Полный текст (3 784 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦، ٧) .
ثانياً: أن في البدعة خروجاً عن اتباع النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: ٣١) ، فمن ابتدع بدعة يتعبد لله بها فقد خرج عن اتباع النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ لم يشرعها، فيكون خارجاً عن شرعة الله فيما ابتدعه.
ثالثاً: أن البدعة التي ابتدعها تنافي تحقيق شهادة أن محمد رسول الله؛ لأن من حقق شهادة أن محمداً رسول الله فإنه لا يخرج عن التعبد بما جاء به، بل يلتزم شريعته ولا يتجاوزها ولا يقصر عنها، فمن قصر في الشريعة أو زاد فيها قصر في ابتاعه، إما بنقص أو زيادة، وحينئذ لا يحقق شهادة أن محمداً رسول الله.
رابعاً: أن مضمون البدعة الطعن في الإسلام، فإن الذي يبتدع تتضمن بدعته أن الإسلام لم يكمل , أنه كمل الإسلام بهذه البدعة، وقد قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (المائدة: ٣) ، فيقال لهذا المبتدع: أنت الآن أتيت بشريعة غير التي كمل عليها الإسلام، وهذا يتضمن الطعن في الإسلام وإن لم يكن الطعن فيه باللسان، لكن الطعن فيه هنا بالفعل، أين رسول الله ﷺ ، ثم أين الصحابة عن هذه العبادة التي ابتدعها؟ أهم جهل منها؟ أم في تقصير عنها؟ إذاً فهذا يكون طعناً في الشريعة الإسلامية.
خامساً: أنه يتضمن الطعن في رسول الله ﷺ ، وذلك لأن هذه البدعة التي زعمت أنها عبادة أما أن يكون الرسول ﷺ لم يعلم بها، وحينئذ يكون
стр. 912
جاهلاً، وإما أن يكون قد علم بها ولكنه كتمها، وحينئذ يكون كاتماً للرسالة أو بعضها، وهذا خطير جداً.
سادساً: أن البدعة تتضمن تفريق الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة الإسلامية إذا فتح الباب لها في البدع صار هذا يبتدع شيئاً، وهذا يبتدع شيئاً، وهذا يبتدع شيئاً، كما هو الواقع الآن، فتكون الأمة الإسلامية كل حزب منها بما لديه فرح كما قال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم: ٣٢) ، كل حزب يقول الحق معي، والضلال مع الآخر، وقد قال الله تعالى لنبيه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون َ) (الأنعام: ١٥٩، ١٦٠) .
فإذا صار الناس يبتدعون تفرقوا، وصار كل واحد يقول الحق معي، وفلان ضال مقصر، ويرميه بالكذب والبهتان وسوء القصد وما أشبه ذلك.
ونضرب لهذا مثلاً بأولئك الذين ابتدعوا عيد ميلاد الرسول ﵊، وصاروا يحتفلون بما يدعون أنه اليوم الذي ولد فيه، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، أتدرون ماذا يقولون لمن لا يفعل هذه البدعة؟ يقولون هؤلاء يبغضون الرسول ويكرهونه، لهذا لم يفرحوا بمولده، ولم يقيموا له احتفالاً، وما أشبه ذلك، فتجدهم يرمون أهل الحق بما هم أحق به منهم.
والحقيقة أن المبتدع بدعته تتضمن أنه يبغض الرسول ﷺ وإن كان يدعي أنه يحبه؛ لأنه إذا ابتدع هذه البدعة والرسول عليه الصلاة والسلام
стр. 913
لم يشرعها للأمة، فهو كما قلت سابقاً إما جاهل وإما كاتم.
سابعاً: أن البدعة إذا انتشرت في الأمة اضمحلت السنة، لأن الناس يعملون؛ فإما بخير وإما بشر، ولهذا قال بعض السلف: ما ابتدع قوم بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها، يعني أو أشد. فالبدع تؤدي إلى نسيان السنن واضمحلالها بين الأمة الإسلامية.
وقد يبتدع بعض الناس بدعة بنية حسنة، لكن يكون أحسن في قصده وأساء في فعله، ولا مانع أن يكون القصد حسناً والفعل سيئاً، ولكن يجب على من علم أنه فعله سيئ أن يرجع عن فعله، وأن يتبع السنة التي جاء بها رسول الله ﷺ .
ثامناً: من المفاسد أيضاً: أن المبتدع لا يحكم الكتاب والسنة؛ لأنه يرجع إلى هواه، يحكم هواه، وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (النساء: ٥٩) (إِلَى اللَّهِ) أي كتابه ، (وَالرَّسُولِ) أي إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، والله الموفق.
١٦٩ ـ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه.
стр. 914
[الشَّرْحُ]
أما حديث عائشة هذا فهو نصف العلم؛ لأن الأعمال إما ظاهرة وإما باطنة، فالأعمال الباطنة ميزانها حديث عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، وميزان الأعمال الظاهرة حديث عائشة هذا: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود على صاحبه غير مقبول منه.
وقول: (أمرنا) المراد به ديننا وشرعنا، قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: ٥٢) ، فأمر الله المراد به في هذا الحديث شرع الله، من أحدث فيه ما ليس منه فهو رد، وفي هذا دليل واضح على أن العبادة إذا لم نعلم أنها من دين الله فهي مردودة، ويستفاد من هذا أنه لابد من العلم؛ لأن العبادة مشتملة على الشروط والأركان، أو غلبة الظن إذا كان يكفي عن العلم، كما في بعض الأشياء، مثلاً الصلاة إذا شككت في عددها وغلب على ظنك عدد فابن على ما غلب على ظنك، الطواف بالبيت سبعة أشواط، وإذا غلب على ظنك عدد فابن على ما غلب على ظنك، كذلك الطهارة إذا غلب على ظنك أنك أسبغت الوضوء كفى.
فالمهم أنه لابد من العلم أو الظن إذا دلت النصوص على كفايته وإلا فالعبادة مردودة. وإذا كانت العبادة مردودة فإنه يحرم على الإنسان أن
стр. 915
يتعبد لله بها؛ لأنه إذا تعبد لله بعبادة لا يرضاها ولم يشرعها لعباده صار كالمستهزئ بالله والعياذ بالله.
حتى إن بعض العلماء قال: إن الإنسان إذا صلى محدثاً متعمداً خرج من الإسلام؛ لأنه مستهزئ، بخلاف الناسي فإنه لا إثم عليه ويعيد.
وفي اللفظ الثاني: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهو أشد من الأول؛ لأنه قوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا) يعني لابد أن نعلم بأن كل عمل عملناه عليه أمر الله ورسوله وإلا فهو مردود، وهو يشمل العبادات ويشمل المعاملات، ولهذا لو باع الإنسان بيعاً فاسداً، أو رهن رهناً فاسداً، أو أوقف وقفاً فاسداً، فكله غير صحيح ومردود على صاحبه ولا ينفذ، والله أعلم.
