← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الأولى: أن يفتح الله على يديه؛ لأن من فتح الله على يديه نال خيراً كثيراً، فإنه إذا هدى الله به رجلاً واحداً، كان خيراً له من حمر النعم: يعني من الإبل الحمر وإنما خص الإبل الحمر؛ لأنها أغلى الأموال عند العرب. الثانية: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وفي ذلك فضل لعلى بن أبي طالب ﵁ لأن الناس في تلك الليلة جعلوا يدوكون يعني يخوضون ويتكلمون من هذا الرجل؟ فلما أصبح النبي ﷺ قال: " أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، يعني أن عينيه تؤلمه ويشتكيها، فدعا به فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع، وهذه من آيات الله فليس هناك قطرة ولا كي وإنما هو ريق النبي ﷺ ودعاؤه. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه يجوز للناس أن يتحدثوا في الأمر ليتفرسوا فيمن يصيبه؛ لأن الصحابة صاروا في تلك الليلة يدوكون ليلتهم: من يحصل هذا؟ وكل واحد يقول: لعله أنا. وفيه أيضاً دليلٌ على أن الإنسان قد يهبه الله تعالى من الفضائل ما لم يخطر له على بال، فعلي ليس حاضراً وربما لا يكون عنده علم بأصل المسألة ومع ذلك جعل الله له هذه المنقبة ففي هذا دليلٌ على أن الإنسان قد يحرم الشيء مع ترقبه له، وقد يُعطى الشيء مع عدم خطورته على باله. " فأعطاه الراية" الراية يعني العلم الذي يكون علماً على القوم في

стр. 947

حال الجهاد، لأن الناس في الجهاد يقسمون هؤلاء إلى جانب وهؤلاء إلى جانب، وهذه القبيلة وهذه القبيلة، أو هذا الجنس من الناس كالمهاجرين مثلاً والأنصار، كل له راية أي: علم يدل عليه. فقال علي ﵁ " يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا" يعني أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين أم ماذا فقال له النبي ﷺ : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم" ومل يقل له قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وذلك لأن الكفار لا يقاتلون على الإسلام ويرغمون عليه، وإنما يقاتلون ليذلوا لأحكام الإسلام فيعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أو يدخلوا في الإسلام. وقد اختلف العلماء ﵏ هل هذا خاص بأهل الكتاب أي مقاتلتهم حتى يعطوا الجزية- أو أنه عام لجميع الكفار؟ فأكثر العلماء يقولون: إن الذي يقاتل حتى يعطي الجزية أو يسلم هم أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأما غيرهم فيقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، واستدلوا بقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩) . والصحيح أنه عام، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسمل أخذ الجزية من مجوس

стр. 948

هجر، وهم ليسوا أهل كتاب كما أخرجه البخاري، ودليلٌ آخر: حديث بريدة بن الحصيب الذي أخرجه مسلم، أن النبي ﷺ كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيراً وذر في الحديث ا، هـ يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية فإن أبوا يقاتلهم والصحيح أن هذا عام. ولذلك لم يقل النبي ﷺ لعلي حين سأله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، نعم قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وإنما أرشده أن يفعل ما أمره به، وأن يمشي على رسله، حتى ينزل بساحتهم. قوله: " على رسلك" أي لا تمسي عجلاً فتتعب أنت، ويتعب الجيش، ويتعب من معك، ولكن على رسلك حتى تنزل بساحتهم أي يجانبهم، قوله ﷺ : " ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه" فأمره ﷺ بأمرين: الأمر الأول: الدعوة إلى الإسلام: بان يقل لهم: أسلموا إذا كانوا يعرفون معنى الإسلام ويكفي ذلك، وإن كانوا لا يعرفونه، فإنه يبين لهم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، أن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. الأمر الثاني: قال: " وأخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه"

стр. 949

وهو السمع والطاعة لأوامر الله ورسوله، لأجل أن يكون الداخل في الإسلام داخلاً على بصيرة، لأن بعض الناس يدخل في الإسلام على أنه دين ولكن لا يدري ما هو ثم إذ بينت له الشرائع ارتد والعياذ بالله، فصار كفره والثاني أعظم من كفره الأول؛ لأن الردة لا يُقر عليها صاحبها، بل يقال له: إما أن ترجع لما خرجت منه، وإما أن نقتلك. ولهذا ينبغي لنا في هذا العصر لما كثر الكفار بيننا من نصارى وبوذيين ومشركين وغيرهم، إذا دعوناهم إلى الإسلام أن نبين لهم الإسلام أولاً، ونشرحه شرحاً يتبين فيه الأمر، حتى يدخلوا على بصيرة، لا تكتفي بقولنا: اسلموا فقط لأنهم لا يعرفون ما يجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام فإذا دخلوا على بصيرة صار لنا العذر فيما بعد إذا ارتدوا أن نطلب منهم الرجوع إلى الإسلام أو نقتلهم، أما إن بين لهم إجمالاً هكذا، فإنها دعوة قاصرة، والدليل على هذا حديث سهل بن سعد ﵁ الذي نشرحه. وفي الحديث، في قوله ﷺ : " فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" يهديه: أي يوفقه بسببك إلى الإسلام فإنه خير لك من حمر النعم يعني من الإبل الحمر، وذلك لأن الإبل الحمر عند الغرب كانت من أنفس الأموال، إن لم تكن أنفس الأموال، ففعل ﵁ ونزل بساحتهم، ودعاهم إلى الإسلام ولكنهم لم يسلموا. ثم في النهاية كانت الغلبة - ولله الحمد - وللمسلمين، ففتح الله على يدي علي بن أبي طالب- ﵁ والقصة مشهورة في كتب المغازي

стр. 950

والسير، ولكن الشهاد من هذا الحديث: أنه أمرهم أن يدعوهم إلى الإسلام، وأن يخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه. وفي هذا الحديث من الفوائد: ظهور آية من آيات النبي ﷺ وهي أنه لما بصق في عيني على بن أبي طالب ﵁ برىء حتى كأن لم يكن به وجع. وفيه أيضاً آية أخرى: وهي قوله" يفتح الله علي يديه" وهي خبر غيبي، ومع ذلك فتح الله علي يديه. وفيه أيضاً من الفوائد: أنه ينبغي نصب الرايات في الجهاد، وهي الأعلام، وأن يُجعل لكل قوم راية معينة يعرفون بها كما سبقت الإشارة إليه. وفيه أيضاً من الفوائد: تحري الإنسان للخير والسبق إليه لأن الصحابة جعلوا في تل الليلة يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم يعني يدوكون في ليلتهم، في منصوبة على الظرفية، يعني انهم يبحثون من يكون. وفيه أيضاً: أن الإنسان قد يعطى الشيء من غير أن يخطر له على بال، وأنه يحرم من كان متوقعاً أن يناله هذا الشيء، لأن علي بن أبي طالب- ﵁ كان مريضاً في عينيه، ولا أظن أنه يخطر بباله أن رسول الله ﷺ سيعطيه الراية، ومع ذلك أدركها وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء والله الموفق. * * *

