- ومجمل هذا الجزء يتنافى مع حكمة معاوية ﵁ ودهائه وحلمه الذي اشتهر به، وإلا فكيف يضع ابنه وخليفته في مفترق طرق، وبسياسة متناقضة، بحيث يأمره بالرفق بالحسين ﵁، والانتقام من ابن الزبير ﵁ وكلاهما من الصحابة ولهما قرابة بالرسول ﷺ .
- أما القسم الثاني: والذي فيه وصية معاوية ﵁ لابنه في كيفية تدبير ملكه بدون ذكر الرهط، حيث فَصَلَ فيه التعامل مع الأمصار كل مصر له طريقة، وهي نصيحة عامة:
فقد روى ابن سعد بسنده: (يا يزيد: اتّق اللّه، فقد وطّيت لك هذا الأمر، وولّيت من ذلك ما ولّيت، فإن يك خيرًا فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به، فارفق بالنّاس، وأغض عمّا بلغك من قولٍ تُؤذَى به وتنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك وتصلح لك رعيّتك. وإيّاك والمناقشة وحمل الغضب؛ فإنّك تهلك نفسك ورعيّتك، وإيّاك وجبّة أهل الشّرف واستهانتهم والتّكبّر عليهم، لِنْ لهم لينًا لا يرون منك ضعفًا ولا خورًا، وأوطئهم فرشك وقرّبهم فإنّه يعلم لك حقّك، ولا تهنهم وتستخفّ بحقّهم فيهينونك ويستخفّون بحقّك ويقولون فيك. فإذا أردت أمرًا فادع أهل السِّنّ والتّجربة من أهل صنائعي والانقطاع إليّ، فشاورهم ثمّ لا تخالفهم، وإيّاك والاستبداد برأيك، فإنّ الرّأي ليس في صدرٍ واحدٍ. اصدق من أشار عليك حتّى يجيبك على ما يعرف، ثمّ أطعه فيما أشار به، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك. وشمّر إزارك، وتعاهد جندك، وأصلح نفسك يصلح لك النّاس، لا تدع لهم فيك مقالًا، فإنّ النّاس سراعٌ إلى الشّرّ، واحضر الصّلاة، فإنّك إذا فعلت ما أوصيك به عُرِفَ لك حقّك، وعظمت مع مملكتك. وشَرِّف أهل المدينة ومكّة، فإنّهم أصلك وعشيرتك ونسبك، وشَرِّف أهل الشّام، فإنّهم أنصارك وحماتك وجندك الّذين تصول بهم أهل طاعةٍ.
стр. 107
واكتب إلى أهل الأمصار بكتابٍ تَعِدُهُم منك المعروف، فإنّ ذلك يبسط آمالهم، ووفّد عليك من الكور كلّها فأحسن إليهم وأكرمهم فإنّهم لمن ورائهم، ولا تسمعنّ قول قارفٍ ولا ماحلٍ، فإنّي رأيتهم وزراء سوءٍ) (١).
وأورد البلاذري أيضًا وصية لمعاوية ﵁: (يا بني، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم مَنْ قدم عليك منهم، وتعهد مَنْ غاب عنك من وجوههم، وانظر أهل العراق وإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملًا فافعل، فإنَّ عزل عامل أهون عليك من أن تُشْهِرَ عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فإنهم بطانتك وعيبتك فإذا رَابَكَ من عدو شيء فانتصر بهم ثم ردهم إلى بلادهم فإن هم أقاموا في غيرها فسدت أخلاقهم) (٢).
стр. 108
الفصل الثاني
«خلافة يزيد ومواقف من خالفه»
أولًا: بيعة يزيد وموقف الحسين وعبد الله بن الزبير منها.
ثانيًا: دعوة أهل الكوفة للحسين وإرسال مسلم بن عقيل.
ثالثًا: دخول عبيد الله بن زياد الكوفة ومقتل مسلم بن عقيل.
رابعًا: عزم الحسين على الخروج للكوفة وموقف الصحابة منه.
خامسًا: أحداث الطريق إلى الكوفة.
سادسًا: معركة كربلاء ومقتل الحسين.
стр. 109
أولًا: بيعة يزيد بن معاوية وموقف الحسين ﵁ وعبد الله بن الزبير ﵁ منها
[٣٢]- (ثم قدم عليه يزيد، فأعاد عليه هذه الوصية، ثم قضى، فأقبل الضحاك بن قيس حتى أتى المسجد الأعظم، فصعد المنبر، ومعه أكفان معاوية، فقال: أيها الناس، إن معاوية بن أبي سفيان كان عبدًا من عباد الله، ملكه على عباده، فعاش بقَدَرٍ ومات بأجل، وهذه أكفانه كما ترون، نحن مُدْرِجُوه فيها ومُدْخِلُوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أحب منكم أن يشهد جنازته فليحضر بعد صلاه الظهر. ثم نزل.
وتفرق الناس حتى إذا صلوا الظهر اجتمعوا وأصلحوا جهازه، وحملوه حتى واروه.
وانصرف يزيد فدخل الجامع، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه، ثم انصرف إلى منزله) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢) مطولًا، وخليفة بن خياط (٣) مختصرًا، والبلاذري (٤)، والطبري (٥) مطولًا.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية خبر وفاة معاوية وأنه سنة ستين، وأن يزيد حضر قبل الوفاة.
стр. 110
والمشهور أنه لم يحضر ذلك، وأن الذي صلى عليه هو الضحاك بن قيس ﵁ (١).
ذكر ذلك ابن كثير وقال: (وعليه الجمهور) (٢)، ومما يدل على ذلك هذه الخطبة التى ألقاها الضحاك، فلو كان يزيد حاضرًا لتولى الصلاة والخطبة؛ لأنه الخليفة بعد أبيه.
[٣٣]- (ومات معاوية وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية (٣)، وعلى الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد) (٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٥)، والطبري (٦)، إلا في ذكر والي مكة، فقد ذكروا أنه عمرو بن سعيد بن العاص.
• نقد النص:
وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر ولاية يحيى بن حكيم على مكة من قبل معاوية ﵁، والصحيح أن ولايته في عهد يزيد بن معاوية (٧).
стр. 111
* تنفيذ وصية معاوية ﵁ المزعومة وخروج الحسين ﵁ وابن الزبير ﵁ إلى مكة:
[٣٤]- (فلم تكن ليزيد همة إلا بيعة هؤلاء الأربعة نفر، فكتب إلى الوليد بن عتبة (١) يأمره أن يأخذهم بالبيعة أخذًا شديدًا لا رخصةَ فيه، فلما ورد ذلك على الوليد قطع به وخاف الفتنة، فبعث إلى مروان، وكان الذي بينهما متباعدًا، فأتاه، فأقرأه الوليد الكتاب واستشاره.
