عبيد الله بن زياد أنت سيد قريش وفرعها وأنت أحق النّاس بهذا الأمر) (١)، مؤيدًا بذلك كلام عبيد الله بن زياد في مروان بن الحكم.
وقد ذكر خليفة بن خياط تصورًا عامًّا عن تلك الفترة فقال: (وقد كان أهل الشّام بايعوا ابن الزبير ما خلا أهل الجابية ومن كان من بني أميّة ومواليهم وابن زياد، فبايعوا مروان بن الحكم ومن بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، وذلك للنّصف من ذي القعدة، ثمّ ساروا إلى الضّحّاك فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا عشرين يومًا ثمّ كانت الهزيمة على الضّحّاك بن قيس، فقُتِلَ الضّحّاك وأصحابه) (٢).
بعد عرض النصوص السابقة اتضح أن أهل الشام اختلفوا بعد وفاة معاوية بن يزيد، وانقسموا إلى قسمين: فريق يوالي بني أمية وفريق يوالي عبد الله بن الزبير ﵁، فأما فريق بني أمية فقد اختلفوا فيما بينهم فيمن يولون، فمنهم من يريد تولية خالد بن يزيد، والقسم الآخر يرى أنه صغير ولا يصلح للخلافة، ويرى تولية مروان بن الحكم فاجتمع رأيهم على مروان بن الحكم، بعد مشورة أصحاب الرأي من بني أمية وغيرهم من كبار رجالات دولتهم، ولم يقتصر الرأي على عبيد الله بن زياد.
* سبب وفاة مروان بن الحكم:
[١٤٧]- (وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة (٣)، التي كانت
стр. 317
امرأة يزيد بن معاوية، فلما تم الملك لمروان بن الحكم تسعة أشهر قتلته امرأته أم خالد.
وذلك أن مروان نظر يومًا إلى ابنها خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام من أبناء سبع سنين، يمشى مشية أنكرها، فقال له: ما هذه المشية يا ابن الرطبة؟ فشكا الغلام ذلك إلى أمه، فقالت له: إنه لا يقول بعد هذا.
فسقته السم، فلما أحس بالموت، جمع بني أمية وأشراف أهل الشام، فبايع لابنه عبد الملك) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) والطبري (٣) مطولا.
• نقد النص:
تحدثت هذه الرواية عن اتهام مروان بن الحكم بالسخرية من خالد بن يزيد بأمه، وبألفاظ مشينة قبيحة، وسوف أقوم بدراسة هذا الخبر من جانبين:
الأول: الروايات التي أوردت الخبر مسندًا:
ذكر البلاذري لهذه الرواية أربع طرق الأولى: من طريق المدائني، وهذه الرواية جاءت بكيفية قتله بصيغة التمريض زعموا (فزعم بعض النّاس أنّها سقته شربة لبن مسموم فقتلته، وزعم بعضهم أنّها ألقت على وجهه مرفقة (٤) حين أخذ مضجعه بعد العشاء الآخرة، ووثبت عليه هي وجواريها فغممته حتّى أتين على نفسه ثمّ صرخن وقالت: مات فجأة) (٥).
стр. 318
والثانية (١) من طريق جورية بن أسماء عن المدنيين، وفيه مجاهيل، والثالثة (٢) من طريق هشام بن عمار الدمشقي (٣) ولم يذكر بقية السند.
والرابعة (٤) من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف.
أما الطبري (٥) فقد جاءت عنده من طريق الواقدي وهو ضعيف.
وبذلك لم نقف على من أوردها بسند صحيح.
الثاني: المتن وأما عن متنها فلو سلمنا أنها قد وضعت له السم فأين أعراضه، وهل يعقل أن تنجو من عقاب ابنه عبد الملك.
ثم هل بلغ بمروان من الفسق وسوء الخلق وقلة التّدين أن يصف امرأته أمام الناس، ولكن شخصية مروان تعرضت لحملة شرسة من بعض المؤرخين وغيرهم، ورويت فيه أحاديث وأخبارًا مكذوبة، ووصف بأوصاف وألقاب قبيحة، مثله مثل معاوية ﵁ وابنه يزيد.
وقد ذكر خليفة بن خياط (٦) وفاة مروان في سنة خمس وستين ولم يذكر سببًا في ذلك، مما يدل على أن وفاته طبيعة.
* * *
стр. 319
سادسًا: أخبار متفرقة
* خبر عمرو بن سعيد وسبب قتله:
[١٤٨]- (وامتنع عمرو بن سعيد من البيعة، ومات مروان، وله ثلاث وستون سنة، ثم ملك عبد الملك بن مروان سنة ست وستين، فخرج عمرو بن سعيد بن العاص عليه، فصار أهل الشام فرقتين: فرقة مع عبد الملك، وفرقة مع عمرو بن سعيد.
فدخلت بنو أمية وأشراف أهل الشام بينهما حتى اصطلحا، على أن يكونا مشتركين في الملك، وأن يكون مع كل عامل لعبد الملك شريك لعمرو بن سعيد، وعلى أن اسم الخلافة لعبد الملك، فإن مات عبد الملك فالخليفة من بعده عمرو بن سعيد، وكتبا فيما بينهما كتابًا، وأشهدا عليه أشراف أهل الشام.
وكان روح بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك بن مروان، فقال له، وقد خلا به يومًا: يا أمير المؤمنين، هل من رأيك الوفاء لعمرو؟
قال: ويحك يا ابن زنباع، وهل اجتمع فحلان في هجمة قط إلا قتل أحدهما صاحبه؟ وكان عمرو بن سعيد رجلًا معجبًا بنفسه، متهاونًا في أمره، مغترًّا بأعدائه.
ثم إن عمرًا دخل على عبد الملك يومًا، وقد استعد عبد الملك للغدر به، فأمر به، فأخذ، فأضجع، وذبح ذبحًا، ولفَّ في بساط.
وأحس أصحاب عمرو بذلك، وهم بالباب، فتنادوا، فأخذ عبد الملك خمسمائة صرة، قد هيئت، وجعل في كل صرة ألفا درهم، فأمر بها فأصعدت إلى أعلى القصر، فألقيت إلى أصحاب عمرو بن سعيد مع رأس عمرو، فترك أصحابه الرأس ملقى، وأخذوا المال، وتفرقوا.
стр. 320
فلما أصبح عبد الملك أخذ من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلًا، فضرب أعناقهم، وهرب الباقون، فلحقوا بعبد الله بن الزبير) (١).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وخبر قتل عمرو بن سعيد ذكره خليفة بن خياط (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن روح بن زنباع سأل عبد الملك هل من رأيه الوفاء لعمرو بن سعيد؟ وقد انفرد بهذا، ولم أقف على من ذكر أن روحًا له دور في هذه القضية، وهو رجل صالح، وذكره هنا فيه اتهام له بتحريض عبد الملك على الغدر بعمرو بن سعيد، ولا يمكن قبول ذلك لما ذكر عن روح من التقى والصلاح.
وانفرد صاحب الكتاب أيضًا بذكر أن عمرو بن سعيد لم يبايع عبد الملك وهذا وهمٌ منه، فقد بايعه ثم خلعه، جاء ذلك عند خليفة بن خياط كما سيأتي.