стр. 951

١٧٦- وعن أنس ﵁ أن فتى من اسلم قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما اتجهز به؟ قال: " أئت فلاناً فإنه قد كان تجهز فمرض" فقال: يا فلانةُ أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسى منه شيئاً، فواالله لا تحبسين منه شيئاً فيبارك لك فيه " رواه مسلم. [الشَّرْحُ] هذا الحديث الذي ذكره المؤلف فيه الدلالة على الخير، فإن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسم ليطلب منه أن يتجهز إلى الغزو، فأرشده النبي صلى الله عليه وسمل ودله على رجل كان قد تجهز براحلته وما يلزمه لسفره ولكنه مرض، فلم يتمكن من الخروج إلى الجهاد، فجاء الرجل إلى صاحبه الذي كان قد تجهز فأخبره بما قال النبي صلى الله عليه وسمل، فقال لامرأته: أخرجي ما تجهزت به ولا تحبسي منه شيئاً، فو الله لا تحبسين منه شيئاً فيُبارك لنا فيه. ففي هذا دليلٌ على أن الإنسان إذا دلّ أحداً على الخير فإنه يثاب على ذلك، وقد سبق أن " من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله". وفيه دليلٌ أيضاً على أن من أراد عملاً صالحاً فحبسه عنه مرض، فإنه ينبغي أن يدفع ما بذله لهذا العمل الصالح إلى من يقوم به حتى يكتب له

стр. 952

الأجر كاملاً؛ لأن الإنسان إذا مرض وقد أراد العمل وتجهز له، ولكن حال بينه وبين العمل مرضه، فإنه يكتب له الأجر كاملاً ولله الحمد، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء: ١٠٠) . وفيه دليلٌ أيضاً من كلام الصاحبة ﵃ أن الإنسان إذا بذل الشيء في الخير فإن الأفضل أن ينفذه، فمثلاً لو أردت أن تتصدق بمال، وعزلت المال الذي تريد أن تتصدق به أو تبذله في مسجد، أو في جمعية خيرية أو ما أشبه ذلك، فلك الخيار أن ترجع عما فعلت؛ لأنه ما دام الشيء لم يبلغ محله فهو بيدك، ولكن الأفضل أن تنفذه وألا ترجع فيما أردت من أجل أن تكون من السباقين إلى الخير، والله الموفق.

стр. 953

٢١- باب التعاون على البر والتقوى قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢) ، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١-٣) قال الإمام الشافعي ﵀ كلاماً معناه: إن الناس - أو أكثرهم - في غفلة عن تدبر هذه السورة. [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى-: "باب التعاون على البر والتقوى" التعاون معناه: التساعد، وأن يعين الناس بعضهم بعضاً على البر والتقوى فالبر: فعل الخير، والتقوى: اتقاء الشر وذلك أن الناس يعملون على وجهين: على ما فيه الخير، وعلى ما فيه الشر، فأما ما فيه الخير فالتعاون عليه أن تساعد صاحبك على هذا الفعل وتيسر له الأمر؛ سواء كان هذا مما يتعلق بك أو مما يتعلق بغيرك، وأما الشر فالتعاون فيه بأن تحذر منه، وأن تمنع منه ما استطعت، وأن تشير على من أراد أن يفعله بتركه وهكذا، فالبر فعل الخير، والتعاون عليه والتساعد على فعله، وتيسيره للناس، والتقوى اتقاء الشر والتعاون عليه بأن تحول بين الناس وبين فعل الشر وأن تحذرهم منه؛ حتى تكون الأمة أمة واحدة. والأمر في قوله (وتَعَاوَنُوا) أمر أيجاب فيما يجب، واستحباب فيما يستحب، وكذلك في التقوى أمر إيجاب فيما يحرم، وأمر استحباب فيما

стр. 954

يكره. وأما الدليل الثاني في التعاون على البر والتقوى، فهو ما ذكره المؤلف ﵀ من سياق سورة العصر، حيث قال الله تعالى: فأقسم الله (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر فأقسم الله - تعالى- بالعصر الذي هو الزمن، والناس فيه منهم من يملؤه خيراً ومنهم من يملؤه شراً، فاقسم بالعصر لمناسبة المقسم به للمقسم عليه، وهو من أعمال العباد فقال (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) الإنسان عام؛ يشمل كل إنسان، من مؤمن وكافر، وعدل وفاسق، وذكر وأنثى، كل الإنسان في خسر، خاسر كل عمله، خسران عليه، تعبٌ في الدنيا وعدم فائدة في الآخرة، إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر) فأصلحوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح، وأصلحوا غيرهم بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر. فالإيمان: هو الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، مما أخبر به الله ورسوله، وقد بينه الرسول ﷺ في قوله: " الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسلهن واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" ستة أركان. وأما عمل الصالحات، فهو كل ما يقرب إلى الله، ولا يكون العمل

стр. 955

صالحاً إلا بشرطين، هما: الإخلاص لله والمتابعة لرسول ﷺ . الإخلاص لله: بمعنى ألا تقصد بعملك مراءاة عباد الله، لا تقصد إلا وجه الله والدار الآخرة. وأما المتابعة: فهي المتابعة للرسول ﷺ بحيث لا تأت ببدعة؛ لأن البدعة وإن أخلص الإنسان فيها مردودة " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"،، والعبادة التي فيها الاتباع ولكن فيها رياء مردودة ايضاً، لقوله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ومن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه" وهو حديث قدسي. وأما قوله: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) يعني أن بعضهم يوصي بعضهم بالحق، وهو ما جاءت به الرسل (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر) لأن النفس تحتاج إلى صبر لفعل الطاعات وترك المحرمات، وأقدار الله المؤلمة. قال الإمام الشافعي- ﵀: لو لم ينزل الله على عباده سورة غير هذه السورة لكفتهم؛ لأنها جامعة مانعة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المؤمنين العاملين الصالحين، المتواصين بالحق، المتواصين بالصبر. إنه سميع قريب. * * *

стр. 956

١٧٧- عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا " متفق عليه. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ في باب التعاون على البر والتقوى ما ثبت عن النبي ﷺ في قوله: " من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" وهذا من التعاون على البر والتقوى، فإذا جهز الإنسان غازياً، يعني براحلته ومتاعه وسلاحه، ثلاثة أشياء: الراحلة، والمتاع، والسلاح، إذا جهزه بذلك فقد غزا، أي كتب له أجر الغازي، لأنه أعانه على الخير. وكذلك من خلفه في أهله بخير فقد غزا، يعني لو أن الغازي أراد أن يغزو ولكنه أشكل عليه أهله من يكون عند حاجاتهم، فانتدب رجلاً من المسلمين وقال: أخلفني في أهلي بخير، فإن هذا الذي خلفه يكون له أجر الغازي؛ لأنه أعانه. إذن فإعانة الغازي تكون على وجهين: الأول: أن يعينه في رحله، ومتاعه، وسلاحه. والثاني: أن يعينه في كونه خلفاً عنه في أهله؛ لأن هذا من أكبر

