بذلك ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾ من القتل (١).
[١٠١]- (واستباح أهل الشام المدينة ثلاثة أيام بلياليها) (٢).
ذكر البلاذري: (ثم أنهب الناس المدينة ثلاثة أيام)، (وأباح مسلم المدينة ثلاثة أيام يقتلون ويأخذون المتاع ويعبثون بالإماء ويفعلون ما لا يحبه الله) (٣)، أما الطبري فقد روى عن أبو مخنف قوله: (وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناس ويأخذون الأموال) (٤).
• نقد النص:
ذكر استباحة المدينة من قبل جيش الشام ثلاثة أيام.
قد بالغ المؤرخون في حجم هذه الاستباحة، بينما جاءت آثار صحيحة بينت ذلك، وحصرته في الإسراف في القتل والنهب ومنها:
ما أخرجه البخاري عن: جابر بن عبد الله ﵄، قال: (بِعْتُ من النّبيّ ﷺ بعيرًا في سفرٍ، فلمّا أتينا المدينة قال: «ائت المسجد فصلّ ركعتين» فوزن - قال شعبة: أراه فوزن لي - فأرجح، فما زال معي منها شيءٌ حتّى أصابها أهل الشّأم يوم الحرّة) (٥).
فهذا يثبت وقوع النهب من قبل جيش الشام.
وسُئل الإمام أحمد عن يزيد بن معاوية قال: (هو فعل بالمدينة ما فعل؟ قلت: وما فعل؟ قال: قتل بالمدينة من أصحاب النّبيّ ﷺ وفعل، قلت: وما فعل؟ قال: نهبها، قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه الحديث، ولا
стр. 247
ينبغي لأحدٍ أن يكتب عنه حديثًا) (١).
حددتْ هاتان الروايتان الأعمال التي قام بها جيش يزيد في الشام، وهي القتل، والنهب، ولا شيء أكثر وأعظم من هذا في ذلك القرن، فهو القرن المفضل الأول، وينبغي ألا يصدق ما يرد من الروايات التي تجاوزت الحد في وصف ما جرى بالإباحة التي لو صح أنها حصلت لكانت إساءة لجميع المسلمين على مر عصورهم، لكن لا يشك في صدورها من الأعداء أنفسهم ليجروا بذلك الخزي والعار على المسلمين، ولكن الله حفظ هذه الأمة بالسند، ليقف حدًّا لعبث الرواة الكذابين ودسائسهم الخبيثة، والوصف الذي ينبغي أن توصف به هذه الحادثة هو (الإسراف)؛ لأن السلف سموا مسلم بن عقبة (مسرفًا)، أما الإباحة فهي تعني إباحة كل ما حرم الله مثل الأعراض وقتل النساء والصبيان، وهذا الوصف تروج له الروايات الضعيفة.
- أما مزاعم بعض الروايات التي تكلمت عن استباحة الأعراض، فهذا لا يصح ولم يثبت منه شيء.
قال السلمي: (غير أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن هذه الحادثة قد بولغ في، وصفها وفي عدد القتلى الذين قتلوا فيها، وأن جنود الجيش وقعوا على النساء، وافتضوا الأبكار، فولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج، وأُجهز على الجرحى، وقتل المدبر، وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ ، وبالت وراثت بين القبر والمنبر، وانقطعت الصلاة في المسجد أربعين يومًا، وخلت المدينة من أهلها، وتركت الثمار للعوافي، إلى غير ذلك فهذا أمر لا يحتمل وقوعه، ولا تقبله طبيعة المجتمع، ولا سنن العادة، لا سيما مع قرب العهد بالرسالة، ولم
стр. 248
ينقل أن مثل هذا الفعل من انتهاك الأعراض، والإسراف في القتل، وقع مع الكفار، فكيف يتصور وقوعه مع المسلمين، وفي دار النبوة والهجرة؟! والحادثة لا شك أنها كبيرة ومؤسفة وخطأ جسيم، ولذلك أجمع السلف على تسمية مسلم بن عقبة مسرفًا، ولكن هذا لا يجعلنا ننفي أصل الحادثة وهو إباحة المدينة بعد توارد الأدلة على ثبوتها، كما فعل بعض المستشرقين والباحثين المعاصرين الذين جهلوا السلف الماضين، ونسبوهم إلى ضعف التحقيق العلمي، مع أنهم هم لم يبنوا حكمهم هذا على التتبع والاستقراء ودراسة كافة النصوص الواردة في الموضوع، وإلا لتبين لهم الحق والواقع) (١).
وقال الشيباني، بعد أن فند الروايات وما فيها من مزاعم ثم عرض الأدلة والقرائن: (وبهذه الأدلة والقرائن التي ذكرناها يُتأكد لنا أن انتهاك أعراض نساء المدينة لا أساس له من الصحة، وأنها روايات جاءت متأخرة، وبدافع حزبي بغيض، يتخذ من كره وتشويه التاريخ الأموي دافعًا له) (٢).
* محاسبة مسلم لرءوس الحرة:
[١٠٢]- (فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة، فدعاهم إلى البيعة، فكان أول من أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود (٣)، وجدته أم سلمه زوج النبي ﷺ . فقال له مسلم: بايعني.
قال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
فقال مسلم: بل بايع على أنكم فيء لأمير المؤمنين، يفعل في أموالكم
стр. 249
وذراريكم ما يشاء. فأبى أن يبايع على ذلك، فأمر به، فضربت عنقه.
ثم تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، فقال له مسلم: أنت الذي وفدت على أمير المؤمنين، فأكرمك وحباك، فرجعت إلى المدينة تشهد عليه بشرب الخمر، والله لا تشهد بشهادة زور أبدًا، اضربوا عنقه. فضربت عنقه، ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي، وكان حليفًا لبني هاشم، فقال له مسلم: أتذكر يومًا مررت بي بطبرية (١)، فقلت لك، من أين أقبلت؟ فقلت، سرنا شهرًا، وأنضينا ظهرًا، ورجعنا صفرًا، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاوية، ونبايع رجلًا من أولاد المهاجرين؟.
فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا قتلتك، وقد أمكنني الله منك يا أحمق، ما أشجع والخلافة؟! فتعزل وتولى، اضربوا عنقه) (٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٣)، والبلاذري (٤)، والطبري (٥).
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية محاسبة مسلم بن عقبة قائد جيش الشام لقادة جيش أهل المدينة في وقعة الحرة، والملاحظ عليها ذكر أفعالهم قبل المعركة ومنها
стр. 250
شهادة بعضهم على يزيد بأنه يشرب الخمر، ثم تخييرهم بالبيعة ليزيد على أنهم فيء وفي بعض الروايات أنكم خول ليزيد يحكم في أموالهم وذراريهم ما يشاء، وهذا لا يمكن تصديقه، ومن يقبل بهذا منهم، وهو مما لاشك فيه أنه زيادة من فعل الرواة، ولم أقف على من أورد ذلك بسند يمكن الاعتماد عليه.
