← История

История · id 926

الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري

عبد العزيز بن عبد الله البريدي

Полный текст (620 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ثانيًا: تولِّي المهلب بن أبي صفرة الحرب على الخوارج * خبر تولِّي المهلب قتال الخوارج في عهد عبد الله بن الزبير ﵁: [١٢٢]- (فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله: أيها الأمير، اكتب إلى أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وسله أن يكتب إلى المهلب بأن يخلف على خراسان رجلًا، ويسير إلى الخوارج، فيتولى محاربتهم. فكتب. فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى المهلب بن أبي صفرة، أما بعد، فإن الحارث بن عبد الله كتب إليّ يخبرني أن الأزارقة المارقة قد سعرت نارها، وتفاقم أمرها، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من قيامك، فتكفي أهل مصرك شرهم، وتؤمن روعتهم، فاخلف بخراسان من يقوم مقامك من أهل بيتك، وسر حتى توافي البصرة، فتستعد منها بأفضل عدتك، وتخرج إليهم، فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم، والسلام. فلما وصل كتابه إلى المهلب خلَّف على خراسان، وأقبل حتى وافى البصرة، فصعد على المنبر، وكان نَزْر الكلام وجيزه، فقال: أيها الناس، إنه قد غشيكم عدو جاحد، يسفك دماءكم، وينتهب أموالكم، فإن أعطيتموني خصالًا أسألكموها قمت لكم بحربهم، واستعنت بالله عليهم، وإلا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في أمركم. قالوا: وما الذي تريد؟ قال: أنتخب منكم أوساطكم، لا الغني المثقل، ولا السبروت (١) المخف، وعليّ أن لي ما غلبت عليه من الأرض، وألا أخالف فيما أدبر من

стр. 282

رأيي في حربهم، وأتركُ ورأييَّ الذي أراه، وتدبيري الذي أدبره. فناداه الناس: لك ذلك، وقد رضينا به. فنزل من المنبر، وأتى منزله، وأمر بديوان الجند، فأحضر، فانتخب من أبطال أهل البصرة عشرين ألف رجل (١)، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل، وبقيتهم من سائر العرب، وولى ابنه المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل. وسار حتى أتى الخوارج، وهم بنهر تستر (٢)، فواقعهم، فهزمهم، حتى بلغوا الأهواز، فقال زياد الأعجم (٣) في ذلك: جزى الله خيرًا، والجزاء بكَفِّه … أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا ولما رأينا الأمر قد جدَّ جده … وألا توارى دوننا الشمس كوكبا دعونا أبا غسان (٤)، فاستك سمعه … وأحنف طأطأ رأسه، وتهيَّبا وكان ابن منجوف (٥) لكل عظيمةٍ … فقصّر عنها حبله وتذبذبا فلما رأينا القوم قد كلَّ حدهم … لدى حربهم فيها دعونا المُهلَّبا

стр. 283

وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يومًا، ثم ارتحل سائرا في آثارهم) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢)، والطبري (٣) مطولًا، وانفرد صاحب الكتاب في ذكر هذه الأبيات (٤). • نقد النصوص: جاءت هذه الرواية في خبر تولي المهلب بن أبي صفرة حرب الخوارج، وتذكر أن المهلب كان على خراسان، وهو لم يتولاها إلا بعد الانتهاء من حرب الخوارج. ثم أتى على ذكر تولية المهلب لحرب الخوارج وكيف تم ذلك، والذي يروى في ذلك أن المهلب بن أبي صفرة قدم من عبد الله بن الزبير ﵁ ومعه ولايته على خراسان، فطلب منه أهل البصرة أن يتولى حرب الخوارج، وقد وافق المهلب على ذلك بشرط موافقة عبد الله بن الزبير ﵁، فبعثوا إليه فوافق على ذلك، فخرج المهلب لحربهم (٥). ويروى أنهم كتبوا له كتابًا على لسان عبد الله بن الزبير ﵁، وأنه شرط عليهم أنه له ما غلب عليه من الأرض، وهذا لم يأتِ بسند صحيح (٦). وقد روى البلاذري ما يعطي تصورًا كاملًا عن حال أهل البصرة مع

стр. 284

الخوارج في تلك الفترة: (وفزع النّاس إلى الأحنف بن قيس فأتى الأحنف القباع، فشكا إليه ما النّاس فيه، فقال: أشيروا عليّ بمن أُولِّي؟ فأشار قوم بمالك بن مسمع الجحدري، وأشار قوم بزياد بن عمرو العتكي، فقال الأحنف: لا أرى لهم غير المهلب، فكلم القباع المهلب وقال له: إن أهل مصرك قد ارتضوك ورجوك وأملوا أن يقمع اللّه هذا العدو بك، فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله إني عند نفسي لدون .. ) (١). وذكر الطبري: (أن أهل البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قبل المهلب أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلب، وقال: هو أقوى على حربهم مني) (٢). ثم نجد أن صاحب الكتاب يذكر أن المهلب سار إلى الخورج فوافاهم بنهر تستر فواقعهم حتى بلغوا الأهواز، ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، وهنا قد ناقض نفسه وخالف غيره، فأول لقاء بينهم كان بالجسر قرب الكوفة، كما جاءت بذلك المصادر الأخرى (٣)، وقوله: ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، فالجسر هنا هو مكان المعركة، وليس نهر تستر. ثم جاء صاحب الكتاب بهذه الأبيات والتي فيها ثناء على المهلب بن أبي صفرة في جهاده ضد الخوارج، والمآخذ عليها أن فيها إجحاف في ذكر مالك بن مسمع، وسويد بن منجوف، والأحنف بن قيس، وهم من أشراف البصرة وأمراء القبائل فيها، ووصفتهم بالجبن والقعود عن القتال، وقد جاء ذكرهم في الروايات التي ساقها البلاذري والطبري، والتي فيها أن قتال الخوارج لم يعرض

стр. 285

عليهم أصلًا حتى يتهموا بالجبن، إلا ما كان من طلب أهل الكوفة الأحنف أن يتولى قتال الخوارج فأشار عليهم بالمهلب، والإشارة هنا لا تعني التخلي عن القيام بالحرب والجبن عنه، وإنما حسن الرأي. وقد علق على ذلك ابن الأثير بقوله: (لما يعلم فيه من الشجاعة والرأي والمعرفة بالحرب) (١)، وقد أدى هذا الرأي ثماره، فحينما تولَّى المهلب قتالَ الخوارج مزقهم كل ممزق. وسيرة الأحنف بن قيس في الجهاد تشهد له على الشجاعة وحسن القيادة، فقد سطَّرت لنا كتب التاريخ عن سيرة ما يثبت ذلك وينفي خلافه، ومما جاء في حروبه ومناقبه: - أذن عمر بن الخطاب ﵁ للمسلمين بالانسياح في بلاد فارس، برأي من الأحنف بن قيس لما عرف عنه فضله وصدقه (٢). - افتتح مرو الروذ بعد أن صالح أهلها (٣). - حاصر أهل بلخ، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف (٤). - جمع أهل خراسان جمعًا كبيرًا بمرو، فالتقاهم الأحنف، فهزمهم، وكان ذلك الجمع لم يسمع بمثله (٥). [١٢٣]- (فبلغ ذلك نافع بن الأزرق، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب، فواقعهم بمكان يسمى نسلى (٦)، فقاتلهم يومًا إلى الليل، وأصابته