стр. 957

العون، فإن كثيراً من الناس يشكل عليه من يكون عند أهله يقوم بحاجتهم، فإذا قام هذا الرجل بحاجة أهله وخلفه فيهم بخير فقد غزا. ومن ذلك ما جرى لعلي بن أبي طالب ﵁ حين خلفه رسول الله ﷺ في أهله في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، اتدعني مع النساء والصبيان، فاق لله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" يعني أن أخلفك في أهلي، كما خلف موسى هارون في قومه، حينما ذهب إلى ميقات ربه. ويؤخذ من مثال الغازي أن كل من أعان شخصاً في طاعة الله فله مثل أجره، فإذا أعنت طالب علم في شراء الكتب له، أو تأمين السكن، أو النفقة، أو ما أشبه ذلك، فإن لكل أجراً مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيئاً، وهكذا - أيضاً لو أعنت مصلياً على تسهيل مهمته في صلاته في مكانه وثيابه، أو في وضوئه، أو في أي شيء فإنه يكتب لك في ذلك أجر. فالقاعدة العامة: أن من أعان شخصاً في طاعة من طاعة الله كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيئاً، والله الموفق. * * *

стр. 958

١٧٩- وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لقي ركباً بالروحاء فقال (من القوم) " قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: " رسول الله" فرفعت إليه امرأةٌ صبياً فقالت: ألهذا حجٌ! قال: " نعم ولك أجرٌ" رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى- فيما نقله عن عبد الله بن عباس ﵄، أن النبي ﷺ ملقي ركباً بالروحاء والروحاء مكان بين مكة والمدينة، وكان هذا في حجة الوداع، فقال لهم: " من القوم؟ " قالوا: المسلمون، فقالوا: فمن أنت؟ قال: " أنا رسول الله ﷺ " فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: لهذا حج؟ قال " نعم ولك أجر" ففي هذا الحديث من الفوائد ما ساقه المؤلف من أجله، وهو أن من أعان شخصاً على طاعة فله أجر؛ لأن هذه المرأة سوف تقوم برعاية ولدها إذا أحرم، وفي الطواف، وفي السعي، وفي الوقوف، وكل شيء، قال: له حج ولك أجر. وهذا كالذي سبق فيمن جهز غازياً أو خلفه في أهله فإنه يكون له أجر الغازي. وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عما يجهله إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن الرسول ﷺ سأل: "من القوم؟ " يخشى أن يكونوا من العدو فيخونوا أو ويغدروا، أما إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك فلا

стр. 959

حاجة أن تسأل عن الشخص، فتقول: من أنت؟ لأن هذا قد يكون داخلاً فيما لا يعنيك، و " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" لكن إذا دعت الحاجة فاسأل حتى تكون على بينة من الأمر وعلى بصيرة. وفي هذا الحديث دليلٌ على أن وصف الإنسان نفسه بالصفات الحميدة إذا لم يقصد الفخر وإنما يقصد التعريف لا بأس به؛ لأن هؤلاء الصحابة لما سئلوا: من أنتم؟ قالوا: مسلمون، والإسلام لا شك أنه وصف مدح، لكن إذا أخبر الإنسان به عن نفسه، فقال: أنا مسلم، أنا مؤمن، وما أشبه ذلك لمجرد الخبر لا من أجل الافتخار فإن ذلك لا بأس به، وكذلك لو قاله على سبيل التحدث بنعمة الله فلو قال: الحمد لله الذي جعلني من المسلمين، وما أشبه ذلك فإنه لا بأس به، بل يكون محموداً إذا لم يحصل فيه محظور. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا وصف نفسه بصفة هي فيه بدون فخر، فإنه لا يعدُ هذا من باب مدح النفس وتزكية النفس الذي نهى عنه في قوله: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (لنجم: ٣٢) . وفيه دليلٌ أيضاً على أن الإنسان ينبغي له أن يغتنم وجود العالم؛ لأن هؤلاء القوم لما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه رسول الله، جعلوا يسألونه، فينبغي للإنسان أن يغتنم فرصة وجود العالم من أجل أن يسأله عما يشكل

стр. 960

عليه. ومن فوائده أيضاً: أن الصبي إذا حج به وليه فله أجر، والحج يكون للصبي لا للولي، وقد اشتهر عند عامة الناس أن الصبي يكون حجة لوالديه، وهذا لا أصل له، بل حج الصبي له، لقول النبي ﷺ ، لما قالت المرأة؟ ألهذا حج؟ قال: " نعم ولك أجر"، فالحج له، وليعلم أن الصبي بل كل من دون البلوغ يكتب له الأجر ولا يكتب عليه الوزر. واستدل بعض العلماء بقوله: " نعم له حج" أنه إذا أحرم الصبي لزمه جميع لوازم الحج؛ فيلزمه الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمرات، فليعل ما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه يُفعل عنه، إلا الطواف والسعى فإنه يطاف ويُسعي به. وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يتحلل الصبي ولو بدون سبب؛ لأنه قد رفع عنه القلم، وليس بمكلف، ولا يُقال: إن نفل الحج كفرضه، لا يجوز الخروج منه، وهذا الصبي متنفل فلا يجوز له أن يخرج، لأن أصل الصبي من غير المكلفين، فلا نلزمه بشيء وهو غير مكلف، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀ أن الصبي لا يلزم بإتمام الحج، ولا بواجبات الحج، ولا باجتناب محظوراته، وأن ما جاء منه قُبل، وما تخلف لا يسأل عنه، وهذا يقع كثيراً من الناس الآن، حيث يحرمون بصبيانهم، ثم يتعب الصبي ويأبى أن يكمل ويخلع إحرامه، فعلى مذهب جمهور العلماء لا بد أن نلزمه بالإتمام، وعلى مذهب أبي حنيفة وهو الذي مال إليه صاحب الفروع ﵀، من أصحاب الإمام أحمد- ﵀ ومن تلاميذ شيخ

стр. 961

الإسلام ابن تيميه- ﵀ أنه لا يلزم لأنه ليس أهلاً للتكليف. وفي هذا الحديث أيضاً ما يدل على أن الصبي وإن كان غير مميز فإنه يصح منه الحج، ولكن كيف تصح نيته وهو غير مميز، قال العلماء: ينوي عنه وليه بقلبه أنه أدخله في الإحرام، ويفعل وليه كل ما يعجز عنه. وفي هذه المناسبة نودٌّ أن نبين هل يجب على من دخل في الحج أن ينوي الطواف بنية مستقلة، والسعي بنية مستقلة، والرمي كذلك، أو لا يشترك؟ هذا المسألة فيها خلاف بين العلماء، من العلماء من قال: إذا أحرم الإنسان بالحج وطاف وسعى على النية الأولى، يعني لم يجدد نيته عند الطواف ولا عند السعي، فإن حجه صحيح، قال تعليلاً لقوله: إن الطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت كلها أجزاء من عبادة فتكفي النية الأولى، كما أن الإنسان إذا صلى ونوى عند الدخول في الصلاة أنه دخل في الصلاة، فإنه لا يلزمه أن ينوي الركوع ولا السجود ولا القيام ولا القعود؛ لأنها أجزاء من العبادة، فكذلك الحج. وهذا القول ينبغي أن يؤتى به عند الضرورة، يعني لو جاءك مُستفتٍ يقول: أنا دخلت المسجد الحرام وطفت، وفي تلك الساعة لم تكن عندي نية، فهنا ينبغي أن يفتي بأنه لا شيء عليه، وأن طوافه صحيح، أما عند السعة فينبغي أن يقال: إنك إذا نويت أحسن، وهو على كل حال لابد أن ينوي الطواف، ولكن أحياناً يغيب عن ذهنه أنه طواف الركن، أو طواف التطوع، وما أشبه ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 962

