وقد ورد ما يخالف ذلك وهو ما رواه الطبري: (أن عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم يرَ عبيد اللّه بن الحر، ثمّ جاءه بعد أيام حتّى دخل عليه، فقال: أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضًا، قال: مريض القلب، أو مريض البدن! قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد مَنَّ اللّه عليَّ بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا، قال: لو كنت مع عدوك لرُئِي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى، قال: وغفل عنه ابن زياد غفلة، فخرج ابن الحر فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قالوا: خرج الساعة، قال: عليَّ به، فأحضرت الشرطة فقالوا له: أجب الأمير، فدفع فرسه ثمّ قال: أبلغوه أني لا آتيه واللّه طائعًا أبدًا) (١).
وعبيد الله بن الحر في كلامه هنا صادقًا وليس لمثله أن يكذب؛ لأنه لا يخاف من ابن زياد، ولو سبق أن استنجد به الحسين ﵁ ورفض وهو يخاف ابن زياد لأخبره بذلك لكي يحظى بمكان عنده، ولكنه مرض ولم يشهد قتل الحسين ﵁ وندم على ألا يكون من المدافعين عنه وقال هذه القصيدة التي خلدت موقفه (٢):
يقول أمير غادر حق غادر … ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة
ونفسي على خذلانه واعتزاله … وبيعة هذا الناكث العهد لائمة
فيا ندما ألا أكون نصرته … ألا كل نفس لا تسدد نادمة
وإني لأني لم أكن من حماته … لذو حسرة ما أن تفارق لازمه
стр. 212
سقى الله أرواح الذين تآزروا … على نصره سقيا من الغيث دائمة
وهذه القصيدة أشهر من التي أوردها صاحب الكتاب.
* تعليقات العلماء حول خروج الحسين ﵁ وقتله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية متحدثًا عن يزيد ومقتل الحسين ﵁ فيقول: (وجرت في إمارته أمورٌ عظيمةٌ: - أحدها مقتل الحسين ﵁ وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله؛ ولا نكّت بالقضيب على ثناياه ﵁، ولا حمل رأس الحسين ﵁ إلى الشّام لكن أمر بمنع الحسين ﵁ وبدفعه عن الأمر، ولو كان بقتاله فزاد النّوّاب على أمره؛ وحضّ الشمر بن ذي الجوشن على قتله لعبيداللّه بن زيادٍ؛ فاعتدى عليه عبيد اللّه بن زيادٍ، فطلب منهم الحسين ﵁ أن يجيء إلى يزيد؛ أو يذهب إلى الثّغر مرابطًا؛ أو يعود إلى مكّة، فمنعوه ﵁ إلّا أن يستأسر لهم وأمر عمر بن سعدٍ بقتاله - فقتلوه مظلومًا - له ولطائفة من أهل بيته ﵃، وكان قتله ﵁ من المصائب العظيمة فإنّ قتل الحسين، وقتل عثمان قبله: كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمّة وقتلتهما من شرار الخلق عند اللّه، ولَمّا قدم أهلهم ﵃ على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيّرهم إلى المدينة، وروي عنه أنّه لعن ابن زيادٍ على قتله، وقال: كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين لكنّه مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له والأخذ بثأره: كان هو الواجب عليه، فصار أهل الحقّ يلومونه على تركه للواجب مضافًا إلى أمورٍ أخرى. وأمّا خصومه فيزيدون عليه من الفِرْية أشياء) (١).
وعلق الشيخ عبد العزيز بن باز على مقتل الحسين ﵁: (لم يكن في خروج الحسين ﵁ مصلحة؛ ولذلك نهاه كثير من الصحابة، وحاولوا منعه
стр. 213
ولكنه لم يرجع، وبهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده، ولكنه أمر الله ﵎ وما قدره الله كان ولو لم يشأ الناس، وقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء وقد قُدِّم رأس يحيى ﵇ مهرًا لبغي وقُتِل زكريا ﵇، وكثير من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) وكذلك قُتِل عمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.
ومما ذكر ﵀ في كيفية التعامل مع الحدث:
لا يجوز لمن يخاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه ﵃ أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب) أخرجه البخاري، وقال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة). أخرجه مسلم، والصالقة هي التي تصيح بصوت مرتفع. وقال: (إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعًا من جرب وسربالًا من قطران) أخرجه مسلم. وقال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة). وقال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. وقال: (النياحة من أمر الجاهلية و إن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من لهب النار). رواه ابن ماجه.
والواجب على المسلم العاقل إذا تذكر مثل هذه المصائب أن يقول كما أمر الله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (٢). وما
стр. 214
علم أن علي بن الحسين أو ابنه محمدًا أو ابنه جعفرًا أو موسى بن جعفر ﵃ ما عرف عنهم ولا عن غيرهم من أئمة الهدى أنهم لطموا أو شقوا أو صاحوا، فهؤلاء هم قدوتنا.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم … إن التشبه بالكرام فلاح) (١)
من خلال ما سبق يتبين أن المسئول عن قتل الحسين ﵁ هم:
١ - الأول: رءوس أهل الكوفة الذين جاءت المصادر بذكر أسمائهم، وهم ينقسمون إلى فرقتين الأولى: من كتب للحسين ﵁ وشارك في قتاله، وهم أشنع فرقة، والأخرى: من كتبت له ولم تشترك في قتاله وهم من أمثال سليمان بن صرد ﵁ ومن معه، وقد خرجوا فيما يسمى بحركة التوابين.
٢ - الثاني: الشمر بن ذي الجوشن، ويتمثل ذلك في رأيه الذي دفع عبيدالله ابن زياد لقتال الحسين ﵁.
٣ - الثالث: عبيد الله بن زياد فهو القائد الأول.
٤ - الرابع: عمر بن سعد وهو قائد المعركة.
٥ - الخامس: كل من شارك في المعركة من الجند.
هناك بعض التساؤلات منها:
- لماذا شُنِّعَ بمن قتل الحسين ﵁ ولم يشنع بمن قتل أباه وهو أفضل منه؟.
- استمرار المطالبة بدم الحسين ﵁ والثأر له لقرون من الزمن إلى عصرنا هذا، هل ما زال قتلة الحسين أحياء؟.
стр. 215
والإجابة على هذه التساؤلات هي أن الشيعة لم يرق لهم تنازل الحسن ﵁ عن الخلافة لمعاوية ﵁، فحاولوا أن يرجعوا هذا الأمر لآل البيت عن طريق الحسين ﵁ فكاتبوه وخذلوه، وألقوا اللوم على غيرهم ليتنصلوا من هذه الذنب ويحملوه على عاتق غيرهم، واستمروا في تتبع آل البيت وإخراجهم عن ولاتهم حتى يُقْتَلوا وتزيد الأمة بقتلهم ضعفًا وتفرقًا وبلاء، وفي حقيقة الأمر ليس هذا منهم ولاء وإخلاص، ولو كان هذا في ظاهره، فأما باطنه فهو عداء منظم، يهدف إلى إرهاق الأمة وتفريق أمرها، فهم مَنْ أحْدَثَ القلاقل والنزاعات منذ ذلك الحدث إلى زماننا هذا، وتزداد أرصدة نواحهم ومآسيهم، وهي المادة التي يعتمدون عليها لجلب أتباعهم، بحجة أنهم ظُلِمُوا وخُذِلُوا، وأنهم الفرقة الوحيدة التى ينقطع عندهم حب آل البيت والإخلاص لهم.