فقال له مروان: أما عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فلا تخافن ناحيتهما، فليسا بطالبين شيئًا من هذا الأمر، ولكن عليك بالحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فابعث إليهما الساعة، فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما قبل أن يعلن الخبر، فيثب كل واحد منهما ناحية، ويظهر الخلاف.
فقال الوليد لعبد الله بن عمرو بن عثمان (٢)، وكان حاضرًا وهو حينئذ غلام حين راهق: انطلق يا بُنَيَّ إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فادْعُهُما.
فانطلق الغلام حتى أتى المسجد، فإذا هو بهما جالسين، فقال: أجيبا الأمير.
فقالا للغلام: انطلق، فإنا صائران إليه على إثرك. فانطلق الغلام.
стр. 112
فقال ابن الزبير للحسين ﵁: فيمَ تراه بَعَثَ إلينا في هذه الساعة؟.
فقال الحسين: أحسب معاوية قد مات، فبعث إلينا للبيعة. قال ابن الزبير: ما أظن غيره. وانصرفا إلى منازلهما.
فأما الحسين فجمع نفرًا من مواليه وغلمانه، ثم مشى نحو دار الإمارة، وأمر فتيانه أن يجلسوا بالباب، فإن سمعوا صوته اقتحموا الدار.
ودخل الحسين على الوليد، وعنده مروان، فجلس إلى جانب الوليد، فأقرأه الوليد الكتاب، فقال الحسين: إن مثلي لا يُعطَى بيعته سرًّا، وأنا طوع يديك، فإذا جمعت الناس لذلك حضرت، وكنت واحدًا منهم.
وكان الوليد رجلًا يحب العافية، فقال للحسين: فانصرف إذن حتى تأتينا مع الناس، فانصرف.
فقال مروان للوليد: عصيتني، ووالله لا يمكنك من مثله أبدًا.
قال الوليد: ويحك، أتشير عليَّ بقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعليهما السلام؟ والله إن الذي يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله.
وتحرز (١) ابن الزبير في منزله، وراوغ الوليد حتى إذا جن عليه الليل سار نحو مكة، وتنكب الطريق الأعظم فأخذ على طريق الفرع.
ولما أصبح الوليد بلغه خبره، فوجه في إثره حبيب بن كدين (٢) في ثلاثين فارسًا، فلم يقعوا له على أثره، وشغلوا يومهم ذلك كله بطلب ابن الزبير.
стр. 113
فلما أمسوا، وأظلم الليل مضى الحسين ﵁ أيضًا نحو مكة، ومعه أختاه: أم كلثوم، وزينب وولد أخيه، وإخوته أبو بكر، وجعفر، والعباس، وعامة من كان بالمدينة من أهل بيته إلا أخاه محمد ابن الحنفية، فإنه أقام) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢) مطولًا، وخليفة بن خياط (٣) مختصرًا، والبلاذري (٤)، والطبري (٥) مطولًا.
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية متناسقة ومكملة للرواية رقم [٣١] والتي فيها وصية معاوية ﵁ لابنه يزيد أن يحذر من الحسين بن علي ﵁ وعبد الله بن الزبير ﵁، وقد بينا أنها لم تأتِ بطرق صحيحة، فلو صحت لكان هذا زمن تنفيذها.
أما هذه الرواية فسوف أذكر الطرق التي جاءت بها مسندة:
- أوردها ابن سعد بثلاثة طرق، قال المحقق: كلها ضعيفة (٦).
- وأما خليفة بن خياط (٧)، والبلاذري (٨) فقد وردت عندهم من طريق رزيق مولى معاوية ﵁ (٩)، وفيها أن يزيد بعثه إلى الوليد بن عتبة أمير
المدينة يأمره بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط، وفي سندها محمد بن الزبير
стр. 114
الحنظلي (١) وهو ضعيف.
- وجاءت عند البلاذري (٢) وعند الطبري (٣) من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف، وفيها أن يزيد بعث إلى الوليد بن عتبة يخبره بوفاة معاوية ﵁، ويأمره بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط.
- وذكر البلاذري (٤)، رواية أخرى في سندها ابن جعدبة (٥)، وهو متهم بالكذب، وفيها أن يزيد أمر الوليد بأخذ البيعة من الحسين ﵁، وعبد الله بن الزبير ﵁.
تبين مما سبق أن هذه الرواية لم تأتِ بطرق صحيحة، وقد نصت على أن يزيد هو الذي أمر بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط.
- وهناك رواية أخرى ذكرها خليفة بن خياط (٦)، من طريق جويرية بن أسماء (٧)، عن أشياخه من أهل المدينة، وقوله عن أشياخه يفيد أن فيها مجاهيل، وهي تذكر أن من أمر بأخذ البيعة من عبد الله بن الزبير ﵁ والحسين ﵁، هو الوليد بن عتبة، والذي أشار عليه هو مروان بن الحكم.
- وكل ما سبق من الروايات لم يثبت بطرق صحيحة، وأما متنها ففيه من المآخذ التي لا يمكن قبولها عن الحسين ﵁ وعن عبدالله بن الزبير ﵁، أما
стр. 115
الحسين ﵁ فمن ذلك وَعْدُه للوليد حينما قال: إن مثلي لا يبايع سرًّا، فإذا اجتمع الناس بايعت، وهذا وعد منه بالبيعة ليزيد علانية، وأنه لم يرفض البيعة إلا أن كونها سرًّا، ثم يخرج إلى مكة ولا يبايع، فيعتبر أنه أخلف الوعد، فنبرأ إلى الله أن يوصف ابن بنت رسول الله ﷺ بهذه الصفة والمانع من ذلك عدالته.
- وأما عبد الله بن الزبير ﵁، فتذكر الروايات أنه راوغ الوليد بن عتبة، ووعده أنه سوف يحضر إليه، ثم خرج إلى مكة، وبعضها تذكر أنه هو مَنْ قال: لا أبايع سرًّا فإذا اجتمع الناس وبايعوا بايعت، وكل ذلك من الوعود التي قطعها عبد الله بن الزبير ﵁ على نفسه ثم لم يتمها، وهذا لا يمكن قبوله على عبد الله بن الزبير ﵁ والمانع من ذلك عدالته.