ولذا أقول: إن مسلم قتل هؤلاء؛ لأنهم رءوس الحرة وقادة الجيش بها، وأن هذه المبايعة التي وردت عنه لن يقبلها جميع من بقي من أهل المدينة، فلماذا خير هؤلاء فقط وترك غيرهم هل ما بقي من أهل المدينة إلا هم؟! أم هل جميع أهل المدينة رضوا بهذا وبايعوا لقوله فلذلك نجوا من القتل؟!.
وما يؤيد ذلك ما ذكره خليفة بن خياط فقال: (وقُتِلَ معقل بن سنان الأشجعيّ صبرًا ومحمّد بن أبي حذيفة العدوي صبرًا، ومحمّد بن أبي الجهم ابن حذيفة صبرًا) (١)، (وقُتِلَ يزيد بن عبد الله بن زمعة صبرًا) (٢).
وذكر ابن سعد في ترجمته فقال: (محمّد بن أبي جهمٍ أحد الرّءوس يوم الحرّة، وقُتِلَ يومئذٍ في ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وستّين) (٣).
وهذا يدل على أنه من نجا من رءوس الحرة قُتِلَ صبرًا بعد المعركة.
[١٠٣]- (ثم تقدم عمرو بن عثمان (٤)، فقال له: أنت الخبيث ابن الطيب، الذي إذا ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن عثمان بن عفان، وإذا ظهر أهل
стр. 251
الحجاز قلت أنا واحد منكم، وأنت في ذلك تبغي أمير المؤمنين الغوائل، انتُفُوه، فنُتِفَتْ لحيته، حتى ما تركت فيها شعرة.
فقام إليه عبد الملك بن مروان، فاستوهبه، فوهبه له) (١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٢)، والبلاذري (٣).
• نقد النص:
تحدثت هذه الرواية عن عمرو بن عثمان بن عفان، وموقف مسلم بن عقبة معه، وأنه سبه، وأمر بنتف لحيته.
ولم أقف على من أوردها بسند صحيح، وأما متنها فهو منكر، ولا يصح عن ذلك القرن هذه الأعمال القبيحة.
ثم إنه ورد عند البلاذري موقفًا لعمرو بن عثمان غير ما ذكرته هذه الرواية وهو: (ولقيت بنو أميّة مسلم بن عقبة بوادي القرى فسلموا عليه، فدعا عمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فسأله عن الخبر فلم يخبره بشيء ليمينه التي حلفها لأهل المدينة، فقال: لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، واللّه لا أقلتها قرشيًّا بعدك) (٤).
وهذا الخبر أحسن من الذي قبله وهو متناسق مع أحداث الحرة؛ لأن أهل المدينة أخرجوا بني أمية بعد خلعهم يزيد؛ ولذلك التقوا بمسلم في طريقه إلى المدينة بوادي القرى.
وأمر آخر هو أن عمرو بن عثمان ابن عم ليزيد بن معاوية، فكلاهما من
стр. 252
بني أمية، وقد تزوج برملة بنت معاوية أخت يزيد (١)، فكيف يصدق أن مسلم يفعل به هذا وهو يعلم صلة قرابته من يزيد؟
* خبر مسلم بن عقبة مع علي بن الحسين:
[١٠٤]- (ثم أتاه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فأجلسه معه على ثيابه وفراشه، وقال: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك. فقال علي: إني كنت لما فعل أهل المدينة كارهًا. قال: أجل. ثم حمله على بغلة، وصرفه إلى منزله) (٢).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٣)، وذكر البلاذري (٤) في خبر الحرة أن علي بن الحسين قد اعتزل بضيعة له قرب المدينة كراهية أن يشهد شيئًا من أمرهم.
[١٠٥]- (وبعث إلى علي بن عبد الله بن عباس (٥) ليؤتى به للبيعة، فأُخرج من منزله، فأقبلوا به، فلقيه الحصين بن نمير، فانتزعه من يد الجلاوزة. وكان الحصين من أخوال علي بن عبد الله. فقال مسلم: إني إنما بعثت إليه للبيعة، فائتني به. فأرسل إليه الحصين، فجاء حتى بايع) (٦).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٧).
стр. 253
• نقد النص:
وفي هذه الرواية ذكرٌ لعلي بن العباس وأنه قد دخل في أمر أهل المدينة، ولكن ذلك لم يثبت؛ لأنه لم يرد بسند يمكن الاعتماد عليه؛ وقد ورد ما يخالفه، وهو ما رواه ابن كثير عن أبي جعفرٍ الباقر (١): (لم يخرج أحدٌ من آل أبي طالبٍ ولا من بني عبد المطّلب أيّام الحرّة) (٢).
[١٠٦]- (وأرسلت بنت الأشعث بن قيس (٣)، وكانت امرأة الحسين بن علي، إلى مسلم بن عقبة تعلمه أن منزلها انتهب، فأمر برد جميع ما أخذ لها) (٤).
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
أورد صاحب الكتاب هذه الرواية التي فيها عفو مسلم بن عقبة عن جعدة بنت الأشعث وهي امرأة الحسن ﵁، وليس كما وهم صاحب الكتاب أنها امرأة الحسين ﵁ وهذا إيعازٌ منه بالعلاقة التي تروج لها الروايات الضعيفة (٥) بالربط بين هذه المرأة وبين موت الحسن ﵁، وأنها هي من دسّت له السم،
стр. 254
وأن الذي أمرها بذلك معاوية ﵁، وقد ساق صاحب الكتاب هذه الرواية ليثبت أن لها يدًا عند بني أمية.
وهذا لا يصح عن معاوية ﵁، ولا عن ابنه يزيد وقد رد العلماء هذه التهمة.
قال ابن العربي: (فإن قيل: قد دس على الحسن من سمه. قلنا: هذا محال من وجهين: أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلم الأمر. الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تحملونه - بغير بينة - على أحد من خلقه في زمان متباعد لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل المصمم) (١)، وأورد الذهبي الخبر وعلق عليه بقوله: (هذا شيءٌ لا يصحّ فمن الّذي اطّلع عليه) (٢)، وأورد ابن كثير الخبر وعلق عليه: (وروى بعضهم أنّ يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سمّي الحسن وأنا أتزوّجك بعده، ففعلت، فلمّا مات الحسن بعثت إليه فقال: إنّا واللّه لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟ وعندي أنّ هذا ليس بصحيحٍ، وعدم صحّته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى) (٣).