* * *
стр. 216
ثانيًا: مواجهات عبد الله بن الزبير مع يزيد
* موقف عبد الله بن الزبير ﵁ من بيعة يزيد:
[٩١]- (قالوا: وإن ابن الزبير لما سار إلى مكة، وخرج الحسين عنها سائرًا إلى الكوفة كان يقول: إني في الطاعة، غير أني لا أبايع أحدًا، وأنا مستجير بالبيت الحرام.
فبعث إليه يزيد بن معاوية رجلًا في عشرة نفر من حرسه، وقال: انطلق، فانظر ما عنده، فإن كان في الطاعة فخذه بالبيعة، وإن أَبَى فاجعل في عنقه جامعة وائتني به. فلما قدم الحرسي عليه، وأخبره بما أتاه فيه تمثل ابن الزبير:
ما إن ألين لغير الحق أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وقال للحرسي: انصرف إلى صاحبك، فأعلمه أنني لا أجيبه إلى شيء مما يسألني.
قال الحرسي: ألست في الطاعة؟.
قال: بلى، غير أني لا أمكنك من نفسي، ولا أكاد.
فانصرف الحرسي إلى يزيد، فأخبره بذلك) (١).
أورد نحوًا منها: ابن سعد (٢) مطولًا، وخليفة بن خياط (٣) مختصرًا، والفاكهي (٤)، والبلاذري (٥)، والطبري (٦) مطولًا، ..............................
стр. 217
والطبراني (١) والحاكم (٢) مختصرًا.
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب في صيغة هذه الرواية، وهي أن يزيد أرسل نفرًا من حرسه؛ لأخذ البيعة من عبد الله بن الزبير ﵁، وأمرهم بأن يأخذوه بالقوة، وكل هذا مما لا يحتمل قبوله، فهل بلغ بعبد الله بن الزبير ﵁ كل هذا الضعف والهوان حتى يرسل يزيد إليه بعض حرسه ليأتوا به مغلولًا، بل قد روي ما يخالف ذلك، وهو أن يزيد أوفد إلى عبد الله بن الزبير ﵁ رجالًا من أكابر أهل الشام (٣).
ومما جاء في خبر عبد الله بن الزبير ﵁ مع يزيد:
ما ذكره ابن سعد في بداية الأمر بينهما: أن عبد الله بن الزبير ﵁ لما جاءت بيعة يزيد وهو في المدينة، خرج منها وهو يقول: (هو يزيد الذي نعرف والله ما أحدث خيرًا ولا مروءة، وخرج من ليلته إلى مكة، فلم يزل مقيمًا بها حتى خرج الحسين بن علي منها إلى العراق. ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية. وبلغ يزيد ذلك، فوجد عليه، فقال ابن الزبير: أنا على السمع والطاعة لا أبدل ولا أغير، ومشى إلى يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية الجمحي وهو والي مكة ليزيد بن معاوية، فبايعه له على الخلافة، فكتب بذلك يحيى إلى يزيد فقال: لا أقبل هذا منه حتى يؤتى به
стр. 218
في جامعة .... ) (١)، وفي هذه الرواية حال عبد الله بن الزبير ﵁ مع بيعة يزيد إلا أن فيها مبالغة في وصفه بالتحريض على بني أمية.
ثم أرسل يزيد إلى عبد الله بن الزبير ﵁ فأبى البيعة لهم بهذه الصفة وقال: (اللهم إني عائذ ببيتك الحرام، وقد عرضت عليهم السمع والطاعة فأبوا إلا أن يحلوا بي ويستحلوا مني ما حرمت) (٢).
وقال المدائنيّ: (كتب يزيد إلى ابن الزّبير يدعوه إلى بيعته، فكتب ابن الزّبير يدعوه إلى الشورى، وكان فيما كتب به يزيد:
لو بغير الماء حلقي شرقٌ … كنت كالغصّان بالماء اعتصاري (٣)
فأذكرك اللّه في نفسك، فإنك ذو سن من قريش، وقد مضى لك سلف صالح وقدم صدق من اجتهاد وعبادة، فاربب صالح ما مضى ولا تبطل ما قدمت من حسنٍ، وادخل فيما دخل فيه الناس ولا تردهم في فتنة ولا تحل حرم اللّه، فأبى أن يبايع، فحلف ألَّا يقبل بيعته إلا في جامعة) (٤).
ومما يؤكد ذلك ما رواه ابن أبي عاصم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: بعث يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزّبير بقيدٍ من فضّةٍ، وجامعةٍ من ذهبٍ، فقال: «أقسمت عليك لتأتينّي فيه»، فقال ابن الزّبير: ولا ألين لغير الحقّ أسأله حتّى يلين لضرس الماضغ الحجر .. ) (٥).
стр. 219
ومما سبق نرى أن يزيد أشغله تثاقل عبد الله بن الزبير ﵁ عن بيعته، وأن أساس دعوته هي الشورى، ثم إنه بايع بعد عناء، فحلف يزيد ألا يقبل منه ذلك إلا أن يأتي بجامعة، ثم نصحه من حوله بأن يقبل منه وأن يبر قسمه (١) فأرسل قيدًا من فضة وجامعة من ذهب فرفض عبد الله بن الزبير ﵁ ذلك.
[٩٢]- (فوجه يزيد بعشرة نفر من أشراف أهل الشام، فيهم النعمان بن بشير، وعبد الله بن عضاة الأشعري (٢) وكان له صلاح، ومسلم بن عقبة لعنه الله فقال لهم: انطلقوا، فأعيدوه إلى الطاعة والجماعة وأعلموه، أن أحب الأمور إلى ما فيه السلامة، فساروا حتى وافوا مكة، ودخلوا على ابن الزبير في المسجد، فدعوه إلى الطاعة وسألوه البيعة.
فقال ابن الزبير لابن عضاة: أتستحل قتالي في هذا الحرم؟.
قال: نعم، إن أنت لم تجب إلى طاعة أمير المؤمنين.
قال ابن الزبير: وتستحل قتل هذه الحمامة؟ وأشار إلى حمامة من حمام المسجد. فأخذ ابن عضاة قوسه، وفوق فيها سهمًا، فبوأه نحو الحمامة، ثم قال: يا حمامة، أتعصين أمير المؤمنين؟.
والتفت إلى ابن الزبير، وقال: أما لو أنها قالت نعم لقتلتها) (٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٤).
стр. 220
• نقد النص:
هؤلاء الوفد هم الذين أرسلهم يزيد في الرواية السابقة، ولكن صاحب الكتاب جعل الوفد فيما سبق هم من الحرس، وذكر في هذه الرواية أنهم أشراف الشام وهذا من التناقض.
ثم جاء بهذه المحادثة التي تمت بين ابن عضاة وعبد الله بن الزبير ﵁، لم أقف على من أوردها بشيء صحيح، وأما عن متنها ففيه نكارة وهو ما ذكرته عن عبد الله بن عضاة، أنه أراد أن يجبر عبد الله بن الزبير ﵁ على البيعة، وخوفه بالقتل، وأنه جعل رفضه يبيح قتله، وقارن ذلك بحمامة الحرم.
[٩٣]- (وإن ابن الزبير خلا بنعمان بن بشير، فقال: أنشدك الله، أنا أفضل عندك أم يزيد؟ فقال: بل أنت. فقال: فوالدي خير أم والده؟ قال: بل والدك. قال: فأمي خير أم أمه؟ قال: بل أمك. قال: فخالتي خير أم خالته؟ قال: بل خالتك. قال: فعمتي خير أم عمته؟ قال: بل عمتك، أبوك الزبير، وأمك أسماء ابنة أبي بكر، وخالتك عائشة، وعمتك خديجة بنت خويلد. قال: أفتشير عليّ بمبايعة يزيد؟.