وفيها اتهام لمروان بن الحكم أنه أشار على الوليد أن يدعو الحسين ﵁ وعبد الله بن الزبير ﵁ للبيعة فإن رفضا فاقتلهما، وهذا يخالف ما ورد عن مروان بن الحكم أنه أرسل إلى عبيد الله بن زياد حينما خرج الحسين ﵁ إلى العراق فقال: (أما بعد: فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة وفاطمة بنت رسول الله ﷺ . وبالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين. فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء ولا تنساه العامة ولا تدع ذكره. والسلام) (١).
- وخلاصة القول أن جميع ما ذكرته الرواية رقم (٣١) التي جاءت بوصية معاوية ﵁ لابنه يزيد حدث بالتفصيل فيما جاء به هذه الرواية التي تحدثت عن ما بعد وفاة معاوية ﵁، وكأنها حكت الواقع الذي وصفته الوصية، ومن ذلك عدم معارضة عبد الله بن عمر ﵁، ومراوغة عبد الله بن الزبير ﵁، وما سوف يأتي من خبر دعوة أهل العراق للحسين ﵁، وخروجه
стр. 116
إليهم ومقتله، وبهذا يتضح أن هذه الروايات صِيغَتْ بعد الأحداث، وأنها من نسج الوضاعين من أهل التاريخ.
ولعل الأمر لا يعدو أن الحسين ﵁ وعبد الله بن الزبير ﵁ عندما سمعا بموت يزيد خافا من البيعة له، وهما لا يريدان ذلك، ولهذا خرجا إلى مكة.
ومما يدل على ذلك ما ذكره ابن سعد: (فبعث الوليد بن عتبة من ساعته - نصف الليل- إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد. فقالا: نصبح وننظر ما يصنع الناس ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث
له حزم ولا مروءة) (١)، وما رواه الطبري بسنده أن الحسين ﵁ قال للوليد
ابن عتبة عندما طلب منه البيعة ليزيد: (أخِّرني وارفق، فأخَّره، فخرج إلى مكة) (٢).
[٣٥]- (وأما عبد الله بن عباس فقد كان خرج قبل ذلك بأيام إلى مكة) (٣).
انفرد بذكر هذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
ولعله أراد بذلك أن ابن عباس ﵁ لم يبايع يزيد.
وقد ذكر البلاذري بسنده عن عامر بن مسعود الجمحي (٤) أنه قال: إنا
стр. 117
لبمكة؛ إذ مَرَّ بنا بريدٌ يَنْعَى معاوية، فنهضنا إلى ابن عباس وهو بمكة وعنده جماعة وقد وضعت المائدة ولم يؤتَ بالطعام فقلنا له: يا أبا العباس، جاء البريد بموت معاوية فوجم (١) طويلًا ثم قال: اللّهم أوسع لمعاوية، أما واللّه ما كان مثل من قبله ولا يأتي بعده مثله وإن ابنه يزيد لمن صالحي أهله، فالزموا مجالسكم وأعطوا طاعتكم وبيعتكم، هات طعامك يا غلام، قال: فبينا نحن كذلك إذ جاء رسول خالد بن العاص (٢) وهو على مكّة يدعوه للبيعة فقال: قل له اقضِ حاجتك فيما بينك وبين من حضرك فإذا أمسينا جئتك، فرجع الرسول فقال: لا بدّ من حضورك فمضى فبايع) (٣).
وهنا نجد أن ابن عباس ﵁ أثنى على يزيد وبايع له، ولم أقف على رواية تذكر عدم بيعة ابن عباس ﵁ ليزيد أو أنه عارضه.
قال ابن كثير: (فلمّا مات معاوية سنة ستّين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عبّاسٍ، وصمّم على المخالفةِ الحسينُ وابنُ الزّبير، وخرجا من المدينة فارّين إلى مكّة فأقاما بها) (٤).
[٣٦]- (وجعل الحسين ﵁ يطوي المنازل، فاستقبله عبد الله بن مطيع (٥)، وهو منصرف من مكة يريد المدينة، فقال له: أين تريد؟.
стр. 118
قال الحسين: أما الآن فمكة.
قال خار (١) الله لك، غير أني أحب أن أشير عليك برأي.
قال الحسين وما هو؟.
قال: إذا أتيت مكة فأردت الخروج منها إلى بلد من البلدان، فإياك والكوفة، فإنها بلدة مشئومة، بها قُتِلَ أبوك، وبها خُذِلَ أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، بل الزم الحرم، فإن أهل الحجاز لا يعدلون بك أحدًا، ثم ادع إليك شيعتك من كل أرض، فسيأتونك جميعًا.
قال له الحسين: يقضي الله ما أحب) (٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٣) والبلاذري (٤)، والطبري (٥).
• نقد النص:
في هذا الخبر لقاء عبد الله بن مطيع للحسين ﵁ وقد ذكر صاحب الكتاب ومثله الطبري من طريق أبي مخنف أن الحسين التقى بعبد الله بن مطيع مرتين، الأولى (٦) وهو في طريقه إلى مكة والأخرى (٧) عند خروجه من مكة، وهذا لا يمكن؛ لأن الطريق مختلف.
ولعل الأقرب والله أعلم أنه التقى به بعد مراسلة أهل الكوفة له وعزمه
стр. 119
على المسير؛ لأنه حذره من أهل الكوفة وهو:
- إما في مكة (١).
- أو في طريقه إلى الكوفة وهو ما ذكرته إحدى الروايات السابقة؛ لأنه حذره من أهل الكوفة.
[٣٧]- (ثم أطلق عنانه، ومضى حتى وافى مكة، فنزل شِعْبَ علي (٢)، واختلف الناس إليه، فكانوا يجتمعون عنده حِلقًا حِلقًا، وتركوا عبد الله بن الزبير، وكانوا قبل ذلك يتحفلون (٣) إليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم أن الناس لا يحفلون به (٤) والحسين مقيم بالبلد، فكان يختلف إلى الحسين ﵁ صباحًا ومساءً) (٥).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٦)، والبلاذري (٧)، والطبري (٨). وكلها أشارت إلى موقف عبد الله بن الزبير ﵁ من الحسين ﵁ حينما قدم إلى مكة.
• نقد النص:
في هذه الرواية تلميح إلى أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان متضايق من وجود الحسين ﵁ في مكة، وكلها جاءت من طرق غير صحيحة، وسيأتي بيان
стр. 120
حقيقة موقف عبد الله بن الزبير ﵁ من الحسين ﵁ في الحديث عن موقف الصحابة من خروج الحسين ﵁.