* * *
١٧٠ ـ وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ : إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: (صبحكم ومساكم) ويقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ويقرن بين إصبعيه؛ السبابة والوسطى، ويقول: (أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي) رواه مسلم.
стр. 916
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄ في باب التحذير من البدع، قال: كان النبي ﷺ : (إذا خطب) يعني يوم الجمعة، (احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه) وإنما كان يفعل هذا لأنه أقوى في التأثير على السامع، فكان ﷺ يكون على هذه الحال للمصلحة، وإلا فإنه من المعلوم أنه ﷺ كان أحسن الناس خلقاً وألينهم عريكة، لكن لكل مقام مقال، فالخطبة ينبغي أن تحرك القلوب، وتؤثر في النفوس، وذلك في موضوعها، وفي كيفية أدائها.
وكان ﷺ يقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ويقرن بين السبابة والوسطى، يعني بين الإصبعين، السبابة وهي التي بين الوسطى والإبهام، والوسطى، وأنت إذا قرنت بينهما وجدتهما متجاورين، ووجدت أنه ليس بينهما إلا فرق يسير، ليس بين الوسطى والسبابة إلا فرق يسير مقدار الظفر أو نصف الظفر، وتسمى السبابة لأن الإنسان إذا أراد أن يسب أحد أشار إليه بها، وتسمى السبابه أيضاً لأن الإنسان عند الإشارة إلى تعظيم الله يرفعها، ويشير بها إلى السماء، والمعنى أن أجل الدنيا قريب وأنه ليس ببعيد، وهذا كما فعل ﷺ ذات يوم حيث خطب الناس في آخر النهار، والشمس على رؤوس النخل، فقال: (إنه لم يبق من ديناكم إلا مثل ما بقي من هذا اليوم) .
стр. 917
فإذا كان الأمر كذلك والنبي ﷺ الآن مات له ألف وأربعمائة سنة ولم تقم القيامة دل هذا على أن الدنيا طويلة الأمد، ولكن ما يقدره بعض الجيولوجيين من عمر الدنيا الماضي بملايين الملايين فهذا خرص، لا يصدق ولا يكذب، فهو كأخبار بني إسرائيل؛ لأنه ليس لدينا علم من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ في مقدار ما مضى من الدنيا، ولا في مقدار ما بقى منها على وجه التحديد، وإنما هو كما ضرب النبي ﷺ هذه الأمثال، والشيء الذي ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة وهو من أخبار ما مضى، فإنه ليس مقبولاً، وإنما ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد الشرع بصدقه، فهذا يقبل لشهادة الشرع به.
القسم الثاني: ما شهد الشرع بكذبه، فهذا يرد لشهادة الشرع بكذبه.
القسم الثالث: ما ليس فيه هذا ولا هذا، فهذا يتوقف فيه، إما أن يكون حقاً، وإما أن يكون باطلاً، ويدل لهذا قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) (إبراهيم: ٩) فإذا حصر الله جل وعلا العلم في نفسه فإنه لا يتلقى علم هؤلاء إلا من وحيه ، لا يعلمهم إلا الله، فأي أحد يدعي شيئاً فيما مضى مما يتعلق بالبشرية أو بطبيعة الأرض أو الأفلاك أو غيرها فإننا لا نصدقه ولا نكذبه، بل نقسم ما أخبره به إلى الأقسام الثلاثة السابقة.
стр. 918
أما المستقبل فالمستقبل ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما أخبر الشرع بوقوعه، فهذا لابد أن يقع مثل أخبار يأجوج ومأجوج، وأخبار الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵊ أشبه ذلك، مما ثبت في الكتاب والسنة.
القسم الثاني: ما لم يرد به كتاب ولا سنة، فهذا القول فيه من التخمين والظن، بل لا يجوز لأحد أن يصدقه فيما يستقبل؛ لأنه من علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله .
ثم يقول: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ، وقد سبق الكلام على هذه الجمل.
ثم يقول: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) كما قال ربه : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (الأحزاب: ٦) فهو أولى بك من نفسك، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم ﵊، ثم يقول: (من ترك مالاً فلأهله) يعني من ترك من الأموات مالاً فلأهله؛ يرثونه حسب ما جاء في كتاب الله وسنة الرسول ﷺ . (ومن ترك ديناً أو ضياعاً) ، يعني أولاداً صغاراً يضيعون (فإلي وعلي) ، يعني فأمرهم إلي، أنا وليهم، والدين علي أنا أقضيه، هكذا كان ﷺ حين فتح الله عليه.
أما قبل ذلك فكان يؤتي بالرجل ليصلي عليه فيسأل: (هل عليه دين؟) إن قالوا: نعم وليس له وفاء ترك الصلاة عليه، فجيء إليه في يوم من الأيام برجل من الأنصار فتقدم ليصلي عليه، ثم سأل عليه دين؟ قالوا: نعم
стр. 919
ثلاثة دنانير، فتأخر وقال: (صلوا على صاحبكم) فعرف ذلك في وجوه القوم. ثم قام أبو قتادة ﵁ وقال: (صل عليه يا رسول الله وعلي دينه، فالتزمهما أبو قتادة ﵁، فتقدم النبي ﷺ فصلى.
وفي هذا دليل على عظم الدين وأنه لا ينبغي للإنسان أن يستدين إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، لا يستدين لا لزواج، ولا لبناء بيت، ولا لكماليات في البيت، كل هذا من السفه، يقول الله (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النور: ٣٣) ، هذا في النكاح فما بالك بما هو دونه بكثير.
وكثير من الجهال يستدين ليشتري مثلاً فراشاً للدرج، أو فراشاً للساحة، أو باباً ينفتح بالكهرباء أو ما أشبه ذلك، مع أنه فقير، ويأخذه بالدين فهو إن اشترى شيئاً بثمن مؤجل فهو دين؛ لأن الدين عند العلماء كل ما ثبت في الذمة من ثمن بيع أو قرض أو أجرة أو غير ذلك، فإياكم والديون احذروها فإنها تهلككم، إلا شيئاً ضرورياً فهذا شيء آخر، لكن ما دمت في غنى فلا تستدن.
وكثير من الناس يستدين مثلاً أربعين ألفاً، فإذا حل الأجل قال: ليس عندي شيء، فيستدين للأربعين ألفاً التي عليه ستين ألفاً، ثم يستدين السنة التالية، ثم تتراكم عليه الديون الكثيرة من حيث لا يشعر، والله الموفق.
стр. 920
١٩ ـ باب فيمن سن سنة حسنة أو سيئة
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (الفرقان: ٧٤) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء: ٧٣) .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمه اله تعالى ـ هذا الباب (باب فيمن سن سنة حسنة أو سنة سيئة) ليبين أن من الأشياء ما يكون أصله ثابتاً، فإذا فعله الإنسان وكان أول من يفعله كان كمن سنه وصار له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة.