قال النعمان: أما إذا استشرتني فلا أرى لك ذلك، ولست بعائد إليك بعد هذا أبدًا.
ثم إن القوم انصرفوا إلى الشام، فأعلموا يزيد أن ابن الزبير لم يجب إلى شيء.
قال مسلم بن عقبة المري ليزيد: يا أمير المؤمنين، إن ابن الزبير خلا بالنعمان بن بشير، فكلمه بشيء، لم نَدْرِ ما هو، وقد انصرف إليك بغير رأيه الذي خرج من عندك) (١).
стр. 221
ذكر نحوًا منها مختصرًا: البلاذري (١).
• نقد النص:
هذا الخبر لم أقف على من أورده بسند صحيح.
وقد انفرد صاحب الكتاب ببقية المحادثة، والتي فيها ذكره النعمان بن بشير ﵁، وأنه أشار على ابن الزبير ﵁ ألا يبايع يزيد عندما استشاره بذلك، وهذا فيه نكارة، وإلا فكيف يشير على عبد الله بن الزبير ﵁ ألا يبايع يزيد بن معاوية وهو قد بايعه، فهذا في حقيقته غش له، ونبرأ إلى الله أن يتصف أحد أصحاب رسول الله ﷺ بهذه الصفة، والمانع من ذلك عدالته.
ولعل الهدف من إيراد مثل هذا هو التشكيك الخفي من قبل أحد عظماء الوفد في يزيد وعدم أهليته للبيعة.
* دعوة عبد الله بن الزبير ﵁ إلى البيعة له:
[٩٤]- (ولما انصرف القوم من عند ابن الزبير جمع ابن الزبير إليه وجوه أهل تهامة والحجاز، فدعاهم إلى بيعته، فبايعوه جميعًا، وامتنع عليه عبد الله بن عباس، ومحمد ابن الحنفية) (٢).
انفرد صاحب الكتاب في هذا الخبر.
• نقد النص:
تذكرُ هذه الرواية أن عبد الله بن الزبير ﵁ دعا إلى البيعة في زمن يزيد بن معاوية، وهذا كله لا يصح بهذا الزمن، أي في خلافة يزيد بن معاوية؛
لأن المشهور أن بيعة عبد الله بن الزبير ﵁ كانت بعد وفاة يزيد في سنة أربع
стр. 222
وستين للهجرة (١).
ومما يدل على هذا ما رواه البلاذري فقال: حدثنا زهير بن حرب (٢) أبو خيثمة، حدّثنا وهب بن جريرٍ (٣)، حدّثنا جويرية (٤)، عن نافع (٥): أن ابن الزّبير لم يَدعُ له بالخلافة حتى مات يزيد (٦)، وقال نافع: كنت تحت منبره يوم دعا إلى نفسه وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى (٧).
وقد ذكر خليفة بن خياط بيعة عبد الله بن الزبير ﵁ فقال: (وفي سنة أربع وستّين دعا ابن الزبير إلى نفسه وذلك بعد موت يزيد بن معاوية، فبويع في رجب لسبع خلون من سنة أربع وستّين ولم يكن يدعو إليها ولا يدعو لها حتّى مات يزيد) (٨).
يتضح مما سبق من الروايات أن علاقة عبد الله بن الزبير ﵁ مع يزيد بن معاوية في طلب البيعة، مرت بمراحل وهي:
١ - خروج عبد الله بن الزبير ﵁ من المدينة إلى مكة، بعد سماعه نبأ وفاة معاوية ﵁ والبدء ببيعة يزيد، وكان يسمي نفسه العائذ، ولم يكن يزيد يهتم ببيعته لانشغاله بالحسين ﵁، وتتسم هذه الفترة بالركود.
стр. 223
٢ - بعد مقتل الحسين بن علي ﵁، أصبحت أنظار المعارضين لبني أمية تتطلع إليه؛ لأنه لم يبقَ أحد يستحق الأمر بعد الحسين ﵁ سواه، فخافه يزيد وحرص على بيعته، وذلك خوفًا من أن يجمع أنصاره ويخرج عليه؛ لأن بقاءه بمكة يثير المخاوف، فهي مهوى أفئدة المسلمين، ولبعدها عن مركز الخلافة، فبدأ يزيد بالمراسلات الودية، لكنها فشلت بسبب غضب يزيد على تباطؤ ابن الزبير ﵁، الذي كاد أن يبايع لولا يمين يزيد التي أفقدت الحوار المنحى الودي الذي يتسم بالحلم والحكمة، ودخل في الغضب الذي يفسد كل شيء، ويتمثل ذلك في حلف يزيد ألا يقبل منه إلا أن يؤتى مغلولًا، وابن الزبير ﵁ ليس مضطرًّا إلى قبول ذلك وهو عزيز مكرم بين أصحابه، ولو تخلق يزيد بسجية الحلم التي اشتهر بها والده، لأمكن له احتواء موقف ابن الزبير ﵁.
٣ - لجأ يزيد في هذه المرحلة إلى الخيار العسكري بعد احتدام الموقف بينه وبين ابن الزبير ﵁، فأرسل إلى عامله في المدينة عمرو بن سعيد الأشدق أن يبعث جيشًا إلى ابن الزبير، فوجه عمرو بن سعيد جيشًا بقيادة عمرو بن الزبير، فهزمه ابن الزبير ﵁ ومن معه من أهل مكة وفشلت هذه الحملة (١)، ومن أسباب فشل هذه الحملة تفرق أصحاب عمرو بن الزبير عنه، وهذه القوة أول قوة تغزو مكة بعد فتحها في عهد الرسول الله ﷺ .
٤ - بعد هزيمة جيش المدينة الذي أرسله عمرو بن سعيد، استفحل أمر ابن الزبير ﵁، وأصبح خطرًا لا يمكن أن يُحتمل من قبل يزيد، ولم يكن غائبًا على يزيد أسباب فشل هذه الحملة التي قامت من المدينة، فهي جارة لمكة ولها حرمة، وفيها أناس كثير يرون مثل رأي ابن الزبير ﵁ في بيعة يزيد، فقرر إرسال
стр. 224
جيشًا من الشام، يكمن في رجالاته الولاء لبني أمية، وفي غمرات هذه الأحداث جاء خبر خلع أهل المدينة ليزيد، فأصبح على الجيش مهمتين بدل مهمة واحدة، وهي إرجاع أهل المدينة للبيعة، وإخضاع ابن الزبير ﵁ لها، فتحققت المهمة الأولى وهي ما تُسمى في التاريخ بموقعة الحرة في حياة يزيد، أما الأخرى فقد توفي يزيد وفشل أمرها.
* * *
стр. 225
ثالثًا: مقدمات وأسباب الحرة:
[٩٥]- (وإن ابن الزبير أمر بطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، وارتحل مروان من المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام.
ولما انتهى إلى يزيد بن معاوية مبايعة أهل تهامة والحجاز لعبد الله بن الزبير ندب له الحصين بن نمير السكوني، وحبيش بن دلجة القينى (١)، وروح ابن زنباع الجذامي (٢)، وضم إلى كل واحد منهما جيشًا، واستعمل عليهم جميعًا مسلم بن عقبة المري، وجعله أمير الأمراء) (٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٤).