أما الأسباب التي دعت عبد الملك بن مروان؛ لأن يتخلص من عمرو بن سعيد فهي كما يلي:
السبب الأول: مطالبة عمرو بن سعيد لعبد الملك بن مروان بأن يجعل الأمر له من بعده، وحجته في ذلك أنه زعم أن مروان بن الحكم وعده أن يكون له الأمر من بعده، وذلك مقابل قيامه معه حتى استقام أمره، ولم يجبه عبد الملك بشيء يسره (٥).
стр. 321
وذكر يعقوب بن سفيان ذلك فقال: (فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، وقام بعده ابنه عبد الملك، فنازعه فيها عمرو بن سعيد بن الأشدق وكان نائبًا على المدينة من زمن معاوية ﵁ وأيام يزيد ومروان، فلما هلك مروان زعم أنه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك، فضاق به ذرعًا، ولم يزل به حتى أخذه بعد ما استفحل أمره بدمشق فقتله سنة تسع وستين، ويقال في سنة سبعين) (١).
وهذه الرواية أصح ما ورد في ذلك.
السبب الثاني: الاستيلاء على دمشق، وذلك حينما خرج عبد الملك في بعض حروبه ومعه عمرو بن سعيد، ولما كانوا ببعض الطريق رجع عمرو بن سعيد إلى دمشق وطرد عامل عبد الملك عليها، فلما افتقده عبد الملك سأل عنه، فأخبر خبره، فرجع إلى دمشق وقاتله أيامًا، ثم اصطلحا وكتبا بينهما كتابًا، وبعد أربعة أيام استدعاه وقتله (٢).
وزاد عند خليفة بن خياط أن عمرو بن سعيد خلع عبد الملك وغلب على دمشق بعد أن أخرج خليفة عبد الملك عليها، فسار عبد الملك إليه فاصطلحا على أن يكون الأمر من بعد عبد الملك لعمرو، وأن له مع كل عامل عاملًا، ثم دخل عبد الملك دمشق وغدر بعمرو قتله، (وقال له: لو أعلم أن تبقى وتصلح قرابتي لفديتك بدم النواظر، ولكنه قلما اجتمع فحلان في إبل إلّا أخرج أحدهما صاحبه) (٣).
стр. 322
السبب الثالث: وقد جاء عند الطبري (١) في بعض رواياته أن السبب كان عداوة قديمة بين عبد الملك بن مروان وبين عمرو بن سعيد.
وهذا مستبعد؛ لأنهما عاشا في المدينة فترة من الزمن، وولي كل منهما على ولاية الآخر ولم يرد شيئًا عن أنهما قد تخاصما من قبل.
والذي قام به عمرو يتلخص بأمرين هما:
الأمر الأول: أنه طالب عبد الملك بولاية العهد من بعده، وهو يزعم أن مروان بن الحكم أعطاه ذلك، فقابله عبد الملك بالرفض، ولعل هذا هو أساس الخلاف بينهما وهو السبب الأقوى لرواية يعقوب بن سفيان السابقة.
الأمر الثاني: أنه أقدم على خلع عبد الملك والاستيلاء على دمشق، وكاد أن يذهب حكم عبد الملك لولا أنه قضى عليه، وهذا الأمر هو المشهور بينهما؛ ولكن لم أقف على خبر صحيح يدعمه.
[١٤٩]- (وفي ذلك يقول قائلهم:
غدرتم بعمرو يال مروان ضله … ومثلكم يبنى البيوت على الغدر
فرحنا، وراح الشامتون بقتله … كان على أكتافنا فلق الصخر
وما كان عمرو عاجزا، غير أنه … أتته المنايا بغته، وهو لا يدرى
كان بني مروان إذ يقتلونه … بغاث من الطير اجتمعن على صقر) (٢)
ذكر نحوًا منها: الزبيري (٣)، والبلاذري (٤).
стр. 323
رجع الحديث إلى حال العراق بعد يزيد:
* خبر مقتل مسعود بن عمرو والخلاف فيه:
[١٥٠]- (قالوا: ولما خرج عبيد الله من البصرة شاع بها أن عبيد الله كان عند الأزد، فأقبل رجل من الخوارج ليلًا، فجلس لمسعود بن عمرو، فلما خرج لصلاة الفجر، وثب عليه بسكين فقتله، فاجتمعت الأزد، وقالوا: والله ما قتله إلا بنو تميم، ولنقتلن سيدهم الأحنف بن قيس.
فقال الأحنف لقومه: إن الأزد قد اتهموكم في قتل صاحبهم، وقد استغنوا بالظن عن اليقين، ولا بد من غرم عقله، فجمعوا ألف ناقة، ووجهوا بها إلى الأزد وكانت دية الملوك فرضيت الأزد، وكفوا) (١).
ذكر خليفة بن خياط (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
جاء صاحب الكتاب بخبر قتل مسعود بن عمرو هنا في خلافة عبد الملك بن مروان، وجاءت به المصادر بعد موت يزيد بن معاوية وخبر عبيد الله بن زياد مع أهل العراق.
وقد تحدثت المصادر عن قتل مسعود بن عمرو وحددت وقته، ولكن لا يزال هنا غموض حول من قتله، هل هو من بني تميم أو من غيرهم، وفي هذا الحدث كادت أن تقوم حرب بين الأزد وبني تميم؛ لأن الأزد أصروا على اتهام بني تميم بقتله.
стр. 324
وسأورد بعض النصوص التي تعطي صورة أكثر وضوحًا عن هذا الحدث ومنها:
- أحداث البصرة بعد وفاة يزيد بن معاوية:
- قتل عمرو بن مسعود بعد وفاة معاوية بن يزيد سنة أربع وستين.
- قد سبق ذِكْرُ أن عبيد الله بن زياد قد أَخْرَج من سجنه بعض الخوارج، وقد كان أشد شيء عليهم.
- بعد فشل عبيد الله في جمع أهل البصرة على رأيه استجار بالأزد، فأجاره زعيمهم عمرو بن مسعود (١).
- تحالف عمرو بن مسعود ومالك بن مسمع وسويد بن منجوف ليردوا عبيد الله بن زياد إلى الإمارة، وولوا عليهم عمرو بن مسعود (٢).
- وروى البلاذري بسنده: (سارت الأزد وربيعة حتّى أتوا المسجد، وصعد مسعود بن عمرو المنبر، ثمّ خرج وخرجنا فإذا بمسعود على بغلته وقد ازدحم النّاس عليه حتّى سقط، وأقبل ابن الأزرق من قبل بني سليم في نحو من أربعين يحكمون (٣)، فقصدوا له فضربوه بأسيافهم حتّى قتلوه) (٤).
دور الأحنف بن قيس وسعيه بالصلح:
روى البلاذري بسنده أن الأحنف قال: (يا معشر الأزد، اتقوا اللّه فإنا والله ما نحن قتلنا مسعودًا إنّما قتله الخوارج، قالوا: فإنا وجدناه عندكم في دوركم وما نطلب به إلا مَنْ وجدناه عنده قتيلًا وفي داره، قال الأحنف: فما الذي
стр. 325
يرضيكم؟ قالوا: واحدة من ثلاث، ترحلون فتلحقون بباديتكم وتخلون بيننا وبين المصر، أو تقيمون الحرب بيننا وبينكم حتّى تكون الدار لنا أو لكم، أو تدون مسعودًا عشر ديات وتهدرون قتلاكم وتدون قتلانا، فقال الأحنف: أما هذه فقد قبلناها، وأمّا الأخريان فلا، فدعا لها أناسًا من قومه فأبوا أن يحملوها، فدعا لها إياس بن قتادة (١) فتحملها، وأداها كلها من عطائه وأعطيات قومه وأمواله) (٢).
