← История

История · id 926

الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري

عبد العزيز بن عبد الله البريدي

Полный текст (620 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

• نقد النص: جاءت هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف، وقد زاد فيها عند صاحب الكتاب من قول عمير بن الحباب: (لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك) إلى قوله: (والنصر من عند الله) وكأنه يشير إلى أن المعركة التي فيها الانتقام من أهل الشام الذين قتلوا الحسين ﵁ بزعمه قامت على الفرس الذين مع ابن الأشتر، وهو بذلك يشير إلى عظمة الوجود الفارسي المنتقم للحسين ﵁ ويثبته ويشيد به، وهذا يضاف إلى قومية المؤلف، والرد على ذلك أن هذه الزيادة انفرد بها، ثم إن أهل الشام لم يقتلوا الحسين ﵁ ولم يكن من بينهم إلا عبيد الله بن زياد، وأن الذي قتل الحسين ﵁ كما سبق معنا هم أهل الكوفة. وهذا قد ورد ما يخالفه وهو ما رواه البلاذري (١) أن عماد جيش ابن الأشتر هم من همدان وتميم وكندة وربيعة ومذحج وأسد، وربع من أهل المدينة وهم زهاء تسعة آلاف. وذكر في هذه الرواية خبر هزيمة جيش الشام من قبل المختار بقيادة إبراهيم بن الأشتر، وأن سبب الهزيمة هو انهزام جيش الشام بسبب دخول عمير بن الحباب مع ابن الأشتر وذلك باتفاق مسبق بين القائدين، وقد جاء البلاذري (٢) من طريق المدائني بمثله، وهذا لم يثبت، فقد ذكر الطبري (٣) في رواية أخرى أن عمير بن الحباب أتى إلى ابن الأشتر فنصحه بمناجزة القوم وواعده بالانهزام، ولكنه لم يفعل وقاتل كراهية الانسحاب ثم أتى إلى ابن الأشتر بعد المعركة.

стр. 352

ثم أتت الرواية على بعض خرافات المختار، وما فيها من الإخبار بالغيب ومنها قوله: (والله لتقتلن الفاسق عبيد الله بن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم). [١٥٩]- (فأتته هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري (١)، امرأة عبيد الله بن زياد، فأخبرته بانتهاب ما كان معها من مالها، فقال لها: كم ذهب لك؟ قالت: قيمة خمسين ألف درهم. فأمر لها بمائة ألف درهم، ووجه معها مائة فارس حتى أتوا بها أباها البصرة) (٢). انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية. • نقد النص: ذكرت هذه الرواية خبر هند بنت أسماء، وأنها شكت إلى إبراهيم بن الأشتر ما أصابه الجند من مالها وأنه رد ذلك عليها، وهذا الخبر لم يرد بسند يمكن الاعتماد عليه، وما ذكره غيره يخالفه تمامًا. فأما الطبري (٣) فذكر من خبرها في هذه المعركة أن عيينة بن أسماء (٤) حمل أخته هند لما قتل عبيد الله بن زياد. وأما ابن عساكر فذكر من خبرها بسنده: (كانت هند بنت أسماء بن