وقال ابن تيمية: (وأمّا قوله: «إنّ معاوية سمّ الحسن». فهذا ممّا ذكره بعض النّاس، ولم يثبت ذلك ببيّنةٍ شرعيّةٍ، أو إقرارٍ معتبرٍ، ولا نقلٍ يجزم به، وهذا ممّا لا يمكن العلم به، فالقول به قولٌ بلا علمٍ) (٤).
стр. 255
وقال ابن خلدون: (وما ينقل من أنّ معاوية دس إليهم السمّ مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك) (١).
وقد تَقصَّى الغيث (٢) الأعراض التي ظهرت على الحسن ﵁ عند وفاته وقام بعرضها على أحد الأطباء المتخصصين وكانت النتيجة أن الأعراض لم تكن أعراض سم.
стр. 256
خامسًا: اتجاه جيش الشام إلى مكة، ومصيره
* موقف يزيد من معركة الحرة:
[١٠٧]- (ثم شخص بالجيش إلى مكة، وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة، فتمثل يزيد.
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها … واستحر القتل في عبد الأشل (١)(٢)
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٣).
• نقد النص:
نقل عن يزيد أنه تمثل بهذه الأبيات، واختلفت المصادر متى قال ذلك، بعضها ذكرت أنه تمثل بها عند قتل الحسين ﵁ (٤)، والأخرى عند وصول خبر الحرة إليه (٥)، وكل ذلك لا يصح عنه.
وفي ذلك يقول ابن تيمية عن يزيد: (والديوان الشعري الذي يعزى إليه
стр. 257
عامته كذب، وأعداء الإسلام كاليهود وغيرهم يكتبونه للقدح في الإسلام، يذكرون فيه ما هو كذب ظاهر، كقولهم إنه أنشد:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكبش من أقرانهم … وعدلناه ببدرٍ فاعتدل
وأنه تمثل بهذا ليالي الحرّة فهذا كذب.
وهذا الشعر لعبد الله بن الزّبعرى أنشده عام أحدٍ لما قتل المشركون حمزة، وكان كافرًا، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه) (١).
بل ورد ما ينافي هذا الخبر:
قال ابن كثير: (وروى المدائنيّ أنّ مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباعٍ إلى يزيد ببشارة الحرّة، فلمّا أخبره بما وقع قال: واقوماه، ثمّ دعا الضّحّاك بن قيس الفهري، فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة؟ فما الّذي يجبرهم؟ قال: الطّعام والأعطية، فأمر بحمل الطّعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته)، وقال: (وهذا خلاف ما ذكره كذبة الرّوافض عنه من أنّه شمت بهم واشتفى بقتلهم، وأنه أنشد ذكرًا وأثرًا شعر ابن الزّبعرى) (٢).
وقال ابن الوزير: (وقد تركت ما يختص الشيعة بروايته مما لم أعرف له إسنادًا، مثل ما يروى عن يزيد من قوله: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل) (٣).
* خلاصة وقعة الحرة:
١ - إن خلع أهل المدينة ليزيد كان نتيجة رأي اجتمع عليه رءوسهم من
стр. 258
أمثال عبد الله بن مطيع ومعقل بن سنان، ومحمد بن أبي الجهم، ويزيد بن عبد الله بن زمعة، ولم يثبت أن لعبد الله بن الزبير علاقة في أمرهم إلا أن دعواهم واحدة، وهي المطالبة بالشورى، ولم يصح أن الخلع بسبب فسق يزيد أو شربه للخمر وغيره.
٢ - حاول يزيد احتواء موقفهم، وأرسل النعمان بن بشير إليهم ليثنيهم عما كانوا عليه ولكنهم أصروا على موقفهم من خلعه، وهذا لا يشفع له؛ لأنه أخطأ خطأ جسيمًا، لم يسامح عليه عندما أرسل شخص من العتاة الجبابرة الذي أسرف في قتل ونهب المدينة.
٣ - لم يكن أهل المدينة جميعهم قد وافقوا على خلع يزيد، بل تمسكت طائفة منهم بالبيعة، منهم آل البيت وعلى رأسهم علي بن الحسين ومن معه في المدينة من آل عبد المطلب، وآل عمر بن الخطاب وعلى رأسهم عبد الله بن عمر، وبعض الصحابة مثل أبي سعيد الخدري ﵁، وبني أمية وكبيرهم مروان بن الحكم، وهؤلاء لم يمسهم أذى أهل الشام، وهذا يدل دلالة واضحة أن يزيد يستحق البيعة، ولا يصح عنه القيام بأعمال مشينة تستوجب خلعه، فلم يجمع أهل المدينة على خلعه، ولا حتى أهل الحل والعقد منهم، فلا يوجد في المدينة آنذاك أفقه من عبد الله بن عمر ﵁ وأبي سعيد الخدري ﵁، ومع ذلك لم يخلعوه.
٤ - قتل مسلم بن عقبة من تبقى من رءوس الحرة صبرًا.
٥ - أقصى ما فعله أهل الشام بأهل المدينة أنهم نهبوا المدينة وأسرفوا في قتل أهلها، مع إمكانية هزيمتهم وإخضاعهم دون الحاجة لمزيد من القتل، وهذا كله ليس أمرًا يسيرًا يمكن تجاوزه؛ لأن كل هذا حدث في مدينة الرسول ﷺ ، وفي الصحابة وأبنائهم، وهذا هو السبب المباشر لتعظيم الحادثة في قلوب
стр. 259
المسلمين على مر العصور، ولذلك يجب أن يقتصر التصور على هذه الأعمال؛ لأنها في ذلك الجيل عظيمة، ولا يطلق المسلم خياله لتلك الروايات الفاسدة، التي صورت القرن المفضل بتلك الخرافات والأباطيل.
٦ - أهل المدينة أخطئوا في خلع يزيد، وهو أخطأ بمعاقبتهم.
٧ - جاءت بعض الكتب بأخبار مشينة لهذه المعركة وغيرها من أحداث دولة بني أمية، وصورتها لنا بأفظع الصور والمشاهد، فكأننا نقرأ عن غزو المغول للمسلمين، بل أفظع من ذلك، وهذا كله؛ لأن تدوين تاريخ بني أمية جاء متأخرًا بزمن لا يخلو من العبث والدس.
* وفاة مسلم بن عقبة وخبر غزو مكة:
[١٠٨]- (فلما بلغ ابن عقبة هرشى (١) اعتل، واشتدت علته، ونزل به الموت، فقال: أسندوني. فاسند، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني إن حدث بي في وجهي هذا حدث أن استخلف الحصين بن نمير على الجيش، ولو كان الأمر إليّ ما استخلفته؛ لأن من شأن اليمانية الرقة، غير أني لا أعصي أمير المؤمنين.
ثم قال: يا حصين، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب من يومك، ولا ترد أهل الشام عن شيء يريدونه بعدوهم، ولا تجعل أذنك وعاء لقريش فيخدعوك. ثم مات، وكانت به الذبحة) (٢).