[٣٨]- (ثم إن يزيد عزل يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية) (١).
ذكر خليفة بن خياط (٢) والطبري (٣) في سنة ستين أن يزيد عزل الوليد بن عتبة عن مكة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص وحج بالناس في هذه السنة، وذكر البلاذري (٤) أن يزيد ولى عمرو بن سعيد المدينة وولى يحيى بن الحكم مكة، وفي رواية أن عمرو بن سعيد ولى يحيى بن حكيم مكة وصار إلى المدينة.
• نقد النص:
ما ذكره البلاذري في تولية يزيد يحيى بن حكيم على مكة يدل على أنه تولى في خلافته، وليس كما ذكر صاحب الكتاب سابقًا في الرواية رقم [٣٣] من أن معاوية ﵁ توفي وهو على مكة.
والجمع بين الروايات السابقة أن يحيى بن حكيم لم يتولَّ إلا في عهد يزيد، وأنه نائب على مكة من قبل عمرو بن سعيد، كما جاء عند البلاذري ولم يذكر متى عزله.
* * *
стр. 121
ثانيًا: دعوة أهل الكوفة للحسين ﵁ وإرسال مسلم بن عقيل
* كُتُبِ استدعاء الحسين ﵁ من قبل أهل الكوفة:
[٣٩]- (قالوا: ولما بلغ أهل الكوفة وفاة معاوية وخروج الحسين بن علي إلى مكة اجتمع جماعة من الشيعة في منزل سليمان بن صرد، واتفقوا على أن يكتبوا إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم، ليسلموا الأمر إليه، ويطردوا النعمان بن بشير، فكتبوا إليه بذلك، ثم وجهوا بالكتاب مع عبيد الله بن سبيع الهمدانى (١) وعبد الله بن وداك السلمى (٢)، فوافوا الحسين ﵁ بمكة لعشر خلون من شهر رمضان، فأوصلوا الكتاب إليه (٣).
ثم لم يمس الحسين يومه ذلك حتى وَرَدَ عليه بشر بن مسهر الصيداوى (٤)، وعبد الرحمن بن عبيد الأرحبى (٥)، ومعهما خمسون كتابًا من
стр. 122
أشراف أهل الكوفة ورؤسائها كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة والأربعة بمثل ذلك.
فلما أصبح وافاه هانئ بن هانئ السبيعي (١) وسعيد بن عبد الله الخثعمى (٢)، ومعهما أيضًا نحو من خمسين كتابًا.
فلما أمسى أيضًا ذلك اليوم وَرَدَ عليه سعيد بن عبد الله الثقفي (٣) ومعه كتاب واحد من شبث بن ربعي (٤)، وحجار بن أبجر (٥)، ويزيد بن الحارث (٦)، وعروة بن قيس (٧)، وعمرو بن الحجاج (٨)، ومحمد بن عمير بن عطارد (٩)
стр. 123
وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة، فتتابعت عليه في أيام رُسُلُ أَهْلِ الكوفة ومن الكتب ما ملأ منه خرجين.
فكتب الحسين إليهم جميعا كتابًا واحدًا، ودفعه إلى هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى من بلغه كتابي هذا، من أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد، فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم، وإني باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهلى مسلم بن عقيل (١) ليعلم لي كِنْهُ (٢) أمركم، ويكتب إليَّ بما يتبين له من اجتماعكم، فإنْ كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم أسرعتُ القدوم عليكم إن شاء الله، والسلام) (٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٤)، والطبري (٥).
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية كُتُبَ أهل الكوفة للحسين ﵁ يدعونه إلى المسير إليهم؛ ليبايعوه ويطردوا أميرهم النعمان بن بشير ﵁، ومما ورد من كتب أهل الكوفة إلى الحسين ﵁ (أما بعد، فالحمد لله الّذي قصم عدوك الجبار العنيد
стр. 124
الّذي انتزى على هذه الأمة، فابتزّها أمرها وغصبها فيْأَها، وتأمر عليها بغير رضا منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال اللّه دُولَةً بين أغنيائها، فبعدًا له كما بعدت ثمود، وليس علينا إمام فأقدم علينا لعل اللّه يجمعنا بك على الحق، واعلم أن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجمع معه جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه فألحقناه بالشام والسلام) (١).
ومنها أيضا ((بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من شيعةٍ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيهلا، فإن الناس، ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام) (٢).
فبذلك نجد أن هذه الكتب أعطت للحسين ﵁ تصورًا يستحق المسير، فأمير الكوفة لا يجتمع إليه الناس ولا يُصلُّون خلفه، وأهلها مستعدون لطرده بشرط موافقة الحسين ﵁ ومسيره إليهم، وهذا ما جعل الحسين ﵁ يعزم على الخروج إليهم.
وهذه المبالغة من أهل الكوفة جعلت سليمان بن صُرَد ﵁ يشك في أمرهم؛ ولذلك اشترط عليهم النصرة للحسين ﵁ قبل مكاتبته من قبلهم ومن قوله لهم: (إن معاوية قد هلك، وإن حسينًا قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه، قال: فاكتبوا إليه) (٣).
стр. 125
ثم جاء هذا الخبر بجملة أسماء الذين كتبوا إلى الحسين بن علي ﵁، وعند البحث عن هذه الأسماء في روايات مسندة لم نجدها ترد إلا عند الطبري من طريق أبي مخنف وهو غير موثوق، وسوف أبحث في حقيقة من هم الرجال الذين كتبوا ثم شاركوا في قتل الحسين ﵁ من أشراف الكوفة، حتى لا نتهم أحدًا من غير جرم.
أما سليمان بن صرد ﵁ فقد ورد اسمه في مكاتبة الحسين ﵁ ولم يرد في قتاله، وخرج في حركة التوابين (١)؛ لأنه ندم ومن معه من الصادقين على خذله، وأما شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث، فقد كتبوا إلى الحسين ﵁ وشاركوا في قتاله.
فقد روي عن الحسين ﵁ أنه عاتبهم بقوله: (يا شبث بن ربعي،
ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث (٢)، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجند، فأقبل! قالوا له: لم نفعل، فقال: سبحان الله!! بلى والله، لقد فعلتم) (٣).
عمرو بن الحجاج قد كتب إلى الحسين ﵁ وشارك في قتاله، حيث كان
стр. 126
على ميمنة عمر بن سعد قائد المعركة ضد الحسين ﵁ (١).
