظت الماء، واستقى الناس منه، وشربوا منه، لكن الأرض نفسها لم تنبت شيئاً؛ لأن هؤلاء يروون أحاديث وينقلونها، ولكن ليس عندهم فيها فقه وفهم.
والقسم الثالث: من لم يرفع بما جاء به النبي ﷺ من العلم والهدى رأساً، وأعرض عنه، ولم يبال به، فهذا لم ينتفع بما جاء به النبي عليه
стр. 877
الصلاة والسلام، ولم ينفع غيره، فمثله كمثل الأرض التي بلعت الماء ولم تنبت شيئاً.
وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله، وعلم من سنة رسول الله ﷺ ما يعلم فإنه خير الأقسام، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس، ويليه من علم ولكن لم يفقه، يعني روى الحديث وحمله لكن لم يفقه منه شيئاً، وإنما هو رواية فقط، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان.
والقسم الثالث: لا خير له، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي ﵊، ولكنه لم يرفع به رأساً ولم ينتفع به، ولم يعلمه الناس، فكان ـ والعياذ بالله ـ كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئاً للناس، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به.
وفي هذا الحديث دليل على حسن تعليم الرسول ﵊، ذلك بضرب الأمثال لأن ضرب الأمثال الحسية يقرب المعاني العقلية أي: ما يدرك بالعقل يقربه ما يرك بالحس، وهذا مشاهد؛ فإن كثيراً من الناس لا يفهم، فإذا ضربت له مثلاً محسوساً فهم وانتفع، ولهذا قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: ٤٣) وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) (الروم: ٥٨) فضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم. والله الموفق.
стр. 878
١٦٣ـ الثامن: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي) رواه مسلم.
(الجنادب) : نحو الجراد والفراش، هذا هو المعروف الذي يقع في النار، و (الحجز) : جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً) أراد النبي ﵊ بهذا المثل أن يبين حاله مع أمته ﵊، وذكر أن هذه الحال كحال رجل في برية، أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها. والجنادب: نزع من الجراد، أما الفراش فمعروف، (يقعن فيها) لأن هذه هي عادة الفراش والجنادب والحشرات الصغيرة، إذا أوقد إنسان ناراً في البر؛ فإنها تأوي إلى هذا الضوء. قال: (وأنا آخذ بحجزكم) يعني لأمنعكم من الوقوع فيها، ولكنكم تفلتون من يدي.
ففي هذا دليل على حرص النبي ﷺ جزاه الله عنا خيراً ـ على حماية أمته من النار، وأنه يأخذ بحجزها ويشدها حتى لا تقع في هذه النار، ولكننا نفلت من ذلك، ونسأل الله أن يعاملنا بعفوه. فالإنسان ينبغي له أن ينقاد لسنة النبي ﷺ ، وأن يكون لها طوعاً؛ لأن
стр. 879
الرسول ﷺ إنما يدل على الخير واتقاء الشر، كالذي يأخذ بحجزة غيره، يأخذ بها حتى لا يقع في النار، لأن الرسول ﵊ كما وصفه الله في كتابه: (لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: ١٢٨) ، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان ـ بل يجب ـ أن يتبع سنة الرسول ﷺ في كل ما أمر به، وفي كل ما نهى عنه، وفي كل ما فعله، وفي كل ما تركه، يلتزم بذلك، ويعتقد أنه الإمام المتبوع صلوات الله وسلامه عليه، لكن من المعلوم أن من الشريعة ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه، وما هو محرم يأثم بفعله، ومنها ما هو مستحب؛ إن فعله فهو خير وأجر، وأن تركه فلا أثم عليه. وكذلك من الشريعة ما هو مكروه كراهة تنزيه؛ إن تركه الإنسان فهو خير له، وإن فعله فلا حرج عليه، لكن المهم أن تلتزم بالسنة عموماً، وأن تعتقد أن أمامك ومتبوعك هو محمد ﷺ وأنه ليس هناك سبيل إلى النجاة إلا باتباعه، والسير في طريقه، والتمسك بهديه.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان عظم حق النبي ﷺ على أمته، وأنه كان لا يألو جهداً في منعها وصدها عن كل ما يضرها في دينها ودنياها، كما يكون صاحب النار التي أوقدها وجعل الجنادب والفراش تقع فيها وهو يأخذ بها.
وبناءً على ذلك، فإذا رأيت نهي النبي ﷺ عن شيء؛ فأعلم أن فعله شر، ولا تقل هل هو للكراهة أم هو للتحريم، اترك ما نهى عنه، سواء كان
стр. 880
للكراهة أو للتحريم، ولا تعرض نفسك للمساءلة لأن الأصل في نهي الرسول ﷺ أنه للتحريم، إلا إذا قام دليل على أنه للكراهة التنزيهية.
وكذلك إذا أمر بشيءٍ، فلا تقل هذا واجب أو غير واجب، افعل ما أمر به، فهو خير لك، إن كان واجباً فقد أبرأت ذمتك، وحصلت على الأجر، وإن كان مستحباً فقد حصلت على الأجر، وكنت متبعاً تمام الاتباع للرسول ﷺ ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم إتباعه ظاهراً وباطناً.
* * *
١٦٤ـ التاسع: عنه أن رسول الله ﷺ ، أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: (إنكم لا تدرون في آيه البركة) رواه مسلم.
وفي رواية له: (إذا وقعت لقمة أحدكم. فيأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) .
وفي رواية له: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى فليأكلها، ولا يدعها للشيطان) .
стр. 881
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ في آداب من آداب الأكل، منها: إن الإنسان إذا فرغ من أكله فإنه يلعق أصابعه ويلعق الصفحة، يعني يلحسها حتى لا يبقى فيها أثر الطعام، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة، فهذان أدبان:
الأول: لعق الصفحة، والثاني: لعق الأصابع، والنبي ﵊ لا يأمر أمته بشيء إلا وفيه الخير والبركة.
ولهذا قال الأطباء: إن في لعق الأصابع من بعد الطعام فائدة؛ وهو تيسير الهضم؛ لأن الأنامل فيها مادة ـ بإذن الله ـ تفرزها عند اللعق بعد الطعام تيسر الهضم، ونحن نقول: هذا من باب معرفة حكمة الشرع فيما يأمر به، وإلا فالأصل أننا نلعقها امتثالاً لأمر النبي ﷺ ، كثير من الناس لا يفهمون هذه السنة، تجده ينتهي من الطعام وحافته التي حوله كلها طعام، تجده أيضاً يذهب ويغسل دون أن يلعق أصابعه، والنبي ﵊ نهى أن يمسح الإنسان يديه بالمنديل حتى يلعقها وينظفها من الطعام، ثم بعد ذلك يمسح بالمنديل، ثم بعد ذلك يغسلها إذا شاء.