стр. 286

ضربة في وجهه، أغمي عليه منها، فقال الناس قُتِلَ الأمير، فازدادوا لذلك حنقًا وجدًّا، وقتلوا من الخوارج بشرًا كثيرًا، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق، وانهزمت الخوارج نحو فارس) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢)، والطبري (٣) مطولًا. • نقد النص: قد انفرد صاحب الكتاب بذكر أن نافع بن الأزرق قُتل في هذه المعركة، وهو قد قُتل في دولاب، كما مر بنا، وفي ذكره لإصابة المهلب. وقد تحدثت المصادر (٤) الأخرى أنها قد حدثت معركة عظيمة بمكان يسمى سلى وسلبرى (٥)، بين المهلب والخوارج وكاد المهلب ومن معه أن يُهزموا، ولكنهم عاودوا الكرة وهزموا الأزارقة وقتلوا الكثير منهم، ومن بينهم زعيم الخوارج عبيد الله بن الماحوز، ولم تذكر أن المهلب أصيب فيها. وكان ذلك في شوال سنة ست وستين، وبعد عبيد الله بن الماحوز قام بأمر الخوارج الزبير بن الماحوز (٦). [١٢٤]- (وبلغ أهل البصرة أن المهلب قُتِلَ، فَرَجَّ المصر بأهله، وهمَّ أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أن يهرب، فكتب إليه رجل من

стр. 287

بني يشكر: أيا حار، يا ابن السادة الصيد، هب لنا … مقامك، لا ترحل ولم يأتك الخبر فإن كان أودى بالمهلب يومه … فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر وما لك من بعد المهلب عرجه … وما لك بالمصرين سمع ولا بصر فدونك، فالحق بالحجاز، ولا تقم … ببلدتنا، ان المقام بها خطر وان كان حيا كنت بالمصر آمنا … وكان بقاء المرء فينا هو الظفر وقال رجل من بني سعد: ألا كل ما يأتي من الأمر هين … علينا يسير عند فقد المهلب فإن يك قد أودى فما نحن بعده … بأمنع من شاء عجاف لاذؤب نعوذ بمن أرسى ثبيرًا مكانه … ومرسى حراء والقديد وكبكب من الخبر الملقى على الحور حذرها … ويشجى به ما بين بصرى ويثرب فأقبل البشير إلى أهل البصرة بسلامة المهلب، فاستبشروا بذلك، واطمأنوا، وأقام أميرها بعد أن هم بالهرب. فقال رجل من بني ضبة: إن ربا انجى المهلب ذا … الطول لأهل أن تحمدوه كثيرا لا يزال المهلب بن أبي صفرة … ما عاش بالعراق أميرا فإذا مات فالرجال نساء … ما يساوي من بعده قطميرا قد أمنا بك العدو على المصر … ووقرت منبرا وسريرا) (١)

стр. 288

انفرد صاحب الكتاب في هذا الخبر وهذه الأبيات. • نقد النص: جاء في هذا الخبر أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو أمير البصرة من قبل ابن الزبير ﵁ همَّ بالهروب عند ما جاء نبأ وفاة المهلب، وقد ذكرنا في نقد الرواية السابقة أن ذلك لم يحصل، وأن الانتصار كان حليف المهلب ومن معه، ومما روي في ذلك: ما رواه البلاذري (١) أن المهلب بعث إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بخبر الانتصار، وبرأس عبيد الله بن الماحوز زعيمهم، وكذلك روى الطبري (٢) أن المهلب بن أبي صفرة بعث كتابًا إلى الأمير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يخبره بالنصر. ومما قيل في ذلك من الشعر: قل للأزارقة الذين تمزقوا … بسلى وسلبرى لقيت نحوسا قتل المهلب جمعكم وأخذتم … من رسله بعد المساء رؤوسا [١٢٥]- (وقال رجل من الخوارج في قتل نافع بن الأزرق: شمت المهلب، والحوادث جمة … والشامتون بنافع بن الأزرق إن مات غير مداهن في دينه … ومتى يمر بذكر نار يصعق والموت أمر لا محالة واقع … من لا يصبحه نهارًا يطرق فلئن مُنينا بالمهلب إنه … لأخو الحروب وليث أهل المشرق ولعله يشجى بنا ولعلنا … نشجى به في كل ما قد نلتقي بالسمر نختطف النفوس ذوابلا … وبكل أبيض صارم ذي رونق

стр. 289

فيذيقنا في حربنا، ونذيقه … كل مقالته لصاحبه ذق) (١) ذكر بعض منها البلاذري (٢)، والمبرد (٣). نقد الأبيات: ذكر صاحب الكتاب هذه الأبيات وهي رثاء في زعيم الأزارقة نافع بن الأزرق، والمفترض أن يوردها بعد مقتله في معركة دولاب كما فعل البلاذري، ولكنه وَهِم في زمن مقتله، وجعله في معركة سلى وسلبري، وقد خالف غيره في ذكر المهلب فيها، وزيادة الأبيات الثلاثة الأخيرة، حيث إن هذه القصيدة وردت موجّهة للحارثة بن بدر، ومطلعها قوله: شمت ابن بدر والحوادث جمّة … والجائرون بنافع بن الأزرق (٤) * عزل الحارث بن أبي ربيعة عن البصرة وتولية مصعب بن الزبير: [١٢٦]- (وبلغ عبد الله بن الزبير ما كان من عزم عامله بالبصرة على الهرب، فعزله، وولى أخاه مصعبًا (٥)، فسار مصعب حتى قدمها، وتولى أمر جميع العراقين وفارس والأهواز) (٦). انفرد صاحب الكتاب في سبب عزل الحارث بن أبي ربيعة عن البصرة

стр. 290

من قبل عبدالله بن الزبير ﵁. وقد ذكر ابن سعد (١)، والبلاذري (٢)، والطبري (٣) أن ابن الزبير ﵁ عزل الحارث بن عبد الله أبي ربيعة وولى أخاه مصعب بن الزبير ولم يذكروا السبب. • نقد النص: ذكر صاحب الكتاب في الرواية رقم ١٢٤ أن الحارث بن عبد الله قد عزم على الهرب عند وصوله خبر هزيمة المهلب، وهو أمر لم يقع، وهنا يذكر أن عبد الله بن الزبير ﵁ عزله لذلك السبب. [١٢٧]- (ولما قتل نافع بن الأزرق اجتمعت الخوارج، فولوا على أنفسهم عبد الله بن ماحور (٤)، وكان من نُسَّاكهم) (٥). ذكر نحوًا منها: الطبري (٦)، والبلاذري (٧)، وكان ذلك في معركة دولاب وعلى أهل البصرة مسلم بن عبيس. • نقد النص: قد وهم صاحب الكتاب في ذكره مقتل نافع بن الأزرق في فترة قتال المهلب للخوارج.