• نقد النص:
ورد في هذه الرواية أن عبد الله بن الزبير ﵁ أمر بطرد عمال يزيد من المدينة؛ مما يعني أن أهل المدينة خلعوا يزيد بسبب طلب ابن الزبير ﵁ لهم، وذكره البلاذري روايتين عن الواقدي وهو ضعيف، ولا يستبعد أن يكون أهل المدينة تأثروا بموقف عبد الله بن الزبير ﵁ من عدم بيعة يزيد، ولكن هذا ليس من طريق مباشر؛ لأنني لم أقف على من أورده بسند صحيح.
стр. 226
ثم ذكرت أن عبد الله بن الزبير ﵁ حينما رفض بيعة يزيد، دعا إلى بيعته، وطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، فأما دعوة عبد الله بن الزبير ﵁ للبيعة فهذا الأمر لم يحصل إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية، وأما طرد عمال يزيد فلم يحصل إلا من أهل المدينة، وليس لعبد الله بن الزبير ﵁ علاقة بذلك، ولعل صاحب الكتاب ذكر ذلك وجعله سببًا لإرسال يزيد جيشًا من الشام إلى أهل المدينة وإلى ابن الزبير ﵁ في مكة، وهذا مخالف لما جاء في سبب موقعة الحرة في المصادر الأخرى.
- فقد ذكر خليفة بن خياط (١) والطبري (٢) من طريق جويرية بن أسماء، قال: سمعت أشياخًا من أهل المدينة، ثم ذكر السبب في خلع أهل المدينة ليزيد، وهو أنه ممن وفد على يزيد من أهل المدينة عبد الله بن حنظلة (٣)، ومعه ثمانية من البنين فأكرمهم وأوصلهم، فلما رجع إلى المدينة سبَّه وخلعه، وأما قول جويرية بن أسماء سمعت أشياخًا من أهل المدينة فهذا فيه مجاهيل.
أما متنها فالملاحظ عليها أنها لم تذكر السبب في خلع عبد الله بن مطيع ليزيد، ولا يعقل أن يخلعه بدون سبب، فيصبح الخبر الذي في هذه الرواية ناقصًا يحتاج إلى مزيد بيان، ولعله حُذِف لبشاعته، وقد جاء السبب برواية أخرى عند الطبري (٤) من طريق أبي مخنف، وقد زاد في عدد الوفد وذكر بينهم عبد الله بن حنظلة، ثم ذكر أن سبب خلع أعضاء الوفد ليزيد، فقال: (فلما قدم أولئك النفر
стр. 227
الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبة، وقالوا: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس) (١)، ولا يمكن قبول هذه الرواية لضعف سندها؛ لأنها من طريق أبي مخنف، ونكارة متنها، وهو ذكره هذه الأفعال المشينة عن يزيد.
- وذكر خليفة بن خياط عن أبي اليقظان (٢): أنهم دعوا إلى الرضا والشورى (٣)، ومع أن هذا الخبر لم يأت من طريق صحيح ولكنه وافق دعوة عبد الله بن الزبير ﵁.
- في سنة ثلاث وستين عَزَلَ يزيد بن معاوية والي المدينة الوليد بن عتبة، وهو الشخص المجرب الذي استطاع أن يمسك بزمام الأمور في المدينة التي تتوسط الأحداث المتوترة بين الشام ومكة، وولَّى عثمان بن محمد بن
أبي سفيان (٤)(٥)، وهو كما ذُكِرَ عنه أنه حَدَثٌ لم يجرب الأمور، ولم يكن له رأي، فاستضعفه أهل المدينة وأخرجوه ومن معه من بني أمية بعد أن خلعوا يزيد (٦).
وقد تبين مما سبق أن سبب موقعة الحرة هو خلع يزيد بن معاوية من قبل أهل المدينة، ولكن لم يرد سببٌ واضحٌ لذلك الخلع، وقد استنبطت بعض
стр. 228
الأسباب لذلك، منها:
- موقف عبد الله بن الزبير ﵁ من بيعة يزيد بن معاوية، والذي كاد أن يُبَايَع لولا الخلاف الذي حدث بينهما، ومطالبته بعودة الأمر إلى الشورى، مما جعل يزيد يرسل له الرسل لكي يردوه عن رأيه، فلما فشلت تلك الرسل، اضطر لإرسال قوة تنطلق من المدينة لمحاربته (١)، ففشلت تلك القوة أيضًا، فعَظُمَ أمر عبد الله بن الزبير ﵁، وأهل المدينة يراقبون تلك الأحداث، ويرون كيف صمد عبد الله بن الزبير ﵁ على موقفه، فلم يكن ذلك صعبًا عندهم أن يفعلوا مثله، وهم يرون رأيه؛ لأن دعواهم واحدة وهي الشورى في الخلافة، فقد روى البلاذري (٢) عن المدائني أنه قال: (كتب يزيد إلى ابن الزّبير يدعوه إلى بيعته فكتب ابن الزّبير يدعوه إلى الشورى).
- استضعف أهل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، مما أدى بهم إلى طرده وخلع يزيد.
[٩٦]- (وشيعتهم حتى بلغ ماء، يقال له وبره (٣)، وهي أقرب مياه الشام إلى الحجاز. فلما ودعهم قال: يا مسلم، لا تردن أهل الشام عن شيء يريدونه بِعَدُوِّهم، واجعل طريقك إلى المدينة، فإن حاربوك فحاربهم، فإن ظفرت بهم، فانهبها ثلاثة أيام، ثم أنشأ يقول (٤):
أبلغ أبا بكر إذا الخيل انبرى … وسارت الخيل إلى وادي القرى
стр. 229
أجمع سكران من الخمر ترى (١) وذلك أن ابن الزبير كان يسمى يزيد السكران) (٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٣) مختصرًا، وخليفة بن خياط (٤) مختصرًا، والبلاذري (٥) والطبري (٦) مطولًا.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن يزيد وصى مسلم بن عقبة ألا يَرُد أهل الشام عما يريدونه بأهل المدينة، وهذا بمثابة إذن منه له بالفساد والنهب، كما جاء في بعض الروايات التي تذكر أن يزيد أمر مسلم بن عقبة أن ينهب المدينة ثلاثة أيام، وكل هذا لم يرد بشيء صحيح (٧).
وقال البرزنجي (٨): (إلا أننا لم نجد رواية تاريخية صحيحة تؤكد أن يزيد بن معاوية أمر باستحلال المدينة لثلاثة أيام، أو أن جيش الشام استحل المدينة لثلاثة أيام، ولعل الجيش استحل المدينة لثلاثة أيام كتصرف فردي من قائد الجيش، ولا نستطيع أن نثبت هذا الاستحلال) (٩).
стр. 230
وأما تمثل يزيد في هذه الأبيات والتي تتضمن ردًّا منه على أبي بكر وهو عبد الله بن الزبير ﵁ الذي تقول هذه الرواية أنه اتهمه بشرب الخمر، وهذه الأبيات لم ترد بسند صحيح (١)، ولو ثبت أن يزيد قال ذلك لثبتت تهمته بشرب الخمر.
ثم إنه ورد ما يخالف ذلك وهي أبيات من الشعر ليزيد خالية من ذكر الخمر، وذلك في ما رواه البلاذري أن يزيد لَمَّا عرض جنده كتب إلى عبد الله بن الزبير ﵁ رقعة لطيفة أفرد بها رسولًا، ويقال: إنه لم يكتب ولكنه قال قولًا ظاهرًا:
أجمع رجال الأبطحين فإنني … أدعو إليك رجال عكّ وأشعر
ورجال كلب والسكون ولخمها … وجذام تقدمها كتائب حمير
كيف النجاء أبا خبيبٍ منهم … فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر (٢)
وهناك أمر يجب أن نتطرق له، وهو ما ردة فعل يزيد حينما خلعه أهل
стр. 231
المدينة وطردوا عامله؟ وهل قرر معاقبتهم دونما تعقل، أم حاول احتواء الموقف؟.