كذلك أيضاً من آداب الأكل: أن الإنسان إذا سقطت لقمه على الأرض فإنه لا يدعها؛ لأن الشيطان يحضر للإنسان في جميع شؤونه، كل شؤونك من أكل، وشرب، وجماع، أي شيء يحضر الشيطان، فإذا لم تسم الله عند الأكل شاركك في الأكل، وصار يأكل معك؛ ولهذا تنزع البركة من الطعام إذا بم تسم عليه، وإذا سميت الله على الطعام، ثم سقطت
стр. 882
اللقمة من يدك فإن الشيطان يأخذها، ولكن لا يأخذها ونحن ننظر، لأن هذا شيء غيبي لا نشاهده، ولكننا علمناه بخبر الصادق المصدوق ﵊ يأخذ الشيطان فيأكلها، وإن بقيت أمامنا حسياً، لكنه يأكلها غيباً، هذه من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها.
ولكن رسول الله ﷺ دلنا على الخير فقال: (فليأخذها وليمط ما بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان) خذها وأمط ما بها من أذى ـ من تراب أو عيدان أو غير ذلك ـ ثم كلها ولا تدعها للشيطان. والإنسان إذا فعل هذا امتثالاً لأمر النبي ﷺ وتواضعاً لله وحرماناً للشيطان من أكلها؛ حصل على هذه الفوائد الثلاثة: الامتثال لأمر النبي ﷺ ، والتواضع، وحرمان الشيطان من أكلها. هذه فوائد ثلاث، ومع ذلك فإن أكثر الناس إذا سقطت اللقمة على السفرة أو على سماط نظيف تركها، وهذا خلاف السنة.
وفي هذا الحديث من الفوائد: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكل طعاماً فيه أذى، لأن نفسك عندك أمانة، لا تأكل شيئاً فيه أذى، من عيدان أو شوك أو ما أشبه ذلك، وعليه فإننا نذكر الذين يأكلون السمك أن يحتاطوا لأنفسهم، لأن السمك لها عظام دقيقة مثل الإبر، إذا لم يحترز الإنسان منها، فربما تخل إلى بطنه وتجرح معدته أو أمعاءه وهو لا يشعر، لهذا ينبغي للإنسان أن يراعي نفسه، وأن يكون لها أحسن راع، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* * *
стр. 883
١٦٥ ـ العاشر: عن أبن عباس، ﵄، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: (يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلاً (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: ١٠٤) ، ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﷺ ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال؛ فأقول: يا رب أصحابي؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ) إلى قوله (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة: ١١٧-١١٨) فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) متفق عليه.
(غرلاً) : أي غير مختونين.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبن عباس ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً؛ وكان من عادة النبي ﷺ ، بل من هدي النبي ﵊، أنه كان يخطب أصحابه الخطب الراتبة والخطب العارضة.
أما الخطب الراتبة: فمثل خطبة الجمعة، خطبة العيد، خطبة الاستسقاء، خطبة الكسوف. هذه خطب راتبة، كلما وجد سببها خطب عليه الصلاة السلام؛ في الجمعة يخطب خطبتين قبل الصلاة، وفي العيد
стр. 884
خطبة واحدة بعد الصلاة، وكذلك في الاستسقاء، وفي كسوف خطبة واحدة بعد الصلاة.
أما الخطب العارضة: فإنها تكون إذا وجد سبب عارض؛ فيقوم النبي ﵊ خطيباً يخطب الناس.
فمن ذلك: أن رجلاً بعثه النبي ﵊ عاملاً على الصدقة يأخذها من أهلها، فرجع إلى المدينة ومعه أبل فقال: هذه لكم وهذه أهديت إلى. فخطب النبي ﵊، وقال: (ما بال أحدكم نستعمله على العمل، فيرجع ويقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟) .
وصدق النبي ﵊، أنه لم يهد لهذا العمل الذي هو تابع للدولة إلا من أجل أنه عامل، لو كانوا يريدون أن يهدوا إليه لشخصه، لأهدوا إليه في بيت أبيه وأمه.
ومن هذا الحديث نعرف عظمة الرشوة، وأنها من عظائم الأمور التي أدت إلى أن يقوم النبي ﵊ خطيباً يخطب في الناس، ويحذرهم من هذا العمل؛ لأنه إذا فشا في قوم الرشوة هلكوا، وصار كل واحد منهم لا يقول الحق، ولا يحكم بالحق، ولا يقوم بالعدل إلا إذا رشي والعياذ بالله.
стр. 885
والرشوة ملعون آخذها، وملعون معطيها، إلا إذا كان الآخذ يمنع حق الناس إلا برشوة، فحينئذ تكون اللعنة على هذا الآخذ لا على المعطي؛ لأن المعطي إنما يريد أن يعطي لأخذ حقه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بدفع الرشوة، فهو معذور. كما يوجد ـ والعياذ بالله ـ الآن في بعض المسئولين في الدول الإسلامية؛ من لا يمكن أن يقضي مصالح الناس إلا بهذه الرشوة والعياذ بالله، فيكون آكلاً للمال بالباطل، معرضاً نفسه للعنة. نسأل الله العافية.
والواجب على من ولاه الله عملاً أن يقوم به بالعدل، وأن يقوم بالواجب فيه بحسب المستطاع.
ومن ذلك أيضاً: أن بريرة وهي أمة لجماعة من الأنصار، كاتبها أهلها على تسع أوراق من الفضة، فجاءت إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ تستعينها؛ تطلب منها العون لتقضي كتابتها، فقالت: إن شاء أهلك أن أعدها لهم، يعني أنقدها نقداً، ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، يعني أسيادها، فقالت لهم ذلك. فقالوا: لا. الولاء لنا. فرجعت بريرة إلى عائشة ﵂ وأخبرتها بأن أهلها قالوا: لابد أن يكون الولاء لنا. فقال النبي ﵊: (خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق) فأخذتها واشترطت الولاء لهم، ثم خطب الناس ﵊ وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة
стр. 886
شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) .
ومن ذلك أيضاً: أن امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع، تقول للناس: أعيروني شيئاً، فيعيرونها المتاع؛ القدر والقربة وما أشبه ذلك من متاع البيت، ثم بعد ذلك تقول: ما أعرتموني شيئاً!! تجحد ذلك، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها؛ لأنها سارقة، هذه سرقة، فاهتمت قريش لهذا الأمر؛ كيف تقطع يد مخزومية من بني مخزوم، من كبار قبائل العرب، فطلبوا من يشفع إلى النبي ﵊، فأرسلوا أسامة بن زيد بن حارثة ﵄؛ لأن النبي ﷺ كان يحبه ويحب أباه، فكلم النبي ﷺ في شأن تلك المرأة يشفع لها، فقال النبي عليه الصلاة السلام: (أتشفع في حد من حدود الله؟) يقول منكراً عليه، لأن حدود الله ليس فيها شفاعة، فإذا وصلت للسلطان فلعن الله الشافع والمشفع له.