стр. 353

خارجة عند عبيد الله بن زياد بن أبيه وهو ابتكرها وكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر، فقتل يوم الخازر وهو من الزاب، وهي معه، فقالت: لا يستمكن هؤلاء مني، ثم شدت عليها قباءة وعمامته ومنطقته وركبت فرسه الكامل، ثم خرجت حتى دخلت الكوفة في بقية يومها وليلتها، ليس معها أنيس) (١). [١٦٠]- (ودخل عبيد الله بن عمرو الساعدي (٢)، وكان شاعرًا على إبراهيم بن الأشتر، فأنشده: الله أعطاك المهابة والتقى … وأحل بيتك في العديد الأكثر وأقر عينك يوم وقعة خازر … والخيل تعثر بالقنا المتكسر من ظالمين كفتهم آثامهم … تركوا لعافية وطير حسر ما كان أجرأهم، جزاهم ربهم … شر الجزاء على ارتكاب المنكر إني أتيتك إذ تناءى منزلي … وذممت إخوان الغنى من معشري وعلمت أنك لا تضيع مدحتي … ومتى أكن بسبيل خير أشكر فهلم نحوي، من يمينك نفحة … إن الزمان ألح يا ابن الأشتر فأعطاه عشرة آلاف درهم) (٣). انفرد صاحب الكتاب بهذه الأبيات. • نقد النص: وقد أورد هذه الأبيات تأكيدًا منه على ما ذكره في الرواية السابقة أن سبب قتال أهل الشام لأنهم قتلة الحسين ﵁، وهو بذلك يريد أن ينفي التهمة عن

стр. 354

أهل الكوفة ويحولها إلى أهل الشام. [١٦١]- (وإن إبراهيم بن الأشتر أقام بالموصل، ووجه عماله إلى مدن الجزيرة، فاستعمل إسماعيل بن زفر (١) على قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي (٢) على حران والرها وسميساط (٣)، وعمير بن الحباب السلمي على كفرتوثا (٤)، والسفاح ابن كردوس (٥) على سنجار (٦)، وعبد الله بن مسلم (٧) على ميافارقين (٨)، ومسلم بن ربيعة العقيلي (٩) على آمد (١٠)، وسار هو إلى نصيبين، فأقام بها) (١١).

стр. 355

ذكر الطبري: (ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عماله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة) (١). وذكر البلاذري نحوًا من رواية الطبري، وزاد عن الهيثم بن عدي أنه قال: (ولَّى ابن الأشتر زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي حران والرها، وسميساط وناحيتها، وعمير بن الحباب كفرتوثا وطور عبدين) وقال البلاذري: (وليس ذلك بثبت عند الكلبي) (٢). • نقد النص: هنا نجد البلاذري شكك في رواية الهيثم بن عدي، التي اعتمدها صاحب الكتاب في دخول أمراء الشام، وهم زفر بن الحارث في أمر المختار وتوليته قرقيسيا، وفي تولية حاتم بن النعمان الباهلي، فلم أجد من تابعه على ذلك حتى في أمر عمير بن الحباب، ولو ثبت دخوله في أمر المختار لثبت تواطؤه مع ابن الأشتر في يوم الخازر، كما ذكرت الرواية رقم [١٥٨]، والتي فيها أن عميرًا من قتلة الحسين ﵁، ثم يُعطَى ولاية بعد المعركة وهذا كله من التناقض. وما اختاره صاحب الكتاب من رواية الهيثم في أمراء الشام، ودخولهم بأمر المختار يوحي أن جملة أمراء الشام دخلوا في أمر المختار، وهذا منه ومن الهيثم تعظيمًا لشأن المختار وتثبيتًا لسلطانه. * عبيد الله بن الحر والمختار: [١٦٢]- (وإن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفى، وكان

стр. 356

بناحية الجبل يتطرف (١) ويغير: إنما خرجت غضبًا للحسين، ونحن أيضًا ممن غضب له، وقد تجردنا لنطلب بثأره، فأعنا على ذلك، فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك. فركب المختار إلى داره بالكوفة فهدمها، وأمر بامرأته أم سلمة، ابنة عمر الجعفي (٢)، فحُبِسَتْ في السجن، وانتهب جميع ما كان في منزله، وكان الذي تولى ذلك عمرو بن سعيد بن قيس الهمداني (٣)، وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر، فقصد إلى ضيعة لعمرو بن سعيد بالماهين (٤)، فأغار عليها، واستاق مواشيها، وأحرق زرعها، وقال: وما ترك الكذاب من جُلِّ مالنا … ولا المرء من همدان غير شريد أفي الحق أن يجتاح مالي كله … وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد؟ (٥) ثم اختار من أبطال أصحابه مائة فارس، فيهم محشر التميمي (٦)، ودلهم بن زياد المرادي (٧)، وأحمر طيّئ (٨)، وخلف بقية أصحابه بالماهين،