أورد نحوًا منها: ابن سعد (٣)، وخليفة بن خياط (٤) مختصرًا، والأزرقي (٥)
стр. 260
والبلاذري (١) والطبري (٢) مطولًا.
• نقد النص:
اختلفت المصادر في مكان موته والأشهر أنه في المشلل (٣).
أما المرض الذي أصابه فقيل إنه الماء الأصفر (٤)، أو أنه النقرس (٥)، وقيل: الفالج (٦)، وقيل: النوطة (٧)، والله أعلم.
وأما عن وصية مسلم بن عقبة للحصين بن نمير ألا يرد أهل الشام في ما يريدونه بعدوِّهم فلم ترد بسند صحيح، ولعل ورودها هنا امتداد لوصية يزيد بن معاوية المزعومة وتأكيدًا لها.
[١٠٩]- (فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير فسار حتى وافى مكة.
وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه، ونصب الحصين المجانيق على جبل أبي قبيس، وكانوا يرمون أهل المسجد) (٨).
أورد نحوًا منها: ابن سعد (٩) وخليفة بن خياط (١٠) والأزرقي (١١)
стр. 261
والبلاذري (١) مطولًا. والطبري (٢) بمثله مطولًا، وزاد عندهم حريق الكعبة في هذه الحملة.
* وصول خبر وفاة يزيد لجيش الشام:
[١١٠]- (فبيناهم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن معاوية، فأرسل إلى عبد الله بن الزبير: إن الذي وجهنا لمحاربتك قد هلك، فهل لك في الموادعة؟ وتفتح لنا الأبواب، فنطوف بالبيت، ويختلط الناس بعضهم ببعض، فَقَبِلَ ذلك ابن الزبير، وأمر بأبواب المسجد، ففُتِحَتْ، فجعل الحصين وأصحابه يطوفون بالبيت. فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير، فأخذ الحصين بيده، فقال له سرًّا: هل لك في الخروج معي إلى الشام؟ فادعوا الناس إلى بيعتك، فإن أمرهم قد مرج، ولا أرى أحدًا أحق بها اليوم منك، ولست أعصى هناك. فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده، وقال، وهو يجهر بقوله: دون أن أقتل بكل رجل من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام.
فقال الحصين: لقد كذب من زعم أنك من دهاة العرب، أكلمك سرًّا، وتكلمني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب) (٣).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٤)، والبلاذري (٥)، والطبري (٦).
стр. 262
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية أنه لما ورد خبر موت يزيد بن معاوية، التقى الحصين بن نمير بعبد الله بن الزبير ﵁ ثم خيره بالذهاب معه إلى الشام؛ ليأخذ له البيعة هناك، ولكن عبد الله بن الزبير ﵁ رفض ذلك بشدة ورفع صوته، فسفهه الحصين لذلك وعاب عليه فعله، وهي تحكي غفلة عبد الله بن الزبير ﵁، وعدم تفهمه لأسلوب المحادثة، وأنه أوهن الأمر الذي عرضه عليه الحصين بن نمير، وهذا الأمر لا يصح عنه، فهو داهية وما ساد ودانت له الرقاب وبايعته الأمصار إلا وهو كذلك، ومن نقل عنه ذلك إلا ليشينه ويوهن أمره.
وأصح ما جاء في هذه المحادثة ما رواه البلاذري، فقال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي (١) حدّثنا وهب بن جرير بن حازم (٢) عن جويرية بن أسماء (٣)، قال: حدّثني بردٌ مولى آل الزّبير (٤): أنّ حصينًا بعث إلى ابن الزّبير إنّي أحبّ لقاءك، قال: فموعدك بعد العتمة بأعلى مكّة، فخرج ابن الزّبير بعد أن صلّى بالنّاس إلى المكان الّذي وعده فيه وليس عليه سلاحٌ، وأقبل ابن نميرٍ وعليه الدّرع والسّيف وقد لبس ممطرًا، فلمّا أراد الجلوس بدت نعل السّيف، فقال له ابن الزبير: أغدرًا يا ابن نميرٍ؟ قال: لا ولكنّي خفت أصحابك، ثمّ قال له: أبايعك غدًا بين الرّكن والمقام أنا وجميع أصحابي على أن تنتقل إلى الشّام فتسكنها ونقاتل عنك النّاس ما بقيت أرواحنا، فقال: إنّ لي أمراء لست أقطع أمرًا دونهم، فأناظرهم ثمّ يأتيك رأيي، فرجع فأخبر ابن صفوان وذويه، فقالوا: أتخرج من بلدٍ نصرك اللّه به وتفارق حرم اللّه وأمنه وتستعين بقومٍ رموا بيت
стр. 263
اللّه لا خلاق لهم؟! فأرسل إلى الحصين: إنّ أصحابي قد أبوا أن يتحوّلوا إلى الشّام، قال: فهل أنت مؤمّنّي وأصحابي حتّى نطوف بالبيت ثمّ ننصرف عنك؟ فأمّنَهم فطافوا ثمّ انصرفوا) (١).
نستخلص من هذه الرواية أنه لما مات يزيد التقى عبد الله بن الزبير ﵁ بالحصين بن نمير، الذي دعاه إلى أن يبايعه هو ومن معه، على شرط أن يذهب معه إلى الشام، ولكن عبد الله بن الزبير ﵁ رفض ذلك بعد مشاورة أصحابه؛ ولذلك لم تتم البيعة له من قبل الحصين بن نمير ومن معه؛ لأن الشرط الذي بينهما لم يتم وهو الذهاب معه إلى الشام، وليس كما جاء عند صاحب الكتاب وغيره.
ونلاحظ كيف تعامل الحصين بن نمير مع عبد الله بن الزبير ﵁ وأنزله مكانته، فهو رضي أن يبايعه، وأن يحمل من معه على بيعته؛ لأنه يعرف قدره وفضله، وليس الأمر كما صورته لنا تلك الروايات الضعيفة التي ضيعت هيبته ومكانته وأوهنت أمره.
[١١١]- (ثم انصرف في أصحابه إلى الشام، ومر بالمدينة، فبلغه أنهم على محاربته ثانيًا، فجمع إليه أهلها، وقال: ما هذا الذي بلغني عنكم؟ فاعتذروا إليه، وقالوا: ما هممنا بذلك) (٢).
أورد نحوًا منها: البلاذري (٣).