الجواب: بعد ما وصل إلى يزيد بن معاوية خلع أهل المدينة لبيعته، حاول رد أهل المدينة لبيعته بالطرق السلمية ومن ذلك:
- بعث إليهم النعمان بن بشير ﵁، فقد ذكر البلاذري: (وبعث يزيد إلى النعمان بن بشير فقال له: إن عدد الناس بالمدينة الأنصار وهم قومك، فأتهم فأفثأهم (١) عما يريدون، فصار النعمان إلى قومه فاستنهاهم من أنفسهم، وحذرهم جنود أهل الشام، ورغبهم في بيعة يزيد) (٢).
- قبل شفاعة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ فيهم، فقد روى ابن سعد بسنده فقال: (ولما بلغ يزيد بن معاوية وثوب أهل المدينة وإخراجهم عامله وأهل بيته عنها، وجه إليهم مسلم بن عقبة المري، وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، كانت به النوطة (٣)، فوجهه في جيش كثيف، فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة، وقال: إنما تقتل بهم نفسك، فقال: أجل أقتل بهم نفسي، وأشفي نفسي، ولك عندي واحدة، أمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقًا، فإن هم تركوه، ولم يعرضوا له، ولم ينصبوا الحرب تركهم، ومضى إلى ابن الزبير فقاتله، وإن هم منعوه أن يدخلها ونصبوا له الحرب، بدأ بهم، فناجزهم القتال، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له) (٤).
стр. 232
[٩٧]- (ولما بلغ أهل المدينة وصول الجيش تأهبوا للحرب، فوَلَّتْ قريش عليها عبد الله بن مطيع العدوى، ووَلَّتِ الأنصار عليها عبد الله بن حنظلة الراهب وهو غسيل الملائكة، ثم خرجوا إلى الحرة، فعسكروا بها) (١).
وذكر خليفة بن خياط (٢) والبلاذري (٣) والطبري (٤) أن على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى المهاجرين معقل بن سنان (٥).
وعند ابن سعد (٦) أن أميرهم كان عبد الله بن حنظلة.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن أمير الأنصار عبد الله بن حنظلة، ثم وصف أباه حنظلة (٧) ﵁ (بالراهب)، وهذا وهم وغلط منه، فلم يكن له لقب إلا الغسيل؛ لأن الملائكة غسلته يوم أحد، وأما لقب الراهب فيطلق على أبيه واسم أبيه أبي عامر، عمرو بن صيفي (٨).
стр. 233
[٩٨]- (ففي ذلك يقول شاعرهم:
إن في الخندق المكلل بالمجد … لضربًا يفور بالسنوات (١)
لست منا، وليس خالك منا … يا مضيع الصلاة للشهوات (٢)(٣)
ذكر نحوًا منها: ابن قتيبة (٤)، والبلاذري (٥).
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب هذه الأبيات وقال: إن شاعرهم يقصد أهل المدينة، ويعني بها يزيد بن معاوية، وفيها اتهام ليزيد بترك الصلاة وتتبع الشهوات، ولم أقف على خبر صحيح يفيد أن هذه الأبيات قيلت في يزيد بن معاوية، والطرق التي ذكرت أنها قيلت فيه، إما ضعيفة أو منقطعة (٦)، أو أنها غير مسندة أصلًا، وهي واحدة من التهم التي ألصقت به، ولا تصح عنه.
وبعد ذلك نريد أن نعرف: هل يستحق يزيد الخلع من قبل أهل المدينة أم لا؟ وهل ما ينسب إليه من المنكرات صحيح؟.
стр. 234
والجواب على ذلك أقول: إن خير شاهد على عدم تصويب أهل المدينة في خلعهم ليزيد هو ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر ﵁ الذي دافع عن بيعة يزيد وحذر من خلعه ومن ذلك:
ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيعٍ حين كان من أمر الحرّة ما كان، زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرّحمن وسادةً، فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثًا سمعت رسول الله ﷺ يقوله: «من خلع يدًا من طاعةٍ، لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ، مات ميتةً جاهليّةً» (١).
وما أخرجه البخاري عن نافع أيضًا أنه قال: (لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر، حشمه وولده، فقال: إنّي سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «ينصب لكلّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة» وإنّا قد بايعنا هذا الرّجل على بيع اللّه ورسوله، وإنّي لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع اللّه ورسوله ثمّ ينصب له القتال، وإنّي لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلّا كانت الفيصل بيني وبينه) (٢).
رأينا في هذين الخبرين الصحيحين كيف أن عبد الله بن عمر ﵁ وقف وقفة حازمة للدفاع عن بيعة يزيد، وأنه نهى من حوله عن ذلك، وذكَّرَهم بالوعيد المترتب على خلع البيعة دونما سبب يذكر ولو كان هنا سبب لجادله به عبد الله بن مطيع ﵁ ولكن لا شيء يذكر أنها الفتنة.
أما ما ينسب إلى يزيد بن معاوية من المنكرات والتي جعلت سببًا لخلعه، فقد قمت بحصر ما استطعت من النصوص لأعرف أصول الخبر
стр. 235
وطرقه، فمن هذه النصوص التي أوردت هذا الخبر ما يلي:
- روى الأزرقي بسنده عن ابن جريجٍ (١)، قال: سمعت غير واحدٍ من
أهل العلم ممّن حضر ابن الزّبير حين هدم الكعبة وبناها قالوا: لمّا أبطأ عبد الله بن الزّبير عن بيعة يزيد بن معاوية، وتخلّف وخشي منهم، لحق بمكّة ليمتنع بالحرم، وجمع مواليه، وجعل يظهر عيب يزيد بن معاوية ويشتمه، ويذكر شربه الخمر وغير ذلك، ويثبّط النّاس عنه، ويجتمع النّاس إليه، فيقوم فيهم بين الأيّام فيذكر مساوئ بني أميّة، فيطنب في ذلك، فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فأقسم ألَّا يؤتى به إلّا مغلولًا) (٢)، وفي قوله عن غير واحد من أهل العلم: فيه مجاهيل.
- عن الهيثم بن عدي (٣)، عن ابن عياش (٤) وعوانة (٥)، وعن هشام بن الكلبي، عن أبيه (٦) وأبي مخنف وغيرهما، قالوا: (كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتخاذ القيان والغلمان والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة ثم جرى على يده قتل الحسين وقتل أهل الحرة ورمي البيت وإحراقه، وكان مع هذا صحيح
стр. 236
العقدة فيما يرى، ماضي العزيمة لا يهم بشيء إلا ركبه) (١)، وبهذا السند الجمعي لا يصح هذا الخبر؛ لأن كل ما فيه من الرجال ضعاف.
- عن ابن عياش قال: (خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران) (٢)، وابن عياش يقع في أخباره المناكير.
- قال عوانة: (كان مسور بن مخرمة وفد إلى يزيد قبل ولاية عثمان بن محمد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورًا الحدّ) (٣).
- روى الهيثم بن عدي عن عوانة قال: أتى محمد بن أبي الجهم (٤)، فقال له: أبايعك على كتاب اللّه وسنة نبيه، فأمر فضربت عنقه، وقال: حباك أمير المؤمنين وأعطاك ثم تشهد عليه بشرب الخمر؟! واللّه لا تشهد بعدها بشهادة زور أبدًا … ) (٥)، وسند هذا الخبر ضعيف.