стр. 357

وسار نحو الكوفة حتى انتهى إلى جسرها ليلًا، فأمر بقُوَّام الجسر، فكُتِّفُوا، ووَكَّل بهم رجلًا من أصحابه، ثم عبر، ودخل الكوفة، فلقيه أبو عمرة كيسان، وهو يعس بالكوفة، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن أصحاب عبد الله بن كامل، أقبلنا إلى الأمير المختار، قال: امضوا في حفظ الله. فمضوا حتى انتهوا إلى السجن، فكسروه، فخرج كل من فيه، وحمل أم سلمة على فرس، وَوَكَّل بها أربعين رجلًا، وقدمها، ثم مضى، وبلغ الخبر المختار، فأرسل راشدًا مولى بجيلة في ثلاثة آلاف رجل، وعطف عليهم أبو عمرة من ناحية بجيلة في ألف رجل. وخرج عليهم عبد الله بن كامل من ناحية النخع في ألف رجل، فأحاطوا بهم، فلم يزل عبيد الله يكشفهم، ويسير والحجارة تأخذه هو وأصحابه من سطوح الكوفة حتى عبر الجسر، وقد قُتِلَ من أصحاب المختار مائة رجل، ولم يقتل من أصحابه إلا أربعة نفر. وسار عبيد الله حتى انتهى إلى بانقيا (١) فنزلوا، وداووا جروحهم، وعلفوا دوابهم، وسقوها، ثم ركبوا، فلم يحلوا عقدها حتى انتهوا إلى سورا فأراحوا بها، ثم ساروا حتى أتوا المدائن، ثم لحق بأصحابه بالماهين) (٢). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٣) والطبري (٤) مختصرًا. • نقد النص: ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية أن المختار انتقم من عبيد الله بن

стр. 358

الحر؛ وذلك لأنه رفض أن يُعِينَهُ على قَتَلَة الحسين ﵁، وقد انفرد بهذا السبب، وقد ورد عند غيره ما يخالفه فعند الطبري والبلاذري (١) أن السبب الذي جعل المختار ينتقم من عبيد الله بن الحر هو أن عبيد الله بدأ يُغِيرُ على مناطق تابعة للمختار. * * *

стр. 359

ثالثًا: المختار وتتبعه لقتلة الحسين ﵁ - * تتبع المختار لقتلة الحسين ﵁: [١٦٣]- (ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ومحمد بن الأشعث، وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين، وأتى بعبد الرحمن بن أبزي الخزاعي (١)، وكان ممن حضر قتال الحسين، فقال له: يا عدو الله، أكنت ممن قاتل الحسين؟ قال: لا، بل كنت ممن حضر، ولم يقاتل. قال: كذبت، اضربوا عنقه. فقال عبد الرحمن: ما يمكنك قتلي اليوم حتى تُعْطَى الظفر على بني أمية، ويصفو لك الشام، وتَهْدِمُ مدينة دمشق حجرًا حجرًا، فتأخذني عند ذلك، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر، كأني أنظر إليها الساعة. فالتفت المختار إلى أصحابه وقال: أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم. ثم أمر به إلى السجن. فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به، فقال له: يا أخا خزاعة، أظرفًا عند الموت؟. فقال عبد الرحمن بن أبزي: أنشدك الله أيها الأمير إن الموت هاهنا ضيعة. قال: فما جاء بك من الشام؟ قال: بأربعة آلاف درهم لي على رجل من أهل الكوفة، أتيته متقاضيًا.