محمد بن عمير بن عطارد ذكر في مكاتبة الحسين ﵁ ولم يذكر في قتاله (٢)، ولم يخرج مع التوابين.
ولذلك أشك في مكاتبته للحسين ﵁؛ لأني لم أقف على من أورد ذكره غير أبي مخنف.
* إرسال الحسين ﵁ ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة:
[٤٠]- (وقد كان مسلم بن عقيل خرج معه من المدينة إلى مكة، فقال له الحسين: يا ابن عم، قد رأيت أن تسير إلى الكوفة، فتنظر ما اجتمع عليه رأي أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كتبهم، فعَجِّلْ عليَّ بكتابك؛ لأُسرع القدوم عليك، وإن تكن الأخرى، فعجل الانصراف.
فخرج مسلم على طريق المدينة ليلم بأهله، ثم استأجر دليلين من قيس (٣)، وسار، فضَلَّا ذات ليلة، فأصبحا، وقد تاها، واشتد عليهما العطش والحر، فانقطعا، فلم يستطيعا المشي، فقالا لمسلم: عليك بهذا السمت (٤)، فالزمه لعلك أن تنجو، فتركهما مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة (٥) الأنفس حتى أفضوا إلى طريق فلزموه، حتى وردوا الماء، فأقام مسلم بذلك الماء.
وكتب إلى الحسين مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء، يخبره خبره، وخبر الدليلين، وما ناله من الجهد، ويعلمه أنه قد تطير من الوجه الذي توجه
стр. 127
له، ويسأله أن يعفيه ويوجه غيره، ويخبره أنه مقيم بمنزله ذلك من بطن الحربث (١).
فسار الرسول حتى وافى مكة، وأوصل الكتاب إلى الحسين، فقرأه وكتب في جوابه: أما بعد، فقد ظننت أن الجبن قد قصر بك عما وجهتك به، فامضِ لما أمرتك فإني غير معفيك، والسلام) (٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٣) مختصرًا، والطبري (٤) بمثلها.
* وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة:
[٤١]- (فسار مسلم حتى وافى الكوفة، ونزل في الدار التي تعرف بدار المختار بن أبي عبيد (٥)، ثم عرفت اليوم بدار المسيب.
فكانت الشيعة تختلف إليه، فيقرأ عليهم كتاب الحسين) (٦).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد، وجاء فيها أن الحسين ﵁ أمره أن ينزل عند هانئ بن عروة.
وفيها: (وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين بن علي: إني قدمت الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت إليك ثمانية عشر ألفًا، فعَجِّلِ القدوم فإنه ليس دونها مانع، فلما أتاه كتاب مسلم أغذ السير حتى انتهى إلى زبالة،
стр. 128
فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف) (١).
والطبري بمثلها وزاد: (وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فأخذوا يبكون، فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري (٢)، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، واللّه لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عليه، واللّه لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتّى ألقى اللّه، لا أريد بذلك إلا ما عند الله.
فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي (٣)، فقال: رحمك اللّه! قد قضيت ما في نفسك، بواجز مِنْ قولك، ثمّ قال: وأنا واللّه الّذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه.
ثمّ قال الحنفي مثل ذلك فقال الحجاج بن علي (٤): فقلت لمحمّد بن بشير (٥): فهل كان منك أنت قول؟ فقال: إن كنت لأحب أن يعز اللّه أصحابي بالظفر، وما كنت لأحب أن أقتل، وكرهت أن أكذب) (٦).
стр. 129
نلاحظ هنا حجم الحماس الذي كان يكنه الشيعة لمناصرة الحسين ﵁، والذي سرعان ما ذهب مع أدراج الرياح، ويبدو أن لسان حالهم كحال محمد بن بشير، فهم يريدون الحكم للحسين ﵁ ولم يوطنوا أنفسهم على الموت أصلًا في سبيل نصرته، وما أرادوا إلا الفتنة والإرجاف.
* موقف النعمان بن بشير ﵁ من مسلم بن عقيل وسبب عزله:
[٤٢]- (ففشا أمره بالكوفة حتى بلغ ذلك النعمان بن بشير أميرها، فقال: لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا أثب إلا على من وثب عليّ، ولا آخذ بالقرفة (١) والظنة، فمَنْ أبدى صفْحَتَه ونكث بيعته ضربتُه بسيفي ما ثبت قائِمُه في يدي، ولو لم أكن إلا وحدي. وكان يحب العافية ويغتنم السلامة.
فكتب مسلم بن سعيد الحضرمى (٢) وعمارة بن عقبة (٣)، وكانا عيني يزيد بن معاوية إلى يزيد يعلمانه قدوم مسلم بن عقيل الكوفة داعيًا للحسين بن علي، وأنه قد أفسد قلوب أهلها عليه، فإن يكن لك في سلطانك حاجة فبادر إليه من يقوم بأمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان رجل ضعيف أو متضاعف، والسلام.
فلما ورد الكتاب على يزيد أمر بعهد، فكتب لعبيد الله بن زياد على الكوفة، وأمره أن يبادر إلى الكوفة، فيطلب مسلم بن عقيل طلب الحرزة (٤)
стр. 130
حتى يظفر به، فيقتله، أو ينفيه عنهما (١)، ودفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي (٢) أبي قتيبة بن مسلم، وأمره بإغذاذ (٣) السير، فسار مسلم حتى وافى البصرة، وأوصل الكتاب إلى عبيد الله بن زياد) (٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٥) مختصرًا، والطبري (٦) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذِكْرٌ لموقف النعمان بن بشير ﵁ حينما سمع بوجود مسلم وباختلاف الشيعة إليه، ولم يتأكد من ذلك، فلم يسمح لنفسه الخوض في دماء المسلمين دون بينة تذكر، ولذلك رد على عبد الله بن مسلم حينما اتهمه بالضعف بقوله: (أن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه أحب إليّ من أن أكون من الأعزين في معصية اللّه) (٧).
وكان سبب عزله كما سبق.
وقد ذكر ابن سعد (٨) سببًا شذ فيه، وهو أن يزيد خاف أن النعمان بن
стр. 131
بشير ﵁ لا يقدم على الحسين ﵁.
وقد كان لموقف النعمان بن بشير ﵁ ردة فعل من بعض الموالين ليزيد، فقد كتبوا إليه يخبرونه عن الخطر الذي قد أحدق بالكوفة، وهذا ما جعل يزيد بن معاوية يعزله ويولي بدلًا منه عبيد الله بن زياد وجمع له بين البصرة والكوفة (١).