• نقد النص:
تحكي هذه الرواية أن الحصين بن نمير بلغه أن أهل المدينة مقيمين على
стр. 264
حربه ثانية، فجمعهم وسألهم عن ذلك فاعتذروا إليه، وهذا لم يثبت، وقد ورد ما يخالفه حيث ذكر الطبري رواية تحكي حال هذا الجيش بعد خروجه من مكة: (فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة، فاستقبله عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبٍ ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلةٍ له، فسلّم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نميرٍ فرسٌ له عتيقٌ، وقد فني قتّه وشعيره، فهو غرضٌ، وهو يسبّ غلامه ويقول: من أين نجد هنا لدابّتنا علفًا! فقال له عليّ بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابّتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوجهه، فأمر له بما كان عنده من علفٍ، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشّام فذلّوا حتّى كان لا ينفرد منهم رجلٌ إلا أخذ بلجام دابّته ثمّ نكس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون) (١).
ومع أن هذه الرواية لم تأتِ من طريق صحيح، وفيها مبالغة في نقص المئونة التي أصابت جيش الشام، ولكن يُسْتأنس بها لمعرفة حال ذلك الجيش بعد عودته إلى الشام، وهذا لا يستبعد؛ لأن أمر بني أمية بعد يزيد ركد بعض الوقت وفشا أمر عبد الله بن الزبير ﵁، ولم يستقر أمرهم إلا بعد قتله في ولاية عبد الملك بن مروان.
* خبر أبي سعيد الخدري ﵁ يوم الحرة:
[١١٢]- (وذكر أبو هارون العبدي (٢)، قال: رأيت أبا سعيد الخدري، ولحيته بيضاء، وقد خف جانباها، وبقي وسطها، فقلت: يا أبا سعيد، ما حال لحيتك؟ فقال: هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة، دخلوا عليّ بيتي، فانتهبوا
стр. 265
ما فيه حتى أخذوا قدحي الذي كنت أشرب فيه الماء، ثم خرجوا، ودخل عليّ بعدهم عشرة نفر، وأنا قائم أصلي، فطلبوا البيت، فلم يجدوا فيه شيئًا، فأسفوا لذلك، فاحتملوني من مصلاي، وضربوا بي الأرض، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من لحيتي، فنتفه، فما ترى منها خفيفًا فهو موضع النتف، وما تراه عافيًا فهو ما وقع في التراب، فلم يصلوا إليها، وسأدعها كما ترى حتى أوافي بها ربي) (١).
أورد نحوًا منها: أبو العرب (٢)، والطبراني (٣).
• نقد النص:
خبر أبي سعيد الخدري ﵁ يأتي بالتسلسل التاريخي مع أحداث الحرة.
وهو خبر لم أقف على من أورده بسند صحيح، وفي متنه نكارة وهو ما نسبه من أفعال مشينة قام بها جيش الشام تجاه أبي سعيد ﵁، ثم إنه قد ورد خبر أصح منه وأشهر يخالفه ويرده، وهو ما أخرجه خليفة بن خياط، حيث قال: حدّثنا وهب بن جرير (٤)، قال: حدثنا أبو عقيل الدّورقي (٥)، قال: سمعت أبا نضرة (٦) يحدث، قال: دخل أبو سعيد الخدريّ يوم الحرّة غارًا فدخل عليه رجل ثمّ خرج، فقال لرجل من أهل الشّام: أدلك على رجل تقتله، فلمّا انتهى
стр. 266
الشّامي إلى باب الغار، وقال لأبي سعيد وفي عنق أبي سعيد السّيف اخرج إليّ، قال: لا وإن تدخل عليّ أقتلك؛ فدخل الشّامي، فوضع أبو سعيد السّيف، وقال: بوء بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين، فقال: أبو سعيد الخدريّ: أنت؟ قال: نعم، قال: فاستغفر لي قال: غفر الله لك) (١).
تبين لنا بهذا الخبر أن أبا سعيد الخدري ﵁ اعتزل أهل المدينة ولم يكن معهم في خلعهم ليزيد، وأنه لم يصب بأي مكروه.
* * *
стр. 267
الفصل الرابع
«الحرب على الخوارج وخبر العراق والشام بعد يزيد»
أولًا: بداية المواجهة مع الخوارج.
ثانيًا: تولي المهلب بن أبي صفرة حرب الخوارج.
ثالثًا: بداية الخلاف بين الخوارج ونهايتهم.
رابعًا: العراق بعد يزيد بن معاوية.
خامسًا: وصول مروان بن الحكم إلى الخلافة ووفاته.
سادسًا: أخبار متفرقة.
стр. 268
أولًا: بداية المواجهة مع الخوارج
[١١٣]- (قالوا: وفي سنة ثمانين تفاقم أمر الأزارقة الخوارج، وإنما سموا أزارقة برئيسهم نافع بن الأزرق (١)(٢).
• نقد النص:
انفرد بهذا القول صاحب الكتاب ولم تذكر المصادر أي خبر للخوارج سنة ثمانين، وقد ذكر الطبري (٣) أن اشتداد شوكة الخوارج كانت سنة خمس وستين.
[١١٤]- (وكان أول خروجهم في أربعين رجلًا، وفيهم من عظمائهم نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود (٤)، وعبد الله بن صبار (٥)، وعبد الله بن إباض (٦)، وحنظلة بن بيهس (٧)، وعبيد الله بن مأحوز (٨)، وذلك في سلطان يزيد.
стр. 269
وعلى البصرة يومئذ عبيد الله بن زياد، فوجه إليهم عبيد الله أسلم بن ربيعة (١) في ألفي فارس، فلحقهم بقرية من الأهواز تدعى آسك (٢) مما يلي فارس، فواقعهم، فقتلت الخوارج من أصحاب ابن ربيعة خمسين رجلًا، فانهزم أسلم، فأنشأ رجل من الخوارج يقول:
أألفا مؤمن منكم زعمتم … ويهزمكم بآسك أربعونا؟
كذبتم، ليس ذاك كما زعمتم … ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم … على الفئة الكثيرة ينصرونا (٣)
أطعتم أمر جبار عنيد … وما من طاعة للظالمينا (٤)(٥)
أورد نحوًا منها: خليفة بن خياط (٦) مختصرًا، والبلاذري (٧) والمبرد (٨) والطبري (٩) مطولًا.
• نقد النص:
لعل صاحب الكتاب أراد أن يختصر الخبر فأدخل بعضه على بعض، وسوف أورد الخبر مرتبًا على نحو ما جاءت به المصادر الأخرى.
стр. 270
جاءت هذه الرواية تحكي خروج أربعين رجلًا من الخوارج، وفيهم عظماء الخوارج وهذا مخالف لما جاءت به المصادر السابقة والتي ذكرت أن خبر اجتماع الخوارج وفيهم عظمائهم وعلى رأسهم نافع بن الأزرق كان في مكة وقد قاتلوا مع عبد الله بن الزبير ﵁ ضد أهل الشام، ثم تفرقوا عنه عندما سألوه عن رأيه في عثمان ﵁ فخالفهم، فخرج نجدة بن عامر باليمامة، وخرج نافع بن الأزرق بالبصرة، وتفرق عنه أكثر زعمائهم، سنة أربع وستين (١)، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مجتمعين في خروجهم، بل تفرقوا بعد عودتهم من ابن الزبير ﵁.