стр. 360

فأمر له المختار بأربعة آلاف درهم، وقال له: إن أصبحت بالكوفة قتلتك. فخرج من ليلته حتى لحق بالشام) (١). انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر. • نقد النص: نجد أن صاحب الكتاب نسب هذه القصة إلى أحد أصحاب رسول الله ﷺ وهو عبد الرحمن بن أبزي ﵁، وفيها أنه كذب على المختار ليطلقه، ولم أقف على من جاء بذكر هذا الصحابي في خبر قتل الحسين ﵁ أو في موقفه مع المختار. ثم إنه قد ورد عند ابن سلام بسنده ما يخالفه، وذلك في القول الذي جاء على لسان عبد الرحمن بن أبزي ﵁ للمختار أنه منسوب لسراقة البراقي (٢)، وهو قوله: (ما يمكنك قتلي اليوم حتى تعطي الظفر على بني أمية، ويصفو لك الشام، وتهدم مدينة دمشق حجرًا حجرًا، فتأخذني عند ذلك، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر، كأني أنظر إليها الساعة) (٣). وستأتي قصته مع المختار في الرواية رقم [١٧٠]. [١٦٤]- (ومكث المختار بذلك يطلب قَتَلَة الحسين، وتُجْبَى إليه الأموال من السواد، والجبل، وأصبهان، والري، وأذربيجان، والجزيرة ثمانية

стр. 361

عشر شهرًا، وقرّب أبناء العجم، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات، وقرّب مجالسهم، وباعد العرب وأقصاهم، وحرمهم. فغضبوا من ذلك. واجتمع أشرافهم فدخلوا عليه، فعاتبوه، فقال: لا يبعد الله غيركم، أكرمتكم فشمختم بآنافكم، ووليتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم، وأوفى، وأسرع إلى ما أريد) (١). انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية. وأما الطبري فقد روى عن أبي مخنف عن موسى بن عامر العدوي (٢) قال: (وعلى حرسه كيسان أبو عمرة مولى عرينة، فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك؟ فقال له- وأسرَّ إليه: شق عليهم أصلحك الله صرفَ وجهك عنهم إلى العرب، فقال له: قل لهم: لا يشقن ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم ثم سكت طويلًا، ثم قرأ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٣) قال: فحدثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ما هو إلا أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم والله به قد قتلهم) (٤). • نقد النص: ورواية الطبري أحسن حالًا من رواية صاحب الكتاب وهي موافقة لحال

стр. 362

المختار مع العرب، فقد قربهم وأوكل إليهم كثير من المهام والقيادات، وبذلك يكون صاحب الكتاب خالف غيره وحرف في هذه الرواية؛ حيث ذكر أن العرب هم من عاتبوا المختار؛ لأنه قرب العجم وتركهم، وقد اختتم روايته بزيادة أوصاف واتهامات يريد أن يثبتها على العرب، وهي قوله: (ووليتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم، وأوفى، وأسرع إلى ما أريد)، ولعل هذا هدفه من قلب الرواية، ويضاف إلى شعوبيته. * ثورة أهل الكوفة على المختار: [١٦٥]- (قالوا: فدنت العرب، بعضها إلى بعض، وقالوا: هذا كذاب، يزعم أنه يوالي بني هاشم، وإنما هو طالب دنيا. فاجتمعت القبائل على محاربته، وصاروا في ثلاثة أمكنة، وولوا أمرهم رفاعة بن سوار (١)، فاجتمعت كندة، والأزد، وبجيلة، والنخع، وخثعم، وقيس، وتيم الرباب في جبانة مراد (٢)، واجتمعت ربيعة وتميم، فصاروا في جبانة الحشاشين (٣). وأرسل المختار إلى همدان وكانوا خاصته واجتمع إليه أبناء العجم. فقال لهم: ألا ترون ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لتقديمي إياكم، فكونوا أحرارًا كرامًا. فحرضهم بذلك، وأخرجهم إلى ظهر الكوفة، فأحصاهم، فبلغوا أربعين ألف رجل. وإن شمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، ومحمد بن الأشعث، وأخاه