- روى الطبري (٦) عن أبي مخنف، وفيه حديث وفد المدينة عند عودتهم من يزيد، حيث قالوا: (إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس).
стр. 237
وما ذكره أبي مخنف أيضًا عن المنذر بن الزبير أنه قال عن يزيد: (إن يزيد واللّه لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إليَّ أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، واللّه إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتّى يدع الصّلاة، وعابه بمثل ما عابه به أصحابه الّذين كانوا معه وأشد، فكان سعيد بن عمرو يحدث بالكوفة أن يزيد بن معاوية بلغه قوله فيه فقال: اللّهمّ إني آثرته وأكرمته، ففعل ما قد رأيت، فاذكره بالكذب والقطيعة) (١)، وأبي مخنف ضعيف.
- وأخرج البيهقي (٢) بسنده عن ابن فليحٍ: (أنّ أبا عمرو بن حفص بن المغيرة (٣) وفد على يزيد فأكرمه وأحسن جائزته، فلمّا قدم المدينة قام إلى جنب المنبر- وكان مُرْضيًّا صالحًا- فقال: ألم أحبّ أن أكرم، والله لرأيت يزيد بن معاوية يترك الصّلاة سكرًا فأجمع النّاس على خلعانه بالمدينة فخلعوه)، وابن فليح قال عنه ابن حجر: ليس بالقوي، وقال مرة: مجهول (٤).
وذكر الطبري (٥) رواية نحوًا منها عن أبي مخنف، أن أمير المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، بعث وفدًا إلى يزيد فيهم عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة (٦)، فلما رجعوا إلى المدينة، سبُّوه، وذكروا شربه للخمر.
стр. 238
- ذكر خليفة بن خياط (١) عن أبي اليقظان (٢) وهو ضعيف، خبر وفادة عبدالله بن أبي عمرو على يزيد بن معاوية ومعه محمد بن عمرو بن حزم (٣)، وأنهم لما رجعوا خلعوا يزيد وأظهروا شتمه والبراءة منه، ولم يأتي فيه ذكر للخمر، ولعله حذف لبشاعته.
- روى ابن سعد من طريق محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف: (كان معقل بن سنانٍ قد صحب النّبيّ ﷺ ، وحمل لواء قومه يوم الفتح، وكان شابًّا ظريفًا، وبقي بعد ذلك، فبعثه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان على المدينة ببيعة يزيد بن معاوية، فقدم الشّام في وفدٍ من أهل المدينة، فاجتمع معقل بن سنانٍ ومسلم بن عقبة الّذي يعرف بمسرفٍ، قال: فقال معقل بن سنانٍ لمسرفٍ وقد كان آنسه وحادثه إلى أن ذكر معقل بن سنانٍ يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقال: إنّي خرجت كرهًا ببيعة هذا الرّجل، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه، رجلٌ يشرب الخمر وينكح الحرم، ثمّ نال منه، فلم يترك) (٤).
- وروى الواقديّ بسنده: لمّا وثب أهل الحرّة، وأخرجوا بني أميّة عن المدينة، واجتمعوا على عبد الله بن حنظلة، وبايعهم على الموت قال: يا قوم اتّقوا الله، فو الله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرْمَى بالحجارة من السّماء،
стр. 239
إنّه رجلٌ ينكح أمّهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخلّ ويدع الصّلاة) (١)، والواقدي ضعيف.
- وروى ابن عساكر بسند فيه محمد بن زكريا الغلابي (٢) (كان يزيد بن معاوية في حداثته صاحب شراب يأخذ مآخذ الأحداث، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق فقال: يا بني، ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك، ثم قال يا بني، إني منشدك أبياتًا فتأدب بها واحفظها فأنشده:
انصب نهارًا في طلاب العلا … واصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجى … واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهي) (٣).
ذكره ابن الجوزي (٤) في الموضوعات وقال: (ذكر معاوية في هذا الحديث إنّما هو من قصده بالشّين وذلك من الغلابيّ فإنّه كان غاليًا في التّشيّع).
- وروى ابن عساكر بسنده عن عمر بن شبة (٥) قال: (لما حج الناس في خلافة معاوية جلس يزيد بالمدينة على شراب فاستأذن عليه ابن عباس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرُفِع) (٦).
стр. 240
وهذه الرواية علق عليها ابن عساكر فقال: (هذه الحكاية منقطعة عمر بن شبة بينه وبين يزيد زمان) (١).
- أما المدائني فقد روى أخبارًا عن اتهام يزيد بشرب الخمر، وهو ليس بالقوي وقل ما له من الروايات المسندة (٢).
ومن رواياته:
- ذكر ابن الجوزي رواية عن المدائني (٣) عن أشياخه، وفيها أن عبد الله بن عمرو بن حفص خلع يزيد بن معاوية مع أهل المدينة وقال: (قد خلعتُ يزيد كما خلعت عمامتي- ونزعها عن رأسه- وإني لا أقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سِكِّير) (٤).
وقوله عن أشياخه: فيه مجاهيل.
وما رواه خليفة بن خياط (٥)، عن المدائني عن بقية بن عبد الرحمن عن أبيه (٦)، أن يزيد بعث إلى عبد الله بن الزبير ﵁ ليبايعه (فقال ابن الزبير: أتأمراني ببيعة رجل يشرب الخمر ويدع الصّلاة ويتبع الصّيد).
- وعن المدائنيّ قال: كان يزيد ينادم على الشراب سرجون مولى معاوية (٧).
стр. 241
- وقد ذكر الذهبي حديث نافع عن ابن عمر ﵁ الذي أخرجه مسلم (١) كما سبق، والذي فيه نهيُّ ابن عمر ﵁ عن خلع يزيد، وقال: (وزاد فيه المدائنيّ، عن صخرٍ، عن نافعٍ: فمشى عبد الله بن مطيعٍ وأصحابه إلى محمّد ابن الحنفيّة، فأرادوه على خلع يزيد، فأبى، وقال ابن مطيعٍ: إنّ يزيد يشرب الخمر، ويترك الصّلاة، ويتعدّى حكم الكتاب، قال: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد أقمت عنده، فرأيته مواظبًا للصّلاة، متحريًّا للخير، يسأل عن الفقه، قال: كان ذلك منه تصنّعًا لك ورياءً) (٢).
نلاحظ مما سبق قول الذهبي: (وزاد فيه المدائني) وهذه الزيادة التي جاء بها المدائني قد انفرد بها وهو غير موثوق ولم أقف على رواية للمدائني عن صخر إلا هذه، ولم أجد هذه الزيادة في جميع المصادر المتقدمة التي وقفت عليها، فيُحْتَملُ أنها أضيفت إلى كتب المدائني؛ لأنها تعارض روايات المدائني السابقة التي جاءت باتهام يزيد بن معاوية بشرب الخمر.
- بعد عرض النصوص السابقة التي ورد فيها مجموعة من التهم الموجهة إلى يزيد بن معاوية، والتي منها تركه للصلاة، وشربه للخمر، تبين أنها لم ترد بسند صحيح، فهي باطلة، ولم يصح عن يزيد شيء منها، ولم تكن هذه التهم سببًا لخلع أهل المدينة ليزيد، ولا سببًا لعدم بيعة عبد الله بن الزبير ﵁ له، وإنما جاءت متأخرة من فعل الرواة.