١٨٠- وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال " الخازن المسلم الأمينُ الذي ينفذ ما أمره به فيعطيه كاملاً موفرا، طيبة به نفسهُ فيدفعه إلى الذي أمر له به أحدُ المتصدقين" متفق عليه. وفي رواية: " الذي يُعطي ما أمر به" وضبطوا " المتصدقين" بفتح القاف مع كسر النون على التثنية، وعكسه على الجمع، وكلاهما صحيحٌ. [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فما نقله عن أبي موسى الأشعري- ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الخازنُ المسلمُ الأمينُ الذي ينفذُ ما أمر به، فيعطيه كاملاً موفراً، طيبةً به نفسه فيدفعُه إلى الذي أُمر به أحدُ المتصدقين" متفق عليه. الخازن مبتدأ، وأحد المتصدقين خبر، يعني أن الخازن الذي جمع هذه الأوصاف الأربعة: المسلم، الأمين، الذي ينفذ ما أمر به، طيبة بها نفسه. فهو مسلم احترازاً من الكافر، فالخازن إذا كان كافراً وإن كان أميناً وينفذ ما أُمر به ليس له أجر؛ لأن الكفار لا أجر لهم في الآخرة فيما عملوا من الخير، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (الفرقان: ٢٣) ، وقال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ

стр. 963

وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢١٧) ، أما إذا عمل خيراً ثم أسلم فإنه يسلم على ما أسلف من خير ويعطى أجره. الوصف الثاني: الأمين يعني الذي أدى ما ائتمن عليه، فحفظ المال، ولم يفسده، ولم يفرط فيه، ولم يعتد فيه. الوصف الثالث: الذي ينفذ ما أمر به يعني يفعله؛ لأن من الناس من يكون أميناً لكنه متكاسل، فهذا أمين ومنفذ يفعل ما أمر به، فيجمع بين القوة والأمانة. الوصف الرابع: أن تكون طيبة به نفسه، إذا نفذ وأعطى ما أمر به أعطاه وهو طيبة به نفسه، يعني لا يمن على المعطى، أو يظهر أن له فضلاً عليه بل يعطيه طيبة به نفسه، فهذا يكون أحد المتصدقين مع أنه لم يدفع من ماله فلساً واحداً. مثال ذلك: رجل عنده مال، وكان - أمين صندوق للمال- مسلماً أميناً، ينفذ ما أمره به، ويعطيه صاحبه طيبة به نفسه، فإذا قال له صاحب الصندوق: يا فلان أعطِ هذا الفقير عشرة آلاف ريال، فأعطاه على الوصف الذي قال النبي صلي الله عليه وسلم فإنه يكون كالذي تصدق بعشرى آلاف ريال من غير أن ينقص من أجر المتصدق شيئاً، ولكنه فضل من الله . ففي هذا الحديث دليلٌ على فضل الأمانة، وعلى فضل التنفيذ فيما وُكل فيه وعدم التفريط فيه، ودليلٌ على أن التعاون على البر والتقوى يكتب لمن أعان مثل ما يكتب لمن فعل، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله الموفق.

стр. 964

٢٢- باب النصيحة قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ) (الحجرات: ١٠) ، وقال تعالى إخباراً عن نوح ﷺ : (وَأَنْصَحُ لَكُمْ) (لأعراف: ٦٢) ، وعن هود ﷺ : (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (لأعراف: ٦٨) . [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى-: " باب النصيحة" النصيحة: هي بذل النصح للغير، والنصح معناه أن الشخص يحب لأخيه الخير، ويدعوه إليه، ويبينه له، ويرغبه فيه، وقد جعل النبي ﷺ الدين النصحية، فقال " الدين النصيحة " ثلاث مرات، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وضد النصيحة المكر والغش والخيانة والخديعة. ثم صدر المؤلف هذا الباب بثلاث آيات. الآية الأولى: قوله تعالى: ِ (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ) (الحجرات: ١٠) ، مثل أي: إذا تحقق فيهم الأخوة واتصفوا بها، فإنه لابد أن تكون هذه الأخوة مثمرة للنصيحة. والواجب على المؤمنين أن يكونوا كما قال الله :: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ) وهم إخوة في الدين، والأخوة في الدين أقوى من الأخوة

стр. 965

في النسب، بل إن الأخوة في النسب مع عدم الدين ليست بشيء، ولهذا قال الله لنوح لما قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود: ٤٥، ٤٦) . أما المؤمنون فإنهم وإن تباعدت أقطارهم وتباينت لغاتهم، فإنهم إخوة مهما كان، والأخ لابد أن يكون ناصحاً لأخيه، مبدياً له الخير، مبيناً ذلك له، داعياً له. أما الآية الثانية: فهي قول نوح، وهو أول الرسل، يقول لقومه حين دعاهم إلى الله تعالى (وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف: ٦٢) ، يعني لست بغاش لكم، ولا خادع، ولا غادر، ولكني ناصح. أما الآية الثالثة: فقول الله تعالى عن هود: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (لأعراف: ٦٨) . وعلى كل حال يجب على المرء أن يكون لإخوانه ناصحاً مبدياً لهم الخير، داعياً لهم إليه، حتى يحقق بذلك الأخوة الإيمانية، والله الموفق. وأما الأحاديث: ١٨١- فالأول عن أبي رقية تميم بن أوسٍ الدارس- ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الدين النصيحةُ" قلنا: لمن؟ قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" رواه مسلم.

стр. 966

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف رحمه الله تعالى - في باب النصيحة ثلاثة أحاديث: الحديث الأول عن تميم بن أوس الداري ﵁، أن النبي ﷺ قال " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة" كررها ثلاثاً ﷺ لأجل أن ينتبه المخاطب والسامع حتى تتلقى ما يقوله النبي ﷺ بانتباه. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" خمسة أشياء هي محل النصيحة. والنصيحة لله- تكون بالإخلاص لله تعالى، والتعبد له محبة وتعظيماً؛ لأن الله يتعبد له العبد محبة، فيقوم بأوامره طلباً للوصول إلى محبته ، وتعظيماً فينتهي عن محارمه خوفاً منه . ومن النصيحة لله: أن يكون الإنسان دائماً ذاكراً لربه بقلبه ولسانه وجوارحه، أما القلب فإنه لا حدود لذكره، والإنسان يستطيع أن يذكر الله بقلبه على كل حال، وفي كل ما يشاء، وفي كل ما يسمع؛ لأن في كل شيء لله تعالى آية تدل على وحدانيته وعظمته وسلطانه، فيفكر في خلق السماوات والأرض، ويفكر في الليل والنهار، ويفكر في آيات الله من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك، فيحدث هذا ذكراً لله في قلبه. ومن النصيحة لله أن تكون غيرته لله فيغار لله إذا انتهكت محارمه، كما كان النبي ﷺ هكذا، فإنه ﵊ كان لا ينتقم