стр. 291

[١٢٨]- (وبلغ ذلك المهلب، فسار من الأهواز في طلبهم حتى وافاهم بمدينة سابور (١) من أرض فارس، فالتقوا، فاقتتلوا، وانهزمت الخوارج في آخر النهار حتى انتهوا إلى مكان يدعى كركان (٢) واتبعهم المهلب، فوافاهم، فالتقوا به في يوم شديد المطر، فقاتلهم، فهزمهم، فأخذوا نحو كرمان (٣)، فلم يزل المهلب يسير في طلبهم من بلد إلى بلد، ويواقعهم وقعه بعد وقعة طول ما ملك عبد الله بن الزبير إلى مقتله، وخلوص الأمر لعبد الملك بن مروان) (٤). انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية. * حرب الخوارج في عهد عبد الملك: [١٢٩]- (فلما استدف (٥) الأمر لعبد الملك، وولى الحجاج العراقين استبطأ المهلب في استئصال الخوارج، وظن أنه يهوى مطاولتهم، فبعث إليه عبد الأعلى بن عبد الله العامري (٦)، وعبد الرحمن بن سبرة (٧)، وقال لهما

стр. 292

احملاه على مناجزة القوم وترك مطاولتهم، فقدما عليه، فأخبراه بما بعثا له، فقال لهما: أقيما حتى تعاينا ما نحن فيه، فإن الحجاج أتاه السماع فقَبِله، وأتاه العيان فردَّه، وقد حملني على خلاف الرأي، وزعم أنه الشاهد وأنا الغائب) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) وفيها أن الحجاج اتهم المهلب بأنه يهاب قتال الخوارج، وهدده العزل إن لم يناجز القوم، وفي رواية أخرى من طريق المدائني: أن الحجاج اتهم المهلب بانشغاله عن الحرب بالجباية. والطبري (٣)، وفيها: أن الحجاج اتهم المهلب بمطاولة الخوارج ليأكل من الأرض ثم استحثه على مناجزة القوم. • نقد النص: في هذا الخبر كتاب الحجاج للمهلب يتهمه بمطاولة الخوارج وهذا لم يثبت، ثم إنه هل يمكن للحجاج أن يتهم المهلب بهذا الأمر العظيم وهو البقاء على الخوارج لكي يجني بمطاولتهم الخراج، وهو أحد الأمراء الموثوق بهم عند الخلفاء، وهو المعروف بنصحه وبعظيم الأمر الذي يقوم به؟!! وهل يسوغ للمهلب قبول هذه التهمة من الحجاج ثم يستمر بعمله!! [١٣٠]- (ثم سار نحو الخوارج فلحقهم بأداني أرض كرمان، فواقعهم، وأمامه ابنه المفضل (٤)، فقتل رئيس الخوارج عبد الله بن ماحور (٥)، وانهزموا

стр. 293

حتى توسطوا أرض كرمان، وولوا على أنفسهم رجلًا من نساكهم، يسمى قطري بن الفجاءة (١) (٢). انفرد صاحب الكتاب بهذ الخبر. ذكر الطبري (٣) أن قتل عبد الله بن الماحوز كان في معركة دولاب، التي قُتِلَ فيها نافع بن الأزرق، ثم تولى أمرهم عبيد الله بن الماحوز. ولما قُتِلَ عبيد الله بن الماحوز، في المعركة التي وقعت بسلى وسلبرى (٤)، تولى بعده الزبير بن الماحوز (٥) ولما قُتِلَ تولى بعده قطري بن الفجاءة (٦) [١٣١]- (ثم إن المهلب انصرف إلى بلد سابور، فوافاهم يوم النحر، فخرج بالناس إلى المصلى. فبينا هو يخطب الناس على المنبر، وقد صلى بهم إذ أقبلت الخوارج، فقال: سبحان الله، أفي مثل هذا اليوم يأتوننا؟ ما أبغض إليّ المحاربة فيه، ولكن الله تعالى يقول: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

стр. 294

عَلَيْهِ﴾ (١) ثم نزل عن المنبر، ونادى في أصحابه، فركبوا واستلاموا، واستقبلوا الخوارج، فحملت عليهم الخوارج، وأمامهم عظيم منهم يسمى عمرو القنا (٢) وكان من فرسانهم، وهو يرتجز: نحن صبحناكم غداه النحر … بالخيل أمثال الوشيج تسرى يقدمها عمرو القنا في الفجر … إلى أناس لهجوا بالكفر اليوم أقْضِي في العدو نَذْري ثم اقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، وكثرت بينهم القتلى، فلم يزل كل فريق منهما على مكانه حتى حال بينهم الليل) (٣). انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر. [١٣٢]- (وانحازت الخوارج إلى كازرون (٤)، وسار إليهم المهلب فواقعهم بكازرون، فأسرع المهلب في الخوارج، فتفرقوا في تلك الوقعة، وصاروا سيارة، وخرجوا إلى تخوم إصطخر، واتبعهم المهلب. فتواقف الفريقان، وحمل بعضهم على بعض، وأمام الخوارج رجل يرتجز: حتى متى يتبعنا المهلب … ليس لنا في الأرض منه مهرب ولا السماء، أين أين المذهب؟ فلما سمع قطري ذلك بكى، ووطَّن نفسه على الموت، وباشر الحرب

стр. 295

بنفسه، وهو يرتجز: حتى متى تخطئني الشهادة … والموت في أعناقنا قلادة ليس الفرار في الوغي بعادة … يا رب زدني في التقى عبادة وفي الحياه بعدها زهادة فاقتتلوا يومهم حتى حال بينهم الليل) (١). ذكر الطبري (٢)، والبلاذري (٣) أن المهلب جاء إلى كازرون، ثم أقبل عليه عبد الرحمن بن مخنف (٤) في جند من أهل الكوفة، فخندق المهلب ومن معه ورفض عبد الرحمن بن مخنف أن يخندق، فجاء الخوارج إلى المهلب ووجدوه قد تخندق، وذهبوا إلى عبد الرحمن بن مخنف ومن معه فهزموه وقتلوه. أما عن زمن هذه الوقعة فهو في رمضان سنة خمس وسبعين (٥). * * *