وهنا أمر يجب التنبه له، وهو أن معظم الروايات الواردة عن رجالات الحرة تُذْكَرُ أنهم زاروا الشام ثم رجعوا يشهدون على يزيد بشرب الخمر وترك الصلاة، وكأنهم شاهدوا شيئًا لا يعجبهم في يزيد، ثم رجعوا يشهدون بذلك
стр. 242
عليه، وهي روايات ضعيفة ذكرت أسماء معينة، نجد أنها اجتمعت في رءوس الحرة، وكأنهم لم يخلعوا يزيد إلا لأشياء شاهدوها أثناء زياراتهم للشام، فهم الوحيدون الذين رأوا ذلك وحكوه لغيرهم من أهل المدينة.
وهذا يجعلني أشكُ في وضع هذه الروايات بعد الحرة بزمن بعيد، وذلك بعد أن حُصِرتْ أسماء القائمين على أمر الحرة، ثم نُسِبَتْ إليهم زيارة الشام والرجوع بهذا الخبر المشين بيزيد لأهل المدينة.
وأضيف على ذلك أن في الشام رجالًا ثقات عدول من الصحابة، مقيمين حول يزيد من أمثال النعمان بن بشير ﵁ وعبد الله بن جعفر ﵁ وغيرهم، هل خفي عليهم أمر يزيد وظهر لغيرهم ممن زار الشام ورجع؟
وقد رد هذه التهمة ابن العربي فقال: (فإن قيل: كان يزيد خمارًا، قلنا: لا يحل إلا بشاهدين) (١).
ولا يَحْسَبُ مَنْ يطلع على ما سبق أن هذا دفاعًا عن يزيد لوحده، وإنما هو دفاع قبل ذلك عمن بايعه من الصحابة رضوان الله عليهم وعن معاوية ﵁ الذي ولاه عليهم وعن مقام الخلافة في ذلك القرن المفضل، فالقادح في دين يزيد يقدح بما سبق كله، وكل ما وصل إلينا عنه وعن غيره من أعلام الأمة في القرون المفضلة كان سببه الرواة الكذابين، الذين جعلوا همهم تشويه رموز هذه الأمة، وهذه التهمة غيض من فيض وقطرة من بحر مما أصاب تاريخ الأمويين بعد زوال ملكهم.
* * *
стр. 243
رابعًا: معركة الحرة
* وصول جيش الشام إلى المدينة:
[٩٩]- (ووافاهم الجيش، فقاتلوهم حتى كثرت القتلى) (١).
- ذكر خليفة بن خياط (٢) عدد القتلى من قريش والأنصار، فقال: (فجميع من أصيب من الأنصار مائة رجل وثلاثة وسبعون رجلًا، وجميع من أصيب من قريش والأنصار ثلاثمائة رجل وستّة).
- وذكر يعقوب بن سفيان (٣) بسنده عن الإمام مالك: (وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، وقُتِلَ يومئذ من حملة القرآن سبعمائة نفس).
- وذكر أبو العرب (٤) بسند فيه الواقدي: (أن الزهري سئل: كم بلغ القتل يوم الحرّة؟ قال أمّا من قريشٍ والأنصار ومهاجرة العرب ووجوه النّاس فسبعمائة وسائر ذلك عشرة آلافٍ وأصيب بها نساءٌ وصبيانٌ بالقتل).
وهذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها الواقدي، وأما متنها فهو منكر؛ لأن فيها ذكر لقتل الصبيان والنساء، وهذا الفعل لم يحدث أن المسلمين فعلوه مع المشركين، فكيف يفعلونه مع المسلمين.
وفيها مبالغة وذلك في عدد القتلى، ونرد على هذه المبالغة وغيرها بقول ابن تيمية عن قتل الحرة: (لكن لم يُقْتَلْ جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلافٍ، ولا وصلت الدّماء إلى قبر النّبيّ ﷺ ولا إلى الرّوضة، ولا كان القتل في المسجد).
стр. 244
نلاحظ مما سبق من الروايات التي حددت قتلى الحرة أن بينها تباينًا واضحًا فقد ارتفع العدد في الرواية الثانية عن الأولى إلى الضعف ثم إلى أضعاف كثيرة في الرواية الثالثة، ونجد في رواية خليفة بن خياط العدد الذي يتوافق مع المشاركين في الحرة، فلم يذكر أن أهل المدينة كلهم شاركوا في الحرة، ولا أنهم استعانوا بأحد من غيرهم، وهذا العدد ليس بالقليل إذا تمت مقارنته بأهل المدينة وحدهم، فبحرمة دماء المسلمين فيما بينهم عامة، ودماء الصحابة وأبنائهم خاصة، وحرمة المكان، تكون هذه الدماء قد أُسْرِفَ فيها وانتُهِكَتْ حرمتها، وهو الإسراف الذي حصل مع النهب.
* دخول جيش الشام إلى المدينة:
[١٠٠]- (وأقبلتْ طائفة من أهل الشام، فدخلوا المدينة من قبل بني حارثة، وهم الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ (١)، فلم يشعر القوم، وهم يقاتلون مَنْ يليهم، إلا وأهل الشام يضربونهم من أدبارهم، فقُتِلَ عبد الله بن حنظلة أمير الأنصار، وقُتِلَ عمرو بن حزم الأنصاري (٢) قاضي المدينة (٣)(٤).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط والطبري (٥) والبلاذري (٦).
стр. 245
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن جيش الشام دخل المدينة من قبل بني الحارثة.
ومما يؤيد هذا القول، ما ذُكِرَ عن مسلم بن عقبة أنه لما قدم المدينة أكمن كمينًا مما يلي منازل بني الحارثة، فلما التَحَمَ جيش أهل المدينة بجيش الشام صبر لهم أهل المدينة وقاتلوا أشد قتال، فلم يشعروا إلا بالكمين يضرب أدبارهم فانهزموا (١).
أما قول صاحب الكتاب: إن الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ (٢)، هم بنو الحارثة، فهذا لا يصح على العموم؛ لأن تفسير الآية: أن من قال هذا المنافقون منهم، ولا يشمل كل بني الحارثة من الأنصار.
والآية كاملة هي قول الله ﷻ : ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ (٣).
وتفسيرها: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ من بني حارثة بن الحرث لأصحابهم فى الخندق ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعنون يا أهل المدينة ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ لا مكان لكم في الخندق عند القتال ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى المدينة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ من منافقي بني حارثة ﴿النَّبِيَّ﴾ ﷺ بالرّجوع إلى المدينة و ﴿يَقُولُونَ﴾ ائذن لنا يا نبي الله بالرّجوع إلى المدينة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ خالية من الرّجال نخاف عليها سرق السراق ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بخالية ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ ما يريدون
стр. 246
بذلك ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾ من القتل (١).
[١٠١]- (واستباح أهل الشام المدينة ثلاثة أيام بلياليها) (٢).
ذكر البلاذري: (ثم أنهب الناس المدينة ثلاثة أيام)، (وأباح مسلم المدينة ثلاثة أيام يقتلون ويأخذون المتاع ويعبثون بالإماء ويفعلون ما لا يحبه الله) (٣)، أما الطبري فقد روى عن أبو مخنف قوله: (وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناس ويأخذون الأموال) (٤).
• نقد النص:
ذكر استباحة المدينة من قبل جيش الشام ثلاثة أيام.