стр. 967

لنفسه أبداً، مهما قال الناس فيه، لا ينتقم لنفسه، ولكنه إذا انتهكت محارم الله صار أشد الناس انتقاماً ممن ينتهك حرمات الله تعالى، فيغار الإنسان على ربه؛ فلا يسمع أحداً يسب الله أو يشتم الله أو يتسهزىء بالله إلا غار من ذلك وأنكر عليه حتى ولو رفع أمره لولي الأمر؛ لأن هذا من النصيحة لله .؟ ومن النصيحة لله: أن يدب عن دين الله تعالى الذي شرعه لعباده، فيبطل كيد الكائدين، ويرد على الملحدين الذين يعرضون الدين وكأنه قيود تقيد الناس عن حرياتهم، والحقيقة أن الدين قيود حرية؛ لأن الإنسان يتقيد لله ، وبالله، وفي دين الله، ومن لم يتقيد بهذا تقيد للشيطان؛ وفي خطوات الشيطان، لأن النفس همامه دائماً، فلا تسكن نفس أحد أبداً، بل لابد أن تكون لهما همم في أي شيء: إما في خير، وإما شر. وما أحسن قول ابن القيم ﵀ في النونية، حيث قال: هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان هربوا من الرق الذي خلقوا له وهو عبادة الله، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) ، ولكنهم هربوا من هذا الرق الذي هو كمال الحرية وكمال السعادة إلى رق النفس والشيطان

стр. 968

والنفس- نعوذ بالله من شرها- تسترق الإنسان وتملي عليه الهوى فيكون خاضعاً لهواها، وإذا غلب الهوى؛ زال العقل، وكما قال الشاعر: سُكرانِ: سُكر هوى وسُكر مدامة فمتى إفاقة من به سكران يصف شخصاً يشرب الخمر والعياذ بالله، فيقول: إنه فيه سكران، سكر الهوى وسكر المدامة، فمتى إفاقة من به سكران؟ وواضح أن هذا لا ترجى له إفاقة. فالحاصل أن الإنسان يتعبد لله لا للنفس ولا للشيطان، حتى يتحرر من القيود التي تضره ولا تنفعه. ومن النصيحة لله : أن يكون باثاً دين الله في عباد الله؛ لأن هذا مقام الرسل كلهم، فهم دُعاة إلى الله يدعون الناس إلى الله ، كما قال الله تعالى عنهم: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةَُ) (النحل: ٣٦) ، وقوله تعالى: (فَمِنْهُمْ) أي من الأمة التي بعث فيها الرسول. نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم. ثم قال ﷺ : "ولكتابه" يعني أيضاً من الدين النصيحة لكتاب الله ، وهذا يشما كتاب الله الذي نزل على محمد ﷺ ، والذي أُنزل من قبل، والنصيحة لهذه الكتب بتصديق أخبارها، أي أن ما أخبرت به يجب أن نصدقه. أما بالنسبة للقرآن فظاهر؛ لأن القرآن- ولله الحمد- نُقل بالتواتر من

стр. 969

عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا وإلى أن يرفعه الله في آخر الزمان، يقرؤه الصغير والكبير، وأما الكتب السابقة فإنها قد حرفت وغيرت وبدّلت، لكن ما صحّ منها فإنه يجب تصديق خبره واعتقاد صحة حكمه، لكننا لسنا متعبدين بأحكام الكتب السابقة إلا بدليل من شرعنا. ومن النصيحة لكتاب الله: أن يدافع الإنسان عنه، يدافع من حرفه تحريفاً لفظيّاً، أو تحريفاً معنويّاً، أو من زعم أن فيه نقصاً، أو أن فيه زيادة، فالرافضة مثلاً يدّعون أن القرآن فيه نقص، وأن القرآن الذي نزل على محمد أكثر من هذا الموجود بين أيدي المسلمين. فخالفوا بذلك إجماع المسلمين، والقرآن - ولله الحمد- لم ينقص منه شيء، ومن زعم أنه قد نقص منه شيء؛ فقد كذّب قوله تعالى: " (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) ، فالله تكفل بحفظه، ومن ادعى أنه قد نقص حرفاً واحداً اختزل منه؛ فقد كذّب الله ، فعليه أن يتوب ويرجع إلى الله من هذه الردة. ومن النصيحة لكتاب الله: أن ينشر الإنسان معناه بين المسلمين؛ المعني الصحيح الموافق لظاهره، بحيث لا يكون فيه تحريف ولا تغيير، فإذا جلس مجلساً فإن من الخير والنصيحة لكتاب الله أن يأتي بأية من كتاب الله يبينها للناس، ويوضح معناها، ولا سيما الآيات التي تكثر قراءتها بين المسلمين؛ مثل الفاتحة، فإن الفاتحة ركن من أركان الصلاة في كل ركعة؛ للإمام والمأموم والمنفرد، فيحتاج الناس إلى معرفتها، فإذا فسرها بين يدي الناس وبيّنها لهم؛ فإن هذا من النصيحة لكتاب الله .

стр. 970

ومن النصيحة لكتاب الله: أن تؤمن بأن الله تعالى تكلم بهذا القرآن حقيقة، وأنه كلامه ؛ الحرف والمعنى، ليس الكلام الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، بل إنه كلام الله لفظاً ومعنىً تكلم به وتلقاه منه جبريل ﵇، ثم نزل به على محمد ﷺ ، وقد قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٢، ١٩٥) ، وتأمل كيف قال: (عَلَى قَلْبِكَ) مع أن الرسول ﷺ يسمعه بأذنيه، ولكن الأذن إن لم يصل مسموعها إلى القلب؛ فإنه لا يستقر في النفس، فلا يستقر في النفس إلا ما وصل إلى القلب عن طريق الأذن، أو عن طريق الرؤيا بالعين، أو المس باليد، أو الشم بالأنف، أو الذوق بالفم، فالمهم القرار وهو القلب، ولهذا قال (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) وعلى هذا فليس من النصيحة أن يقول القائل: إن هذا القرآن عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، أو أن يقول: إنه خلق من مخلوقات الله، أو ما أشبه ذلك، بل من النصيحة أن تؤمن بأنه كلام الله حقا: اللفظ والمعنى. ومن النصيحة لكتاب الله أن يقوم الإنسان باحترام هذا القرآن العظيم، فمن ذلك أن لا يمس القرآن إلا وهو طاهر من الحدثين: الأصغر والأكبر، لقول النبي ﷺ : " لا يمسّ القرآن إلا طاهر" أو من وراء حائل؛ لأن من مس من وراء حائل فإنه لم يمسه في الواقع، وينبغي لا على