ثم قام في الناس يخطب، فقال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) . وأخبر أن هذا هو الذي أهلك الأمم السابقة. ثم قال ﵊: (وايم الله ـ يعني أحلف بالله ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) فهل هذه
стр. 887
المخزومية أفضل أم فاطمة بنت محمد؟ فاطمة أفضل منها، ومع ذلك يقول ﵊: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها) .
فهذه من الخطب العارضة، فكان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من هديه أنه يخطب الناس لأمور راتبة ولأمور عارضة، وسبق لنا حديث العرباض بن سارية قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون.
والخلاصة: أنه يستفاد من هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان من قاض، أو مفتٍ، أو عالم، أو داعية، أن يخطب الناس في الأمور العارضة التي يحتاجون فيها إلى بيان الحق، وفي الأمور الراتبة، مثل الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف كما مر، وهذا من هدي رسول الله ﷺ وحسن تبليغه، لأن الشيء إذا جاء في وقته عند حاجته صار له قبول أكثر.
وقد نقل المؤلف ـ رحمة الله ـ عن أبن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قام فيهم خطيباً، وهذه من خطبه العارضة ﷺ ، فقد قام فيهم خطيباً وقال: (إنكم محشورون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً) . محشورون: يعنى مجمعون في صعيد واحد النبي صلي الله عليه وسلم ليس فيه جبال، وليس فيه أودية، ولا بناء، ولا أشجار، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، يعني لو دعاهم داع لأسمعهم جميعاً؛ لأنه ليس هناك ما يحول بينهم وبين إسماعهم وينفذهم البصر أي يدركهم جميعاً.
(حفاة عراة غرلاً) وفي رواية: (بهماً) .
حفاة: ليس عليهم نعال، ولا خفاف، ولا يقوون به أرجلهم.
стр. 888
عراة: ليس عليهم كسوة، بادية أبشارهم.
غزلاً: يعني غير مختونين.
والختان هو: قطع الجلدة التي تكون على الحشفة، وتقطع من أجل تمام الطهارة كما سنبينه إن شاء الله.
بهماً: قال العلماء بهماً: أي ليس معهم مال، فيكون الإنسان مجرداً من كل شيء، ثم استدل لذلك بقوله تعالى (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: من الآية١٠٤) ، يعني أن الله يحشرهم كما بدأهم أول خلق، يخرجون من بطون الأرض كما خرجوا من بطون أمهاتهم، حفاة عراة غرلاً؛ (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) . ثم قال : (وَعْداً عَلَيْنَا) أي مؤكداً، أكده الله على نفسه، لأن هذا المقام يقضي التوكيد، فإن من البشر من كذب بالحشر والعياذ بالله، وقال: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون: ٣٧) ، فقال : (وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .
حدث النبي ﵊ بهذا الحديث، فقالت عائشة رضى الله عنها: واسوءتاه. الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال النبي ﷺ : (يا عائشة، الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك) الأمر عظيم، ما ينظر أحد لأحد (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ
стр. 889
مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: ٣٤-٣٧) .
حتى الرسل ﵊ عند عبور الصراط فدعاؤهم: اللهم سلم، اللهم سلم، لا يدري أحد أينجو أم لا. الأمر عظيم. ولهذا قال النبي ﵊: (الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك) ثم قال: (ألا وأن أول من يكسى إبراهيم) إبراهيم الخليل ﵊، هو أول مي يكسى يوم القيامة.
وهذه الخصيصة ـ أنه يكون أول من يكسى لا تدل على التفضيل المطلق، وأنه أفضل من محمد ﵊، لأن محمد ﷺ أفضل الأنبياء والرسل، سيد ولد أدم يوم القيامة، لا يؤذن لأحد يشفع للخلائق يوم القيامة إلا محمد ﵊ كما في قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء: من الآية٧٩) ، لكن قد يخص الله بعض الأنبياء بشيء لا يخص به الآخر، مثل قوله تعالى: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي) (الأعراف: ١٤٤) .
فالرسالات كانت موجودة في غيره، لكن في وقته كان هو الرسول لبني إسرائيل، كذلك أيضاً قد يخص الله أحد من الأنبياء أو غيرهم بخصيصة يتميز بها عن غيره، ولا يوجب ذلك الفضل المطلق.
(ألا وإن أول من يكسى إبراهيم) ﵊، ولا يقال: لماذا كان أول من يكسى، لأن الفضائل لا يسأل عنها، كما قال الله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد: من الآية٢١) ، لا يسأل عنها؛ لأن الإنسان قد يصل فيها إلى نتيجة وقد لا يصل، فكما أن الله
стр. 890
تعالى ـ فضل بني أدم بعضهم على بعض في الرزق، وفي كمال الأخلاق والآداب، وكذلك فضل بعضهم على بعض في العلم، وكذلك في البدن والفكر وغير ذلك، فالله ـ تعالى ـيؤتي فضله من يشاء.
وفي هذا الحديث دليل على أن الناس يكسون بعد أن يخرجون حفاة عراة غرلاً. ولكن بأي طريق يكسون؟ الله أعلم بذلك، ليس هناك خياطون، ولا هناك ثياب تفصل ولا شيء، فالله أعلم بكيفية ذلك. الذي خلقهم هو الذي يكسوهم ، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الحديث.
وفي هذا الحديث إشارة إلى الختان، في قوله: (غرلاً) فالأغرل هو الذي بقيت عليه جلدة الحشفة؛ أي لم يختن. والختان اختلف العلماء في وجوبه، فمنهم من قال: إنه واجب على الذكور والإناث، وأنه يجب أن تختن البنت كما يختن الولد.
ومن العلماء من قال: أنه لا يجب الختان لا على الرجال ولا على النساء، وأن الختان من الفطرة المستحبة، وليس من الفطرة الواجبة.
ومنهم من توسط بين القولين فقال: الختان واجب في حق الذكور، وسنة في حق النساء، وهذا القول أوسط الأقوال وأعدلها، فإنه واجب في حق الرجال، لأن الرجل إذا بقيت هذه الجلدة فوق حشفته، فإنها ستكون مجمعاً للبول، فيكون في ذلك تلويث للرجل، وربما يحدث إثر هذا التهابات فيما بين الجلدة والحشفة، ويتضرر الإنسان. فالصحيح أن الختان واجب على الذكور، وسنة في حق الإناث، وهو أعدل الأقوال
стр. 891
وأحسنها.