وقد سبق لنا أن الدين الإسلامي ولله الحمد كامل، لا يحتاج إلى تكميل، ولا إلى بدع؛ لأن الله تعالى قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (المائدة: ٣) .
ثم استشهد المؤلف بآيتين من كتاب الله، أولاهما: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (الفرقان: ٧٤) ، هذا من جملة ما يدعو به عباد الرحمن، الذين ذكر الله أوصافهم في آخر سورة الفرقان (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) إلى أن قال (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (الفرقان: ٦٣، ٧٤) .
(هَبْ لَنَا) يعني أعطنا، و (الأزواج) جمع زوج، وهو صالح للذكر
стр. 921
والأنثى، والزوج الذكر يسمى زوجاً ولهذا تجد في الأحاديث: عن عائشة زوج النبي ﷺ ، وهذه هي اللغة الفصحى أن المرأة تسمى زوجاً، لكن أهل الفرائض ﵏ جعلوا للرجل زوج وللمرأة زوجة، من أجل التفريق عند قسمة المواريث، أما في اللغة العربية فالزوج صالح للذكر والأنثى.
فهذا الدعاء (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) كما هو صالح للرجال صالح للنساء أيضاً.
(قُرَّةَ أَعْيُنٍ) في المرأة أنك إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وفي ولدك، وإذا بحثت عنها وجدتها قانتة لله (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء: ٣٤) ، فهذه تسر زوجها.
وكذلك أيضاً الذرية إذا جعلهم الله تعالى قرة عين للإنسان، يطيعونه إذا أمر، وينتهون عما نهاهم عنه، ويسرونه في كل مناسبة، ويصلحون فهذا من قرة الأعين للمتقين.
والجملة الأخيرة: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) هي الشاهد لهذا الباب، يعني اجعلنا للمتقين أئمة، يقتدى بنا المتقون في أفعالنا وأقوالنا، فيما نفعل وفيما نترك، فإن المؤمن ولا سيما أهل العلم يقتدى بهم؛ بأقوالهم وأفعالهم، ولهذا تجد العامة إذا أمرتهم بشيء أو نهيتهم عن شيء، قالوا: هذا فلان يفعل كذا وكذا، ممن جعلوه إماماً لهم.
والأئمة تشمل الأئمة في الدين الذي هو العبادة الخاصة بالإنسان،
стр. 922
والأئمة في الدعوة، وفي التعليم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شعائر الدين وشرائعه، اجعلنا للمتقين إماماً في كل شيء.
أما الآية الثانية فقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء: ٧٣) ، أي صيرناهم أئمة علماء يهدون الناس، أي يدلونهم على دين الله بأمر الله ، ولكن ليت المؤلف ذكر آخر الآية؛ لأن الله بين أنه جعلهم أئمة بسبب (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) ، لما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على أقدار الله؛ صبروا على طاعة الله ففعلوا ما أمر، وصبروا عن معصية الله فتركوا ما نهى عنه، وصبروا على أقدار الله التي تأتيهم من أجل دعوتهم إلى الحق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ لأن الإنسان إذا نصب نفسه داعية للحق آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، فلابد أن يصيبه من الأذى ما يصيبه، لأن أكثر الذين يكرهون الحق سوف يكونون أعداء له فليصبر، وكذلك أقدار الله التي تأتي بدون هذا أيضاً يصبرون عليها.
(وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) يوقنون بما أخبرهم الله به، ويوقنون بالجزاء الذي يحصل لهم في فعل الأوامر، وترك النواهي، وفي الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أنهم يعملون وهم يوقنون بالجزاء، وهذه نقطة ينبغي لنا أن ننتبه لها، أن نعمل ونحن نوقن بالجزاء، كثير من الناس يعملون، يصلون ويصومون ويتصدقون بناء على أن هذا أمر الله، وهذا طيب ولا شك أنه خير، لكن ينبغي أن تدرك وأن تستحضر بأنك
стр. 923
إنما تفعل هذا رجاء الثواب وخوف العقاب، حتى تكون موقناً بالآخرة.
وقد أخذ شيخ الإسلام ﵀ من هذه الآية عبارة طيبة، فقال: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) أخذها من قوله تعالى: (لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) ، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. أسأل الله أن يجعلني وإياكم أئمة في دين الله، هداة لعباد الله مهتدين، إنه جواد كريم.
* * *
١٧١ ـ عن أبي عمرو، جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر: فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة: فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب: فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إلى آخر الآية: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء: ١) ، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر: ١٨) تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة) فجاء، رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة؛ فقال رسول الله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام
سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن
стр. 924
ينقص من أوزارهم شيء) . رواه مسلم.
قوله (مجتابى النمار) هو بالجيم وبعد الألف باء موحده، والنمار: جمع نمرة، وهي: كساء من صوف مخطط، زمعنى (مجتابيها) أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم (والجوب) : القطع ومنه قوله تعالى: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر: ٩) ، أي: نحتوه وقطعوه. وقوله (تمعر) هو بالعين المهملة، أي تغير، وقوله: (رأيت كومين) بفتح الكاف وضمها؛ أي صبريتين. وقوله: (كأنه مذهبة) هو بالذال المعجمة، وفتح الهاء والباء الموحدة. قاله القاضي عياض وغيره. وصحفه بعضهم فقال: (مدهنة) بدال مهملة وضم الهاء والنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول. والمراد به على الوجهين: الصفاء والاستنارة.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في باب من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها حديث جرير بن عبد اله البجلي ﵁، وهو حديث عظيم يتبين منه حرص النبي ﷺ وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه عليه، فبينما هم مع رسول الله ﷺ في أول النهار إذا جاء قوم عامتهم من مضر أو كلهم من مضر مجتابي النمار، مقلدي السيوف ﵃، يعني أن الإنسان ليس عليه إلا ثوبه قد اجتباه يستر به
стр. 925
عورته، وقد ربطه على رقبته، ومعهم السيوف استعداداً لما يؤمرون به من الجهاد ﵃.
فتمعر وجه النبي ﷺ يعني تغير وتلون لما رأى فيهم من الحاجة، وهم من مضر، من أشرف قبائل العرب، وقد بلغت بهم الحاجة إلى هذا الحال، ثم دخل بيته ﵊، ثم خرج، ثم أمر بلالاً فأذن، ثم صلى، ثم خطب الناس ﵊، فحمد الله ﷺ كما هي عادته، ثم قرا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء: ١) ، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: ١٨) .
ثم حث على الصدقة، فقال: (تصدق رجل بديناره، وتصدق بدرهمه، تصدق بثوبه، تصدق بصاع بره، تصدق بصاع تمره، حتى ذكر ولو شق تمرة) وكان الصحابة ﵃ أحرص الناس على الخير، وأسرعهم إليه، وأشدهم مسابقة، فخرجوا إلى بيوتهم فجاءوا بالصدقات، حتى جاء رجل بصرة معه في يده كادت تعجز يده عن حملها، بل قد عجزت من فضة ثم وضعها بين يدي الرسول ﵊.