стр. 971

سبيل الوجوب أن لا يقرأ القرآن ولو عن ظهر قلب إلا متطهراً؛ لأن هذا من احترام القرآن. ومن النصيحة لكتاب الله : أن لا تضعه في موضع يمتهن فيه، ويكون وضعه فيه امتهاناً له، كمحل القاذورات وما أشبه ذلك، ولهذا يجب الحذر مما يصنعه بعض الصبيان إذا انتهوا من الدروس في مدارسهم، ألقوا مقرراتهم والتي من بينها الأجزاء من المصحف في الطرقات أو في الزبالة أو ما أشبه ذلك، والعياذ بالله. وأما وضع المصحف على الأرض الطاهرة الطيبة، فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه؛ لأن هذا ليس فيه امتهان للقرآن، ولا إهانة له، وهو يقع كثيراً من الناس إذا كان يصلي ويقرأ من المصحف وأراد السجود يضعه بين يديه، فهذا لا يعد امتهاناً ولا إهانة للمصحف فلا بأس به، والله اعلم. وأما الثالثة فقال النبي ﷺ : " ولرسوله" والنصيحة لرسول الله ﷺ تتضمن أشياء: الأول: الإيمان التام برسالته، وأن الله تعالى أرسله إلى جميع الخلق: عربهم وعجمهم، بل إنسهم وجِنّهم، قال الله تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) (النساء: ٧٩) ، وقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان: ١) ، والآيات في هذا كثيرة، فتؤمن بأن محمداً رسول الله إلى جميع الخلق من جن وإنس. ومن النصيحة لرسول الله ﷺ : تصديق خبره، وأنه صادق مصدوق صادق فيما يخبر به، مصدوق فيما أخبر به من الوحي، فما كذب ولا كذَّب

стр. 972

صلى الله عليه وسلم. ومن النصيحة لرسول الله ﷺ : صدق الاتباع له، بحيث لا تتجاوز شريعته ولا تنقص عنها، فتجعله إمامك في جميع العبادات، فإن الرسول ﷺ هو إمام هذه الأمة وهو متبوعها، ولا يحل لأحد أن يتبع سواه، إلا من كان واسطة بينه وبين الرسول، بحيث يكون عنده من علم السنة ما ليس عندك، فحينئذ لا حرج أن تتبع هذا الرجل بشرط أن تكون معتقداً بأنه واسطة بينك وبين الشريعة، لا أنه مستقل؛ لا أحد يستقل بالتشريع إلا الرسول ﷺ بأمر الله، أما من سواه فهو مبلّغ عن الرسول ﷺ ، كما قال الرسول ﷺ " بلغوا عني ولو آية". ومن النصيحة لرسول الله ﷺ : الذب عن شريعته وحمايتها، فالذب عنها بأن لا ينتقصها أحد، والذب عنها بأن لا يزيد فيها أحد ما ليس منها، فتحارب أهل البدع القولية والفعلية والعقدية؛ لأن البدع كلها باب واحد كلها حقل واحد، كلها ضلالة، كما قال الرسول ﷺ : " كل بدعة ضلالة" لا يستثنى من هذا بدعة قولية ولا فعليه ولا عقدية، كل ما خالف هدي النبي صلى الله علي وسلم وما جاء به في العقيدة أو في القول أو في العمل فهو بدعة، فمن النصيحة لرسول الله ﷺ أن تحارب أهل البدع بمثل ما يحاربون به السنة؛ إن حاربوا بالقول فبالقول، وإن حاربوا بالفعل فبالفعل، جزاء

стр. 973

وفاقأً؛ لأن هذا من النصيحة لرسول الله ﷺ . ومن النصيحة للنبي ﷺ احترام أصحابه وتعظيمهم ومحبتهم؛ لأن صحب الإنسان لا شك أنهم خاصته من الناس وأخص الناس به، ولهذا كان الصحابة- ﵃ خير القرون؛ لأنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، فمن سبّ الصحابة أو أبغضهم، أو لمزهم، أو أشار إلى شي يبهتهم فيه، فإنه لم ينصح للرسول ﷺ ، وإن زعم أنه ناصح للرسول فهو كاذب، كيف تسب أصحاب الرسول ﷺ وتبغضهم وأنت تحب الرسول ﷺ وتنصح له؟ وقد جاء عن النبي ﷺ " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" فإذا كان أصحاب الرسول ﷺ يسبهم الساب المفترى الكذاب فإنه في الحقيقة قد سبّ الرسول ﷺ ، ولم ينصح له، بل هو في الحقيقة قدح في الشريعة؛ لأن حملة الشريعة إلينا هم الصحابة ﵃، فإذا كانوا أهلاً للسبّ والقدح لم يوثق بالشريعة؛ لأن نقلتها أهل ذم وقدح، بل إن سبّ الصحابة ﵃ سبّ لله نسأل الله العافية- وقدح في حكمته أن يختار لنبيه ﷺ ولحمل دينه من هم أهلٌ للذم والقدح، إذاً من النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم محبة أصحابه واحترامهم وتعظيمهم، فهذا من الدين. الرابع: قال " ولأئمة المسلمين" الأئمة جمع إمام، والمراد بالإمام

стр. 974

من يقتدي به ويؤتمر بأمره، وينقسم إلى قسمين: إمامة في الدين، وإمامة في السلطة. فالإمامة في الدين: هي بيدي العلماء، فالعلماء هم أئمة الدين الذين يقودون الناس لكتاب الله، ويهدونهم إليه، ويدلونهم على شريعة الله، قال الله ﵎ في دعاء عباد الرحمن (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (الفرقان: ٧٤) ، هم ما سألوا الله إمامة السلطة والإمارة، بل سألوا الله إمامة الدين؛ لأن عباد الرحمن لا يريدون السلطة على الناس ولا يطلبون الإمارة، بل قد قال الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة- ﵁ " لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها" لكنهم يسألون إمامة الدين، التي قالهم الله عنها: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) فقال: (ائِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) . والنصح لآئمة المسلمين في الدين والعلم، وهو أن يحرص الإنسان على تلقي ما عندهم من العلم، فإنهم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين أمته، فيحرص على تلقى العلم منهم بكل وسيلة، وقد كثرت الوسائل في وقتنا ولله الحمد من كتابة وتسجيل وتلقّ وغير ذلك، فليحرص على تلقي العلم

стр. 975

من العلماء، وليكن تلقيه على وجه التأني لا على وجه التسرع؛ لأن الإنسان إذا تسرع في تلقي العلم فربما يتلقاه على غير ما ألقاه إليه شيخه وقد أدب الله النبي ﷺ هذا الأدب، فقال تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة: ١٦-١٩) ، لأن النبي صلى الله وعليه وسلم كان يبادر جبريل ﵇ إذا ألقى عليه القرآن فيقرأ، فقال الله تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) يعني لا تحرك اللسان- ولا سراً - حتى ينتهي جبريل من القراءة، ثم بعد ذلك اقرأه. (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: ١٨-١٩) ، تكفل الربّ ببيانه يعني أنك لن تنساه، مع أن المتوقع أن الإنسان إذا سكت حتى ينتهي الملقي من إلقائه ربما ينسى بعض الجمل، لكن قال الله : (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) . ومن النصح أيضاً لعلماء المسلمين: أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم وزلاتهم وما يخطئون فيه؛ لأنهم غير معصومين، قد يزلون وقد يخطئون، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولا سيما من يتلقى العلم فإنه لا يجب أن يكون أبلغ الناس في تحمل الأخطاء التي يخطئ بها شيخه، وينهه عليها، فكم من إنسان انتفع من تلاميذه؛ ينبهونه على بعض الشيء؛ على الخطأ العلمي، أو على الخطأ العملي، وعلى أخطاء كثيرة؛ لأن الإنسان بشر. لكن الشيء المهم أن لا يكون حريصاً على تلقي الزلات، فإنه جاء في الحديث: " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه؛ لا تؤذوا