ويروى أيضًا: (فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود، ويغمد السيف، ويؤدي سائر القتلى من الأزد وربيعة، فضمن ذلك الأحنف، ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدي هذا المال، فرضي به القوم) (٣).
تبين مما سبق أن عبيد الله بن زياد استجار بالأزد بعد موت يزيد بن معاوية، فأجاره زعيمهم مسعود بن عمرو، وقام مع قومه ومن حالفهم من بكر بن وائل إلى عبيد الله ليردوه إلى الإمارة مرة أخرى، فذهب إلى مسجد الكوفة ليخطب الناس فجاءه ناس من خوارج بني تميم فقتلوه، ولعل سبب ذلك لما علموا عنه أنه أجار عبيد الله بن زياد وهو عدوهم، فتحالفت الأزد ومن معها على تميم وقاموا لقتالهم.
وكان زعيم تميم في تلك الفترة الأحنف بن قيس فلم يكن يريد الدخول في
стр. 326
هذا الأمر في بدايته، ثم عزم عليه قومه (١) فقام وحاول أن يقنع الأزد أنه لم يأمر بقتل مسعود، ولكنهم كانوا جادين في اتهامهم إياه، وهذا ما يؤكد لنا أن من قتله ناس من بني تميم، ولكنهم من الخوارج، ومن المعروف أن الخوارج أمرهم فيهم ومع من يرأسهم، وأما تميم البصرة من غير الخوارج فهم تحت سيادة الأحنف، ولكن الفتنة صماء مطبقة لا تعرف الفروق، فقام الأحنف بهذا الأمر وأصلح بين الناس وتحمل هو وابن أخته إلياس دية مسعود بن عمرو، مع أن بعض بني تميم اعترضوا على ذلك، ولكنه مضى في أمره، فحقنت الدماء وسكنت الفتنة وتفرغ أهل البصرة لقتال الخوارج.
- وقد رجح البلاذري (٢) أن خروج عبيد الله بن زياد إلى الشام بعد قتل مسعود بن عمرو في شعبان سنة أربع وستين، وكان نزوله دار مسعود في جماد الآخرة سنة أربع وستين.
وفي هذا يتأكد لنا أن مسعود بن عمرو لم يتولَ أمر البصرة، ولم يوله عبيد الله أمرها، وإنما كان مطالبًا بها لابن زياد، ولما قتل مسعود خرج عبيد الله إلى الشام.
وفيه أيضًا رد على رواية هشام بن محمد التي أوردها الطبري (٣)، وهي أن زيادًا لما خرج إلى الشام استخلف مسعود بن عمرو على البصرة، وأن بني تميم عارضوا ذلك ثم حدث بينهم ما حدث.
* سلطان عبد الله بن الزبير ﵁:
[١٥١]- (وقويَ أمر عبد الله بن الزبير، وأعطاه أهل الكوفة الطاعة،
стр. 327
فولي الكوفة عبد الله بن مطيع العدوي، ووجه أخاه مصعب بن الزبير إلى البصرة، وأمر عبد الله بن مطيع بمكاتبته، ووجه عماله إلى اليمن، والبحرين، وعمان، وسائر الحجاز، ودانت لابن الزبير البلدان إلا الشام ومصر. فإن مروان بن الحكم كان حماهما) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن كثير (٢).
سبق ذكر أن أهل البصرة ولُّوا عليهم عبد الله بن الحارث، ثم أرسلوا إلى عبد الله بن الزبير فأقره عليهم، وهذا يدل على أن أهل العراق كلهم صاروا إلى إمارة عبد الله بن الزبير.
- وَلِيَ عبد الله بن مطيع الكوفة لعبد الله بن الزبير ﵁، سنة خمس وستين (٣).
- وولي مصعب بن الزبير على البصرة بعد الحارث بن عبد الله سنة سبع وستين (٤).
* تجديد بناء الكعبة في عهد عبد الله بن الزبير ﵁:
[١٥٢]- (وانحلبت على ابن الزبير الأموال، فهدم الكعبة وجدد بناءها، وذلك سنة خمس وستين، ولف الحجر الأسود في حرير، وجعله في تابوت وختم عليه، واستودعه الحجبة مع جميع ما كان معلقًا في الكعبة من ذهب وجوهر، ولما بناها أدخل الحجر في البيت، فلما قُتِلَ ابن الزبير نقضها الحجاج، وأعاد بناءها على ما كان، فهي على ذلك إلى اليوم) (٥).
стр. 328
ذكر نحوًا منها: الأزرقي (١) والبلاذري (٢) والطبري (٣) مطولًا.
ذكرت هذه الرواية هدم عبد الله بن الزبير ﵁ للكعبة وإعادة بنائها، ومما يروى في سبب ذلك:
الحريق الذي أصاب الكعبة، في حرب عبد الله بن الزبير ﵁ وأهل الشام سنة أربع وستين، فقد رقت حشوة الكعبة وضعف بناؤها (٤).
ومما يدل على هذا: ما أخرجه مسلم عن عطاءٍ (٥)، قال: (لمّا احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشّام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزّبير حتّى قدم النّاس الموسم يريد أن يجرّئهم -أو يحرّبهم- على أهل الشّام، فلمّا صدر النّاس، قال: يا أيّها النّاس، أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثمّ أبني بناءها؟ أو أصلح ما وَهَى منها؟ قال ابن عبّاسٍ: فإنّي قد فرق لي رأيٌ فيها، أرى أن تصلح ما وَهَى منها، وتدع بيتًا أسلم النّاس عليه، وأحجارًا أسلم النّاس عليها، وبعث عليها النّبيّ ﷺ ، فقال ابن الزّبير: «لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتّى يجدّه، فكيف بيت ربّكم؟ إنّي مستخيرٌ ربّي ثلاثًا، ثمّ عازمٌ على أمري»، فلمّا مضى الثّلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه النّاس أن ينزل بأوّل النّاس يصعد فيه أمرٌ من السّماء، حتّى صعده رجلٌ، فألقى منه حجارةً، فلمّا لم يره النّاس أصابه شيءٌ تتابعوا فنقضوه حتّى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزّبير أعمدةً، فستّر عليها السّتور حتّى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزّبير: إنّي سمعت
стр. 329
عائشة تقول: إنّ النّبيّ ﷺ قال: «لولا أنّ النّاس حديثٌ عهدهم بكفرٍ، وليس عندي من النّفقة ما يقوّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرعٍ، ولجعلت لها بابًا يدخل النّاس منه، وبابًا يخرجون منه»، قال: «فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف النّاس»، قال: «فزاد فيه خمس أذرعٍ من الحجر حتّى أبدى أسًّا نظر النّاس إليه، فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلمّا زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشر أذرعٍ، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه» (١).
* * *
стр. 330
الفصل الخامس
«فتنة المختار وإمارة عبد الله بن الزبير ﵁ -»
أولًا: المختار الثقفي وبداية دعوته.
ثانيًا: غلبة المختار ومواجهة أهل الشام.
ثالثًا: المختار وتتبعه لقتلة الحسين ﵁.
رابعًا: مصعب بن الزبير والقضاء على المختار.
خامسًا: أخبار عبد الله بن الزبير ﵁ وأخيه مصعب بن الزبير.