ثم إن هذا الخبر الذي ذكر فيه هذه الأبيات جاء في قصة مرداس بن أدية (٢)، وهو من الخوارج، الذي كان في سجن ابن زياد ثم أخرج منه، فخرج في أربعين رجلًا إلى الأهواز، فأرسل له عبيد الله بن زياد جيشًا في ألفين رجل فهزمهم مرداس بن أدية.
وهذه القصة مشهورة ويستشهد بها على شجاعة الخوارج.
وهنا وقفة وتساؤل: هل يمكن لأربعين رجلًا أن يهزموا ألفين؟.
وللإجابة عن هذا السؤال أقول: إنه بعد استقراء الخبر من مصادر أخرى لوحظ عليه ما يلي:
- جرت بين القائد المرسل من قبل عبيد الله بن زياد وبين مرداس بن أدية
стр. 271
محاورة حول سبب الخروج وحاول إقناعهم بالرجوع (١).
- ذكر الإسفراييني (٢) أن قائد بن زياد يرى رأي الخوارج، وأورد قوله لمرداس ومن معه: (أنتم على الحق ولكنّا نخاف من ابن زياد … ).
- تذكر المصادر الهزيمة ولا تذكر وقوع قتلى، سوى أن بعضها ذكرت أن رجلًا واحدًا من جيش أبي بلال قُتِل (٣)، وأما جيش أهل البصرة لم يرد فيه قتلى.
- ذكر المبرد (٤) أن أسلم بن زرعة انهزم وأصحابه من غير قتال.
وبعد أن عرضنا هذه الملاحظات على هذا الخبر يتضح بجلاء عدم وقوع القتال بين الطرفين، فكون القائد متهمًا بميله للخوارج، ولا يوجد قتلى في صفوف الجيش المهزوم، فكيف حدثت المعركة.
وقد اختُلِفَ في القائد الذي أَرْسَل عبيد الله بن زياد لقتل مرداس بن أدية، فقيل أنه أسلم بن زرعة (٥)، وهو الأشهر، وقيل: عبد الله بن حصن (٦).
[١١٥]- (فاغتاظ ابن زياد من ذلك، فكان لا يدع بالبصرة أحدًا ممن يتهم برأي الخوارج إلا قتله، حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل) (٧).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وقد ذكر الطبري في هذا الموضع: (وفي هذه السنة اشتد عبيد اللّه بن زياد
стр. 272
على الخوارج، فقتل منهم صبرًا جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبرًا عروة بن أدية، أخو أبي بلال مرداس بن أدية) (١).
• نقد النص:
نجد أن هذه الرواية التي أوردها الطبري لم تذكر أنه قتلهم على التهمة وإنما وصفت القتلى أنهم من الخوارج ولم تحدد العدد، أما قوله بالتهمة والظنة فلم يكن أمر الخوارج خفيًّا حتى يؤخذ بذلك، وإنما القصد من إيراد الكلام أنهم أغاظوه، وإثبات لما زعم أنها هزيمة له، وأما ردة فعل عبيد الله بن زياد في فشل الحملة التي وردت في الرواية السابقة، فالمحفوظ أنه أرسل جيشًا آخر بقيادة عباد بن أخضر (٢)، فهزمهم وقتلوا جميعًا (٣).
والمتتبع في ولاية عبيد الله بن زياد يجد أن من حسناته تضييق الخناق على الخوارج، ولا أدل على ذلك من تفاقم أمرهم بعد خروجه إلى الشام.
* الخوارج بعد موت يزيد:
[١١٦]- (ولم يزل يتفاقم أمر الخوارج، ويتحلب إليهم من كان على رأيهم وهواهم من أهل البصرة حتى كثروا بعد موت يزيد، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق. وخاف أهل البصرة الخوارج على أنفسهم، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان، فاجتمعوا على مسلم بن عبيس القرشي (٤)، ووجهوا معه خمسة
стр. 273
آلاف فارس من أبطال البصرة، فسار إليهم، فلحقهم بمكان يسمى الدولاب (١) فالتقوا واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، وصاروا إلى المكادمة، فقُتِلَ مسلم بن عبيس، وانهزم أصحابه) (٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٣) مختصرًا، والبلاذري (٤) والطبري (٥) مطولًا.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب يناقض نفسه، وذلك حينما ذكر أن تفاقم أمر الخوارج في سنة ثمانين كما سبق، ثم يذكر في هذه الرواية أن تفاقم أمرهم بعد موت يزيد، وهو ما ذكرته المصادر الأخرى.
ثم يذكر أن الناس بعد ما توفي يزيد بن معاوية، وخروج عبيد الله إلى الشام اجتمعوا على مسلم بن عبيس وهذا وهم منه، والذي جاءت به المصادر أن الذي اجتمعت عليه الناس بعد عبيد الله بن زياد هو عبد الله بن الحارث بن نوفل (٦) الملقب ببة، سنة أربع وستين (٧)، وكتب الناس لعبد الله بن الزبير ﵁:
стр. 274
أنا قد رضينا به، فأقره على البصرة (١).
ولما اجتمع أمر أهل البصرة على عبد الله بن الحارث، بعث جيشًا لمقاتلة الخوارج بقيادة مسلم بن عبيس.
أما سبب خروجهم وتفاقم أمرهم:
لمَّا مات يزيد بن معاوية وَثَبَ أهل العراق على عبيد الله بن زياد ورفضوا ولايته، وكسر الخوارج أبواب السجون وأخرجوا من كان فيها من أصحابهم، واستغلوا انشغال أهل البصرة بقتال الأزد، وربيعة وبني تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو، فخرج نافع بن الأزرق فتبعوه واجتمعوا إليه (٢).
وأما قتال مسلم بن عبيس للخوارج، فقد حصل بينه وبينهم وقعة عظيمة، قتل فيها أغلب زعماء الفريقين، فقد قتل فيها نافع بن الأزرق وابن عبيس.
ومما يروى في ذلك ما أخرجه الطبري بسنده عن معاوية بن قرة (٣)، قال: (خرجنا مع ابن عبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحوز، وقتل ابن عبيس) (٤).
وهذه المعركة المشهور أنها بدولاب (٥).
[١١٧]- (فقال رجل من الأزد:
قد رمينا العدو إذ عظم الخطب … بذى الجود مسلم بن عبيس
стр. 275
فانظروا غير مسلم بن عبيس … فاطلبوه من حيث أين وليس
لو رموا بالمهلب بن أبي صفرة (١) … كانوا له كأكلة حيس (٢)
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذه الأبيات.
[١١٨]- (وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها) (٣).