стр. 363

قيس بن الأشعث قدموا الكوفة عند ما بلغهم خروج الناس على المختار وخلعهم طاعته، وكانوا هرابًا من المختار طول سلطانه؛ لأنهم كانوا الرؤساء في قتال الحسين، فصاروا مع أهل الكوفة، وتولوا أمر الناس. وتأهب الفريقان للحرب، واجتمع أهل الكوفة جميعًا في جبانة الحشاشين، وزحف المختار نحوهم، فاقتتلوا، فقتل بينهم بشر كثير، فنادى المختار: يا معشر ربيعة، ألم تبايعوني؟ فلِمَ خرجتم عليَّ؟ قالت ربيعة: قد صدق المختار، فقد بايعناه وأعطيناه صفقة أيماننا، فاعتزلوا، وقالوا: لا نكون على واحد من الفريقين. وثبت سائر القبائل، فقاتلوا. وإن أهل الكوفة انهزموا، وقد قُتِلَ منهم نحو خمس مائة رجل، وأُسِرَ منهم مئتا رجل، فهرب أشراف الكوفة، فلحقوا بالبصرة، وبها مصعب بن الزبير، فانضموا إليه) (١). ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا، وانفرد صاحب الكتاب بموقف ربيعة. • نقد النص: أما موقع المعركة فليس جبانة الحشاشين، وإنما هو جبانة السبيع وكانت المعركة سنة ست وستين (٥). وفي هذه الرواية نجد أن صاحب الكتاب يعيد الكَرَّة عن الحديث الذي تم

стр. 364

بين المختار وبين العجم الذين معه، كما قلب الرواية السابقة، وكأنه يريد أن يثبت أن العرب قاتلوا المختار دفاعًا عن مكانتهم، وليس لأنه كاذب محتال، ومما لا شك فيه أن هذا من تغيير الحقائق وقلبها، وقد ذكر نحوًا من هذا الخبر الطبري (١) عن أبي مخنف، وذكر فيه معاتبة أهل الكوفة للمختار أنه قرب الموالي، وجعل لهم الفيء، فرضي المختار أن يجيب لهم كل ما أرادوا واشترط عليهم نصرته على بني أمية ولكنهم أجمعوا على حربه. وهذه الرواية وُجِدَ ما يعارضها ويناقضها من أبي مخنف نفسه راوي الخبر، فقد ذكر في رواية أخرى المآخذ التي أخذها أهل الكوفة على المختار ومنها قولهم: (إنه تأمَّر علينا بغير رضًا منا، وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا، وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل، وأطعم موالينا فيئنا، وأخذ عبيدنا، فحرَّبَ بهم يتامانا وأراملنا، وأظهر هو وسبئيته البراءة من أسلافنا الصالحين) (٢). وبهذه الروية نجد أن أهل الكوفة وجدوا على المختار مجموعة من المآخذ التي حملتهم على قتاله. وأما قوله فجلُّ أصحاب المختار من همدان، فهذا أيضًا لا يكون على إطلاقه فقد اشتركت همدان ضده مع أهل الكوفة بقيادة عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني (٣)، بل يروى أنه وبعد معركة جبانة السبيع أسر المختار من الهمدانيين خمسمائة أسير (٤). ثم ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية أن ربيعة خذلوا أهل الكوفة وانحازوا إلى المختار، فلم أجد مَنْ تابعه على ذلك، ثم إنه وُجِدَتْ رواية