стр. 296

ثالثًا: بداية الخلاف بين الخوارج ونهايتهم * الخلاف بين الخوارج: [١٣٣]- (ومضى قطري في أصحابه نحو جيرفت (١)، وهم بالهرب إلى كرمان، فقال رجل من أصحابه: أيا قطري الخير إن كنت هاربًا … سَتُلبسنا عارًا وأنت مهاجر إذا قيل قد جاء المهلب أسلمت … له شفتاك الفم، والقلب طائر فحتى متى هذا الفرار مخافة … وأنت ولي، والمهلب كافر ولما رأت الخوارج نكول قطري عن الحرب، وما هم به من الفرار خلعوه عنهم، وولوا عبد ربه (٢) وكان من نُسَّاكهم، فسار بهم إلى قومس (٣)، فأقام بها) (٤). انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب. • نقد النص: ذكرت هذه الرواية سبب اختلاف الخوارج مع قائدهم قطري بن الفجاءة؛ لأنه نَكَل عن الحرب، ثم ولوا عليهم عبد ربه بدلًا منه، وقد اختلفت المصادر في طرح خبر الخوارج. ومما ذكر في سبب اختلاف الخوارج ونهايتهم: ما رواه الطبري (٥): أن أول ما وقع به الخلاف بين الخوارج هو أنهم اختلفوا مع قطري بن الفجاءة في قتل رجل يدعى المقعطر، قد قتل منهم رجلًا فطلبوا من قطري أن يسمح لهم بقتله فرفض ووقع الخلاف، فعزلوا عنهم قطري وولوا بدلًا منه عبد ربه الكبير، وبايع بعضهم قطري، ثم تقاتلوا فيما بينهم، وقد توقف المهلب في هذه الفترة عن قتالهم؛ لأنه رأى أن ذلك يضعفهم، وكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج بمناجزتهم، فرد عليه المهلب بتركهم على الحال التي هم فيها حتى يضعف بعضهم بعضًا، ثم خرج قطري ومن معه إلى طَبَرِستان (٦)، وناهض المهلب عبد ربه ومن معه فتقاتلوا فيما بينهم قتالًا شديدًا، فقَتَلَ منهم المهلب مقتلة عظيمة ولم ينجوا منهم إلا القليل. ويذكر البلاذري (٧): أن أول ما وقع الخلاف بينهم في رجل اتهموه على امرأة يدخل عليها بغير إذن، فجمع قطري بينهم وبينه، فتلا عليهم ذلك الرجل قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (٨) فبكوا وعانقوه وقالوا: استغفر لنا، فقال لهم عبد ربه الصغير: إنه خَدَعكم وأنه كما ظننتم به، فبايعه بعضهم وتنكروا لقطري، فانقسم عسكرهم إلى قسمين؛ قسم مع عبد ربه الصغير، وقسم مع قطري، فتقاتلوا فيما بينهم، ثم خرج قطري وفارقهم، فحارب المهلب، وقتل عبد ربه وطلب أصحابه الأمان.

стр. 297

[١٣٤]- (وإن الحجاج كتب إلى المهلب: أما بعد، فقد طاولت القوم وطاولوك، حتى ضروا بك ومرنوا على حربك، ولعمري لو لم تطاولهم لانحسم الداء وانفصم القرن، وما أنت والقوم سواء، إن خلفك رجالًا وأموالًا، والقوم لا رجال عندهم ولا أموال، ولن يدركك الوجيف (١) بالدبيب، ولا الجد بالتعذير، وقد بعثت إليك عبيد الله بن موهب (٢)، ليأخذك بمناجزة القوم وترك مطاولتهم، والسلام. فلما قدم عبيد الله بن موهب على المهلب بكتاب الحجاج كتب إليه في جوابه: أما بعد، فإنه أتاني من قبلك رجلان، لم أعطهما على الصدق ثمنًا، ولم أحتج مع العيان إلى التقدير، ولم يكذبا فيما أنبآك به من أمري وأمر عدوي، والحرب لا يدركها إلا المكيث، ولا بد لها من فرجة يستريح فيها الغالب، ويحتال فيها المغلوب، فإما أن أنساهم وينسوني فهيهات من ذلك، والقوم سُدًى، فإن طمعوا أقاموا، وإن يئسوا هربوا، فعليَّ في مقامهم القتال والحرب، وفي هربهم الجد والطلب، وأنا إذا طاولتهم شاركتهم في رأيهم، وإذا عاجلتهم شركوني في رأيي، فإن خلَّيْتَنِي ورأيي فذاك داء محسوم وقرن مفصوم، وإن عجلتني لم أطعك ولم أعصك، وكان وجهى إليك بإذن منك، وأنا أعوذ بالله من سخط الأمراء ومقت الأئمة، والسلام. فلما قرأ الحجاج كتابه كتب إلى المهلب: إني قد رددتُ الرأيَ إليك، فدَبِّرْ ما ترى، واعمل ما تريد.

стр. 298

فلما أتاه كتاب الحجاج بذلك نشط لطلب الخوارج) (١). انفرد صاحب الكتاب بهذا، وقد سبق نقد كتاب الحجاج للمهلب في الرواية (١٢٩). * نهاية الأزارقة: [١٣٥]- (وسار في طلبهم إلى أرض قومس، فهربوا منه، فأتوا جيرفت وتحصنوا في مدينة هناك، فخرج خلفهم، وحاصرهم في تلك المدينة حتى أكلوا خيلهم، وأمر المهلب ابنه يزيد أن يقيم عليهم أيامًا، ثم يخلي لهم عن الباب، فإذا خرجوا وأصحروا اتبعهم. وتنحى المهلب فعسكر على خمسة فراسخ، وأقام عليهم يزيد أيامًا، ثم خلَّى لهم عن الباب، فخرجوا، واتبعهم المهلب، فسار في طلبهم يومين حتى لحقهم، فوقفوا له، فاقتتلوا يومًا كله، ثم غدوا في اليوم الثاني على الحرب، فناداهم عبد ربه: يا معشر المهاجرين، روحوا بنا إلى الجنة، فإن القوم رائحون إلى النار. فاطَّعَنوا بالرماح حتى تكسرت، واضطربوا بالسيوف حتى تَقطَّعت، ثم صاروا إلى المعانقة، فترجل المهلب في حماته، وحمل عليهم، وهو يتلو قول الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢). فلم يزالوا يقتتلون حتى حال بينهم الليل، ثم غدوا على الحرب، وقد كَسَرَتِ الخوارج جفون سيوفهم، وحلقوا رءوسهم، فاقتتلوا، فقُتِلَ عبد ربه، وجميع أبطاله، ولم يبقَ إلا ضعفاؤهم، فدخلوا في عسكر المهلب، وانضم كل رجل إلى عشيرته من أصحاب المهلب.

стр. 299

فنزل المهلب عن فرسه، وقال: الحمد لله الذي ردَّنا إلى الأمن، وكفانا مئونة الحرب، وكفي أمر هذا العدو، ووجه بشر بن مالك الحرسى (١) إلى الحجاج يبشره بالفتح (٢)، وكتب معه كتاب الظفر. فلما وصل الكتاب إلى الحجاج وجه به إلى عبد الملك، وقام بشر بن مالك، فأنشأ يقول: قد حسمنا داء الأزارقة الدهر … فأضحوا طرًّا، كآل ثمود بطعان الكماة في ثغر القوم … وضرب يشيب رأس الوليد كلما شئت راعني قطري … فوق عبل الشوى أقب عنود معلما يضرب الكتيبة بالسيف … «كالنار ذات الوقود» (٣) (٤) انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية. أما البلاذري والطبري فقد ذكروا نهايتهم كما سبق في نقد الرواية رقم [١٣٣]. [١٣٦]- (وكتب الحجاج إلى المهلب يأمره بالقدوم عليه، فسار حتى قدم على الحجاج، فاستقبله الحجاج، وأظهر بره وإكرامه، وأمر له بالجوائز والصلات، وأمر لولده وكانوا سبعة: المغيرة، وحبيب، ويزيد، والمفضل، ومدرك، ومحمد، وعبد الملك، وعبد الله، وأكرم أصحاب المهلب) (٥). ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٦)، والطبري (٧).