ثم رأى جرير كومين من الطعام والثياب وغيرها قد جمع في المسجد، فصار وج النبي ﵊ بعد أن تعمر، صار يتهلل كأنه مذهبة، يعني من شدة بريقه ولمعانه وسروره ﵊ لما حصل من هذه المسابقة التي فيها سد حاجة هؤلاء الفقراء، ثم قال ﷺ :
стр. 926
(من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة قوليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) .
والمراد بالسنة في قوله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة) ابتدأ العمل بسنة، وليس من أحدث؛ لأن من أحدث في الإسلام ما ليس منه فهو رد وليس بحسن، لكن المراد بمن سنها أي صار أول من عمل بها؛ كهذا الرجل الذي جاء بالصرة ﵁، فدل هذا على أن الإنسان إذا وفق لسن سنة في الإسلام سواء إليها أو أحياها بعد أن أميتت.
وذلك لأن السنة في الإسلام ثلاثة أقسام:
سنة سيئة: وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنها لقول النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة) .
وسنة حسنة: وهي على نوعين:
النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يجدها من يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي ﷺ شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم ترك الأمر في آخر حياة النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر ﵁ وفي أو خلافة عمر، ثم رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو ﵁ قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا
стр. 927
سنة كانت قد تركت.
والنوع الثاني: من السنن الحسنة أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل.
فالحاصل أن من سن في الإسلام سنة حسنة، ولا سنة حسنة إلا ما جاء به الشرع فله أجره وأجر من عمل بها من بعده.
وقد أخذ هذا الحديث أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكاراً ويبتدعون صلوات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، نقول: لا، كل بدعة ضلالة وكلها سيئة، وليس في البدع من حسن، لكن المراد في الحديث من سابق إليها وأسرع، كما هو ظاهر السبب في الحديث، أو من أحياها بعد أن أميتت فهذا له أجرها وأجر من عمل بها.
وفي هذا الحديث الترغيب في فعل السنن التي أميتت وتركت وهجرت، فإنه يكتب لمن أحياها أجرها وأجر من عمل بها، وفيه التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت، فإن عليه وزر هذا التوسع، مثل لو أن أحداً من الناس رخص لأحد في شيء من المباح الذي يكون ذريعة واضحة إلى المحرم وقريباً، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس فإن عليه الوزر ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، نعم لو كان الشيء مباحاً ولا يخشى منه أن يكون ذريعة إلى محرم، فلا
стр. 928
بأس للإنسان أن يبينه للناس، كما لو كان الناس يظنون أن هذا الشيء محرم وليس بمحرم، ثم يبينه للناس من أجل أن يتبين الحق، ولكن لا يخشى عاقبته، فهذا لا باس به، أما شيء تخشى عاقبته، فإنه يكون عليه وزره ووزر من عمل به. والله أعلم.
стр. 929
٢٠ ـ باب في الدلالة على خير
والدعاء إلى هدى أو ضلالة
قال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) (الحج: ٦٧) ، وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ) (النحل: ١٢٥) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: (باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة) الدلالة على الخير هي أن يبين الإنسان للناس الخير الذي ينتفعون به في أمور دينهم ودنياهم، ومن دل على خير فهو كفاعله، أما الدعوة إليه فهي أخص من الدلالة؛ لأن الإنسان قد يدل فيبين ولا يدعو، فإذا دعا كان هذا أكمل وأفضل، والإنسان مأمور بالدعوة إلى الخير أي: الدعوة إلى ، كما قال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) وآخر الآية: (إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) (الحج: ٦٧) .
وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: ١٢٥) ، وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: ١٠٤، ١٠٥) .
فهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على أن الإنسان ينبغي له أن يكون داعياً إلى الله ولكن لا يمكن أن تتم الدعوة إلا بعلم الإنسان بما يدعو
стр. 930
إليه؛ لأن الجاهل قد يدعو إلى شيء يظنه حقاً وهو باطل، وقد ينهى عن شيء يظنه باطلاً وهو حق، فلابد من العلم أولاً فيتعلم الإنسان ما يدعو إليه.
وسواء كان عالماً متبحراً فاهماً في جميع أبواب العلم، أو كان عالماً في نفس المسألة التي يدعو إليها، فليس بشرط أن يكون الإنسان عالماً متبحراً في كل شيء، بل لنفرض أنك تريد أن تدعو الناس إلى أقام الصلاة، فإذا فقهت أحكام الصلاة وعرفتها جيداً فادع إليها ولو كنت لا تعرف غيرها من أبواب العلم؛ لقول النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) .
ولكن لا يجوز أن تدعو بلا علم ابداً؛ لأن ذلك فيه خطر؛ خطر عليك أنت، خطر على غيرك، أما خطره عليك فلأن الله حرم عليك أن تقول على الله ما لا تعلم، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) ، وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم) (الإسراء: ٣٦) ، أي لا تتبع ما ليس لك به علم، فإنك مسئول عن ذلك، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦) .
ولابد أيضاً من أن يكون الإنسان حكيماً في دعوته، ينزل الأشياء في منازلها، ويضعها في مواضعها، فيدعو الإنسان المقبل إلى الله عز وجل
стр. 931
بما يناسبه، ويدعو الإنسان الجاهل بما يناسبه، كل أناس لهم دعوة خاصة حسب ما يليق بحالهم، ودليل هذا أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) ، فأعلمه بحالهم من أجل أن يستعد لهم وأن ينزلهم منزلتهم؛ لأنهم إذا كانوا أهل كتاب صار عندهم من الجدل بنا عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم، فالمشركين جهال ضلال لكن أهل الكتاب عندهم علم، يحتاجون إلى استعداد تام، وأيضاً يجابهون بما يليق بهم؛ لأنهم يرون أنفسهم أهل كتاب وأهل علم ـ فيحتاج الأمر إلى أن يراعوا في كيفية الدعوة، ولهذا قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) .
ولنضرب لهذا مثلاً واقعياً: لو أن رجلاً جاهلاً تكلم وهو يصلي، يظن أن الكلام لا يضر، فهذا لا نوبخه ولا ننهره ولا نشدد عليه، بل نقول له إذا فرغ من صلاته: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، لكن لو علمنا أن شخصاً يعلم أم الكلام في الصلاة حرام ويبطلها، لكنه إنسان مستهتر والعياذ بالله؛ يتكلم ولا يبالي فهذا نخاطبه بما يليق به ونشدد عليه وننهره، فكل مقام مقال.
ولهذا قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) والحكمة أن تضع الأشياء في مواضعها، وتنزل الناس في منازلهم، فلا تخاطب الناس
стр. 932
بخطاب واحد، ولا تدعوهم بكيفية واحدة، بل أجعل لكل إنسان ما يليق به.