стр. 365

مخالفة لما ذكر، فقد رُوِيَ أنهم اشتركوا في الحرب ضده وأن عليهم يزيد بن الحارث، وأنه لما هزمت اليمن ومضر تفرقت ربيعة (١). * تتبع المختار لقتلة الحسين ﵁: مقتل عمر بن سعد: [١٦٦]- (وبلغ المختار أن شبث بن ربعي، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن الأشعث مع عمر بن سعد قد أخذوا طريق البصرة في أناس معهم من أشراف أهل الكوفة، فأرسل في طلبهم رجلًا من خاصته يسمى أبا القلوص الشبامي (٢) في جريدة خيل، فلحقهم بناحية المذار، فواقعوه، وقاتلوه ساعة، ثم انهزموا، ووقع في يده عمر بن سعد ونجا الباقون. فأتى به المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكن منك، والله لأشفين قلوب آل محمد بسفك دمك، يا كيسان، اضرب عنقه، فضرب عنقه، وأخذ رأسه، فبعث به إلى المدينة، إلى محمد ابن الحنفية) (٣). انفرد صاحب الكتاب في هذه الرواية التي تذكر مقتل عمر بن سعد في موقعة جبانة السبيع، وقد أشار إلى ذلك خليفة بن خياط (٤)، وذكر أن مقتله وابنه حفص في جبانة السبع سنة ست وستين، ثم ذكر في رواية أخرى أنه قُتِلَ سنة سبع وستين. • نقد النص: وأما المصادر الأخرى (٥) فقد جاءت برواية أشهر من ما سبق، وهي تذكر

стр. 366

أن المختار أول ما أتى الكوفة أحسنَ بالناس السيرة وتألف قلوبهم، فطلب عمر بن سعد أمانًا من المختار فأمنه وكتب له بذلك كتابًا، ثم بعث إليه من يقتله، فقتله وألحق به ابنه حفص. أما بعث رأس عمر بن سعد إلى محمد ابن الحنفية من قبل المختار فلم يأتِ بسند صحيح (١). [١٦٧]- (وقال أعشى همدان، وكان من أهل الكوفة: ولم أنس همدانا غداة تجوسنا … بأسيافها، لا أسقيت صوب هاضب فقتل من أشرافنا في محالهم … عصائب منهم أردفت بعصائب فكم من كمي قد أبارت سيوفهم … إلى الله أشكو رزء تلك المصائب يقتلنا المختار في كل غائط … فيا لك دهر مرصد بالعجائب) (٢) أورد البلاذري (٣) نحوًا منها، عن أعشى همدان، وفيها خبر هزيمة أهل الكوفة في جبانة السبيع وزاد فذكر هذه الأبيات: جزى اللّه إبراهيم عن أهل مصره … جزاء امرئ عن وجهه الحق ناكب سما بالقنا من أرض ساباط مرقلا … إلى الموت إرقال الجمال المصاعب فصب على الأحياء من صوب ودقة … شآبيب موت عقبت بالحرائب فأضحى ابن ربعي قتيلا مجدلًا … كأن لم يقاتل مرة ويحارب يقصد به شبث بن ربعي، وقد نفى البلاذري أن يكون قتل في هذه المعركة وأن من قال ذلك احتج بهذه القصيدة، ومن نفى احتج بهذا الشطر (فأضحى ابن

стр. 367

صبهان قتيلًا مجدلًا)، ثم قال: (وذلك الثبت والأول غلط وإنما مات حتف أنفه) (١). * مقتل شمر بن ذي الجوشن: [١٦٨]- (وبلغ المختار أن شمر بن ذي الجوشن مقيم بدستميسان (٢) في أناس من بني عامر بن صعصعة، يكرهون دخول البصرة لشماتة أهل البصرة بهم، فأرسل المختار إليهم زربيًّا، مولى بجيلة، في مائة فارس على الخيل العتاق، فسار بهم بالحث الشديد، فقطع أصحابه عنه إلا عشرة فوارس، فلحقهم وقد استعدوا له، فطعنه شمر، فقتله، وانهزم أصحابه العشرة حتى لحق بهم الباقون، فطلبوا شمرًا وأصحابه، فلم يلحقوهم، ومضى شمر حتى نزل قريبًا من البصرة بمكان يدعى سادماه (٣) فأقام به) (٤). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٥) مختصرًا، والطبري (٦) مطولًا. • نقد النص: ذكر صاحب الكتاب في هذا الخبر شمر بن ذي الجوشن ولم يأت على قتله، ويبدو أنه اختصر الخبر ولم يتمه.