стр. 300

* نهاية قطري بن الفجاءة: [١٣٧] (ولحق قطري بالري، فوجه الحجاج سفيان بن الأبرد (١) حتى أتى الري، وعليها إسحاق بن محمد بن الأشعث (٢)، فركب معه في مئة فارس من جنده، وسارا حتى لحقاه، وهو في مئة فارس بتخوم طبرستان، فنزل عن دابته، ونام متوسدًا يده، ثم استيقظ، وقال لِعِلْجٍ من أهلها: إيتني بشَربةٍ من ماء. فأتاه بالماء، ولحقه القوم، فقتلوه قبل أن يشرب ذلك الماء، واحتز رأسه، وأخذه سفيان بن الأبرد، وانصرف إلى الحجاج، فرمى بالرأس بين يديه، فوجه الحجاج بالرأس إلى عبد الملك) (٣). ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٤) مختصرًا، والبلاذري (٥)، وعندهم أن من تولى قتله هما: سَوْرة بن أبجر الدارمي (٦)، وباذان مولى بن الأشعث (٧)، والطبري (٨) بمثلها مطولًا.

стр. 301

[١٣٨]- (وأقام المهلب بعد انصرافه بالبصرة في منزله حتى وافاه عهده من عند عبد الملك على خراسان، فسار إليها فمكث عليها خمس سنين، ثم مات) (١). ذكر خليفة بن خياط (٢) والطبري (٣) أن المهلب قدم على الحجاج فولاه خراسان سنة ثمانٍ وسبعين. • نقد النص: ذكر صاحب الكتاب تولية المهلب على خراسان من قبل عبد الملك وقد وهم في ذلك؛ لأن عبد الملك قد جمع للحجاج خراسان وسجستان مع العراق فولى خراسان المهلب (٤)، وقد توفي المهلب سنة اثنتين وثمانين بعد أن استخلف عليها ابنه يزيد بن المهلب، فأقره الحجاج (٥). [١٣٩]- (فجعل عبد الملك أمر خراسان إلى الحجاج، فأقر الحجاج عليها يزيد بن المهلب. وكان يزيد أجمل ولد المهلب جمالًا وأكملهم عقلًا، وأفضلهم رأيًا، وأذربهم لسانًا، وكان المهلب استخلفه عليها عند وفاته، فمكث عليها أعوامًا، ثم عزله الحجاج، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم (٦)، فافتتح كل ما وراء النهر،

стр. 302

ولم يزل هناك إلى أن هاج به أصحابه، فقتلوه) (١). ذكر البلاذري (٢) والطبري (٣): أن الحجاج عزل يزيد بن المهلب، وولى أخاه المفضل بن المهلب، وذلك في سنة خمس وثمانين (٤)، أما قتيبة فقد ذكر أن ولايته كانت في ست وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك (٥). [١٤٠]- (وأفضى الملك بعد ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، ثم إلى سليمان بن عبد الملك، فولى سليمان على العراق خالد بن عبد الله القسري (٦)، فولى خالد أخاه أسد بن عبد الله (٧) خراسان، فلم يزل بها حتى ظهر فيها دعاة الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (٨) (٩).

стр. 303

ذكر خليفة بن خياط أن خالد بن عبد الله القسري وَلِيَ مكة في عهد الوليد بن عبد الملك (١)، ولما ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة أقره على مكة ثم عزله (٢). وذكر خليفة بن خياط (٣) والطبري (٤) أن ولاية خالد بن عبد الله القسري للعراق في خلافة هشام بن عبد الملك. ثم ذكر الطبري (٥) أنه في سنة سبع عشرة ومائة أخذ أسد بن عبد الله دعاة لبني العباس فقتل بعضهم، ومثل ببعضهم. • نقد النص: ومما سبق نجد أن صاحب الكتاب وَهَمَ في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق في عهد سليمان بن عبد الملك، والمشهور أنه على مكة وأن ولايته على العراق في عهد هشام بن عبدالملك. * * *

стр. 304

رابعًا: العراق بعد يزيد بن معاوية: * الرجوع إلى خبر عبيد الله بن زياد أمير العراق بعد يزيد: [١٤١]- (قالوا: ومات يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد بالبصرة، فكتب إليه الحارث بن عباد بن زياد (١) بهذه الأبيات: ألا يا عبيد الله قد مات من به … ملكت رقاب العالمين يزيد أتثبت للقوم الذين وترتهم؟ … وذاك من الرأي الزنيق بعيد وما لك غير الازدجار فإنهم … أجاروا أباك، والبلاد تميد فتعجب عبيد الله من رأي ابن أخيه، وكان ذا رأي) (٢). انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر وبهذه الأبيات. [١٤٢]- (ثم إن عبيد الله دعا بمولى له يسمى مهران (٣)، وكان يعدل في الدهاء والأدب والعقل بوردان (٤) غلام عمرو بن العاص، وهو الذي ينسب إليه البراذين المهرانية، فقال: يا مهران، إن أمير المؤمنين يزيد قد هلك، فما

стр. 305

الرأي عندك؟. فقال مهران: أيها الأمير، إن الناس إن ملكوا أنفسهم لم يولوا عليهم أحدًا من ولد زياد، وإنما ملكتم الناس بمعاوية، ثم بيزيد، وقد هلكا، وإنك قد وترت الناس، ولست آمنًا أن يثبوا بك، والرأي لك أن تستجير هذا الحي من الأزد، فإنهم إن أجاروك منعوك، حتى يبلغوا بك مأمنك، والرأي أن تبعث إلى الحارث بن قيس، فإنه سيد القوم، وهو لك محب، ولك عنده يد، فتخبره بموت يزيد، وتسأله أن يجيرك، فقال عبيد الله: أصبت الرأي يا مهران) (١). انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر. • نقد النص: والذي ورد عند البلاذري (٢) والطبري (٣): أن عبيد الله قد وجه مولاه حمران إلى يزيد فأتاه بموته، وأن الناس في الشام قد اختلفوا بعده، ثم قام فخطب الناس وحثهم على الطاعة، فبايعوه ثم ما لبثوا أن خلعوه، ولم يذكر عندهم أنه استشاره في أمره. * عبيد الله واستجارته بالأزد: [١٤٣]- (ثم بعث من ساعته إلى الحارث بن قيس (٤)، فأتاه فأخبره بموت يزيد، واستشاره، فقال: المستشار مؤتمن، فإن أردت المقام منعناك معاشر الأزد، وإن أردت الاستخفاء اشتملنا عليك حتى يسكن عنك الطلب،

стр. 306

ويخفى على الناس موضعك، ثم نوجه معك من يبلغك مأمنك. فقال عبيد الله: هذا أريد. فقال له الحارث: فأنا أقيم عندك، إلى أن تمسي ويختلط الظلام، ثم أنطلق بك إلى الحي. فأقام الحارث عند عبيد الله، فلما أمسى واختلط الظلام أمر عبيد الله أن توقد السرج في منزله ليلته كلها، ليظن من يطلبه أنه في منزله، ثم قام فلبس ثيابه، واعتم بعمامته وتلثَّم. فقال له الحارث: التلثم بالنهار ذل، وبالليل ريبة، فأَحْسِرْ عن وجهك، وسِر خلفي، فإن المقدم وقاية للمؤخر، فسار. فقال للحارث: تخلل بنا فداك أبي وأمي الطرق، ولا تأخذ بنا طريقًا واحدًا، فإني لا آمن أن يَطْلُبَ أَثَرِي. فقال الحارث: لا بأس عليك، إن شاء الله، فاطمئن، ثم سارا هويًّا (١). فقال للحارث: أين نحن؟. قال: في بني مسلم. قال: سَلِمْنَا إن شاء الله، ثم سارا جميعًا ساعة، فقال: أين نحن؟. قال الحارث في بني ناجية. قال: نجونا إن شاء الله. ثم سارا حتى انتهيا إلى الأزد، وأقحم الحارث بعبيد الله دار مسعود بن عمرو، وكان رئيس الأزد كلها بعد المهلب بن أبي صفرة، وكان المهلب في هذا الوقت بخراسان بعد. فقال الحارث لمسعود: يا ابن عم، هذا عبيد الله بن زياد، قد أجرته عليك وعلى قومك.