سادسًا: مقتل مصعب بن الزبير، وخضوع العراق لعبد الملك بن مروان.
سابعًا: الحجاج بن يوسف ومقتل عبد الله بن الزبير ﵁.
стр. 331
أولًا: المختار الثقفي وبداية دعوته
* بداية دعوة المختار وأتباعه:
[١٥٣]- (قالوا: وإن المختار بن أبي عبيد الثقفي (١) جعل يختلف بالكوفة إلى شيعة بني هاشم، ويختلفون إليه، فيدعوهم إلى الخروج معه والطلب بدم الحسين، فاستجاب له بشر كثير، وكان أكثر من استجاب له همدان، وقوم كثير من أبناء العجم الذين كانوا بالكوفة، ففرض لهم معاوية وكانوا يسمون الحمراء وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل (٢).
وكان على الكوفة يومئذ من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن مطيع، فأرسل ابن مطيع إلى المختار: ما هذه الجماعات التي تغدو وتروح إليك؟ فقال المختار: مريض، يعاد) (٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٤)، والطبري (٥) مطولًا.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية بداية ظهور المختار، ومن هم أتباعه ومن قام بأمره، وقد انفرد صاحب الكتاب بتسمية أصحاب المختار بالحمراء، والمشهور أنهم
стр. 332
يسمون بالخشبية؛ وذلك لأن أكثرهم كانوا يقاتلون بالخشب (١)، ويسمَّون أيضًا بالكيسانية (٢).
وقبل الدخول في أمر المختار هناك أسئلة يُسْتَحْسَن الإجابة عليها وهي مَنْ هو المختار قبل دعوته؟ ثم ما هي دعوته وعلاقته بآل البيت؟ وما عقيدته؟.
وللإجابة عن ذلك في ما يلي:
أولا: حال المختار قبل دعوته:
كان المختار مع عمه سعد بن مسعود (٣)، والي المدائن من قبل علي بن أبي طالب ﵁، فلما طعن الحسن ﵁ ونزل المدائن، اقترح المختار على عمه أن يوثق الحسن ﵁ ويرسله إلى معاوية ﵁ لينال بذلك الشرف والغنى ولكن عمه أَبَى عليه وشتمه وبين له حرمته وقرابته من الرسول ﷺ (٤).
وبهذا الحدث نرى طبيعة الغدر المتأصلة فيه، وقد غضبت لذلك ناس من الشيعة، وهَمُّوا بقتله لولا أن طلب عمه من الحسن ﵁ أن يأمرهم أن يكفوا عن ذلك (٥).
وروي أن مسلم بن عقيل حينما قدم الكوفة نزل دار المختار بن أبي عبيد، وقد بايعه المختار سرًّا، ولما خرج مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد
стр. 333
لم يكن المختار حاضرًا، ثم سمع بخروجه، وأتى لنصرته فلم يدرك ذلك وأخذ بها، ولما أحضر عند عبيد الله بن زياد أنكر ذلك، فضربه ابن زياد على عينه، ثم شفع له عمرو بن حريث واكتفى عبيد الله بسجنه، ثم أُخْرِجَ من سجنه بشفاعة عبد الله بن عمر ﵁؛ لأن أخت المختار كانت معه (١).
ثم إن المختار كان مع عبد الله بن الزبير ﵁ في حربه مع جند الشام، وقد قاتل معه أشد القتال، فلما انقضت الحرب، وغادر أهل الشام استأذن المختار من عبد الله بن الزبير ﵁ في الخروج إلى الشام، وكان في نيته الغدر به، مع أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان لا يشك في صدقه وولائه (٢)، وكان سبب تركه له أنه لم يُوله شيئًا (٣).
ثانيا: دعوة المختار وعلاقته بآل البيت:
رأينا فيما سبق أن المختار يتقلب في ولائه، وكأنه يبحث عن شيء ولم يجده، فقد كان يميل إلى معاوية ﵁، ثم صار مع مسلم بن عقيل، ولما قُتِلَ انحاز إلى عبد الله بن الزبير ﵁، ولما خرج المختار من عبد الله بن الزبير ﵁ إلى الكوفة، وكان عليها عبد الله بن مطيع، فأظهر مناصحة عبد الله بن الزبير ﵁، وعابه في السر، ودعا إلى ابن الحنفية، وحرض الناس على ابن مطيع، وقتل صاحب شرطته، واتخذ له شيعة وخيلًا عظيمة، ثم هرب منه ابن مطيع (٤).
فالمختار يتولى آل البيت وهم يتبرءون منه، ولا يثبت أن أحدًا منهم أثنى عليه، وهذا يدل على أنه لا شيء فوق الدين، فهم عرفوا كذب المختار وسوء
стр. 334
عقيدته، ولذلك تبرؤوا منه، ولم ترد آثار صحيحة عن ابن عباس ﵁ (١)، ولا عن محمد ابن الحنفية، ولا عن علي بن الحسين تذكر أنهم كانوا يتولون المختار، بل ورد عنهم ما يخالف ذلك ومن ذلك:
ما رواه البلاذري بسنده عن هشام بن عروة بن الزبير أنه قال: قيل
لابن عبّاسٍ إنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه، فقال: صدق إنّهما وحيان
وحيٌ اللّه إلى محمّدٍ ﷺ ، ووحيٌ الشياطين، وقرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (٢)(٣).
قال فخر الدين الرازي: (المختارية أتباع المختار بن أبي عبيد الثّقفيّ وهم يقولون: إن الإمام بعد الحسين هو محمّد ابن الحنفيّة، ثمّ زعم المختار أنه نائب محمّد ودعا الخلق إلى الضّلالة وأراد محمّد أن يقصد نحوه ويمنعه عن ذلك، فلمّا علم المختار أنه يريد قصده صعد المنبر وقال: يا قوم قد ذُكِرَ أن إمامكم قد قصد نحوكم، ومن أمارات الإمام ألا يؤثر فيه السّيف فإذا أتى فجربوا هذا فلمّا بلغ ذلك محمّدًا، وأنه قد قصد بذلك قتله هرب) (٤).
أما علي بن الحسين، فقد تبرأ من المختار على رءوس الأشهاد، وذلك
стр. 335
لما سأل أبا جعفر عن المختار قال: (إنّ عليّ بن حسينٍ قام على باب الكعبة، فلعن المختار، فقال له رجلٌ: جعلني اللّه فداك، تلعنه وإنّما ذبح فيكم؟ فقال: إنّه كان كذّابًا، يكذب على اللّه وعلى رسوله) (١).
وقد ابتدأ المختار دعوته في الكوفة سنة أربع وستين، وكانت متزامنة مع حركة التوابين التي يقودها سليمان بن صرد فانحازت طائفة من الشيعة إليه، وكان سليمان أثقل شيء عليه (٢).
ثالثا: عقيدة المختار:
ذكر الشهرستاني (٣): أن المختار بن أبي عبيد الثقفي، كان خارجيًا، ثم صار زبيريًّا، ثم صار شيعيًّا، وما انتظم أمره بالكوفة إلا بأمرين هما:
الأول: انتسابه إلى محمد ابن الحنفية علمًا ودعوة.
والآخر: أنه أخذ على عاتقه الثأر من قتلة الحسين ﵁.
وقد ادعى المختار النبوة، وقال بعقيدة البداء على الله .