فلابد أن يكون الإنسان على علم بحال من يدعوه؛ لأن المدعو له حالات: إما أن يكون جاهلاً، أو معانداً مستكبراً، أو يكون قابلاً للحق ولكنه قد خفي عليه مجتهداً متأولاً، فلكل إنسان ما يليق به.
ثم ذكر المؤلف قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وسبيل الله هي دينه وشريعته التي شرعها الله لعباده، وأضافها إلى نفسه لسببين:
السبب الأول: أنه هو الذي وضعها للعباد، ودلهم عليها.
السبب الثاني: أنها موصلة إليه، فلا شيء يوصل إلى الله إلا سبيل الله التي شرعها لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم.
وقوله: (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ) الحكمة قال العلماء: إنها من الأحكام وهو الإتقان، إتقان الشيء أن يضعه الإنسان في موضعه فهي وضع الأشياء في مواضعها، وأما الموعظة فهي التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب، فإذا كان الإنسان معه شيء من الأعراض فإنه يوعظ وينصح، فإن لم يفد فيه ذلك فيقول تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإذا كان الإنسان عنده شيء من المجادلة فيجادل، والمجادلة بالتي هي أحسن أي من حيث المشافهة، فلا تشدد عليه ولا تخفف عنه، انظر ما هو أحسن، بالتي هي أحسن أيضاً من حيث الأسلوب، والإقناع، وذكر الأدلة التي يمكن أن يقتنع بها؛ لأن من الناس من يقتنع بالأدلة الشرعية أكثر مما يقتنع
стр. 933
بالأدلة العقلية، وهذا هو الذي عنده إيمان قوي.
ومن الناس من يكون بالعكس لا يقتنع بالأدلة الشرعية إلا إذا ثبت ذلك عنده بالأدلة العقلية، فتجده يعتمد على الأدلة العقلية أكثر مما يعتمد على الأدلة الشرعية، بل ولا يقتنع بالأدلة الشرعية إي حيث تؤيدها عنده الأدلة العقلية، وهذا النوع من الناس يخشى عليه من الزيغ والعياذ بالله؛ إذا كان لا يقبل الحق إلا بما عقله بعقله الفاسد فهذا خطر عليه، ولهذا كان أقوى الناس إيماناً أعظمهم إذعاناً للشرع أي: للكتاب والسنة، فإذا رأيت من نفسك الإذعان للكتاب والسنة والقبول والاقتياد؛ فهذا يبشر بخير، وإذ رأيت من نفسك القلق من الأحكام الشرعية إلا حيث تكون مؤيدة عنك بالأدلة العقلية؛ فاعلم أن في قلبك مرضاً؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) يعني: لا يمكن أن يختاروا شيئاً سوى ما قضاه الله ورسوله، (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب: ٣٦) .
وقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) جاء في آية العنكبوت (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (العنكبوت: ٤٦) ، فهؤلاء لا تلينوا معهم إذا كانوا ظالمين، فقاتلوهم بالسيف حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى هذا فتكون المراتب أربعة: الحكمة، الموعظة، المجادلة بالتي هي أحسن، المجادلة بالسيوف لمن كان ظالماً، والله الموفق.
* * *
стр. 934
وقال تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران: ١٠٤) .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في باب الدلالة على الخير، قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤) ، وهذا أمر من الله بأن يكون منا هذه الأمة، والامة بمعنى الطائفة، وترد الأمة في القرآن الكريم على أربعة معان: أمة بمعنى الطائفة، وأمة بمعنى الملة، أمة بمعنى السنين، وأمة بمعنى القدوة، فمن الطائفة هذه الآية (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي طائفة (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ.....) (آل عمران: ١٠٤) إلى آخره.
والأمة بمعنى الملة مثل قوله تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (المؤمنون: ٥٢) أي دينكم دين واحد.
والأمة بمعنى السنين مثل قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (يوسف: ٤٥) أي بعد زمن.
والأمة بمعنى القدوة والإمام مثل قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً) (النحل: ١٢٠)
فقوله هنا (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) اللام في قوله للأمر (وَلْتَكُنْ) ، " ومن" في قوله: (مِنْكُمْ) فيها قولان لأهل العلم: منهم من قال إنها للتبعيض، ومنهم من قال إنها لبيان الجنس، فعلى القول الأول يكون الأمر هنا أمراً كفائياً، أي أنه إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين؛ لأنه قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) يعني بعض منكم يدعون إلى الخير،
стр. 935
وعلى القول الثاني يكون الأمر امراً عينيناً، وهو أنه يجب على كل واحد أن يكرس جهوده لهذا الأمر.. يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
الدعوة إلى الخير تشمل كل شيء فيه مصلحة للناس في معاشهم ومعادهم؛ لأن الخير كما يكون في عمل الآخرة يكون في عمل الدنيا، كما قال الله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) (البقرة: ٢٠١)
وما ينفع الناس من الأمور الدنيوية فهو خير، ولهذا سمى الله المال خيراً، فقال (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات: ٨)
وقوله:: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: ١٠٤) ، المعروف ما عرفه الشرع وأقره، المنكر ما أنكره ونهى عنه، فإذا يكون الأمر بالمعروف هو الأمر بطاعة الله، والنهي عن المنكر هو النهي عن معصية الله، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
لكن لابد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط هي:
الشرط الأول: أن يكون الآمر أنه الناهي عالماً بأن هذا معروف يأمر به، وهذا منكر ينهى عنه، وهذا، لم يكن عالماً فإنه لا يجوز أن يأمر أو ينهى، لقوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء: ٣٦) ، والتحريم والتحليل لا يكون بحسب العاطفة؛ لأنه لو كان بحسب العاطفة والهوى لوجدنا من الناس من يكره كل شيء يستغربه، حتى لو حصل شيء ينفع الناس وهو مستغرب له قال هذا منكر، ومن الناس من هو بالعكس يتهاون ويرى أن كل شيء معروف،
стр. 936
فالمعروف والمنكر أمرهما إلى الشارع.
كذلك أول ما ظهرت مكبرات الصوت أنكرها بعض الناس، وقال: إن هذا منكر، كيف نؤدي الصلاة أو الخطبة بهذه الأبواق التي تشبه بوق اليهود؟ ومن العلماء المحققين كشيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ قال: إن هذه من نعمة الله؛ أن الله يسَّر لعباده ما يوصل أصوات الحق إلى الخلق، وأن مثل هذه كمثل نظارات العين، فالعين إذا ضعف النظر تحتاج إلى تقوية بلبس النظارات، فهل نقول لا تلبس النظارات؛ لأنها تقوي النظر وتكبر الصغير؟ لا، لا نقول هكذا.
فالحاصل أالمعروف والمنكر أمرهما إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، لا إلى ذوق الإنسان، أو هوى الإنسان، أو فكر الإنسان.