стр. 307

قال مسعود: أهلكت قومك يا ابن قيس، وعرَّضتنا لحرب جميع أهل البصرة، وقد كنا أجرنا أباه من قبله فما كانت عنده مكافأة. وكان سبب إجارتهم زيادًا، أن علي بن أبي طالب ﵁، في خلافته ولى زيادًا البصرة عند خروجه إلى صِفِّين، وإنما كان يعرف بزياد بن عبيد، فوجه معاوية إلى البصرة عامر بن الحضرمي في جمع، فغلب على البصرة، وهرب منه زياد، فلجأ إلى الأزد، فأجاروه، ومنعوه حتى ثاب الناس إلى زياد، واجتمعوا، فطرد عامر بن الحضرمي عن البصرة، وأقام على عمله فيها. ثم إن مسعود بن عمرو أدخل عبيد الله دار نسائه، وأفرده في بيت من بيوته، وَوَكَّل به امرأتين من خدمه، وجمع إليه قومه، فأعلمهم ذلك. ولما أصبح الناس، واستحق عندهم الخبر أتوا داره، فاقتحموها ليقتلوه، فلم يصادفوا فيها أحدًا، فانطلقوا إلى الحبس، فكسروه، وأخرجوا من كان فيه) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) والطبري (٣) مطولًا. • نقد النص: ومن الأسباب التي أدت إلى فشل عبيد الله بن زياد في جمع كلمة أهل العراق، وعدم سيطرته على مجريات الأحداث رغم حزمه وشدة بأسه: - قتله الحسين ﵁، وهذا ما جعل الناس يكرهونه، ويرفضون بيعته. - خروج الخوارج من سجن عبيد الله بن زياد، فقد ذكر البلاذري (٤) أن ابن زياد تلَقَّى الخوارج بعد عودتهم من عبد الله بن الزبير وحبسهم وأن عددهم مائة

стр. 308

وأربعين، وذكر المبرد (١) أن في سجن عبيد الله بن زياد أربعمائة من الخوارج عندما توفي يزيد بن معاوية، فضعف أمره وكلم فيهم فأخرجهم فأفسدوا الناس عليه وطلبوا من الناس محاربته. * اجتماع أهل البصرة على إمام بعد عبيد الله بن زياد: [١٤٤]- (وبقي أهل البصرة تسعة أيام بغير والٍ. فاتفقوا على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن هاشم، فولوه أمرهم لصلاحه، وقرابته من رسول الله ﷺ ، فتولى الأمر، وقام بالتدبير) (٢). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٣)، وخليفة بن خياط مختصرًا (٤)، والبلاذري (٥) والطبري (٦) بمثله مطولًا. • نقد النص: ذكرت هذه الرواية أن أهل البصرة اختاروا عبد الله بن الحارث ليكون أميرًا لهم، وذلك بعد هرب ابن زياد، وقد ذكر صاحب الكتاب في رواية رقم [١١٦] أن أهل البصرة ولوا عليهم مسلم بن عبيس، وهنا نجد أنه يناقض نفسه. وأما عن ذكره سبب اختيار أهل البصرة لعبد الله بن الحارث لقرابته من رسول الله ﷺ ، فهذا السبب لم تذكره المصادر السابقة، إلا ما جاء عند

стр. 309

الطبري (١) برواية أخرى من طريق معمر بن المثنى (٢) وهو ضعيف، ونلاحظ فيها ترسيخ مفهوم أحقية الولاية في قرابة الرسول ﷺ وكأنه من ضروريات الولاية، وهذا هو مذهب الشيعة. ثم إنه روي عن سبب توليتهم له ما يخالف ذلك: ما ذكره يعقوب بن سفيان في ترجمته: (وهذا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، حيث بقي أهل البصرة بعد موت يزيد بن معاوية بلا أمير فاصطلح عليه أهل البصرة، وكان ظاهر الصلاح وله رضًا في العامة، وأراده أهل البصرة على التعسف لصلاح البلد فعزل نفسه وقعد في منزله) (٣). وهو من العلماء المحدثين ذكر ابن سعد في ترجمته: (وكان عبد الله بن الحارث يكنى أبا محمّدٍ، وسمع من عمر بن الخطّاب خطبته بالجابية، وسمع من عثمان بن عفّان، ومن أبيّ بن كعبٍ، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عبّاسٍ، ومن أبيه الحارث بن نوفلٍ، وكان ثقةً كثير الحديث) (٤). قال عنه الذهبي: ( .. وكان من سادة بني هاشمٍ، يصلح للخلافة لعلمه، وسؤدده) (٥).

стр. 310

ويضاف إلى ذلك ما سبق أن مر بنا في سبب اعتزاله الإمارة حينما كثر الشر وطلب منه الناس إعمال السيف حتى يستقيم أمرهم. فدلت هذه الآثار أن علمه وصلاحه ومكانته بين الناس هو ما جعله أهلًا لرضاهم وليس لقرابته من الرسول ﷺ كما زعم صاحب الكتاب وغيره. * خروج عبيد الله إلى الشام وأحداث الطريق: [١٤٥]- (ولما أتى على عبيد الله أيام، وأمن الطلب، قال لمسعود بن عمرو، والحارث بن قيس: إن الناس قد سكنوا، ويئسوا مني، فاعملا في إخراجي من البصرة لألحق بالشام. فاكْتَرَيَا (١) له رجلًا من بني يشكر (٢) أمينًا هاديًا بالطريق، وحملاه على ناقة مهرية (٣)، وقالا لليشكرى: عليك به لا تفارقه حتى توصله إلى مأمنه بالشام. فخرج، وخرجا معه مشيعين له في نفر من قومهما ثلاثة أيام، ثم ودعاه وانصرفا. قال اليشكري: فبينا نحن نسير ذات ليلة إذا استقبلنا عير وحادٍ يحدو فيها، ويقول: يا رب، رب الأرض والعباد … العن زيادًا، وبني زياد كم قتلوا من مسلم عباد … جم الصلاة خاشع الفؤاد يكابد الليل من السُّهاد