وقال الشهرستاني: (وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء؛ لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة؛ فإن وافق كونه قوله، جعله دليلًا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم)، وقال: (وكان لا يفرق بين النسخ والبداء؛ قال: إذا جاز النسخ في الأحكام، جاز البداء في الأخبار) (٤).
стр. 336
وذكر الإسفراييني السبب الذي جعل المختار يدّعي النبوة فقال: (ثمّ إن المختار خدعته السبابية (١) الغلاة من الرافضة، فقالوا له: أنت حجّة هذا الزّمان وحملوه على دعوى النّبوّة فادعاها عند خواصه وزعم أن الوحي ينزل عليه) (٢).
وقد أخرج مسلم في صحيحه حديثًا عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ عن الرسول ﷺ أنه قال: (إنّ في ثقيفٍ كذّابًا ومبيرًا)، فأمّا الكذّاب فرأيناه، وأمّا المبير فلا إخالك إلّا إيّاه (٣)، وذلك في حوارها مع الحجاج بن يوسف الثقفي بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير ﵁.
قال أبو الفضل السبتي: (وقولها: «إن فى ثقيف كذابًا ومبيرًا، أما الكذاب فرأيناه»؛ تعني المختار بن أبي عبيد، «وأما المبير فإخالك هو»؛ تريد لكثرة قتله) (٤).
وعلق ابن كثير على هذا الحديث فقال: (وكان المختار هو الكذّاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرّفض أوّلًا ويبطن الكفر المحض) (٥).
стр. 337
وقال ابن تيمية: (وأمّا الشّيعة فكثيرٌ منهم يعترفون بأنّهم إنّما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ومعاداة النّبيّ ﷺ ، كما يعرف ذلك من خطاب الباطنيّة وأمثالهم من الدّاخلين في الشّيعة، فإنّهم يعترفون بأنّهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام، وإنّما يتظاهرون بالتّشيّع لقلّة عقل الشّيعة وجهلهم، ليتوسّلوا بهم إلى أغراضهم، وأوّل هؤلاء - بل خيارهم - هو المختار بن أبي عبيدٍ الكذّاب، فإنّه أمير الشيعة، وقتل عبيد الله بن زياد، وأظهر الانتصار للحسين، وتقرب بذلك لمحمد ابن الحنفية وأهل بيت .. ).
(ومن المعلوم أنّ عمر بن سعدٍ أمير السّريّة الّتي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدّنيا على الدّين، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيدٍ الّذي أظهر الانتصار للحسين وقتل قاتله، بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبًا من عمر بن سعدٍ، فهذا الشّيعيّ شرٌّ من ذلك النّاصبيّ، بل والحجّاج بن يوسف خيرٌ من المختار بن أبي عبيدٍ، فإنّ الحجّاج كان مبيرًا كما سمّاه النّبيّ ﷺ يسفك الدّماء بغير حقٍّ، والمختار كان كذّابًا يدّعي النّبوّة وإتيان جبريل إليه، وهذا الذّنب أعظم من قتل النّفوس، فإنّ هذا كفرٌ، وإن كان لم يتب منه كان مرتدًّا، والفتنة أعظم من القتل) (١).
* دخول إبراهيم بن الأشتر في أمر المختار:
[١٥٤]- (فلم يزل كذلك حتى قال له نصحاؤه: عليك بإبراهيم بن الأشتر (٢)، فاستمله إليك، فإنه متى شايعك على أمر ظفرت به، وقضيت حاجتك.
стр. 338
فأرسل المختار إلى جماعة من أصحابه، فدخلوا عليه، وبيده صحيفة مختومة بالرصاص.
فقال الشعبي (١): وكنت فيمن دخل عليه، فرأيت الرصاص أبيض يلوح، فظننت أنه إنما ختم من الليل، فقال لنا: انطلقوا بنا حتى نأتي إبراهيم بن الأشتر.
قال: فمضينا معه، وكنت أنا ويزيد بن أنس الأسدي (٢)، وأحمر بن سليط (٣)، وعبد الله بن كامل (٤)، وأبو عمرة كيسان (٥)، مولى بجيله، الذي يقول الناس: قد جاوره أبو عمرة، وكان من بعد ذلك على شرط المختار.
قال الشعبي: فأتينا إبراهيم بن الأشتر، وهو جالس في صحن داره، فسلمنا عليه، فتناول يد المختار، وأجلسه معه على مقعدة كان عليها.
стр. 339
وتكلم المختار وكان مفوها، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: إن الله قد أكرمك، وأكرم أباك من قبلك بموالاة بني هاشم ونصرتهم، ومعرفة فضلهم، وما أوجب الله من حقهم، وقد كتب إليك محمد بن علي بن أبي طالب يعني ابن الحنفية هذا الكتاب بحضرة هؤلاء النفر الذين معي.
فقال القوم جميعًا: نشهد أن هذا كتابه، رأيناه حين كتبه.
ثم ناوله، ففتحه وقرأه، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي إلى إبراهيم الأشتر، أما بعد، فإن المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين، فساعده في ذلك، وآزره يثبك الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.
فلما قرأ إبراهيم بن الأشتر الكتاب قال للمختار: سمعًا وطاعة لمحمد بن علي، فقل ما بدا لك، وادعُ إلى ما شئت، فقال المختار: أتأتينا، أو نأتيك في أمرنا؟ فقال إبراهيم: بل أنا آتيك كل يوم إلى منزلك.
قال الشعبي: فكان إبراهيم بن الأشتر يركب إلى المختار في كل يوم في نفر من مواليه وخدمه.
قال الشعبي: ودخلتني وحشة من شهادة النفر الذين كانوا معي، على أنهم رأوا محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب إلى إبراهيم بن الأشتر، فأتيتهم في منزلهم رجلًا رجلًا، فقلت: هل رأيت محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟ فكل يقول: نعم، وما أنكرت من ذلك؟.
فقلت في نفسي: إن لم أستعلمها من العجمي، يعني أبا عمرة، لم أطمع فيها من غيره.
فأتيته في منزله، فقلت: ما أخوفني من عاقبه أمرنا هذا أن ينصب الناس جميعًا لنا، فهل شهدت محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟.
стр. 340
فقال: والله ما شهدته حين كتبه، غير أن أبا إسحاق يعني المختار عندنا ثقة، وقد أتانا بعلامات من ابن الحنفية، فصدقناه.
قال الشعبي: فعرفت عند ذلك كذب المختار، وتمويهه، فخرجت من الكوفة حتى لحقت بالحجاز، فلم أشهد من تلك المشاهد شيئًا) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢) دون ذكر للشعبي، وأما البلاذري (٣) فذكر أن الشعبي حضر مع المختار لضم ابن الأشتر ولم يذكر أنه شهد بشيء، والخبر غير مسند، والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية بدأ المختار يستميل كبار القادة والأشراف وذلك بادعائه أنه مرسل من عند محمد ابن الحنفية، ومن هؤلاء القادة إبراهيم بن الأشتر، والذي استماله بطريقة دنيئة وهي عن طريق كتاب وضعه على لسان محمد ابن الحنفية، وأن الشعبي حضر معهم ولم يشهد، ثم أخذ يسأل الذين شهدوا على صدق المختار فأخبروه أن شهادتهم للمختار كانت لصدقه، ولكن هذا الخبر ناقص، وتمامه ما رواه الطبري (٥) من طريق أبي مخنف، وفيها أن الشعبي حضر هو وأبوه مع المختار حينما أراد تقديم الكتاب المزعوم من قبل المختار على لسان محمد ابن الحنفية، ولم يشهد هو وأبوه مع النفر؛ ولكنه أقر بصدقهم عندما سأله ابن الأشتر، وهذه الرواية لم تأتِ من طريق صحيح عن الشعبي، وأما متنها فمنكر فكيف يسع الشعبي أن يحضر مع المختار هو وأبوه ولا
стр. 341
يشهدوا بشهادة الحضور.