إذاً لا بد أيكون الإنسان عالماً بأن هذا معروف وأن هذا منكر، هذا معروف يأمر به، وهذا منكر ينهى عنه، ولكن ما الطريق إلى معرفة ذلك؟ الطريق إلى معرفة ذلك الكتاب والسنة فقط، وإجماع الأمة، أو القياس الصحيح، وإجماع الأمة والقياس الصحيح كلاهما مستند إلى الكتاب والسنة، ولولا الكتاب والسنة ما عرفنا أن الإجماع حُجة، وأن القياس حُجة.
الشرط الثاني: أن يعلم بوقوع المنكر من الشخص المدعو، أو بتركه للمعروف، فإن كان لا يعلم فإنه يرجم الناس بالغيب، مثلا ذلك: لو أن رجلاً دخل المسجد وجلس، فإن الذي تقتضيه الحكمة أن يسأله: لماذا جلس ولم يصل؟ ولا ينهاه أو يزجره، بدليل أن النبي صلة الله عليه وسلم كان يخطب
стр. 937
الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس، فقال له: " أصليت" قال: لا، قال: " قم فصل ركعتين"، فلم يزجره حين ترك الصلاة؛ لأنه يحتمل أن يكون صلى والنبي ﵊ لم يره.
كذلك أيضاً إذا رأيت شخصاً يأكل في نهار رمضان أو يشرب في نهار رمضان فلا تزجره، بل اسأله ربما يكون له عذر في ترك الصيام. قل له لماذا لم تصم؟ فقد يكون مسافراً، وقد يكون مريضاً مرضاً يحتاج معه إلى شرب الماء بكثرة؛ مثل أوجاع الكلى تحتاج إلى شرب ماء كثير، ولو كان الإنسان صحيحاً فيما يظهر للناس، فالمهم أنه لابد أن تعرف أنه ترك المعروف حتى تأمره به، ولا بد أيضاً أن تعرف انه وقع في المنكر حتى تنهاه عنه؛ لأنه قد لا يكون واقعاً في المنكر وأنت تظنه واقعاً.
مثال ذلك: إذا رأيت رجلاً في سيارة ومعه امرأة فهناك احتمال أن المرأة أجنبية منه، وهناك احتمال أن تكون المرأة من محارمه، أو أنها زوجته. إذاً لا تنكر عليه حتى تعلم أنه فعل منكراً، وذلك بقرائن الأحوال، لو فرضن امثلاً أن الإنسان رأى ريبة من هذا الشخص لكونه أهلاً لسوء الظن، ورأى حركات، والإنسان العاقل البصير يعرف، فهذا ربما نقول: يتوجه ويسأله: من هذه المرأة التي معك؟ أو لماذا تحمل امرأة في سيارتك ليست من محارمك؟ ولكن ليس لك لمجرد أن ترى رجلاً يمشي مع امرأة أو حاملاً امرأة في سيارته تنكر عليه وأنت لا تدري هل هذا منكر أم لا.
стр. 938
وعلى كل حال خلو المرأة بالسيارة وهو غير محرم منكر، لكن لا تدري لعل هذه المرأة من محارمه.
فالمهم أنه لابد من العلم بأن هذا معروف وأن هذا منكر، ولابد من العلم أن هذا ترك المعروف أو فعل المنكر.
الشرط الثالث: أن لا يتحول المنكر إذا نهى عنه إلى ما هو أنكر منه وأعظم. مثال ذلك: لو رأين اشخصاً يشرب الدخان، وشرب الدخان حرام لا شك ومنكر يجب إنكاره، لكننا لو أنكرنا عليه لتحول إلى شرب الخمر، يعني أنه ذهب إلى الخمارين وشرب الخمر فهنا لا ننهاه عن منكره الأول؛ لأن منكره الأول أهون، وارتكاب أهون المفسدتين واجب إذا كان لابد من ارتكاب العليا.
ودليلُ هذا الشرط قول الله : فسبُ آلهة المشركين من الأمور المطلوبة شرعاً، ويجب علينا أن نسب آلهة المشركين، وأن نسب أعياد الكفار، وأن نحذر منها، وأن لا نرضى بها، وأن نبصر إخواننا الجهال السفهاء بأنه لا يجوز مشاركة الكفار في أعيادهم؛ لأن الرضا بالكفر يخشى أن يوقع صاحبه في الكفر والعياذ بالله، هل ترضى أن شعائر الكفر تقام وتشارك فيها؟ لا يرضى بهذا أحد من المسلمين، لهذا قال ابن القيم ﵀ وهو من تلاميذ شيخ الإسلام البارزين: إن الذي يشارك هؤلاء في أعيادهم ويهنئهم فيها، إن لم يكن أتى الكفر فإنه قد فعل محرماً بلا شك، وصدق ﵀، ولهذا يجب علينا أن نحذر إخواننا المسلمين
стр. 939
من مشاركة الكفار في أعيادهم، لأن مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم فيها، مثل قول: عيد مبارك، أو هنأك الله بالعيد وما أشبه ذلك، لا شك أنه رضاً بشعائر الكفر والعياذ بالله.
أقول: إن شب آلهة المشركين وشعائر المشركين وغيرهم من الكفار الكتابيين أمر مطلوب شرعاً، ولكن إذا كان يؤذى إلى شيء أعظم منه نكراً فإنه يُنهى عنهن يقول الله (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يعني الأصنام لا تسبوها (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: ١٠٨) يعني عدواناً منهم بغير علم، أما أنتم إذا سببتم آلهة المشركين فإنه بعدل وعلم، لكن سبهم لإلهكم عدوان بلا علم، فأنتم لا تسبوهم فيسبوا الله.
إذاً نأخذ من هذه الآيات الكريمة أنه إذا كان نهي الإنسان عن منكر ما يوقع الناس فيما هو أنكر منه، فإن الواجب الصمت، حتى يأتي اليوم الذي يتمكن فيه من النهي عن المنكر ليتحول المنكر إلى معروف.
ويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيميه- ﵀ مرّ في الشام ومعه صاحب له على قوم من التتار- والتتار أمة معروفة تسلطت على المسلمين في سنة من السنوات، وحصل بهم فتنة كبيرة عظيمة - وهم يشربون الخمر فسكت وما نهاهم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنه عن هذا المنكر؟ قال له: إن نهيناهم عن هذا الشيء ذهبوا يفسدون نساء المسلمين بالزنا، ويستبيحون أموالهم، وربما يقتلونهم، وشرب الخمر أهون، وهذا من
стр. 940
فقه ﵀ ورضي عنه، فإذا كان الإنسان يخشى أن يزول المنكر ويتحول إلى ما هو أنكر منه؛ فإن الواجب الصمت.