стр. 368

وتمام الخبر ما رواه البلاذري (١) والطبري (٢) أن أهل الكوفة لما هُزِمُوا في يوم الجبانة خرج شمر بن ذي الجوشن على فرسه، فأرسل المختار إليه غلام له يدعى زربي مع جند له، فلحقه زربي فعطف عليه شمر فقتله، ثم خرج إلى قرية وكتب إلى مصعب كتابًا فأرسل مع رجل، فأمسك أصحاب المختار بهذا الرجل وسألوه عن صاحب الكتاب فأخبرهم مكانه، فانتهى خبره إلى المختار فبعث إليه جيشًا فلم يشعر إلا وقد أحاطوا به، فقاتلهم ثم قتلوه. فيصبح ما سبق أشهر مما ذكره صاحب الكتاب الذي جاء بقصة مقتل شمر بن ذي الجوشن في خبر مسير أحمر بن سليط، الذي أرسله المختار لملاقاة المصعب، مما يعني أنه في آخر زمن المختار كما سوف يأتي معنا في الرواية رقم [١٧٤]. [١٦٩]- (وإن قيس بن الأشعث أنف من أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها، فانصرف إلى الكوفة مستجيرًا بعبدالله بن كامل، وكان من أخص الناس عند المختار. فأقبل عبد الله إلى المختار، فقال: أيها الأمير، إن قيس بن الأشعث قد استجار بي وأجرته، فانفذ جواري إياه. فسكت عنه المختار مليًّا، وشغله بالحديث، ثم قال: أرني خاتمك، فناوله إياه، فجعله في أصبعه طويلًا. ثم دعا أبا عمرة، فدفع إليه الخاتم، وقال له سرًّا: انطلق إلى امرأة عبد الله بن كامل، فقل لها: هذا خاتم بعلك علامة، لتدخليني إلى قيس بن

стр. 369

الأشعث، فإني أريد مناظرته في بعض الأمور التي فيها خلاصه من المختار، فأدخلته إليه. فانتضى سيفه، فضرب عنقه، وأخذ رأسه، فأتى به المختار، فألقاه بين يديه. فقال المختار: هذا بقطيفة الحسين، وذلك أن قيس بن الأشعث أخذ قطيفة كانت للحسين حين قتل، فكان يسمى قيس قطيفة. فاسترجع عبد الله بن كامل، وقال للمختار: قتلت جاري وضيفي وصديقي في الدهر؟ قال له المختار: لله أبوك، اسكت، أتستحل أن تجير قتله ابن بنت نبيك؟) (١). انفرد صاحب الكتاب بذكر هذا الخبر عن قيس بن الأشعث. • نقد النص: لم أقف على خبر يفيد بزمن وفاة قيس بن الأشعث، وانقطع خبره في المصادر بعد قتل الحسين ﵁. * سراقة البارقي والمختار: [١٧٠]- (ثم إن المختار دعا بالأسرى الذين أسرهم من أهل الكوفة في الوقعة التي كانت بينه وبين أهل الكوفة، فجعل يضرب أعناقهم حتى انتهى إلى سراقة البارقي، وكان فيهم، فقام بين يديه، وأنشأ يقول (٢): ألا من مبلغ المختار أنا … نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الإشراك دينا … وكان خروجنا بطرًا وحينا (٢)

стр. 370

ثم قال للمختار: أيها الأمير، لو أنكم أنتم الذين قاتلتمونا لم تطمعوا فينا. فقال له المختار: فمن قاتلكم؟. قال سراقة: قاتلنا قوم بيض الوجوه على خيل شهب. قال له المختار: تلك الملائكة، ويلك، أما إذ رأيتهم فقد وهبتك لهم. ثم خلى سبيله، فهرب، فلحق بالبصرة، وأنشأ يقول: ألا أبلغ أبا إسحاق أني … رأيت الشهب (١) كمتا (٢) مصمتات (٣) أرى عيني ما لم ترياه … كلانا عالم بالترهات (٤) كفرت بدينكم وبرئت منكم … ومن قتلاكم حتى الممات (٥) (٦) ذكر نحوًا منها: ابن سلام (٧) والبلاذري (٨) مختصرًا، والطبري (٩) مطولًا. [١٧١]- (وهرب أسماء بن خارجة الفزاري، وكان شيخ أهل الكوفة وسيدهم من المختار خوفًا على نفسه، فنزل على ماء لبني أسد يسمى