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
والذي جاء عند الطبري (٤) أن ولاية المهلب جاءت في أثناء هذه الأحداث، فقد قدم المهلب من عند عبد الله بن الزبير ﵁ ومعه كتاب ولاية على خراسان، فطلب منه أهل البصرة أن يتولى قتال الخوارج.
• نقد النص:
وهم صاحب الكتاب في خبر أن المهلب كان على خراسان، والصحيح أنه لم يتولها إلا بعد انتهاء حربه مع الخوارج وسيأتي معنا خبره.
[١١٩]- (فخاف أهل البصرة حين قُتِلَ مسلم بن عبيس خوفًا شديدًا من الخوارج، فاختاروا عثمان بن معمر القرشي (٥)، وانتدب معه زهاء عشرة آلاف رجل من أبطالهم، فسار بهم عثمان في طلب الخوارج، فلحقهم بفارس،
стр. 276
فاقتتلوا، فقتل عثمان، وانهزم أصحابه) (١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٢)، والبلاذري (٣).
كان ذلك في ذي القعدة في سنة خمس وستين (٤).
[١٢٠]- (فكتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير يعلمونه أنه لا إمام لهم، ويسألونه أن يوجه إليهم رجلًا من قبله يتولى الأمر، فوجه إليهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقدم البصرة، وتولى الأمر بها.
فدعا وجوه أهل البصرة، فاستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج، فكلهم قالوا: عليك بالمهلب بن أبي صفرة) (٥).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٦)، والطبري (٧).
• نقد النص:
هذا الخبر جاء في المصادر مع خبر اعتزال عبد الله بن الحارث الملقب ببة عن إمارة البصرة، والذي سبق ذكر اجتماع الناس عليه، وليس كما ذكر صاحب الكتاب أنه بعد وفاة عثمان بن معمر.
ومما يروى في سبب اعتزال ببة عن الإمارة:
- أن الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشمي فوَلِيَ أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فشكى إليه الناس سوء حالهم
стр. 277
وانعدام الأمن، وطلبوا منه أن يضع السيف ويشد على الناس، فأبى عليهم وقال: (ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام، ناولني نعلي، فانتعل ثمّ لحق بأهله) (١).
- (كان مسعود يدعو إلى بني أمية وقد بايعه قوم، وكانت الخوارج قد ظهرت بالبصرة وكانت تطلبه، فقتله قوم منهم وقد انصرف من المسجد، فلما انصرفت الأزد وجدته في بني منقر وقد مُثِّلَ به، فرميت به بنو تميم، فاقتتلوا ثمّ اصطلحوا، واجتمع أهل البصرة على عبد الله بن الحارث ببة فبايعوه، ثمّ إنه كثر الشر والقتال فاعتزلهم) (٢)، ثم أمر الناس عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي (٣)، وكل ذلك لما فسد الأمر وقامت الفتنة في البصرة بسبب مقتل مسعود بن عمرو، و خروج عبيد الله بن زياد إلى الشام.
وقد اجتمع أهل البصرة على عبد الملك بن عبد الله بن عامر (٤)،
ثم عبد الله بن الحارث الملقب ببة، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير ﵁، ثم قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو القباع (٥).
وهذا يدل على أن كتابة أهل البصرة لابن الزبير ﵁ كان بعد اعتزال ببة، وأن الذي جاء بعده هو عمر بن عبيد الله بن معمر، ثم الحارث بن عبد الله
стр. 278
المخزومي.
أما عن خبر تولية المهلب على حرب الخوارج فسيأتي معنا في الرواية رقم [١٢٢].
[١٢١]- (وقام رجل من أهل البصرة يعرف بابن عرادة (١)، فأنشده:
مضى ابن عبيس مسلم لسبيله … فقام لها الشيخ الحجازي عثمان
فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر … وابرق، والبرق الحجازي خوان
ولم يكن عثمان جناح بعوضة … واضحى عدو الدين مثل الذي كانوا
وليس لها إلا المهلب إنه … مليء بأمر الحرب، شيخ له شان
إذا قيل من يحمى العراقين أومأت … إليه معد بالأكف، وقحطان
فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم … وليس لها إلا المهلب إنسان) (٢)
ذكر نحوًا من هذه الأبيات البلاذري (٣).
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب بأن هذه القصيدة قيلت في المهلب وقد وَهِم في ذلك، لأنه لم يتولَّ حرب الخوارج إلا بعد هذه الأحداث وزاد عنده هذين البيتين:
وليس لها إلا المهلب إنه … مليء بأمر الحرب، شيخ له شان
стр. 279
فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم … وليس لها إلا المهلب إنسان
والذي جاء عند البلاذري (١) أن هذه القصيدة قيلت في الحارثة بن بدر (٢)، وأن من قالها هو رجل من بني تميم.
والأبيات التي فيها ذكر للحارثة بن بدر هي:
فلولا ابن بدر لعراقين لم يقم … بما قام فيه للعراقين إنسان
إذا قيل من حام الحقيقة أومأت … إليه معد بالأكف وقحطان (٣)
وأما المهلب بن أبي صفرة أمير معروف يستحق مثل هذه القصيدة وأكثر ولكن ليس له في هذه القصيدة ذكر، ولا ندري ما سبب تحريف هذه القصيدة، وإدراج المهلب فيها.
ونلاحظ أن الشاعر في هذه الأبيات ذكر حارثة ومدحه، ولكنه أجحف في حق عثمان بن عبيد الله ولم يذكر بلاءه.
وقد ذكر البلاذري (٤) أبياتًا قبلها فيها مدح لعثمان بن عبيد الله بعد قتله بدولاب:
ونال الشهادة منهم فتى … بدولاب كالقمر الأزهر
طويل النجاد رفيع العماد … كهمك من فارس مسعر
стр. 280
أطاع الكتاب رجاء الثواب … وقاتل عن دبر المدبر
ليعذره اللّه والمسلمون … ومعذرة اللّه للمعذر
ثم ذكر مناسبة ذلك أن عثمان بن عبيد الله اختلف مع الحارثة في هذا المعركة مع الخوارج، فاعتزل الحارثة فلما ناجزهم عثمان وقتل، قاتل حارثة الخوارج ومنعهم من تتبع الناس.
* * *
стр. 281
ثانيًا: تولِّي المهلب بن أبي صفرة الحرب على الخوارج
* خبر تولِّي المهلب قتال الخوارج في عهد عبد الله بن الزبير ﵁:
[١٢٢]- (فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله: أيها الأمير، اكتب إلى أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وسله أن يكتب إلى المهلب بأن يخلف على خراسان رجلًا، ويسير إلى الخوارج، فيتولى محاربتهم. فكتب.
فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى المهلب بن أبي صفرة، أما بعد، فإن الحارث بن عبد الله كتب إليّ يخبرني أن الأزارقة المارقة قد سعرت نارها، وتفاقم أمرها، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من قيامك، فتكفي أهل مصرك شرهم، وتؤمن روعتهم، فاخلف بخراسان من يقوم مقامك من أهل بيتك، وسر حتى توافي البصرة، فتستعد منها بأفضل عدتك، وتخرج إليهم، فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم، والسلام.
فلما وصل كتابه إلى المهلب خلَّف على خراسان، وأقبل حتى وافى البصرة، فصعد على المنبر، وكان نَزْر الكلام وجيزه، فقال:
أيها الناس، إنه قد غشيكم عدو جاحد، يسفك دماءكم، وينتهب أموالكم، فإن أعطيتموني خصالًا أسألكموها قمت لكم بحربهم، واستعنت بالله عليهم، وإلا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في أمركم.
قالوا: وما الذي تريد؟
قال: أنتخب منكم أوساطكم، لا الغني المثقل، ولا السبروت (١) المخف، وعليّ أن لي ما غلبت عليه من الأرض، وألا أخالف فيما أدبر من
стр. 282
رأيي في حربهم، وأتركُ ورأييَّ الذي أراه، وتدبيري الذي أدبره.
فناداه الناس: لك ذلك، وقد رضينا به.
فنزل من المنبر، وأتى منزله، وأمر بديوان الجند، فأحضر، فانتخب من أبطال أهل البصرة عشرين ألف رجل (١)، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل، وبقيتهم من سائر العرب، وولى ابنه المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل.
وسار حتى أتى الخوارج، وهم بنهر تستر (٢)، فواقعهم، فهزمهم، حتى بلغوا الأهواز، فقال زياد الأعجم (٣) في ذلك:
جزى الله خيرًا، والجزاء بكَفِّه … أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا
ولما رأينا الأمر قد جدَّ جده … وألا توارى دوننا الشمس كوكبا
دعونا أبا غسان (٤)، فاستك سمعه … وأحنف طأطأ رأسه، وتهيَّبا
وكان ابن منجوف (٥) لكل عظيمةٍ … فقصّر عنها حبله وتذبذبا
فلما رأينا القوم قد كلَّ حدهم … لدى حربهم فيها دعونا المُهلَّبا
стр. 283
وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يومًا، ثم ارتحل سائرا في آثارهم) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢)، والطبري (٣) مطولًا، وانفرد صاحب الكتاب في ذكر هذه الأبيات (٤).
• نقد النصوص:
جاءت هذه الرواية في خبر تولي المهلب بن أبي صفرة حرب الخوارج، وتذكر أن المهلب كان على خراسان، وهو لم يتولاها إلا بعد الانتهاء من حرب الخوارج.
ثم أتى على ذكر تولية المهلب لحرب الخوارج وكيف تم ذلك، والذي يروى في ذلك أن المهلب بن أبي صفرة قدم من عبد الله بن الزبير ﵁ ومعه ولايته على خراسان، فطلب منه أهل البصرة أن يتولى حرب الخوارج، وقد وافق المهلب على ذلك بشرط موافقة عبد الله بن الزبير ﵁، فبعثوا إليه فوافق على ذلك، فخرج المهلب لحربهم (٥).
ويروى أنهم كتبوا له كتابًا على لسان عبد الله بن الزبير ﵁، وأنه شرط عليهم أنه له ما غلب عليه من الأرض، وهذا لم يأتِ بسند صحيح (٦).
وقد روى البلاذري ما يعطي تصورًا كاملًا عن حال أهل البصرة مع
стр. 284
الخوارج في تلك الفترة: (وفزع النّاس إلى الأحنف بن قيس فأتى الأحنف القباع، فشكا إليه ما النّاس فيه، فقال: أشيروا عليّ بمن أُولِّي؟ فأشار قوم بمالك بن مسمع الجحدري، وأشار قوم بزياد بن عمرو العتكي، فقال الأحنف: لا أرى لهم غير المهلب، فكلم القباع المهلب وقال له: إن أهل مصرك قد ارتضوك ورجوك وأملوا أن يقمع اللّه هذا العدو بك، فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله إني عند نفسي لدون .. ) (١).
وذكر الطبري: (أن أهل البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قبل المهلب
أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلب، وقال: هو أقوى على حربهم مني) (٢).
ثم نجد أن صاحب الكتاب يذكر أن المهلب سار إلى الخورج فوافاهم بنهر تستر فواقعهم حتى بلغوا الأهواز، ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، وهنا قد ناقض نفسه وخالف غيره، فأول لقاء بينهم كان بالجسر قرب الكوفة، كما جاءت بذلك المصادر الأخرى (٣)، وقوله: ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، فالجسر هنا هو مكان المعركة، وليس نهر تستر.
ثم جاء صاحب الكتاب بهذه الأبيات والتي فيها ثناء على المهلب بن أبي صفرة في جهاده ضد الخوارج، والمآخذ عليها أن فيها إجحاف في ذكر مالك بن مسمع، وسويد بن منجوف، والأحنف بن قيس، وهم من أشراف البصرة وأمراء القبائل فيها، ووصفتهم بالجبن والقعود عن القتال، وقد جاء ذكرهم في الروايات التي ساقها البلاذري والطبري، والتي فيها أن قتال الخوارج لم يعرض
стр. 285
عليهم أصلًا حتى يتهموا بالجبن، إلا ما كان من طلب أهل الكوفة الأحنف أن يتولى قتال الخوارج فأشار عليهم بالمهلب، والإشارة هنا لا تعني التخلي عن القيام بالحرب والجبن عنه، وإنما حسن الرأي.
وقد علق على ذلك ابن الأثير بقوله: (لما يعلم فيه من الشجاعة والرأي والمعرفة بالحرب) (١)، وقد أدى هذا الرأي ثماره، فحينما تولَّى المهلب قتالَ الخوارج مزقهم كل ممزق.
وسيرة الأحنف بن قيس في الجهاد تشهد له على الشجاعة وحسن القيادة، فقد سطَّرت لنا كتب التاريخ عن سيرة ما يثبت ذلك وينفي خلافه، ومما جاء في حروبه ومناقبه:
- أذن عمر بن الخطاب ﵁ للمسلمين بالانسياح في بلاد فارس، برأي من الأحنف بن قيس لما عرف عنه فضله وصدقه (٢).
- افتتح مرو الروذ بعد أن صالح أهلها (٣).
- حاصر أهل بلخ، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف (٤).
- جمع أهل خراسان جمعًا كبيرًا بمرو، فالتقاهم الأحنف، فهزمهم، وكان ذلك الجمع لم يسمع بمثله (٥).
[١٢٣]- (فبلغ ذلك نافع بن الأزرق، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب، فواقعهم بمكان يسمى نسلى (٦)، فقاتلهم يومًا إلى الليل، وأصابته