ومن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وليس من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول فاعل للمعروف وأول منتهٍ عن المنكر- بمعنى أنه لا يأمر بالمعروف ثم لا يفعله، أو لا ينه عن المنكر ثم يقع فيه؛ لأن هذا داخل في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢-٣) ، وفي الحديث الصحيح: " إنه يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه"، يعني أمعاءه، وتندلق: ينعى تتفجر: " فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون له: ما لك يا فلان ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر. فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه "
فمن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول ممتثل للأمر، وأول منتهٍ عن النهي.
وذكر أن ابن الجوزي- ﵀ الواعظ المشهور وهو من أصحاب
стр. 941
الإمام أحمد ﵀ يعني ممن يقلدون الإمام أحمد، وكان واعظاً مشهوراً بالوعظ يوضع له كرسي يوم الجمعة ويلقي المواعظ، ويحضره مئات الآلاف، وكان من شدة تأثيره على القلوب أن بعض الحاضرين يصعق ويموت، من شدة تأثيره على القلوب، فجاءه ذات يوم عبد رقيق، فقال له: يا سيدي، إن سيدي يتعبني، ويشق علي ويأمرني بأشياء ما أطيقها، فلعلك تعظ الناس وتحثهم على العتق فيُعتقني، فقال: نعم أفعل فبقي جمعة أو جمعتين أو ما شاء الله ولم يتكلم عن العتق بشيء، فجاء إليه العبد، وقال له: يا سيدي أنا قلت لك تكلم عن العتق منذ زمن، ولم تتكلم إلى الآن، قال: نعم، لأني لست أملك عبداً فأعتقه، ولا أحب أن أحث على العتق وأنا لم أعتق- سبحان الله- فلما منّ الله عليّ بعبد وأعتقته صار لي مجال أن أتكلم في العتق، ثم تكلم يوماً من الأيام عن العتق فأثر ذلك نفوس الناس فأعتق الرجل عبده.
فالحاصل أن هذا من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداعين إلى الخير الآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر، إنه جواد كريم.
* * *
стр. 942
١٧٤- وعن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من دعا إلى هُدى كان لهُ من الأجر مثل أجوز من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئاً" رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً" من دعا إلى هدى: يعني بيّنه للناس ودعاهم إليه، مثل أن يبين للناس أن ركعتي الضحى سنة، وأنه ينبغي للإنسان أن يصلي ركعتين في الضحى، ثم تبعه الناس وصاروا يصلون الضحى، فإن له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً؛ لأن فضل الله واسع.
أو قال للناس مثلاً: اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وتراً، ولا تناموا إلا على وتر إلا من طمع أن يقوم من آخر الليل فليجعل وتره في آخر الليل، فتبعه ناس على ذلك فإن له مثل أجرهم يعني كلما أوتر واحد هداه الله على يده؛ فله مثل أجره، وكذلك بقية الأعمال الصالحة.
" من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"، أي إذا دعا إلى وزر وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو
стр. 943
الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك من المحارم، فإن كل إنسان تأثر بدعوته فإنه يُكتب له مثل أوزارهم؛ لأنه دعا إلى الوزر، والعياذ بالله.
وأعلم أن الدعوة إلى الهدي والدعوة إلى الوزر تكون بالقول؛ كما لو قال أفعل كذا أفعل كذا، وتكون بالفعل خصوصاً من الذي يُقتدي به من الناس، فإنه إذا كان يُقتدي به ثم فعل شيئاً فكأنه دعا الناس إلى فعله، ولهذا يحتجون بفعله ويقولون فعل فلان كذا وهو جائز، أو ترك كذا وهو جائز.
فالمهم أن من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه مثل وزر من تبعه.
وفي هذا دليلٌ على أن المتسبب كالمباشر، فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبب فكان له مثل أجر من فعله، والذي دعا إلى السوء أو إلى الوزر تسبب فكان عليه مثل وزر من اتبعه.
وقد أخذ العلماء الفقهاء- ﵏ من ذلك قاعدة: بأن السبب كالمباشرة، لكن إذا اجتمع سببٌ ومباشرة أحالوا الضمان على المباشرة؛ لأنه أمس بالإتلاف، والله أعلم.
١٧٥- وعن أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لاُعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله في يديه، يحبُ الله ورسوله، ويحبه الله ورسولهُ" فبات الناسُ يدوكُون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما
стр. 944
أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ : " كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين على بن أبي طالب؟ " فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال: " فأرسلوا إليه" فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا لهُ، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع فأعطاهُ الرايةُ، فقال على- ﵁: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يحبُ عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمرِ النعم" متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قوله ﷺ : " لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسولهُ" هذا يتضمن بشرى عامة، وبشرى خاصة، أما العامة فهي قوله: " يفتح اله على يديه" وأما الخاصة فهي قوله: " يجب الله ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه".
وخيبر مزارع وحصون لليهود، كانت نحو مائة ميل في الشمال الغربي من المدينة، وسكنها اليهود كما سكن طائفة منهم المدينة نفسها؛ لأن اليهود يقرؤون في التوراة أنه سيُبعث نبي، وسيكون مهاجره إلى المدينة، وتسمى في العهد القديم يثرب، لكنه نهى عن تسميتها يثرب، وأنه سيهاجر إلى المدينة وسيقاتل وينتصر على أعدائه، فعلموا أن هذا حق،
стр. 945
وذهبوا إلى المدينة وسكنوها، وسكنوا خيبر، وكانوا يظنون أن هذا النبي سيكون من بني إسرائيل، فلما بُعث من بني إسماعيل من العرب حسدوهم، وكفروا به، والعياذ بالله، بعد أن كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه) (البقرة: ٨٩) وقالوا ليس هذا هو النبي الذي بُشرنا به.
وحصل منهم ما حصل من العهد مع النبي ﵊، ثم الخيانة، وكانوا في المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكلهم عاهد النبي صلى الله ﵊، ولكنهم نقضوا العهد كلهم.
فهزمهم الله- والحمد لله- على يد النبي ﷺ وكان آخرهم بني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ- ﵁ بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم وذريتهم، وتغنم أموالهم، وكانوا سبعمائة، فأمر النبي صلى الله عليه وسل بقتلهم فحصدوهم عن آخرهم فهكذا اليهود أهل غدر وخيانة ونقض للعهود، منذ بُعث فيهم موسى ﵊ إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، هم أغدر الناس بالعهد، وأخونهم بالأمانة، ولذلك لا يوثق منهم أبداً؛ لا صرفاً ولا عدلاً، ومن وثق بهم، أو وثق منهم. فإنه في الحقيقة لم يعرف سيرتهم منذ عهد قديم.
قوله صلي الله عليه وسلم: " لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه اللهُ ورسولُه" هاتان منقبتان عظيمتان.
стр. 946
الأولى: أن يفتح الله على يديه؛ لأن من فتح الله على يديه نال خيراً كثيراً، فإنه إذا هدى الله به رجلاً واحداً، كان خيراً له من حمر النعم: يعني من الإبل الحمر وإنما خص الإبل الحمر؛ لأنها أغلى الأموال عند العرب.