ثم ذكر النبي ﷺ أنه يؤتي برجال من أمته فيؤخذ بهم ذات الشمال، أي إلى طريق أهل النار والعياذ بالله. فيقول النبي ﷺ : (أصحابي) أي يشفع إلى ـ الله فيهم، فيقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فيقول النبي ﷺ كما قال العبد الصالح؛ يعني به عيسى بن مريم؛ حين يقول يوم القيامة إذا قال الله تعالى له: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كما يزعم النصارى الذين يقولون: أنهم متبعون له: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) (المائدة: ١١٦) لأن الألوهية ليست حقاً لأحد إلا الله رب العالمين.
ثم يقول: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة: ١١٦-١١٧) .
فإذا قيل للنبي ﷺ يوم القيامة إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، قال كما قال عيسى بن مريم: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .
ثم يقال للرسول ﵊: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) فيقول النبي ﵊: (سحقاً سُحقاً) .
قوله: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) تمسك به الرافضة الذين قالوا: إن الصحابة كلهم ارتدوا عن الإسلام والعياذ بالله،
стр. 892
ومنهم أبو بكر، عمر، وعثمان ﵃. أما على وآل البيت ﵃ فهم لم يرتدوا على زعمهم.
ولا شك أنهم في هذا كاذبون، وأن الخلفاء الأربعة كلهم لم يحصل منهم ردة ب'جماع المسلمين، وكذلك عامة أصحاب النبي ﵊ لم يحصل منهم ردة بالإجماع المسلمين، إلا قوماً من الأعراب كانوا حديثي عهد بالإسلام لما مات النبي ﵊ افتتنوا، وارتدوا على أدبارهم، ومنعوا الزكاة، حتى قاتلهم الخليفة الراشد أبو بكر ﵁، وعاد أكثرهم إلى الإسلام.
ولكن الرافضة من شدة حنقهم وبغضهم لأصحاب النبي ﷺ تمسكوا بظاهر هذا الحديث.
أما أهل السنة والجماعة فقالوا: إن هذا الحديث عام يراد به الخاص، وما أكثر العام الذي يراد به الخاص. فقوله: (أصحابي) يعني ليسوا كلهم، بل الذين ارتدوا على أدبارهم، لأن هكذا قيل للرسول ﵊: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) . ومعلوم أن الخلفاء الراشدين، عامة أصحاب النبي ﵊، لم يرتدوا بالإجماع، ولو قدر أنهم ارتدوا لم يبق لنا ثقة بالشريعة. ولهذا كان الطعن في الصحابة يتضمن الطعن في شريعة الله، وستضمن الطعن في رسول الله ﷺ ، ويتضمن الطعن بالله رب العالمين.
الذين يطعنون في الصحابة تضمن طعنهم أربعة محاذير ومنكرات عظيمة والعياذ بالله: الطعن في الصحابة، والطعن في الشريعة، والطعن
стр. 893
في النبي ﷺ ، والطعن في رب العالمين ﵎، لكنهم قوم لا يفقهون (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون) (البقرة: من الآية١٧١) .
أما كونه طعناً في الشريعة: فلأن الذين نقلوا إلينا الشريعة هم الصحابة، وإذا كانوا مرتدين، والشريعة جاءت من طريقهم، فإنها لا تقبل لأن الكافر لا يقبل خبره، بل الفاسق أيضاً؛ كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: ٦) .
وأما كونه طعناً برسول الله ﷺ : فيقل: إذا كان أصحاب النبي بهذه المثابة من الكفر والفسوق، فهو طعن بالرسول ﷺ ، لأن القرين على دين قرينه، وكل إنسان يعاب بقرينه إذا كان قرينه سيئاً؛ يقال: فلان ليس فيه خير؛ لأن قرناءه فلان وفلان وفلانٌ من أهل الشر. فالطعن في الأصحاب طعن بالمصاحب.
وأما كونه بالله رب العالمين فظاهر جداً: أن يجعل أفضل الرسالات وأعمها وأحسنها على يد هذا الرجل الذي هؤلاء أصحابه، وأيضاً أن يجعل أصحاب هذا النبي الذي هو أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ـ مثل هؤلاء الأصحاب الذين زعمت الرافضة أنهم ارتدوا على أدبارهم. ولهذا نعتقد أن هذه فرية عظيمة على الصحابة ﵃، وعدوان على الله ورسوله وشريعة الله؛ ولا شك أننا نكن الحب لجميع أصحاب النبي ﷺ ، ولآل النبي ﷺ المؤمنين، ونرى أن لآله المؤمنين حقين: حق الإيمان، وحق قربهم من رسول الله ﷺ ، قال تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: من الآية٢٣) ، يعني إلا أن تودوا
стр. 894
قرابتي على أحد التفاسير. والتفسير الآخر لقوله تعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أي إلا أن تودوني لقرابتي منكم.
وعلى كل حال، فهذا الحديث ليس فيع مطمع للرافضة في القدح في أصحاب النبي ﷺ ، لأنه لا يصدق إ لا على من ارتدوا، أما من بقوا على الإسلام، وأجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ فإنهم لا يدخلون في هذا الحديث، ويقال: إن الذي خصص هذا الحديث إجماع المسلمين على أن الصحابة ﵃ لم يرتدوا، وإنما ارتدت طائفة قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁، ورجع أكثرهم إلى الإسلام. والله الموفق.
* * *
١٦٦ ـ الحادي عشر: عن أبي سعيد عبد الله بن مغفل ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الخذف وقال: (إنه لا يقتل الصيد، ولا يتكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن) متفق عليه.
وفي رواية: أن قريباً لابن مغفل حذف؛ فنهاه وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: (إنها لا تصيد صيداً) ثم عاد فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه، ثم عدت تحذف!؟ لا أكلمك أبداً.
стр. 895
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن مغفلٍ ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الحذف، وقال: (إنه يقتل صيداً) وفي لفظ: (لا يصيد صيداً) (ولا ينكأ عدواً، وإنما يفقأ العين ويكسر) .
والحذف: قال العلماء: معناه أن يضع الإنسان حصاه بين السبابة والإبهام، فيضع على الإبهام حصاة يدفعها بالسبابة، أو يضع على السبابة ويدفعها بالإبهام. وفد نهى عنه النبي ﷺ وعلل ذلك بأنه يفقأ العين وكسر السن إذا أصابه، (ولا يصيد الصيد) لأنه ليس له نفوذ (ولا ينكأ العدو) يعني لا يدفع العدو؛ لأن العدو إنما ينكأ بالسهام لا بهذه الحصاة الصغيرة.
ثم إن قريباً له خرج بخذف، فنهاه عن الخذف وقال: أخبرتك أن النبي ﷺ نهى عن الخذف، ثم إنه رآه مرة ثانية يخذف فقال له: (أخبرتك أن النبي ﷺ نهى عن الخذف، فجعلت تخذف!! لا أكلمك أبداً) فهجره؛ لأنه خالف نهي النبي ﷺ .