ومما سبق نقول: إنه لا يوجد خبر صحيح يمكن الاعتماد عليه، يثبت علاقة الشعبي بالمختار، بل قد رُوِيَ أن الشعبي خرج من الكوفة زمن فتنة المختار إلى البصرة ومن ذلك: أن له أخبارًا مع الأحنف بن قيس، وهو متزامن مع خروج المختار فقد قال الشعبي: (فاخرتُ أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة والأحنف ساكتٌ لا يتكلّم، فلمّا رآني غلبتهم أرسل غلامًا له فجاء بكتابٍ، فقال: هاك اقرأ. فقرأته فإذا فيه من المختار إليه يذكر أنّه نبيٌّ. قال فيقول الأحنف: أنّى فينا مثل هذا) (١)، ثم إنه خرج إلى المدينة فقد رواه ابن سعد بسنده عن الشعبي أنه قال: (أقمت بالمدينة مع عبد الله بن عمر ثمانية أشهرٍ أو عشرة أشهرٍ) (٢)، قال محمّد بن سعدٍ: (وكان سبب مقامه بالمدينة أنّه خاف من المختار فهرب منه إلى المدينة فأقام بها) (٣)، وذكر أبو عبد الله الحاكم أن الشعبي أقام بالمدينة ثمانية أشهر هاربًا من المختار (٤). وهذا يثبت أن الشعبي لم يكن يخفى عليه فساد المختار، فخافه وخرج من العراق إلى المدينة.
стр. 342
ثانيًا: غلبة المختار، ومواجهة أهل الشام
* خبر المختار مع عبد الله بن مطيع:
[١٥٥]- (قالوا: وكان على شرطة عبد الله بن مطيع بالكوفة إياس بن نضار العجلي (١)، وكان طريق إبراهيم بن الأشتر إذا ركب إلى المختار على باب داره، فأرسل إلى إبراهيم: إنه قد كثر اختلافك في هذا الطريق، فأقصر عن ذلك.
فأخبر إبراهيم المختار بما أرسل إليه إياس، فقال له المختار: تجنب ذلك الطريق، وخذ في غيره. ففعل.
وبلغ إياسًا أن إبراهيم بن الأشتر لا يقلع عن إتيان المختار كل يوم، فأرسل إليه: أن أمرك يريبني، فلا أرينك راكبًا، ولا تبرحن منزلك، فأضرب عنقك.
فأخبر إبراهيم المختار بذلك. واستأذنه في قتله، فأذن له، وإن إبراهيم ركب في جماعة من أهل بيته وما يليه، وجعل طريقه على مجلس إياس، فقال له إياس: يا ابن الأشتر، ألم آمرك ألا تبرح من منزلك؟ فقال له إبراهيم: أنت والله ما علمت أحمق، فقال للجلاوزة: نكسوه، فانتضى إبراهيم سيفه، وشد على إياس، فضربه حتى قتله. ثم حمل على الجلاوزة، فانحرفوا عنه، ومضى إبراهيم.
وبلغ عبد الله بن مطيع الخبر، فأمر بطلب إبراهيم، ووجه إلى منزله، وبلغ ذلك المختار، فوجه إلى إبراهيم بمائة فارس، فلما وافوه حمل على أصحاب
стр. 343
ابن مطيع، فانهزموا عنه، فأقبل إبراهيم نحو دار الإمارة، ووافاه المختار في سبعة آلاف فارس، فتحصن ابن مطيع في القصر، وبعث إلى الحرس والجند، فوافاه منهم نحو ثلاثة آلاف (١) رجل، فنادى يا لثارات الحسين، فوافاه زهاء عشرة آلاف رجل ممن بايعه على الطلب بدم الحسين.
وفي ذلك يقول عبد الله بن همام:
وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى … ويزويه عن رود الشباب شموع
دعا، يالثارات الحسين فأقبلت … كتائب من همدان بعد هزيع
ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك … يقود جموعًا أردفت بجموع
ومن أسد وافى يزيد لنصره … بكل فتى ماضى الجنان منيع (٢)
وخرج ابن مطيع من القصر، واجتمع إليه الجنود، ونهد إليه المختار في أصحابه، وعلى مقدمته ابن الأشتر، فالتقوا، فاقتتلوا، فقتل من أصحاب ابن مطيع بشر كثير، فانهزموا.
وبادر ابن مطيع إلى القصر، فتحصن فيه في طائفة من أصحابه، وأقبلت همدان حتى تسلقوا القصر بالحبال من ناحية دار عمارة بن عقبة بن أبي معيط (٣).
فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل الأمان على نفسه ومن معه من أصحابه، فأجابه المختار إلى ذلك، فآمنه.
فخرج ابن مطيع، وأظهر المختار إكرامه، وأمر له من بيت المال بمائة
стр. 344
ألف ألف درهم، وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب، وقال له: ارحل إذا شئت) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذكر للمواجهة التي تمت بين عبد الله بن مطيع وبين المختار.
وما جاء به البلاذري (٥) والطبري (٦) في أمر ابن مطيع مع المختار أن ابن مطيع لما حُصِرَ أشار عليه أصحابه بالخروج، فخرج واستخفى، ثم إن المختار علم بمكانه فبعث له بمال ثم خرج من الكوفة.
وقد ورد أن سبب عفو المختار عن ابن مطيع أنه كان صديقًا له من قبل (٧).
وأما قول صاحب الكتاب أن المختار حفظ قرابة ابن مطيع بعمر بن الخطاب ﵁ فقد انفرد بهذا القول، ويبدو أنه من تعليقه على الحادثة، وإلا فمنهج المختار وفعله لا يجعله أهلًا لأن يوالي أحدًا من الصحابة، إلا أن يكون ذلك منه تقية، وأما عدم قتله عبد الله بن مطيع وأصحابه فلعله لا يريد تهييج أهل العراق وهو في بداية دعوته، وحتى يزداد بعفوه عنهم محبة أتباعه.
стр. 345
وروى ابن سعد (١) سببًا آخر شذ فيه عن حرب المختار مع ابن مطيع، وقد تمثل في أن المختار أراد أن يخطئ ابن مطيع ويقلل من سياسته في العراق وأن قيامه عليه ونزع إمارته من الكوفة كان بسبب أن ابن مطيع يوالي بني أمية وقد كتب لعبد الله بن الزبير ﵁ بذلك.
[١٥٦]- (ثم إن المختار غلب على الكوفة ودانت له العراق وسائر البلاد إلا الجزيرة والشام ومصر، فإن عبد الملك قد كان حماها، ووجه عماله في الآفاق.
فاستعمل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني (٢) على الموصل، ومحمد بن عثمان التميمي (٣) على أذربيجان (٤)، وعبد الله بن الحارث (٥) أخا الأشتر على الماهين وهمذان (٦)، ويزيد بن معاوية البجلي على أصبهان (٧) وقم (٨) وأعمالها، وابن مالك البكراوي (٩) ..............................