стр. 976

المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه فضحه الله ولو في بيت أمه"، هذا وهم مسلمون عمامة فيكف بالعلماء. إن الذين يلتقطون زلات العلماء ليشيعوها ليسوا مسيئين للعلماء شخصياً وحسب، بل مسيئون للعلماء شخصياً، ومسيئون إلي علمهم الذي يحملونه، ومسيئون إلي شريعة التي تتلقى من جهتهم؛ لأن العلماء إذا لم يثق الناس فيهم، وإذ اطلعوا على عوراتهم التي قد لا تكون عورات إلا على حسب نظر هذا المغرض، فإنه تقل ثقتهم بالعلماء وبما عندهم من العلم، فيكون في هذا جناية على الشرع الذي يحملونه من سنة الرسول ﵊. لذلك من نصيحتك لأئمة المسلمين من أهل العلم أن تدافع عن عوراتهم، وأن تسترها ما استطعت، وأن لا تسكت إذا سمعت شيئاً بل نبّه العالم، وابحث معه واسأله، ربما ينقل عنه أشياء غير صحيحة، وقد نُقل عنا وعن غيرنا أشياء غير صحيحة، لكن الناس- نسأل الله العافية- إذا كان لهم هوى وأحبوا شيئاً وعرفوا أحداً من أهل العلم يقبل الناسُ قوله، نسبوه لهذا العالم، ثم إذا سألت نفس الذي نسب إليه القول، قال أبداً ما قلت كذا، وقد يخطئ السائل مثلاً في صيغة السؤال، فيجب العالم على قدر

стр. 977

السؤال ويفهمه السائل على حسب ما في نفسه هو، فيحصل الخطأ وقد يجيب العالم بالصواب بعد فهم السؤال لكن يفهمه السائل على غير وجهه فيخطئ في النقل. وعلى كل حال من النصيحة لأئمة المسلمين في العلم والدين أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم، بل يلتمس العذر لهم، اتصل وقل سمعت عنك كذا وكذا هل هذا صحيح فإذا قال: نعم، قل: أظن أن هذا خطأٌ غلط حتى يبين لك وربما يشرح شيئاً لا تعرفه وتظن أنه أخطأ فيه، وربما قد خفي عليه شيء فتنبهه أنت، وتكون مشكوراً على هذا، وقد قال أول إمام في الدين والسلطة في هذه الأمة بعد الرسول ﷺ ، وأبو بكر ﵁، حيث خطب أول خطبة، قال للناس وهو يخاطبهم يتحدث عن نفسه: إن اعوججت فأقيموني. وذلك لأن الإنسان بشر. فقوّم أخاك ولا سيما أهل العلم، لأن العالم خطره عظيم، الخطر الزللي، والخطر الرفيع، لأن كلمة الخطر تكون للعلو والنزول، فهو خطره عظيم، إن أصاب هدى الله على يده خلقاً كثيراً، وإن أخطأ ضلّ على يد خلق كثير فزلة العالم من أعظم الزلات. ولهذا أقول: يجب أن نحمي أعراض علمائنا، وأن ندافع عنهم، وأن نلتمس العذر لأخطائه من ولا يمنع هذا أن نتصل بهم، وأن نسألهم، وأن نبحث معهم، وأن نناقشهم حتى نكون مخلصين ناصحين لأئمة المسلمين. النوع الثاني من أئمة المسلمين: أئمة السلطة وهم الأمراء، والأمراء في الغالب أكثر خطأ من العلماء؛ لأنه لسطته قد تأخذه العزة بالإثم

стр. 978

فيريد أن يفرض سلطته على الصواب والخطأ، فالغالب من أئمة المسلمين في السلطة وهم الأمراء أن الخطأ فيهم أكثر من العلماء إلا ما شاء الله. والنصيحة لهم هي أن نكف عن مساوئهم، وأن لا ننشرها بين الناس، وأن نبذل لهم النصيحة ما استطعنا، بالمباشرة إذا كنا نستطيع أن نباشرهم أو بالكتابة إذا كنا لا نستطيع، أو بالاتصال بمن يتصل بهم إذا كانا لا نستطيع الكتابة؛ لأنه أحياناً لا يستطيع الإنسان الكتابة لهم، ولو كتب لم تصل إلى المسؤول، فيتصل بأحدٍ يتصل بالمسؤول وينبهه، فهذا من النصح. أما نشر مساوئهم فليس فيه عدوان شخصي عليهم فقط، بل هو عدوان شخصي عليهم وعلى الأمة جميعاً؛ لأن الأمة إذا امتلأت صدورها من الحقد على وُلاة أمورها عصت الولاة، ونابذتهم، وحينئذ تحصل الفوضى، ويسود الخوف، ويزول الأمن، فإذا بقيت هيبة ولاة الأمور في الصدور صار لهم هيبة، وحميت أوامرهم ونظمهم التي لا تخالف الشريعة. فالمهم أن أئمة المسلمين تشمل النوعين، أئمة الدين وهم العلماء، وأئمة السلطان وهم الأمراء، وإن شئت فقل أئمة البيان، وأئمة السلطان، وأئمة البيان وهم العلماء الذين يبيّنون للناس، وأئمة السطان وهم الأمراء الذين ينفذون شريعة الله بقوة السلطان، إذاً أئمة المسلمين سواء أئمة العلم والبيان، أو أئمة القوة والسلطان يجب علينا أن نناصحهم، وأن نحرص على بذل النصيحة لهم، في الدفاع عنهم وستر معايبهم، وعلى أن نكون معهم إذا أخطئوا في بيان ذلك الخطأ لهم بيننا وبينهم؛ لأنه ربما نعتقد أن

стр. 979

هذا العالم مخطئ أو أن هذا الأمير مخطئ وإذا ناقشناه تبين لنا أنه غير مخطئ، كما يقع هذا كثيراً. كذلك أيضاً ربما تنقل لنا هذه الأشياء عن العالم أو عن الأمير على غير وجهها، وإما لسوء القصد من الناقل؛ لأن بعض الناس- والعياذ بالله - يحب تشهير السوء بالعلماء وبالأمراء، فيكون سيىء القصد ينقل عليهم ما لم يقولوه، وينسب إليهم ما لم يفعلوه، فإذا سمعنا عن عالم أو عن أمير ما نرى أنه خطأً فلابد من تمام النصيحة مناقشته، وبيان الأمر وتبيُّنه حتى نكون على بصيرة. أما آخر الحديث فيقول: " وعامتهم" يعني النصح لعامة المسلمين، وقدم الأئمة على العامة؛ لأن الأئمة إذا صلحوا صلحت العامة؛ فإذا صلح الأمراء صلحت العامة، وإذا صلح العلماء صلحت العامة، لذلك بدأ بهم، وليُعلم أن أئمة المسلمين لا يّراد بهم الآئمة الذين لهم الإمامة العظمى، ولكن يُراد به ما هو أعم، فكل من له إمرة ولو في مدرسة فإنه يعتبر من أئمة المسلمين، إذا نوصح وصلح، صلح من تحت يده. والنصيحة لعامة المسلمين بأن تحب لهم ما تجبُ لنفسك، وأن ترشدهم إلى الخير، وأن تهديهم إلى الحق إذا ضلوا عنه، وأن تذكرهم به إذا نسوه، وأن تجعلهم لك بمنزلة الأخوة؛ لأن الرسول ﷺ قال: " المسلم أخو المسلم"، وقال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُ بعضه

стр. 980

بعضاً "، وقال: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى"، فأنت إذا أحسست بألم في أطرف شيء من أعضائك، فإن هذا الألم يسري على جميع البدن، كذلك ينبغي أن تكون للمسلمين هكذا، إذا اشتكى أحد من المسلمين فكأنما الأمر يرجع إليك أنت. وليُعلم أن النصيحة هي مخاطبة الإنسان سراً بينك وبينه؛ لأنك إذا نصحته سراً بينك وبينه أثرت في نفسه، وعلم أنك ناصح، لكن إذا تكلمت أمام الناس عليه؛ فإنه قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقبل النصيحة، وقد يظن أنك إنما تريد الانتقام منه وتوبيخه ووحطّ منزلته بين الناس فلا يقبل، لكن إذا كانت النصيحة بينك وبينه صار لها ميزانٌ كبير عنده وقيمة، وقبل ذلك، والله المسؤول أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. * * * ١٨٢- الثاني: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: " بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم" متفقٌ عليه.