وجملة هذه الرواية لم ترد بسند يمكن القطع بصحته؛ ولذلك يستأنس بما ورد من خبر النعمان بن بشير ﵁، وأما أمر يزيد فيُفْهَمُ منه أن سبب قتل مسلم هو ذلك الأمر، ولم يكن كذلك إذ إنَّ الأحداث التي حتمت المواجهة بين مسلم بن عقيل وبين أعوان عبيد الله كانت السبب المباشر لقتله، والتي تمثلت في أن شيعة الكوفة قد بايعوا مسلمًا وخرجوا معه لقتال جند عبيد الله، ثم خذلوه وأسلموه لعدوه فقتله، وسوف يأتي خبره مفصلًا.
* كتاب الحسين ﵁ لأهل البصرة:
[٤٣]- (وقد كان الحسين بن علي ﵁ كتب كتابًا إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له يسمى سلمان (٢) نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع (٣)،
стр. 132
والأحنف بن قيس (١)، والمنذر بن الجارود (٢)، ومسعود بن عمرو (٣)، وقيس ابن الهيثم (٤)، سلام عليكم، أما بعد، فإنى أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع، فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، والسلام.
فلما أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعًا إلا المنذر بن الجارود، فإنه أفشاه، لتزويجه ابنته هند من عبيد الله بن زياد، فأقبل حتى دخل عليه، فأخبره بالكتاب، وحكى له ما فيه، فأمر عبيد الله بن زياد بطلب الرسول، فطلبوه، فأتوه به، فضربت عنقه) (٥).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٦)، والطبري (٧) مطولًا، وجاء عندهم أن سبب إفشاء المنذر بن الجارود لكتاب الحسين ﵁ هو أن المنذر خاف أن يكون دسيسة من قبل عبيد الله بن زياد.
стр. 133
وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر سبب إفشاء المنذر بن الجارود لعبيد الله أنه بسبب النسب.
• نقد النص:
لم أقف على من أورد كتاب الحسين ﵁ إلى أهل البصرة مسندًا إلا الطبري من طريق أبي مخنف (١) وهو ضعيف، ثم إن أهل البصرة لم يُذْكَرْ عنهم المشاركة في أمر الحسين ﵁، وقد خَصَّتِ المصادر أهل الكوفة بذلك، وهم من دعوا الحسين ﵁ إليهم، ولو كان هو من دعاهم لبيعته لجاز أن يدعو أهل البصرة مثلهم.
ثم إن كتاب الحسين ﵁ المزعوم جاء فيه قول الحسين ﵁: (وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أُحْيَت) (٢).
فهو يشير إلى ظهور البدع وترك العمل بالكتاب والسنة، وهذا الأمر لا يمكن تصوره عن ذلك العصر، وهم بالقرن الأول من القرون المفضلة وكثير من الصحابة لا يزالون أحياء.
وقد أورد ابن كثير هذا الخبر وعلق عليه بقوله: (وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أن هذا مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة) (٣).
قلت: وإن ذلك منهم لكي يوجدوا العذر لإخوانهم الذين كتبوا للحسين ﵁.
* * *
стр. 134
ثالثًا: دخول عبيد الله بن زياد الكوفة ومقتل مسلم بن عقيل
[٤٤]- (ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فاجتمع له الناس، فقام، فقال: أنصف القاره (١) من راماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني مع البصرة الكوفة، وأنا سائر إليها، وقد خلفت عليكم أخي عثمان بن زياد (٢)، فإياكم والخلاف والإرجاف، فو الله الذي لا إله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خالف أو أرجف لأقتلنه ووليه، ولأخذن الأدنى بالأقصى، والبريء بالسقيم حتى تستقيموا، وقد أعذر من أنذر. ثم نزل، وسار، وخرج معه من أشراف أهل البصرة شريك بن الأعور (٣) والمنذر بن الجارود، فسار حتى وافى الكوفة، فدخلها، وهو متلثم.
وقد كان الناس بالكوفة يتوقعون الحسين بن علي وقدومه، فكان لا يمر ابن زياد بجماعة إلا ظنوا أنه الحسين فيقومون له، ويدعون ويقولون: مرحبًا بابن رسول الله، قدمت خير مقدم.
فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسين إلى ما ساءه، وأقبل حتى دخل
стр. 135
المسجد الأعظم، ونودي في الناس، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة، إن أمير المؤمنين قد ولاني مصْرَكم، وقسم فَيْئَكُم فيكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على عاصيكم ومريبكم، وأنا منتهٍ في ذلك إلى أمره، وأنا لمطيعكم كالوالد الشفيق، ولمخالفكم كالسم النقيع، فلا يبقين أحد منكم إلا على نفسه، ثم نزل، فأتى القصر، فنزله، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢) والبلاذري (٣) مختصرًا، والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية خبر تولية يزيد بن معاوية لعبيد الله على الكوفة، وفيها خطبة عبيد الله في أهل البصرة وتهديدهم، وذلك قبل مسيره إلى الكوفة، وقد ورد هذا الخبر عند الطبري مسندًا من طريق أبي مخنف وقد انفرد به، وهو ضعيف وقد خولف، وذلك فيما ذكره ابن سعد (٥)، والطبري (٦) في رواية أخرى عندما أوردوا خبر تولية عبيد الله على الكوفة لم يذكروا أنه خطب أهل البصرة أو هددهم، ولذلك لم يثبت أن أهل البصرة دخلوا في أمر الحسين ﵁.
ولعل محاولة إقحام أهل البصرة بأمر الحسين ﵁ فيه إيحاء أن أهل العراق كلهم قد كانوا في أمره، ولو كان الأمر كذلك لما بقي لولاة بني أمية أمر في العراق، ولكن المشهور أنه مقتصر على أهل الكوفة وهي مشهورة بالتشيع
стр. 136
على خلاف البصرة.
[٤٥]- (وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان، وما كان من خطبة ابن زياد ووعيده، فخاف على نفسه.