وهذا كما فعل عبد بن عمر في أحد أبنائه، حين حدث أبن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) . فقال أحد أبنائه وهو بلال بن عبد الله بن عمر: (والله لنمنعهن) ؛ لأن النساء تغيرت بعد عهد النبي ﷺ ، والناس تغيروا، فقال بلال: (والله لنمنعهن) . فأقبل عليه أبوه عبد الله ابن عمر، وجعل يسبه سباً عظيماً، ما سبه مثله قط، وقال: أحدثك عن
стр. 896
رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن.
ثم هجره حتى مات، لم يكلمه، فدل هذا على عظم تعظيم السلف الصالح لأتباع السنة.
فهذا عبد الله بن مغفل أقسم أن لا يكلم قريبه؛ لأنه حذف، وقد نهى النبي ﷺ عن الخذف، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يعظم سنة النبي ﵊.
ولكن إذا قال قائل: هل مثل الأمر يوجب الهجر وقد نهى النبي ﷺ عن هجر المؤمن فوق ثلاث؟ .
فالجواب عن هذا: أن هذين الصحابيين ـ وأمثالهما ممن فعل مثل فعلهما ـ فعلا ذلك من باب التعزير، ورأيا في هذا تعزير لهذين الرجلين، وإلا فالأصل أن المؤمن إذا فعل ذنباً وتاب منه، فإنه يغفر له ما سلف، حتى الكفار إذا تابوا غفر الله لهم ما سبق.
قال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال: من الآية٣٨) كل ما مضى.
ولكن نظراً لأن هذين الصحابيين ﵄، أرادا أن يعزرا من خالف أمر النبي ﵊، إما بقوله وما بفعله، ولو عن اجتهاد لأن بلال بن عبد الله بن عمر، إنما قال ذلك عن اجتهادٍ، لكن لا
стр. 897
ينبغي للإنسان أن يعارض قول الرسول هذه المعارضة الظاهرة، ولو أنه قال مثلاً: لعل النبي ﷺ أذن لهن في زمن كانت النيات فيه سليمة، والأعمال مستقيمة، وتغيرت الأحوال بعد ذلك، وأتى بالكلام على هذا الوجه، لكان أهون.
ولهذا قالت عائشة ﵂ وهي فقيهة ـ: لو رأى النبي ﷺ ما صنع النساء من بعده لمنعهن ـ يعني من المساجد ـكما منعت بنو إسرائيل نساءها. ولكن على كل حال ما فعله عبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمر ﵄، يدل على تعظيم السنة، وأن الإنسان يجب أن يقول في حكم الله ورسوله: سمعنا وأطعنا. والله الموفق.
* * *
١٦٧ ـ وعن عباس بن ربيعة قال: (رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقبل الحجر ـ يعني الأسود ـ ويقول: (إني أعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁ في باب الأمر باتباع السنة وآدابها، فقد كان ﵁ يطوف بالكعبة، فقبل الحجر الأسود، والحجر كما نعلم حجر من الأرض
стр. 898
جعل في هذا الركن.
وشرع الله لعباده أن يقبلوه؛ لكمال الذل والعبودية، ولهذا قال عمر ﵁ حين قبله (إني لأعلم حجر أنك لا تضر ولا تنفع) . وصدق ﵁، فإن الأحجار لا تضر ولا تنفع. الضرر والنفع بيد الله كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (المؤمنون: ٨٨-٨٩) .
ولكن بين ـ رضى الله عنه ـ أن تقبيله إياه لمجرد اتباع النبي ﷺ ، فقال (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) يعني فأنا أقبلك اتباعاً للسنة، لا رجاء للنفع، أو خوف الضرر؛ ولكن لأن النبي ﷺ فعل ذلك. ولهذا لا يشرع أن يقبل شيء من الكعبة المشرفة إلا الحجر الأسود فقط، أما الركن اليماني فيستلم ـ يعني يمسح ولا يقبل. والحجر الأسود أفضل شيء أن يمسحه بيده اليمني ويقبله، فإن لم يمكن استلمه وقبل يده، فإن
стр. 899
لم يمكن أشار إليه بشيء معه أو بيده، ولكن لا يقبل ما أشار به، لأن هذا الذي أشار به لم يمس الحجر حتى يقبله.
أما الركن اليماني فليس فيه إلا استلام فقط، ويكون الاستلام باليد اليمنى. ونرى بعض الجهال الذين لا يدرون لماذا استلموا هذا الحجر يستلم باليد اليسرى، واليد اليسرى كما قال أهل العلم: لا تستعمل إلا في الأذى، في القذر والنجاسات وما أشبهها، أما أن تعظم بها شعائر الله فلا.
ثم أن بقية الأركان: الركن الشامي، والعراقي، يعني الشمالي الشرقي والشمالي الغربي، هذان الركنان لا يقبلان ولا يمسحان، وذلك لأنهما ليس على قواعد إبراهيم ﵊، وذلك أن قريشاً لما أرادوا بناء الكعبة، قالوا: لن نبنها إلا بمال طيب، لا نبتها بأموال الربا، وانظر كيف عظم الله بيته حتى على أيدي الكفار، فجمعوا المال الطيب، فلم يكف لبنائها على قواعد إبراهيم، ثم فكروا من أي جانب ينقصوها. قالوا ننقصها من الشمال؛ لأن الجانب اليماني الجنوبي فيه الحجر الأسود، ولا يمكن أن ننقصها من جانب الحجر الأسود، فتقصوها من هناك، قلم تكن على قواعد إبراهيم عليه الصلاة السلام، لذلك لم يقبل النبي ﵊ ولم يمسح الركن الشمالي الشرقي ولا الركن الشمالي الغربي.
ولما طاف معاوية ﵁ ذات سنة، وكان معه عبد الله بن عباس ﵄، جعل معاوية يمسح الأركان الأربعة؛ الحجر الأسود، والركن اليماني، والشمالي، والغربي، فقال له ابن عباس: كيف
стр. 900
تمسح الركنين الشماليين، والنبي ﵊ لم يمسح إلا الركن اليماني والحجر الأسود.؟ فقال معاوية: إنه ليس شيء من البيت مهجوراً. يعني البيت لا يهجر، كله يحترم ويعظم، فقال ابن عباس ﵄ وهو أفقه من معاوية قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الأحزاب: من الآية٢١) ، وما رأيت النبي ﷺ يمسح إلا الركنين اليمانيين، يعني ركن الحجر الأسود والركن اليماني , فقال له معاوية: صدقت ورجع إلى قوله. لأن الخلفاء فيما سبق ـ وإن كانوا كالملوك في الأبهة والعظمة ـ لكنهم كانوا يرجعون إلى الحق، ولهذا رجع معاوية ﵁ إلى الحق، وقال له: صدقت، وترك مسح الركنين الشمالي الشرقي والشمالي الغربي.
وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن عمر ﵁ دليل على جهالة اؤلئك القوم الذين نشاهدهم، يقف أحدهم عن الركن اليماني فيمسحه بيده، ويكون معه طفل فد حمله، فيمسح الطفل بيده يتبرك بالركن، وكذلك لو تيسر له لمسح على الحجر الأسود، مسح الطفل للبركة، وهذا لا شك أنه بدعة، وأنه نوع من الشرك الأصغر؛ لأن هؤلاء جعلوا ما ليس سبباً سَبباً، والقاعدة: أن كل أحد يجعل شيئاً سبباً لشيء بدون إذن من الشارع فإنه يكون مبتدعاً، ولهذا يجب على من رأى أحداً
стр. 901
يفعل هذا أن ينصحه، يقول له: (هذا غير مشروع، هذا بدعة) حتى لا يظن الناس أن الأحجار تنفع أو تضر، ثم تتعلق قلوبهم بها في شيء أكبر وأعظم من هذا.
وقد بين أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه لا يفعل ذلك إلا اتباعاً لسنة النبي ﷺ ، وإلا فإنه يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، وفي هذا دليل على أن كمال التعبد أن ينقاد الإنسان لله ، سواء عرف السبب والحكمة في المشروعية أم لم يعرف. فعلى المؤمن إذا قيل له أفعل؛ أن يقول: سمعنا وأطعنا، وإن عرفت الحكمة فهو نور على نور، وإن لم تعرف فالحكمة أمر الله ـ تعالى ورسوله ﷺ .
ولهذا قال الله في كتابه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب: من الآية٣٦) . وسئلت عائشة ﵂ لماذا تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، كأنها ﵂ تقول: إن وظيفة المؤمن أن يعمل بالشرع، سواء عرف الحكمة أم لم يعرفها، وهذا هو الصواب.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم اتباع سنة النبي ﷺ ، وأن يتوفانا عليها، وأن يحشرنا في زمرته، إنه جواد كريم.
стр. 902
١٧ ـ باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى
وما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف أو نهى عن منكر
قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء: ٦٥) .
وقال الله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور: ٥١) .
وفيه من الأحاديث حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب قبله وغيره من الأحاديث فيه.
١٦٨ ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)
стр. 903
(البقرة: من الآية٢٨٤) ، أشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الإعمال ما نطيق: الصلاة والجهاد والصيام والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل الله تعالى في أثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥) ، فلما
стр. 904
فعلوا ذلك نسخها
الله تعالى؛ فأنزل : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال: نعم (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قال: نعم (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) قال: نعم (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٨٦) ، قال: نعم) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀: (باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى ... ) ثم ذكر آيتين سبق الكلام عليهما، منهما قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (النساء: ٦٥) .
ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن الصحابة ﵃ لما نزل الله على نبيه هذه الآية (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة: ٢٨٤) ، كبر ذلك عليهم وشق عليهم ذلك؛ لأن ما في النفس من الحديث أمر لا ساحل له، فالشيطان يأتي الإنسان ويحدثه في نفسه بأشياء منكرة عظيمة، منها ما يتعلق بالنفس، ومنها ما يتعلق بالمال، أشياء كثيرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان , الله يقول: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة: ٢٨٤) فإذا كان كذلك؛ هلك الناس.
فجاء الصحابة، ﵃ إلى النبي ﷺ ، فجثوا على ركبهم، وقد فعلوا ذلك من شدة الأمر. فالإنسان إذا نزل به أمر شديد يجثو على ركبتيه، وقالوا: يا رسول الله؛ إن الله تعالى أمرنا بنا نطيق؛ الصلاة، والجهاد، والصيام، والصدقة، فنصلي، ونجاهد، ونتصدق، ونصوم. لكنه أنزل هذه الآية: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة: ٢٨٤) وهذه شديدة عليهم لا أحد يطيق أن يمنع نفسه عما تحدثه به من الأمور التي لو حوسب عليها لهلك.
فقال النبي ﵊: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا) أهل الكتابين هم اليهود والنصارى. فاليهود كتابهم التوراة، وهي أشرف الكتب المنزلة بعد القرآن. والنصارى كتابهم الإنجيل وهو متم للتوراة. واليهود والنصارى عصوا أنبياءهم وقالوا: سمعنا وعصينا، فهل تريدون أن تكونوا مثلهم؟ (ولكن قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) . هكذا يجب على المسلم إذا سمع أمر الله ورسوله أن يقول: (سمعنا وأطعنا) ويمتثل بقدر ما يستطيع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وكثير من الناس اليوم يأتي إليك يقول: إن الرسول ﷺ أمر بكذا، هل هو واجب أو سنة؟ والواجب أنه إذا أمرك فافعل؛ إن كان واجباً فقد أبرأت الذمة، وحصلت خيراً، وإن كان مستحباً فقد حصلت خيراً أيضاً. أما أن تقول: أهو واجب أو مستحب؟! وتتوقف عن العمل حتى تعرف، فهذا لا يمون إلا من إنسان كسول لا يحب الخير
стр. 905
ولا الزيادة فيه. أما الإنسان الذي يحب الزيادة في الخير، فهو إذا علم أمر الله ورسوله قال: سمعنا وأطعنا ثم فعل، ولا يسال أهو واجب أو مستحب، إلا إذا خالف، فحينئذ يسأل، ويقول: أنا فعلت كذا وقد أمر النبي صلى
الله عليه وسلم بكذا فهل على من إثم؟ ولهذا لم نعهد ولم نعلم أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أمرهم الرسول ﷺ بأمر قالوا: يا رسول الله؛ أعلى سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب؟ ما سمعنا بهذا، كانوا يقولون: سمعنا وأطعنا ويمتثلون.
فأنت افعل وليس عليك من كونه مستحباً أو واجباً، ولا يستطيع الإنسان أن يقول إن هذا الأمر مستحب أو واجب إلا بدليل، والحجة أن يقول لك المفتي: هكذا أمر الرسول ﵊.
ونحن نجد ابن عمر ﵄ لما حدث ابنه بلالاً قال: إن الرسول ﷺ قال: (لا تمنعوا نساءكم المساجد) وقد تغيرت الحال بعد وفاة النبي ﵊، قال بلال: (والله لنمنعهن) فسبه عبد الله بن عمر سباً شديداً، لماذا يقول: والله لنمنعهن والرسول يقول لا تمنعونهن ثم إنه هجره حتى مات.
وهذا يدل على شدة تعظيم الصحابة ﵃ لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، أما نحن فنقول: هل هذا الأمر واجب أم مستحب، هذا النهي للتحريم أم للكراهة، لكن إذا وقع الأمر فلك أن تسأل حينئذ هل
стр. 906
أثمت بذلك أم لا؟ لأجل أنه قيل لك: أنك آثم تجدد توبتك، وإذا قيل إنك غير آثم يستريح قلبك، أما حين يوجه الأمر فلا تسأل عن الاستحباب أو الوجوب، كما أدب الصحابة مع الرسول ﵊، يفعلون ما أمر، ويتركون ما عنه نهى وزجر.