стр. 311

فلما سمع عبيد الله ذلك فزع، وقال: عرف مكاني. فقلت: لا تخف، فليس كل من ذكرك يعلم موضعك. ثم سرنا فأطرق طويلًا، وهو على ناقته، فظننت أنه نائم، فناديته: يا نومان. فقال: ما أنا بنائم، ولكني مفكر في أمر. قلت: إني لأعلم الذي كنت مفكرًا فيه. فقال: هاته إذن. قلت: ندمت على قتلك الحسين بن علي، وفكرت في بنائك القصر الأبيض بالبصرة، وما أنفقت عليه من الأموال، ثم لم يقض لك التمتع به، وندمت على ما كان من قتلك الخوارج من أهل البصرة بالظنة والتوهم. قال عبيد: ما أصبت يا أخا بني يشكر شيئًا مما كنت مفكرًا فيه، أما قتلي الحسين فإنه خرج على إمام وأمة مجتمعة، وكتب إليّ الإمام يأمرني بقتله، فإن كان ذلك خطأ كان لازمًا ليزيد، وأما بنائي القصر الأبيض، فما فكرتي في قصر بنيته للإمام بأمره وماله، وأما قتلي مَنْ قتلت من الخوارج؛ فقد قَتَلَهُم قَبْلِي مَنْ هو خير مني، علي بن أبي طالب ﵁، غير أني فكرت في بني أبي، وأولادهم، فندمت على تركي إخراجهم من البصرة قبل وقوع ما وقع، وفكرت في بيوت الأموال بالكوفة والبصرة ألا أكون فرقتها وبددتها في الناس عند ما ورد عليّ من وفاة الخليفة، فكنت اكتسب بذلك حمدًا في الناس وذكرًا. قلت: فما تريد أن تصنع الآن؟ قال: إن وافيت دمشق، وقد اجتمع الناس على إمام دخلت فيما دخلوا فيه، وإن لم يكونوا اجتمعوا على أحد كانوا غنمًا، قلبتها كيف شئت) (١). ذكر نحوًا من هذه الرواية: البلاذري (٢)، والطبري (٣)، وانفرد صاحب

стр. 312

الكتاب في ذكره الأبيات السابقة. • نقد النص: تذكر هذه الرواية ما كان من خبر عبيد الله بن زياد ومحادثة اليشكري الذي كان يرافقه، وقد انفرد صاحب الكتاب وخالف غيره باتهام يزيد بن معاوية بالكتابة لعبيد الله بن زياد يأمره بقتل الحسين ﵁. فالذي ورد عند البلاذري والطبري من جواب عبيد الله بن زياد عند سؤاله عن قتل الحسين ﵁ فهو قوله: (أما الحسين فإنّه سار إليّ يريد قتلي فاخترت قتله على أن يقتلني) (١). ولعل من يتهم يزيد بن معاوية بقتل الحسين ﵁ يعتمد على مثل هذه الرواية التي أوردها صاحب الكتاب، وقد نفى العلماء عنه هذه التهمة. * * *

стр. 313

خامسًا: وصول مروان بن الحكم إلى الخلافة ووفاته: * كيفية توليه مقاليد الحكم: [١٤٦]- (قال: فَسِرْنَا حتى دخلنا دمشق، والناس مختلفون، لم يملكوا عليهم أحدًا، وقد كان مروان بن الحكم هَمَّ باللحاق بعبد الله بن الزبير ليبايعه، ويكون معه. فدخل عبيد الله، وعنفه في ذلك، وقال: أنت سيد قومك، وأحق الناس بهذا الأمر، فمُدَّ يدك أبايعك. فقال مروان: وما تبلغ بيعتك وحدك؟ أخرج إلى الناس وناظرهم في ذلك. فخرج من عنده، ولقي جماعة بني أمية، فعنفهم في ذلك، وفي تخاذلهم، وحملهم على بيعة مروان، فاجتمعوا، وبايعوه) (١). انفرد صاحب الكتاب في ربط هذا الخبر بالرواية السابقة عن اليشكري، وذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢)، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا. • نقد النص: تذكر هذه الرواية دور عبيد الله بن زياد في بيعة مروان بن الحكم، وقد صورت لنا أن بني أمية انقطع بهم الرأي وحارت عقولهم حتى قدم عليهم عبيد الله بن زياد، وعنّفهم، ثم أرشدهم إلى بيعة كبيرهم مروان بن الحكم، وهي تلغي كل من شارك في جمع كلمة بني أمية إلا دور عبيد الله بن زياد، وهذا يقلل من شأن بني أمية، ويوهن أمرهم، ويلغي كل سابقة لهم في السيادة.

стр. 314

وعند الطبري أيضًا رواية يذكر فيها: (بويع مروان بن الحكم في المحرّم سنة خمسٍ وستّين، وكان مروان بالشّام لا يحدّث نفسه بهذا الأمر حتّى أطمعه فيه عبيد اللّه بن زيادٍ حين قدم عليه من العراق) (١). وفي هذا أيضًا يقصر الأمر على عبيد الله بن زياد. ولا يستطيع أحد أن يلغي دور قائد مثل عبيد الله بن زياد في تعزيز بني أمية في تلك الفترة، ولكن ليس بهذه الصورة، وخبر بيعة مروان بن الحكم يطول، ولم يأت بهذه السهولة وسأذكر من النصوص ما يتضح به هذا الحدث. مات يزيد بن معاوية سنة أربع وستين في شهر ربيع الأول، وكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر وقيل: تسعة أشهر (٢)، وبعد وفاة يزيد بن معاوية خلفه ابنه معاوية بن يزيد (٣)، فلم يلبث إلا أربعين يومًا، ثم مات (٤). ذكر من أشار على عبد الملك بن مروان بالخلافة: ١ - الحصين بن نمير السكوني، فقد جادل مالك بن هبيرة الذي كان يهوى أن تكون الخلافة لخالد بن يزيد (٥) ويبرر ذلك بقوله: (هلم فلنبايع لهذا

стр. 315

الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا)، فقال له الحصين: (لا، لعمر اللّه، لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبي) (١). ٢ - روح بن زنباع الجذامي، قام خطيبًا وأثنى على مروان بن الحكم ورشح أن يلي الخلافة لكبر سنه وشرفه، بدلًا من خالد بن يزيد؛ لأنه صغير (٢)، وقال أيضًا: (بايعوا الكبير، واستشبوا الصغير) (٣). ٣ - أهل الأردن، (قال أهل الأردن وغيرهم لمروان: أنت شيخ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزّبير كهل، وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارمِ بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسطها، فبايعوه بالجابية يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين) (٤). ٤ - عبيد الله بن زياد، فقد روى البلاذري بسنده فقال: (فقدم ابن زياد الأردن على بني أمية وقد بايعوا خالدًا فقال: إنكم قد أخطأتم الرأي في بيعة خالد، وقد بايع النّاس ابن الزّبير، وهو ابن حواريّ رسول اللّه ﷺ ورجل له سن وصلاح في دينه وفضل، وتبايعون أنتم غلامًا حديث السن ليست له حنكة وتريدون أن تقارعوا به ابن الزّبير؟ قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن تبايعوا مروان بن الحكم فإنّ له سنًّا وفقهًا وفضلًا) (٥). ٥ - عمرو بن سعيد العاص، فقد قال لمروان بن الحكم: (صدق واللّه