الثانية: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وفي ذلك فضل لعلى بن أبي طالب ﵁ لأن الناس في تلك الليلة جعلوا يدوكون يعني يخوضون ويتكلمون من هذا الرجل؟
فلما أصبح النبي ﷺ قال: " أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، يعني أن عينيه تؤلمه ويشتكيها، فدعا به فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع، وهذه من آيات الله فليس هناك قطرة ولا كي وإنما هو ريق النبي ﷺ ودعاؤه.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه يجوز للناس أن يتحدثوا في الأمر ليتفرسوا فيمن يصيبه؛ لأن الصحابة صاروا في تلك الليلة يدوكون ليلتهم: من يحصل هذا؟ وكل واحد يقول: لعله أنا.
وفيه أيضاً دليلٌ على أن الإنسان قد يهبه الله تعالى من الفضائل ما لم يخطر له على بال، فعلي ليس حاضراً وربما لا يكون عنده علم بأصل المسألة ومع ذلك جعل الله له هذه المنقبة ففي هذا دليلٌ على أن الإنسان قد يحرم الشيء مع ترقبه له، وقد يُعطى الشيء مع عدم خطورته على باله.
" فأعطاه الراية" الراية يعني العلم الذي يكون علماً على القوم في
стр. 947
حال الجهاد، لأن الناس في الجهاد يقسمون هؤلاء إلى جانب وهؤلاء إلى جانب، وهذه القبيلة وهذه القبيلة، أو هذا الجنس من الناس كالمهاجرين مثلاً والأنصار، كل له راية أي: علم يدل عليه.
فقال علي ﵁ " يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا" يعني أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين أم ماذا فقال له النبي ﷺ : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم" ومل يقل له قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وذلك لأن الكفار لا يقاتلون على الإسلام ويرغمون عليه، وإنما يقاتلون ليذلوا لأحكام الإسلام فيعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أو يدخلوا في الإسلام.
وقد اختلف العلماء ﵏ هل هذا خاص بأهل الكتاب أي مقاتلتهم حتى يعطوا الجزية- أو أنه عام لجميع الكفار؟ فأكثر العلماء يقولون: إن الذي يقاتل حتى يعطي الجزية أو يسلم هم أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأما غيرهم فيقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، واستدلوا بقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩) .
والصحيح أنه عام، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسمل أخذ الجزية من مجوس
стр. 948
هجر، وهم ليسوا أهل كتاب كما أخرجه البخاري، ودليلٌ آخر: حديث بريدة بن الحصيب الذي أخرجه مسلم، أن النبي ﷺ كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيراً وذر في الحديث ا، هـ يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية فإن أبوا يقاتلهم والصحيح أن هذا عام. ولذلك لم يقل النبي ﷺ لعلي حين سأله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، نعم قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وإنما أرشده أن يفعل ما أمره به، وأن يمشي على رسله، حتى ينزل بساحتهم.
قوله: " على رسلك" أي لا تمسي عجلاً فتتعب أنت، ويتعب الجيش، ويتعب من معك، ولكن على رسلك حتى تنزل بساحتهم أي يجانبهم، قوله ﷺ : " ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه" فأمره ﷺ بأمرين:
الأمر الأول: الدعوة إلى الإسلام: بان يقل لهم: أسلموا إذا كانوا يعرفون معنى الإسلام ويكفي ذلك، وإن كانوا لا يعرفونه، فإنه يبين لهم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، أن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
الأمر الثاني: قال: " وأخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه"
стр. 949
وهو السمع والطاعة لأوامر الله ورسوله، لأجل أن يكون الداخل في الإسلام داخلاً على بصيرة، لأن بعض الناس يدخل في الإسلام على أنه دين ولكن لا يدري ما هو ثم إذ بينت له الشرائع ارتد والعياذ بالله، فصار كفره والثاني أعظم من كفره الأول؛ لأن الردة لا يُقر عليها صاحبها، بل يقال له: إما أن ترجع لما خرجت منه، وإما أن نقتلك.
ولهذا ينبغي لنا في هذا العصر لما كثر الكفار بيننا من نصارى وبوذيين ومشركين وغيرهم، إذا دعوناهم إلى الإسلام أن نبين لهم الإسلام أولاً، ونشرحه شرحاً يتبين فيه الأمر، حتى يدخلوا على بصيرة، لا تكتفي بقولنا: اسلموا فقط لأنهم لا يعرفون ما يجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام فإذا دخلوا على بصيرة صار لنا العذر فيما بعد إذا ارتدوا أن نطلب منهم الرجوع إلى الإسلام أو نقتلهم، أما إن بين لهم إجمالاً هكذا، فإنها دعوة قاصرة، والدليل على هذا حديث سهل بن سعد ﵁ الذي نشرحه.
وفي الحديث، في قوله ﷺ : " فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" يهديه: أي يوفقه بسببك إلى الإسلام فإنه خير لك من حمر النعم يعني من الإبل الحمر، وذلك لأن الإبل الحمر عند الغرب كانت من أنفس الأموال، إن لم تكن أنفس الأموال، ففعل ﵁ ونزل بساحتهم، ودعاهم إلى الإسلام ولكنهم لم يسلموا.
ثم في النهاية كانت الغلبة - ولله الحمد - وللمسلمين، ففتح الله على يدي علي بن أبي طالب- ﵁ والقصة مشهورة في كتب المغازي
стр. 950
والسير، ولكن الشهاد من هذا الحديث: أنه أمرهم أن يدعوهم إلى الإسلام، وأن يخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
ظهور آية من آيات النبي ﷺ وهي أنه لما بصق في عيني على بن أبي طالب ﵁ برىء حتى كأن لم يكن به وجع.
وفيه أيضاً آية أخرى: وهي قوله" يفتح الله علي يديه" وهي خبر غيبي، ومع ذلك فتح الله علي يديه.
وفيه أيضاً من الفوائد: أنه ينبغي نصب الرايات في الجهاد، وهي الأعلام، وأن يُجعل لكل قوم راية معينة يعرفون بها كما سبقت الإشارة إليه.
وفيه أيضاً من الفوائد: تحري الإنسان للخير والسبق إليه لأن الصحابة جعلوا في تل الليلة يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم يعني يدوكون في ليلتهم، في منصوبة على الظرفية، يعني انهم يبحثون من يكون.
وفيه أيضاً: أن الإنسان قد يعطى الشيء من غير أن يخطر له على بال، وأنه يحرم من كان متوقعاً أن يناله هذا الشيء، لأن علي بن أبي طالب- ﵁ كان مريضاً في عينيه، ولا أظن أنه يخطر بباله أن رسول الله ﷺ سيعطيه الراية، ومع ذلك أدركها وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء والله الموفق.
* * *
следующие страницы →