стр. 346
على حلوان (١) وماسبذان (٢)، ويزيد بن أبي نجبة الفزاري (٣) على الري ودستبى، وزحر بن قيس على جوخى (٤)، وفرق سائر البلدان على خاصته) (٥).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٦). وقد انفرد صاحب الكتاب بقوله: (ودانت له البلاد إلا ما كان من الشام ومصر).
• نقد النص:
في هذه الرواية بالغ صاحب الكتاب بالمناطق التي سيطر عليها المختار، وكأنه يريد تعظيم أمره، والإشادة به وبملكه، وقوله: (دانت له البلاد إلا مصر والشام) ليس دقيقًا وهو عار من الصحة، فأين المهلب والمناطق التي حررها من الخوارج وهي تابعة لعبد الله بن الزبير ﵁ مع الحجاز، بل إن البصرة لم يُحْكَم القبضة عليها، ومنها انطلقت الجيوش بقيادة مصعب للقضاء عليه كما سيأتي معنا في حديث القضاء على المختار.
والذي يظهر والله أعلم أنه لم يسيطر إلا على الكوفة والموصل والجزيرة وما حولها ودليل هذا ما رواه البلاذري بسنده: (أن مصعب بن الزّبير لما فرغ من قتال المختار، كان إبراهيم بن الأشتر على الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية، فعزله ووجهه لقتال الأزارقة، ووجه المهلب بن أبي صفرة على عمله، ثمّ عزل المهلب ورد إبراهيم بن الأشتر على العمل، ووجه المهلب لقتال الأزارقة) (٧).
стр. 347
[١٥٧]- (وولى الشرطة كيسان أبا عمرة (١)، وأمره أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول، وتتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن علي، فيهدمها.
وكان أبو عمرة بذلك عارفًا، فجعل يدور بالكوفة على دورهم، فيهدم الدار في لحظة، فمن خرج إليه منهم قتله، حتى هدم دورًا كثيرة، وقتل أناسًا كثيرين، وجعل يطلب ويستقصي، فمن ظفر به قتله، وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم الذين كانوا معه) (٢).
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
والذي جاء في البلاذري (٣) والطبري (٤) من فعل كيسان أبا عمرة: أن المختار بعثه لقتل عمر بن سعد فقتله، ثم بعثه لقتل خولي بن يزيد الأصبحي.
* حرب المختار مع أهل الشام:
[١٥٨]- (ثم إن المختار عقد ليزيد بن أنس الأسدي في عشرين ألف رجل وقواهم بالسلاح والعدة، وولاه الجزيرة وما غلب عليه من أرض الشام، فسار يزيد حتى نزل نصيبين (٥).
وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فخرج بأهل الشام فوافى نصيبين، وقاتل يزيد بن أنس، فهزمه، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وبلغ المختار
стр. 348
ذلك، فقال لإبراهيم بن الأشتر: أيها الرجل، إنما هو أنا وأنت، فسر إليهم، فوالله لتقتلن الفاسق عبيد الله بن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم.
قال إبراهيم: ما أحسبك أيها الأمير بأحرص على قتال أهل الشام، ولا أحسن بصيرة في ذلك مني، وأنا سائر.
فانتخب له المختار عشرين ألف رجل، وكان جلهم أبناء الفرس الذين كانوا بالكوفة، ويسمون الحمراء، وسار نحو الجزيرة، ورَدَّ مَنْ كان انهزم من أصحاب يزيد بن أنس، فصار في نحو من ثلاثين ألف رجل.
وبلغ ذلك عبد الملك، فعقد للحصين بن نمير في فرسان أهل الشام، وكانوا نحوًا من أربعين ألفًا، وفيهم عبيد الله بن زياد، وفيهم من قتلة الحسين: عمير بن الحباب (١)، وفرات بن سالم (٢)، ويزيد بن الحضين (٣)، وأناس سوى هؤلاء كثير.
فقال فرات لعمير: قد عرفت سوء ولاية بني مروان، وسوء رأيهم في قومنا من قيس، ولئن خلص الأمر، وصفا لعبد الملك ليستأصلن قيسًا، أو ليقصينهم، ونحن منهم، فانصرف بنا لننظر ما حال إبراهيم بن الأشتر.
فلما جنهما الليل ركبا فرسيهما، وبينهما وبين عسكر إبراهيم أربعة فراسخ، وكانا يمران بمسالح أهل الشام، فيقولون لهما: من أنتما؟ فيقولان:
стр. 349
طليعة للأمير الحصين بن نمير.
فأقبلا حتى أتيا عسكر إبراهيم بن الأشتر، وقد أوقد النيران، وهو قائم يعبي أصحابه، وعليه قميص أصفر هروي وملاءة موردة متوشحًا بها، متقلدًا سيفه.
فدنا منه عمير بن الحباب، فصار خلفه، وإبراهيم لا يأبه له، فاحتضنه من ورائه، فما تحلحل إبراهيم عن موضعه، غير أنه أمال رأسه، وقال:
من هذا؟ قال: أنا عمير بن الحباب. فأقبل بوجهه إليه، وقال: اجلس حتى أفرغ لك. فتنحَّى عنه، وقعدا ممسكين بأعنة فرسيهما.
فقال عمير لصاحبه: هل رأيت رجلًا أربط جأشًا، وأشد قلبًا من هذا؟ تراه تحلحل من مكانه، أو اكترث (١) لي، وأنا محتضنه من خلف، فقال له صاحبه: ما رأيت مثله.
فلما فرغ إبراهيم من تعبئة أصحابه أتاهما، فجلس إليهما، ثم قال لعمير: ما أعملك إليّ يا أبا المغلس؟.
قال عمير: لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك، وذلك أني لم أسمع فيه كلامًا عربيًّا حتى انتهيت إليك، وإنما معك هؤلاء الأعاجم، وقد جاءك صناديد أهل الشام وأبطالهم، وهم زهاء أربعين ألف رجل، فكيف تلقاهم بمن معك؟.
فقال إبراهيم: والله لو لم أجد إلا النمل لقاتلتهم بها، فكيف وما قوم أشد بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي؟ وإنما هم أولاد الأساورة من أهل فارس، والمرازبة، وأنا ضارب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله.
стр. 350
قال عمير: إن قومي قيسًا، إذا التقى الجبلان غدًا في ميسرة أهل الشام فلا تحفل بنا، فإنا منهزمون لنكسر الجيش بذلك، فإنا لا نحب ظهور بني مروان لسوء صنيعهم إلينا معاشر قيس، وأنا إليك لأميل.
قال إبراهيم: وذاك، ثم انصرفا إلى معسكرهما. ولما أصبح الفريقان زحف بعضهم إلى بعض، فتواقفوا بمكان يدعى خازر (١) فنادى إبراهيم بن الأشتر حماة عسكره عليكم بالميسرة، وفيها قيس.
فقال عمير بن الحباب لصاحبه: هذا وأبيك الحزم، لم يثق بقولنا وخاف مكرنا. وصاح عمير بن الحباب في قيس، يا لثارات مرج راهط، فنكسوا أعلامهم، وانهزموا، فانكسر أهل الشام. وحمل عليهم إبراهيم بن الأشتر، فأكثر فيهم القتل، وانهزم أهل الشام، فأتبعهم إبراهيم يقتلهم إلى الليل، وقتل أميرهم الحصين بن نمير وكان من قتلة الحسين، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وعظماء أهل الشام.