فخرج من الدار التي كان فيها بعد عتمة حتى أتى دار هانئ بن عروة المذحجي (١)، وكان من أشراف أهل الكوفة، فدخل داره الخارجة، فأرسل إليه وكان في دار نسائه، يسأله الخروج إليه، فخرج إليه، وقام مسلم، فسلم عليه، وقال: إني أتيتك لتجيرني وتضيفنى، فقال له هانئ: لقد كلفتني شططًا بهذا الأمر، ولولا دخولك منزلي لأحببت أن تنصرف عني، غير أنه قد لَزَمَنِي ذمام (٢) لذلك، فأدخله دار نسائه، وأفرد له ناحية منها، وجعلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ، وكان هانئ بن عروة مواصلًا لشريك بن الأعور البصري (٣) الذي قام مع ابن زياد، وكان ذا شرف بالبصرة وخطر (٤)، فانطلق هانئ إليه حتى أتى به منزله، وأنزله مع مسلم بن عقيل في الحجرة التي كان فيها.
وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة، فكان يحث هانئًا على القيام بأمر مسلم، وجعل مسلم يبايع من أتاه من أهل الكوفة، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق المؤكدة بالوفاء.
ومرض شريك بن الأعور في منزل هانئ بن عروة مرضًا شديدًا، وبلغ
стр. 137
ذلك عبيد الله بن زياد، فأرسل إليه يعلمه أنه يأتيه عائدًا.
فقال شريك لمسلم بن عقيل: (إنما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه، هو صائر إليّ ليعودني، فقم، فادخل الخزانة حتى إذا اطمأن عندي، فاخرج إليه، فقاتله، ثم صِرْ إلى قصر الإمارة، فاجلس فيه، فإنه لا ينازعك فيه أحد من الناس، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة، فكفيتك أمرها، أبايع لك أهلها).
فقال هانئ بن عروة: (ما أحب أن يقتل في داري ابن زياد).
فقال له شريك: وَلِمَ؟ فو الله إن قتله لقربان إلى الله.
ثم قال شريك لمسلم: لا تقصر في ذلك.
فبينما هم على ذلك إذ قيل لهم: الأمير بالباب.
فدخل مسلم بن عقيل الخزانة، ودخل عبيد الله بن زياد على شريك، فسلم عليه، وقال: ما الذي تجد وتشكو؟.
فلما طال سؤاله إياه استبطأ شريك خروج مسلم، وجعل يقول، ويسمع مسلمًا:
ما تنظرون بسلمى عند فرصتها … فقد وفى ودها، واستوثق الصرم (١)
وجعل يردد ذلك.
فقال ابن زياد لهانئ: أيهجر؟ يعني يهذي.
قال هانئ: نعم، أصلح الله الأمير، لم يزل هكذا منذ أصبح.
ثم قام عبيد الله وخرج، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانة، فقال شريك:
ما الذي منعك منه إلا الجبن والفشل؟.
стр. 138
قال مسلم: منعني منه خلتان: إحداهما كراهية هانئ لقتله في منزله، والأخرى قول رسول الله ﷺ : (إن الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن) (١).
فقال شريك: أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك، واستوسق (٢) لك سلطانك.
ولم يعش شريك بعد ذلك إلا أيامًا، حتى توفى، وشيع ابن زياد جنازته، وتقدم فصلى عليه، ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق.
وخفي على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل، فقال لمولى له من أهل الشام يسمى معقلًا، وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس، وقال: خذ هذا المال، وانطلق، فالتمس مسلم بن عقيل، وتأتَّ (٣) له بغاية التأتي.
فانطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم، وجعل لا يدري كيف يتأتى الأمر، ثم إنه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سوارى المسجد، فقال في نفسه: إن هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة، وأحسب هذا منهم.
فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام، فدنا منه، وجلس، فقال: جعلت فداك، إني رجل من أهل الشام، مولى لذي الكلاع، وقد أنعم الله عليّ بحب أهل بيت رسول الله ﷺ ، وحب من أحبهم، ومعي هذه الثلاثة آلاف درهم، أحب إيصالها إلى رجل منهم، بلغني أنه قدم هذا المصر داعية للحسين بن علي، فهل تدلني عليه لأوصل هذا المال إليه ليستعين به على
стр. 139
بعض أموره، ويضعه حيث أحب من شيعته؟.
قال له الرجل: وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيرى ممن هو في المسجد؟.
قال: لأني رأيت عليك سيما الخير، فرجوت أن تكون ممن يتولى أهل بيت رسول الله ﷺ .
قال له الرجل: ويحك، قد وقعت على بغيتك، أنا رجل من إخوانك، واسمي مسلم بن عوسجة (١)، وقد سررت بك، وساءني ما كان من حسي قبلك، فإني رجل من شيعة أهل هذا البيت، خوفًا من هذا الطاغية ابن زياد، فأعطني ذمة الله وعهده أن تكتم هذا عن جميع الناس، فأعطاه من ذلك ما أراد.
فقال له مسلم بن عوسجة: انصرف يومك هذا، فإن كان غدًا فائتني في منزلي حتى أنطلق معك إلى صاحبنا يعني مسلم بن عقيل فأوصلك إليه.
فمضى الشامي، فبات ليلته، فلما أصبح غدا إلى مسلم بن عوسجة في منزله، فانطلق به حتى أدخله إلى مسلم بن عقيل، فأخبره بأمره، ودفع إليه الشامي ذلك المال، وبايعه.
فكان الشامي يغدو إلى مسلم بن عقيل، فلا يحجب عنه، فيكون نهاره كله عنده، فيتعرف جميع أخبارهم، فإذا أمسى وأظلم عليه الليل دخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره بجميع قصصهم، وما قالوا وفعلوا في ذلك، وأعلمه نزول مسلم في دار هانئ بن عروة.
ثم إن محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة (٢) دخلا على ابن زياد
стр. 140
مسلمين، فقال لهما: ما فعل هانئ بن عروة؟ فقالا: أيها الأمير، إنه عليل منذ أيام.
فقال ابن زياد: وكيف؟ وقد بلغني أنه يجلس على باب داره عامة نهاره، فما يمنعه من إتياننا، وما يجب عليه من حق التسليم؟.
قالا: سنعلمه ذلك، ونخبره باستبطائك إياه. فخرجا من عنده، وأقبلا حتى دخلا على هانئ بن عروة، فأخبراه بما قال لهما ابن زياد، وما قالا له، ثم قالا له: أقسمنا عليك إلا قمت معنا إليه الساعة لتسل سخيمة (١) قلبه.
فدعا ببغلته، فركبها، ومضى معهما، حتى إذا دنا من قصر الإمارة خبثت نفسه.
فقال لهما: إن قلبي قد أوجس من هذا الرجل خيفة.