стр. 981

١٨٣- الثالث: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبٌ لنفسه" متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم؛ هذه ثلاثة أشياء: حق محض لله، وحق للآدمي محض، وحق مشترك، أما الحق المحض لله؛ فهو قوله" أقام الصلاة". ومعني " إقام الصلاة " أن يأتي بها الإنسان مستقيمة على الوجه المطلوب، فيحافظ عليها في أوقاتها، ويقوم بأركانها وواجباتها وشروطها، ويتمم ذلك بمستحباتها. ومن هذا بالنسبة للرجال إقامة الصلاة في المساجد مع الجماعة، فإن هذا من إقامة الصلاة، ومن تخلف عن الجماعة بلا عذر فهو آثم، بل هو عند بعض العلماء - كشيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ إذا صلى بدون عذر مع غير الجماعة؛ فصلاته باطلة مردودة عليه، لا تقبل منه، ولكن الجمهور هو على أنها تصح مع الإثم، وهذا هو الصحيح، فمن ترك صلاة الجماعة بلا عذر؛ فصلاته صحيحة ولكنه آثم، وهذا هو القول الراجح

стр. 982

وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد- ﵀ وهو الذي عليه جمهور من قالوا بوجوب صلاة الجماعة. ومن إقامة الصلاة: الخشوع فيها، والخشوع هو حضور القلب وتأمله بما يقوله المصلي وما يفعله، وهو أمر مهم؛ لأن الصلاة بلا خشوع كالجسد بلا روح، فأنت إذا صليت وقلبك يدور في كل وادٍ فإنك تصلي حركات بدنيه فقط، فإذا كان قلبك حاضراً تشعر كأنك بين يدي الله ، تناجيه بكلامه، وتتقرب إليه بذكره ودعائه، فهذا هو لبُّ الصلاة روحها. وأما قوله: " إيتاء الزكاة" يعني: إعطاءها لمستحقها، وهذه جامعة بين حق الله وحق العباد، أما كونها حقاً لله فلأن الله فرض على عباده الزكاة وجعلها من أركان الإسلام، وأما كونها حقاً للآدمي فلما فيها من قضاء حوائج المحتاجين، وغير ذلك من المصالح المعلومة في معرفة أهل الزكاة. وأما قوله: " النصح لكل مسلم" فهذا هو الشاهد من الحديث للباب، أي: أن ينصح لكل مسلم: قريب أو بعيد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى. وكيفية النصح لكل مسلم هي ما ذكره في حديث أنس- ﵁: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" هذه هي النصيحة أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك، بحث يسرك ما يسرهم، ويسوءك ما يسوؤهم، وتعاملهم بما تحب أن يعاملوك به، وهذا الباب واسع كبير جداً. فنفى النبي ﵊ الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه في كل شيء، ونفي الإيمان قال العلماء: المراد به نفي الإيمان

стр. 983

الكامل، يعني لا يكمل إيمانك حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وليس المراد انتفاء الإيمان بالكلية. ويذكر أن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ حين بايع النبي ﵊ على النصح لكل مسلم، أنه اشترى فرساً من شخص بدراهم، فلما اشتراه وذهب به وجد أنه يساوي أكثر، فرجع إلى البائع وقال له: إن فرسك يساوي أكثر، فأعطاه ما يرى أنها قيمته، فانصرف وجرّب الفرس فإذا به يجده يساوي أكثر مما أعطاه أخيراً، فرجع إليه وقال له: إن فرسك يساوي أكثر فأعطاه ما يرى أنها قيمته، وكذلك مرة ثالثة حتى بلغ من مائتي درهم إلى ثمان مائة درهم؛ لأنه بايع الرسول صلى الله عليه وسمل على النصح لكل مسلم، وإذا بايع النبي ﷺ أحد على شيء لا يختص به فهو عام لجميع الناس، كل الناس مبايعون الرسول ﵊ على النصح لكل مسلم؛ بل على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، والمبايعة هنا بمعنى المعاهدة؛ لأن المبايعة تطلق على البيع والشراء، وتطلق على المعاهدة تطلق على البيع والشراء، وتطلق على المعاهدة، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) (الفتح: ١٠) ، وسميت مبايعة؛ أن كلاًّ من المتبايعين يمدُ باعه إلى الآخر، يعني يده من أجل أن يمسك بيد الآخر، ويقول: بايعتك على كذا وكذا، والله الموفق.

стр. 984

٢٣- باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤) ، وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: ١١٠) ، وقال تعالي:) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر) (التوبة: ٧١) ، وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨-٧٩) . [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى-: " باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات القولية والفعلية، الظاهرة، والباطنة، والمنكر: كل ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي؛ من الكفر، والفسوق، والعصيان، والكذب، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب وفرض كفاية، إذا قام به من يكفي حصل المقصود، وإذا لم يقم به من يكفي؛ وجب على جميع المسلمين، كما قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ

стр. 985

بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فبدأ بالدعوة إلى الخير، ثم ثّنى بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذلك لأن الدعوة إلى الخير قبل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير هي بيان الخير للناس، بأن يدعوهم إلى الصلاة وإلى الزكاة، وإلى الحج، وإلى الصيام، وإلى بر الوالدين، وإلى صلة الأرحام، وما أشبه ذلك، ثم بعد هذا يأتي دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيأمر ويقول: صّل، إما على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، بأن يمسك برجل متهاون بالصلاة فيقول له: صلِّ. وهناك مرحلة ثالثة وهي التغيير الذي قال فيه الرسول ﵊: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده" ولم يقل فلينه عنه؛ لأن هذه مرحلة فوق النهي، " فإن لم يستطع فبلسانه" وإن لم يستطع فبقلبه" اللسان هو مرحلة النهي عن المنكر الثانية، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتكلم فإنه ينكر بقلبه، بكراهته وبغضه لهذا المنكر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى أمور: الأمر الأول: أن يكون الإنسان عالماً بالمعروف والمنكر، فإن لم يكن عالماً بالمعروف فإنه لا يجوز أن يأمر به، لأنه يأمر بماذا؟ قد يأمر بأمر يظنه معروفاً وهو منكر ولا يدري، فلابد أن يكون عالماً أن هذا من المعروف
следующие страницы →