لكن مع ذلك نحن نبشركم بحديث فيه قال النبي ﵊: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) . الحمد لله، رفع الحرج، كل ما حدثت به نفسك، لكنك ما ركنت إليه، ولا عملت، ولا تكلمت، فهو معفو عنه، حتى ولو كان أكبر من الجبال. فاللهم لك الحمد.
حتى إن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله، نجد في نفوسنا ما نحب أن نكون حمَمَةً ـ يعني فحمة محترقة ـ ولا نتكلم به قال: (ذاك صريح الإيمان) يعني ذاك هو الإيمان الخالص؛ لأن الشيطان لا يلقي مثل هذه الوساوس في قلب خرب، في قلب فيه شك، إنما يتسلط الشيطان أعاذنا الله منه على قلبٍ مؤمن خالص ليفسده.
ولما قيل: إن اليهود إذا دخلوا في الصلاة لا يوسوسون، قال: وما
стр. 907
يصنع الشيطان بقلب خرب. فاليهود كفار، قلوبهم خربة، فالشيطان لا يوسوس لهم عند صلاتهم، لأنها باطلة من أساسها، إنما الشيطان يوسوس للمسلم الذي صلاته صحيحة مقبولة، ليفسدها، فيأتي للؤمن صريح الإيمان ليفسد هذا الإيمان الصريح، ولكن ـ والحمد لله ـ من أعطاه الله تعالى طب القلوب والأبدان، محمد ﷺ وصف لنا لهذا طباً ودواءً، فأرشد إلى الاستعاذة بالله والانتهاء، فإذا أحسن الإنسان بشي من هذه الوساوس الشيطانية، فإنه يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولينته ويعرض عنها ولا يلتفت إليها، ويمضي فيما هو عليه، فإذا رأى الشيطان أنه لا سبيل إلى فساد هذا القلب المؤمن الخالص، نكص على عقبيه ورجع.
ثم إنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، ولانت لها نفوسهم، وذلت لها ألسنتهم أنزل الله بعدها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) (البقرة ٢٨٥) يعني: والمؤمنون آمنوا (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥) ، فبين الله في هذه الآية الثناء على رسوله ﵌، وعلى المؤمنين؛ لأنهم قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
стр. 908
ثم أنزل الله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: ٢٨٦) ، فالذي ليس في وسع الإنسان لا يكلفه الله به، ولا عرج عليه فيه، مثل الوسواس التي تهجم على القلب، ولكن الإنسان إذا لم يركن إليها، ولم يصدق بها، ولم يرفع بها رأساً فإنها لا تضره، لأن هذه ليست داخلة في وسعه، والله يقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة ٢٨٦) .
فقد يحدث الشيطان الإنسان في نفسه عن أمور فظيعة عظيمة، ولكن الإنسان إذا أعرض عنها واستعاذ بالله من الشيطان ومنها، زالت عنه (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال نعم. يعني قال الله نعم لا أؤخذكم إن نسيتم أو أخطأتم (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قال: نعم , ولهذا قال الله تعالى في وصف رسوله محمد ﷺ : (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: ١٥٧) ، (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) قال الله نعم.
ولهذا لا يكلف الله تعالى في شرعه ما لا يطيقه الإنسان، بل إذا عجز عن الشيء انتقل إلى بدله إذا كان له بدل، أو سقط عنه إن لم يكن له بدل، أما أن يكلف ما لا طاقة له فإن الله تعالى قال هنا: نعم، يعني لا أحملكم ما لا طاقة لكم به (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٨٦) . قال الله: نعم.
(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا) هذه ثلاث كلمات، كل كلمة لها معنى، (وَاعْفُ عَنَّا) يعني تقصيرنا في الواجب (وَاغْفِرْ لَنَا) يعني انتهاكنا
стр. 909
للمحرم (وَارْحَمْنَا) يعني وفقنا للعمل الصالح. فالإنسان إما أن يترك واجباً أو يفعل محرماً، فإن ترك الواجب فإنه يقول: اعف عنا، أي اعف عنا ما قصرنا فيه من الواجب، وإن فعل المحرم، فإنه يقول: اغفر لنا، يعني ما اقترفنا من الذنوب، أو يطلب تثبيتاً وتأييداً على الخير في قوله (وَارْحَمْنَا) .
(أَنْتَ مَوْلانَا) أي متولي أمورنا في الدنيا والآخرة، فتولنا في الدنيا وانصرنا على القوم الكافرين (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) قد يتبادر للإنسان أن المراد أعداؤنا من الكفار، ولكنه أعم حتى أنه يتناول الانتصار على الشيطان؛ لأن الشيطان رأس الكافرين.
إذاً نستفيد من هذه الآيات الكريمة الأخيرة أن الله لا يحملنا ما لا طاقة لنا به، ولا يكلفنا إلا وسعنا، وأن الوساوس التي تجول في صدورنا إذا لم نركن إليها، ولم نطمئن إليها، ولم نأخذ بها، فإنها لا تضر، والله الموفق.
стр. 910
١٨ ـ باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ (باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور) والبدع هي الأشياء التي يبتدعها الإنسان، هذا هو معناها في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة: ١١٧) ، أي خالقها على غير مثال سبق، يعني لم يسبق لهما نظير، بل ابتدعهما وأنشأهما أولاً.
والبدعة في الشرع كل من تعبد لله بغير ما شرع عقيدة أو قولاً أو فعلاً، فمن تعبد لله بغير ما شرعه الله من عقيدة أو قول أو فعل فهو مبتدع.
فإذا أحدث الإنسان عقيدة في أسماء الله وصفاته مثلاً فهو مبتدع، أو قال قولاً لم يشرعه الله ورسوله فهو مبتدع، أو فعل لم يشرعه الله ورسوله فهو مبتدع.
وليعلم أن الإنسان المبتدع يقع في محاذير كثيرة:
أولاً: أن ما ابتدعه فهو ضلال بنص القرآن والسنة، وذلك أن ما جاء به النبي ﷺ فهو الحق، وقد قال الله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) (يونس: ٣٢) ، هذا دليل القرآن. ودليل السنة قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) ، ومعلوم أن المؤمن لا يختار أن يتبع طريق الضالين الذين يتبرأ منهم المصلي في كل صلاة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
стр. 911
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦، ٧) .
ثانياً: أن في البدعة خروجاً عن اتباع النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: ٣١) ، فمن ابتدع بدعة يتعبد لله بها فقد خرج عن اتباع النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ لم يشرعها، فيكون خارجاً عن شرعة الله فيما ابتدعه.