стр. 316

عبيد الله بن زياد أنت سيد قريش وفرعها وأنت أحق النّاس بهذا الأمر) (١)، مؤيدًا بذلك كلام عبيد الله بن زياد في مروان بن الحكم. وقد ذكر خليفة بن خياط تصورًا عامًّا عن تلك الفترة فقال: (وقد كان أهل الشّام بايعوا ابن الزبير ما خلا أهل الجابية ومن كان من بني أميّة ومواليهم وابن زياد، فبايعوا مروان بن الحكم ومن بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، وذلك للنّصف من ذي القعدة، ثمّ ساروا إلى الضّحّاك فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا عشرين يومًا ثمّ كانت الهزيمة على الضّحّاك بن قيس، فقُتِلَ الضّحّاك وأصحابه) (٢). بعد عرض النصوص السابقة اتضح أن أهل الشام اختلفوا بعد وفاة معاوية بن يزيد، وانقسموا إلى قسمين: فريق يوالي بني أمية وفريق يوالي عبد الله بن الزبير ﵁، فأما فريق بني أمية فقد اختلفوا فيما بينهم فيمن يولون، فمنهم من يريد تولية خالد بن يزيد، والقسم الآخر يرى أنه صغير ولا يصلح للخلافة، ويرى تولية مروان بن الحكم فاجتمع رأيهم على مروان بن الحكم، بعد مشورة أصحاب الرأي من بني أمية وغيرهم من كبار رجالات دولتهم، ولم يقتصر الرأي على عبيد الله بن زياد. * سبب وفاة مروان بن الحكم: [١٤٧]- (وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة (٣)، التي كانت

стр. 317

امرأة يزيد بن معاوية، فلما تم الملك لمروان بن الحكم تسعة أشهر قتلته امرأته أم خالد. وذلك أن مروان نظر يومًا إلى ابنها خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام من أبناء سبع سنين، يمشى مشية أنكرها، فقال له: ما هذه المشية يا ابن الرطبة؟ فشكا الغلام ذلك إلى أمه، فقالت له: إنه لا يقول بعد هذا. فسقته السم، فلما أحس بالموت، جمع بني أمية وأشراف أهل الشام، فبايع لابنه عبد الملك) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) والطبري (٣) مطولا. • نقد النص: تحدثت هذه الرواية عن اتهام مروان بن الحكم بالسخرية من خالد بن يزيد بأمه، وبألفاظ مشينة قبيحة، وسوف أقوم بدراسة هذا الخبر من جانبين: الأول: الروايات التي أوردت الخبر مسندًا: ذكر البلاذري لهذه الرواية أربع طرق الأولى: من طريق المدائني، وهذه الرواية جاءت بكيفية قتله بصيغة التمريض زعموا (فزعم بعض النّاس أنّها سقته شربة لبن مسموم فقتلته، وزعم بعضهم أنّها ألقت على وجهه مرفقة (٤) حين أخذ مضجعه بعد العشاء الآخرة، ووثبت عليه هي وجواريها فغممته حتّى أتين على نفسه ثمّ صرخن وقالت: مات فجأة) (٥).

стр. 318

والثانية (١) من طريق جورية بن أسماء عن المدنيين، وفيه مجاهيل، والثالثة (٢) من طريق هشام بن عمار الدمشقي (٣) ولم يذكر بقية السند. والرابعة (٤) من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف. أما الطبري (٥) فقد جاءت عنده من طريق الواقدي وهو ضعيف. وبذلك لم نقف على من أوردها بسند صحيح. الثاني: المتن وأما عن متنها فلو سلمنا أنها قد وضعت له السم فأين أعراضه، وهل يعقل أن تنجو من عقاب ابنه عبد الملك. ثم هل بلغ بمروان من الفسق وسوء الخلق وقلة التّدين أن يصف امرأته أمام الناس، ولكن شخصية مروان تعرضت لحملة شرسة من بعض المؤرخين وغيرهم، ورويت فيه أحاديث وأخبارًا مكذوبة، ووصف بأوصاف وألقاب قبيحة، مثله مثل معاوية ﵁ وابنه يزيد. وقد ذكر خليفة بن خياط (٦) وفاة مروان في سنة خمس وستين ولم يذكر سببًا في ذلك، مما يدل على أن وفاته طبيعة. * * *

стр. 319

سادسًا: أخبار متفرقة * خبر عمرو بن سعيد وسبب قتله: [١٤٨]- (وامتنع عمرو بن سعيد من البيعة، ومات مروان، وله ثلاث وستون سنة، ثم ملك عبد الملك بن مروان سنة ست وستين، فخرج عمرو بن سعيد بن العاص عليه، فصار أهل الشام فرقتين: فرقة مع عبد الملك، وفرقة مع عمرو بن سعيد. فدخلت بنو أمية وأشراف أهل الشام بينهما حتى اصطلحا، على أن يكونا مشتركين في الملك، وأن يكون مع كل عامل لعبد الملك شريك لعمرو بن سعيد، وعلى أن اسم الخلافة لعبد الملك، فإن مات عبد الملك فالخليفة من بعده عمرو بن سعيد، وكتبا فيما بينهما كتابًا، وأشهدا عليه أشراف أهل الشام. وكان روح بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك بن مروان، فقال له، وقد خلا به يومًا: يا أمير المؤمنين، هل من رأيك الوفاء لعمرو؟ قال: ويحك يا ابن زنباع، وهل اجتمع فحلان في هجمة قط إلا قتل أحدهما صاحبه؟ وكان عمرو بن سعيد رجلًا معجبًا بنفسه، متهاونًا في أمره، مغترًّا بأعدائه. ثم إن عمرًا دخل على عبد الملك يومًا، وقد استعد عبد الملك للغدر به، فأمر به، فأخذ، فأضجع، وذبح ذبحًا، ولفَّ في بساط. وأحس أصحاب عمرو بذلك، وهم بالباب، فتنادوا، فأخذ عبد الملك خمسمائة صرة، قد هيئت، وجعل في كل صرة ألفا درهم، فأمر بها فأصعدت إلى أعلى القصر، فألقيت إلى أصحاب عمرو بن سعيد مع رأس عمرو، فترك أصحابه الرأس ملقى، وأخذوا المال، وتفرقوا.

стр. 320

فلما أصبح عبد الملك أخذ من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلًا، فضرب أعناقهم، وهرب الباقون، فلحقوا بعبد الله بن الزبير) (١). انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية. وخبر قتل عمرو بن سعيد ذكره خليفة بن خياط (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا. • نقد النص: ذكر صاحب الكتاب أن روح بن زنباع سأل عبد الملك هل من رأيه الوفاء لعمرو بن سعيد؟ وقد انفرد بهذا، ولم أقف على من ذكر أن روحًا له دور في هذه القضية، وهو رجل صالح، وذكره هنا فيه اتهام له بتحريض عبد الملك على الغدر بعمرو بن سعيد، ولا يمكن قبول ذلك لما ذكر عن روح من التقى والصلاح. وانفرد صاحب الكتاب أيضًا بذكر أن عمرو بن سعيد لم يبايع عبد الملك وهذا وهمٌ منه، فقد بايعه ثم خلعه، جاء ذلك عند خليفة بن خياط كما سيأتي. أما الأسباب التي دعت عبد الملك بن مروان؛ لأن يتخلص من عمرو بن سعيد فهي كما يلي: السبب الأول: مطالبة عمرو بن سعيد لعبد الملك بن مروان بأن يجعل الأمر له من بعده، وحجته في ذلك أنه زعم أن مروان بن الحكم وعده أن يكون له الأمر من بعده، وذلك مقابل قيامه معه حتى استقام أمره، ولم يجبه عبد الملك بشيء يسره (٥).
следующие страницы →