قالا: وَلِمَ تحدثْ نفسك بالخوف وأنت بريء الساحة؟.
فمضى معهما حتى دخلوا على ابن زياد، فأنشأ ابن زياد يقول متمثلًا:
أريد حياته ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد (٢)
قال هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟.
стр. 141
قال ابن زياد: وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل، وإدخالك إياه منزلك، وجمعك له الرجال ليبايعوه؟.
فقال هانئ: ما فعلت، وما أعرف مِنْ هذا شيئًا.
فدعا ابن زياد بالشامي، وقال: يا غلام، ادعُ لي معقلًا.
فدخل عليهم.
فقال ابن زياد لهانئ بن عروة: أتعرف هذا؟.
فلما رآه علم أنه إنما كان عينًا عليهم.
فقال هانئ: أصدقك والله أيها الأمير، إني والله ما دعوت مسلم بن عقيل، وما شعرت به. ثم قص عليه قصته على وجهها.
ثم قال: فأما الآن فأنا مخرجه من داري لينطلق حيث يشاء، وأعطيك عهدًا وثيقًا أن أرجع إليك.
قال ابن زياد: لا والله، لا تفارقني حتى تأتيني به.
فقال هانئ: أو يجمل بي أن أسلم ضيفي وجارى للقتل؟ والله لا أفعل ذلك أبدًا.
فاعترضه ابن زياد بالخيزرانة، فضرب وجهه، وهشم أنفه، وكسر حاجبه، وأمر به، فادخل بيتًا.
وبلغ مذحجًا أن ابن زياد قد قتل هانئًا، فاجتمعوا بباب القصر، وصاحوا.
فقال ابن زياد لشريح القاضى (١) وكان عنده: ادخل إلى صاحبهم، فانظر
стр. 142
إليه، ثم اخرج إليهم، فأعلمهم أنه حي. ففعل.
فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجاج: أما إذ كان صاحبكم حيًّا فما يعجلكم الفتنة؟ انصرفوا، فانصرفوا (١).
فلما علم ابن زياد أنهم قد انصرفوا أمر بهانئ، فأتى به السوق، فضربت عنقه هناك.
ولَمَّا بلغ مسلم بن عقيل قتل هانئ بن عروة نادى فيمن كان بايعه، فاجتمعوا، فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندي (٢) على كندة وربيعة، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد، وعقد لأبي ثمامة الصيداوي (٣) على تميم وهمدان، وعقد للعباس بن جعدة بن هبيرة (٤) على قريش والأنصار، فتقدموا جميعًا حتى أحاطوا بالقصر، واتبعهم هو في بقية الناس.
وتحصن عبيد الله بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف أهل الكوفة والأعوان والشرط، وكانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر (٥) والنشاب (٦)، ويمنعونهم من الدنو من القصر، فلم يزالوا بذلك حتى أمسوا.
стр. 143
* خذلان أهل الكوفة لمسلم بن عقيل:
وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة: لِيُشْرِفْ كل رجل منكم في ناحية من السور، فخوِّفوا القوم.
فأشرف كثير بن شهاب (١)، ومحمد بن الأشعث، والقعقاع بن شور (٢)، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن (٣)، فتنادوا: يا أهل الكوفه، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم، وجربتم شوكتهم، فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فَتَرُوا بعض الفتور.
وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه، وأخاه، وابن عمه فيقول: انصرف، فإن الناس يكفونك، وتجيء المرأة إلى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع.
فصلى مسلم العشاء في المسجد، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلًا، فلما رأى ذلك مضى منصرفًا ماشيًا، ومشوا معه، فأخذ نحو كِندة، فلما مضى قليلًا التفت فلم يرَ منهم أحدًا، ولم يصب إنسانًا يدله على الطريق، فمضى هائمًا على وجهه في ظلمة الليل حتى دخل على كِندة، فإذا امرأة (٤) قائمة على باب
стр. 144
دارها تنتظر ابنها وكانت ممن خف مع مسلم فآوته وأدخلته بيتها، وجاء ابنها، فقال: من هذا في الدار؟
فأعلمته، وأمرته بالكتمان.
ثم إن ابن زياد لما فقد الأصوات ظن أن القوم دخلوا المسجد، فقال: انظروا، هل ترون في المسجد أحدًا؟ وكان المسجد مع القصر.
فنظروا فلم يروا أحدًا، وجعلوا يشعلون أطناب (١) القصب، ثم يقذفون بها في رحبة المسجد ليضيء لهم، فتبينوا، فلم يروا أحدًا.
فقال ابن زياد: إن القوم قد خذلوا، وأسلموا مسلمًا، وانصرفوا.
* ملاحقة مسلم وقتله:
فخرج فِي مَنْ كان معه، وجلس في المسجد، ووضعت الشموع والقناديل، وأمر مناديًا فنادى بالكوفة ألا برئت الذمة من رجل من العرفاء (٢) والشرطة والحرس لم يحضر المسجد.
فاجتمع الناس، ثم قال: يا حصين بن نمير (٣) وكان على الشرطة ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، فإذا أصبحت فاستقر الدور، دارًا، دارًا، حتى تقع عليه. وصلى ابن زياد العشاء في المسجد، ثم دخل القصر.
стр. 145
فلما أصبح جلس للناس، فدخلوا عليه، ودخل في أوائلهم محمد بن الأشعث، فأقعده معه على سريره، وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في بيتها إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وهو حينئذ غلام حين راهق فأخبره بمكان مسلم عنده.
فأقبل عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث، وهو جالس مع ابن زياد، فأسر إليه الخبرَ.
فقال ابن زياد: ما سار به ابنك؟.
قال: أخبرني أن مسلم بن عقيل في بعض دورنا.
فقال: انطلق، فأتني به الساعة.
وقال لعبيد بن حريث (١): ابعث مائة رجل من قريش وكره أن يبعث إليه غير قريش خوفًا من العصبية أن تقع.
فأقبلوا حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل، ففتحوها، فقاتلهم، فرمي، فكسر فوه، وأخذ، فأتى ببغلة فركبها، وصاروا به إلى ابن زياد.
فلما أُدْخِلَ عليه، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له: سلم على الأمير.
قال: إن كان الأمير يريد قتلي، فما انتفع بسلام عليه، وإن كان لم يرد فسيكثر عليه سلامي.
قال ابن زياد: كأنك ترجو البقاء.
فقال له مسلم: فإن كنت مزمعًا على قتلي، فدعني أوصي إلى بعض مَنْ ها هنا من قومي.