ثالثاً: أن البدعة التي ابتدعها تنافي تحقيق شهادة أن محمد رسول الله؛ لأن من حقق شهادة أن محمداً رسول الله فإنه لا يخرج عن التعبد بما جاء به، بل يلتزم شريعته ولا يتجاوزها ولا يقصر عنها، فمن قصر في الشريعة أو زاد فيها قصر في ابتاعه، إما بنقص أو زيادة، وحينئذ لا يحقق شهادة أن محمداً رسول الله.
رابعاً: أن مضمون البدعة الطعن في الإسلام، فإن الذي يبتدع تتضمن بدعته أن الإسلام لم يكمل , أنه كمل الإسلام بهذه البدعة، وقد قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (المائدة: ٣) ، فيقال لهذا المبتدع: أنت الآن أتيت بشريعة غير التي كمل عليها الإسلام، وهذا يتضمن الطعن في الإسلام وإن لم يكن الطعن فيه باللسان، لكن الطعن فيه هنا بالفعل، أين رسول الله ﷺ ، ثم أين الصحابة عن هذه العبادة التي ابتدعها؟ أهم جهل منها؟ أم في تقصير عنها؟ إذاً فهذا يكون طعناً في الشريعة الإسلامية.
خامساً: أنه يتضمن الطعن في رسول الله ﷺ ، وذلك لأن هذه البدعة التي زعمت أنها عبادة أما أن يكون الرسول ﷺ لم يعلم بها، وحينئذ يكون
стр. 912
جاهلاً، وإما أن يكون قد علم بها ولكنه كتمها، وحينئذ يكون كاتماً للرسالة أو بعضها، وهذا خطير جداً.
سادساً: أن البدعة تتضمن تفريق الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة الإسلامية إذا فتح الباب لها في البدع صار هذا يبتدع شيئاً، وهذا يبتدع شيئاً، وهذا يبتدع شيئاً، كما هو الواقع الآن، فتكون الأمة الإسلامية كل حزب منها بما لديه فرح كما قال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم: ٣٢) ، كل حزب يقول الحق معي، والضلال مع الآخر، وقد قال الله تعالى لنبيه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون َ) (الأنعام: ١٥٩، ١٦٠) .
فإذا صار الناس يبتدعون تفرقوا، وصار كل واحد يقول الحق معي، وفلان ضال مقصر، ويرميه بالكذب والبهتان وسوء القصد وما أشبه ذلك.
ونضرب لهذا مثلاً بأولئك الذين ابتدعوا عيد ميلاد الرسول ﵊، وصاروا يحتفلون بما يدعون أنه اليوم الذي ولد فيه، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، أتدرون ماذا يقولون لمن لا يفعل هذه البدعة؟ يقولون هؤلاء يبغضون الرسول ويكرهونه، لهذا لم يفرحوا بمولده، ولم يقيموا له احتفالاً، وما أشبه ذلك، فتجدهم يرمون أهل الحق بما هم أحق به منهم.
والحقيقة أن المبتدع بدعته تتضمن أنه يبغض الرسول ﷺ وإن كان يدعي أنه يحبه؛ لأنه إذا ابتدع هذه البدعة والرسول عليه الصلاة والسلام
стр. 913
لم يشرعها للأمة، فهو كما قلت سابقاً إما جاهل وإما كاتم.
سابعاً: أن البدعة إذا انتشرت في الأمة اضمحلت السنة، لأن الناس يعملون؛ فإما بخير وإما بشر، ولهذا قال بعض السلف: ما ابتدع قوم بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها، يعني أو أشد. فالبدع تؤدي إلى نسيان السنن واضمحلالها بين الأمة الإسلامية.
وقد يبتدع بعض الناس بدعة بنية حسنة، لكن يكون أحسن في قصده وأساء في فعله، ولا مانع أن يكون القصد حسناً والفعل سيئاً، ولكن يجب على من علم أنه فعله سيئ أن يرجع عن فعله، وأن يتبع السنة التي جاء بها رسول الله ﷺ .
ثامناً: من المفاسد أيضاً: أن المبتدع لا يحكم الكتاب والسنة؛ لأنه يرجع إلى هواه، يحكم هواه، وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (النساء: ٥٩) (إِلَى اللَّهِ) أي كتابه ، (وَالرَّسُولِ) أي إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، والله الموفق.
١٦٩ ـ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه.
стр. 914
[الشَّرْحُ]
أما حديث عائشة هذا فهو نصف العلم؛ لأن الأعمال إما ظاهرة وإما باطنة، فالأعمال الباطنة ميزانها حديث عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، وميزان الأعمال الظاهرة حديث عائشة هذا: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود على صاحبه غير مقبول منه.
وقول: (أمرنا) المراد به ديننا وشرعنا، قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: ٥٢) ، فأمر الله المراد به في هذا الحديث شرع الله، من أحدث فيه ما ليس منه فهو رد، وفي هذا دليل واضح على أن العبادة إذا لم نعلم أنها من دين الله فهي مردودة، ويستفاد من هذا أنه لابد من العلم؛ لأن العبادة مشتملة على الشروط والأركان، أو غلبة الظن إذا كان يكفي عن العلم، كما في بعض الأشياء، مثلاً الصلاة إذا شككت في عددها وغلب على ظنك عدد فابن على ما غلب على ظنك، الطواف بالبيت سبعة أشواط، وإذا غلب على ظنك عدد فابن على ما غلب على ظنك، كذلك الطهارة إذا غلب على ظنك أنك أسبغت الوضوء كفى.
فالمهم أنه لابد من العلم أو الظن إذا دلت النصوص على كفايته وإلا فالعبادة مردودة. وإذا كانت العبادة مردودة فإنه يحرم على الإنسان أن
стр. 915
يتعبد لله بها؛ لأنه إذا تعبد لله بعبادة لا يرضاها ولم يشرعها لعباده صار كالمستهزئ بالله والعياذ بالله.
حتى إن بعض العلماء قال: إن الإنسان إذا صلى محدثاً متعمداً خرج من الإسلام؛ لأنه مستهزئ، بخلاف الناسي فإنه لا إثم عليه ويعيد.
وفي اللفظ الثاني: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهو أشد من الأول؛ لأنه قوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا) يعني لابد أن نعلم بأن كل عمل عملناه عليه أمر الله ورسوله وإلا فهو مردود، وهو يشمل العبادات ويشمل المعاملات، ولهذا لو باع الإنسان بيعاً فاسداً، أو رهن رهناً فاسداً، أو أوقف وقفاً فاسداً، فكله غير صحيح ومردود على صاحبه ولا ينفذ، والله أعلم.
* * *
١٧٠ ـ وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ : إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: (صبحكم ومساكم) ويقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ويقرن بين إصبعيه؛ السبابة والوسطى، ويقول: (أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي) رواه مسلم.
следующие страницы →