قد بالغ المؤرخون في حجم هذه الاستباحة، بينما جاءت آثار صحيحة بينت ذلك، وحصرته في الإسراف في القتل والنهب ومنها:
ما أخرجه البخاري عن: جابر بن عبد الله ﵄، قال: (بِعْتُ من النّبيّ ﷺ بعيرًا في سفرٍ، فلمّا أتينا المدينة قال: «ائت المسجد فصلّ ركعتين» فوزن - قال شعبة: أراه فوزن لي - فأرجح، فما زال معي منها شيءٌ حتّى أصابها أهل الشّأم يوم الحرّة) (٥).
فهذا يثبت وقوع النهب من قبل جيش الشام.
وسُئل الإمام أحمد عن يزيد بن معاوية قال: (هو فعل بالمدينة ما فعل؟ قلت: وما فعل؟ قال: قتل بالمدينة من أصحاب النّبيّ ﷺ وفعل، قلت: وما فعل؟ قال: نهبها، قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه الحديث، ولا
стр. 247
ينبغي لأحدٍ أن يكتب عنه حديثًا) (١).
حددتْ هاتان الروايتان الأعمال التي قام بها جيش يزيد في الشام، وهي القتل، والنهب، ولا شيء أكثر وأعظم من هذا في ذلك القرن، فهو القرن المفضل الأول، وينبغي ألا يصدق ما يرد من الروايات التي تجاوزت الحد في وصف ما جرى بالإباحة التي لو صح أنها حصلت لكانت إساءة لجميع المسلمين على مر عصورهم، لكن لا يشك في صدورها من الأعداء أنفسهم ليجروا بذلك الخزي والعار على المسلمين، ولكن الله حفظ هذه الأمة بالسند، ليقف حدًّا لعبث الرواة الكذابين ودسائسهم الخبيثة، والوصف الذي ينبغي أن توصف به هذه الحادثة هو (الإسراف)؛ لأن السلف سموا مسلم بن عقبة (مسرفًا)، أما الإباحة فهي تعني إباحة كل ما حرم الله مثل الأعراض وقتل النساء والصبيان، وهذا الوصف تروج له الروايات الضعيفة.
- أما مزاعم بعض الروايات التي تكلمت عن استباحة الأعراض، فهذا لا يصح ولم يثبت منه شيء.
قال السلمي: (غير أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن هذه الحادثة قد بولغ في، وصفها وفي عدد القتلى الذين قتلوا فيها، وأن جنود الجيش وقعوا على النساء، وافتضوا الأبكار، فولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج، وأُجهز على الجرحى، وقتل المدبر، وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ ، وبالت وراثت بين القبر والمنبر، وانقطعت الصلاة في المسجد أربعين يومًا، وخلت المدينة من أهلها، وتركت الثمار للعوافي، إلى غير ذلك فهذا أمر لا يحتمل وقوعه، ولا تقبله طبيعة المجتمع، ولا سنن العادة، لا سيما مع قرب العهد بالرسالة، ولم
стр. 248
ينقل أن مثل هذا الفعل من انتهاك الأعراض، والإسراف في القتل، وقع مع الكفار، فكيف يتصور وقوعه مع المسلمين، وفي دار النبوة والهجرة؟! والحادثة لا شك أنها كبيرة ومؤسفة وخطأ جسيم، ولذلك أجمع السلف على تسمية مسلم بن عقبة مسرفًا، ولكن هذا لا يجعلنا ننفي أصل الحادثة وهو إباحة المدينة بعد توارد الأدلة على ثبوتها، كما فعل بعض المستشرقين والباحثين المعاصرين الذين جهلوا السلف الماضين، ونسبوهم إلى ضعف التحقيق العلمي، مع أنهم هم لم يبنوا حكمهم هذا على التتبع والاستقراء ودراسة كافة النصوص الواردة في الموضوع، وإلا لتبين لهم الحق والواقع) (١).
وقال الشيباني، بعد أن فند الروايات وما فيها من مزاعم ثم عرض الأدلة والقرائن: (وبهذه الأدلة والقرائن التي ذكرناها يُتأكد لنا أن انتهاك أعراض نساء المدينة لا أساس له من الصحة، وأنها روايات جاءت متأخرة، وبدافع حزبي بغيض، يتخذ من كره وتشويه التاريخ الأموي دافعًا له) (٢).
* محاسبة مسلم لرءوس الحرة:
[١٠٢]- (فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة، فدعاهم إلى البيعة، فكان أول من أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود (٣)، وجدته أم سلمه زوج النبي ﷺ . فقال له مسلم: بايعني.
قال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
فقال مسلم: بل بايع على أنكم فيء لأمير المؤمنين، يفعل في أموالكم
стр. 249
وذراريكم ما يشاء. فأبى أن يبايع على ذلك، فأمر به، فضربت عنقه.
ثم تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، فقال له مسلم: أنت الذي وفدت على أمير المؤمنين، فأكرمك وحباك، فرجعت إلى المدينة تشهد عليه بشرب الخمر، والله لا تشهد بشهادة زور أبدًا، اضربوا عنقه. فضربت عنقه، ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي، وكان حليفًا لبني هاشم، فقال له مسلم: أتذكر يومًا مررت بي بطبرية (١)، فقلت لك، من أين أقبلت؟ فقلت، سرنا شهرًا، وأنضينا ظهرًا، ورجعنا صفرًا، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاوية، ونبايع رجلًا من أولاد المهاجرين؟.
فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا قتلتك، وقد أمكنني الله منك يا أحمق، ما أشجع والخلافة؟! فتعزل وتولى، اضربوا عنقه) (٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٣)، والبلاذري (٤)، والطبري (٥).
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية محاسبة مسلم بن عقبة قائد جيش الشام لقادة جيش أهل المدينة في وقعة الحرة، والملاحظ عليها ذكر أفعالهم قبل المعركة ومنها
стр. 250
شهادة بعضهم على يزيد بأنه يشرب الخمر، ثم تخييرهم بالبيعة ليزيد على أنهم فيء وفي بعض الروايات أنكم خول ليزيد يحكم في أموالهم وذراريهم ما يشاء، وهذا لا يمكن تصديقه، ومن يقبل بهذا منهم، وهو مما لاشك فيه أنه زيادة من فعل الرواة، ولم أقف على من أورد ذلك بسند يمكن الاعتماد عليه.
ولذا أقول: إن مسلم قتل هؤلاء؛ لأنهم رءوس الحرة وقادة الجيش بها، وأن هذه المبايعة التي وردت عنه لن يقبلها جميع من بقي من أهل المدينة، فلماذا خير هؤلاء فقط وترك غيرهم هل ما بقي من أهل المدينة إلا هم؟! أم هل جميع أهل المدينة رضوا بهذا وبايعوا لقوله فلذلك نجوا من القتل؟!.
وما يؤيد ذلك ما ذكره خليفة بن خياط فقال: (وقُتِلَ معقل بن سنان الأشجعيّ صبرًا ومحمّد بن أبي حذيفة العدوي صبرًا، ومحمّد بن أبي الجهم ابن حذيفة صبرًا) (١)، (وقُتِلَ يزيد بن عبد الله بن زمعة صبرًا) (٢).
وذكر ابن سعد في ترجمته فقال: (محمّد بن أبي جهمٍ أحد الرّءوس يوم الحرّة، وقُتِلَ يومئذٍ في ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وستّين) (٣).
وهذا يدل على أنه من نجا من رءوس الحرة قُتِلَ صبرًا بعد المعركة.
[١٠٣]- (ثم تقدم عمرو بن عثمان (٤)، فقال له: أنت الخبيث ابن الطيب، الذي إذا ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن عثمان بن عفان، وإذا ظهر أهل