فلما وضعت الحرب أوزارها قال إبراهيم بن الأشتر: إني قتلت في الوقعة رجلًا من أهل الشام، كان يقاتل في أوائلهم قتالًا شديدًا، وهو يقول: أنا الغلام القرشي، فلما سقط شممت منه ريح المسك، فاطلبوه بين القتلى.
فطلب حتى أصابوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد، فأمر به إبراهيم، فحز رأسه، فوجَّه به إلى المختار، فوجه به المختار إلى محمد ابن الحنفية، واحتوى إبراهيم بن الأشتر على عسكر الشام، فغنم ما كان فيه) (٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
стр. 351
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف، وقد زاد فيها عند صاحب الكتاب من قول عمير بن الحباب: (لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك) إلى قوله: (والنصر من عند الله) وكأنه يشير إلى أن المعركة التي فيها الانتقام من أهل الشام الذين قتلوا الحسين ﵁ بزعمه قامت على الفرس الذين مع ابن الأشتر، وهو بذلك يشير إلى عظمة الوجود الفارسي المنتقم للحسين ﵁ ويثبته ويشيد به، وهذا يضاف إلى قومية المؤلف، والرد على ذلك أن هذه الزيادة انفرد بها، ثم إن أهل الشام لم يقتلوا الحسين ﵁ ولم يكن من بينهم إلا عبيد الله بن زياد، وأن الذي قتل الحسين ﵁ كما سبق معنا هم أهل الكوفة.
وهذا قد ورد ما يخالفه وهو ما رواه البلاذري (١) أن عماد جيش ابن الأشتر هم من همدان وتميم وكندة وربيعة ومذحج وأسد، وربع من أهل المدينة وهم زهاء تسعة آلاف.
وذكر في هذه الرواية خبر هزيمة جيش الشام من قبل المختار بقيادة إبراهيم بن الأشتر، وأن سبب الهزيمة هو انهزام جيش الشام بسبب دخول عمير بن الحباب مع ابن الأشتر وذلك باتفاق مسبق بين القائدين، وقد جاء البلاذري (٢) من طريق المدائني بمثله، وهذا لم يثبت، فقد ذكر الطبري (٣) في رواية أخرى أن عمير بن الحباب أتى إلى ابن الأشتر فنصحه بمناجزة القوم وواعده بالانهزام، ولكنه لم يفعل وقاتل كراهية الانسحاب ثم أتى إلى ابن الأشتر بعد المعركة.
стр. 352
ثم أتت الرواية على بعض خرافات المختار، وما فيها من الإخبار بالغيب ومنها قوله: (والله لتقتلن الفاسق عبيد الله بن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم).
[١٥٩]- (فأتته هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري (١)، امرأة عبيد الله بن زياد، فأخبرته بانتهاب ما كان معها من مالها، فقال لها: كم ذهب لك؟ قالت: قيمة خمسين ألف درهم. فأمر لها بمائة ألف درهم، ووجه معها مائة فارس حتى أتوا بها أباها البصرة) (٢).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية خبر هند بنت أسماء، وأنها شكت إلى إبراهيم بن الأشتر ما أصابه الجند من مالها وأنه رد ذلك عليها، وهذا الخبر لم يرد بسند يمكن الاعتماد عليه، وما ذكره غيره يخالفه تمامًا.
فأما الطبري (٣) فذكر من خبرها في هذه المعركة أن عيينة بن أسماء (٤) حمل أخته هند لما قتل عبيد الله بن زياد.
وأما ابن عساكر فذكر من خبرها بسنده: (كانت هند بنت أسماء بن
стр. 353
خارجة عند عبيد الله بن زياد بن أبيه وهو ابتكرها وكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر، فقتل يوم الخازر وهو من الزاب، وهي معه، فقالت: لا يستمكن هؤلاء مني، ثم شدت عليها قباءة وعمامته ومنطقته وركبت فرسه الكامل، ثم خرجت حتى دخلت الكوفة في بقية يومها وليلتها، ليس معها أنيس) (١).
[١٦٠]- (ودخل عبيد الله بن عمرو الساعدي (٢)، وكان شاعرًا على إبراهيم بن الأشتر، فأنشده:
الله أعطاك المهابة والتقى … وأحل بيتك في العديد الأكثر
وأقر عينك يوم وقعة خازر … والخيل تعثر بالقنا المتكسر
من ظالمين كفتهم آثامهم … تركوا لعافية وطير حسر
ما كان أجرأهم، جزاهم ربهم … شر الجزاء على ارتكاب المنكر
إني أتيتك إذ تناءى منزلي … وذممت إخوان الغنى من معشري
وعلمت أنك لا تضيع مدحتي … ومتى أكن بسبيل خير أشكر
فهلم نحوي، من يمينك نفحة … إن الزمان ألح يا ابن الأشتر
فأعطاه عشرة آلاف درهم) (٣).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الأبيات.
• نقد النص:
وقد أورد هذه الأبيات تأكيدًا منه على ما ذكره في الرواية السابقة أن سبب قتال أهل الشام لأنهم قتلة الحسين ﵁، وهو بذلك يريد أن ينفي التهمة عن
стр. 354
أهل الكوفة ويحولها إلى أهل الشام.
[١٦١]- (وإن إبراهيم بن الأشتر أقام بالموصل، ووجه عماله إلى مدن الجزيرة، فاستعمل إسماعيل بن زفر (١) على قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي (٢) على حران والرها وسميساط (٣)، وعمير بن الحباب السلمي على كفرتوثا (٤)، والسفاح ابن كردوس (٥) على سنجار (٦)، وعبد الله بن مسلم (٧) على ميافارقين (٨)، ومسلم بن ربيعة العقيلي (٩) على آمد (١٠)، وسار هو إلى نصيبين، فأقام بها) (١١).
стр. 355
ذكر الطبري: (ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عماله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة) (١).
وذكر البلاذري نحوًا من رواية الطبري، وزاد عن الهيثم بن عدي أنه قال: (ولَّى ابن الأشتر زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي حران والرها، وسميساط وناحيتها، وعمير بن الحباب كفرتوثا وطور عبدين) وقال البلاذري: (وليس ذلك بثبت عند الكلبي) (٢).
• نقد النص:
هنا نجد البلاذري شكك في رواية الهيثم بن عدي، التي اعتمدها صاحب الكتاب في دخول أمراء الشام، وهم زفر بن الحارث في أمر المختار وتوليته قرقيسيا، وفي تولية حاتم بن النعمان الباهلي، فلم أجد من تابعه على ذلك حتى في أمر عمير بن الحباب، ولو ثبت دخوله في أمر المختار لثبت تواطؤه مع ابن الأشتر في يوم الخازر، كما ذكرت الرواية رقم [١٥٨]، والتي فيها أن عميرًا من قتلة الحسين ﵁، ثم يُعطَى ولاية بعد المعركة وهذا كله من التناقض.
وما اختاره صاحب الكتاب من رواية الهيثم في أمراء الشام، ودخولهم بأمر المختار يوحي أن جملة أمراء الشام دخلوا في أمر المختار، وهذا منه ومن الهيثم تعظيمًا لشأن المختار وتثبيتًا لسلطانه.
* عبيد الله بن الحر والمختار:
[١٦٢]- (وإن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفى، وكان