стр. 371

ذروه (١) في نفر من مواليه وأهل بيته فأقام به) (٢). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٣)، وذكر أن سبب هروبه أن المختار سجع سَجْعًا ذكر فيه أنه سيحرق دار أسماء فخرج هاربًا منه. • نقد النص: نجد أن صاحب الكتاب ذكر أسماء بن خارجة في سياق تتبع المختار لقتلة الحسين، وكأنه منهم، وفي حقيقة الأمر لم نجد له ذكرًا في مراسلة أهل الكوفة للحسين ﵁، ولا فيمن خرج لقتاله وهو من الأشراف فلو خرج لما خفي مكانه. والذي رُوِيَ عنه في أمر مسلم بن عقيل أنه حينما قدم الكوفة ونزل عند هانئ بن عروة، أرسل عبيد الله بن زياد محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة ليأتوا بهانئ إليه، وأسماء لا يعلم من أمر هانئ شيئًا، فذهبا إليه وجعلوا له أمانًا على أن يأتي إلى ابن زياد، فلما جاءه هشم وجهه وأخبر أنه سيقتله، فاعترض عليه أسماء بن خارجة، ولكن ابن زياد لم يأبه به ونفذ ما يريد (٤). ولم أقف على خبر يؤكد ضلوع أسماء بن خارجة في أمر الحسين ﵁ أو في قتله، وهذا يدل على أن سبب استخفائه من المختار أنه لا يريد الدخول في أمره، ولذلك بلغ خبره المختار فصرح بأنه يريد حرق بيته فهرب منه، ومثله الشعبي كما مر بنا.

стр. 372

[١٧٢]- (وهرب عمرو بن الحجاج، وكان من رؤساء قتلة الحسين، يريد البصرة، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف (١). فقال له أهل الماء: ارحل عنا، فإنا لا نأمن المختار، فارتحل عنهم، فتلاوموا، وقالوا: قد أسأنا. فركبت جماعة منهم في طلبه ليردوه، فلما رآهم من بعيد ظن أنهم من أصحاب المختار، فسلك الرمل في مكان يدعى البيضة (٢)، وذلك في حمارة القيظ، وهي فيما بين بلاد كلب وبلاد طيّئ، فقال فيها، فقتله ومن معه العطش) (٣). ذكر نحوًا منها مختصرًا: البلاذري (٤) وذكر أنه هرب إلى واقصة (٥) فمات بها عطشًا. والطبري (٦) ذكر أنه سلك طريق سراف وواقصة فلم ير حتى الساعة. [١٧٣]- (ولم يزل أسماء مقيمًا بذروة إلى أن قتل المختار، ودخل مصعب بن الزبير الكوفة، فانصرف أسماء إلى منزله بالكوفة) (٧). راجع نقد الرواية رقم [١٧١]. * * *

стр. 373

رابعًا: مصعب بن الزبير، والقضاء على المختار * اجتماع مصعب بن الزبير والمهلب للقضاء على المختار: [١٧٤]- (ولما تتبع المختار أهل الكوفة جعل عظماؤهم يتسللون هربًا إلى البصرة حتى وافاها منهم مقدار عشرة آلاف رجل، وفيهم محمد بن الأشعث، فاجتمعوا، ودخلوا على مصعب بن الزبير. فتكلم محمد بن الأشعث، وقال: أيها الأمير، ما يمنعك من المسير لمحاربة هذا الكذاب الذي قتل خيارنا، وهدم دورنا، وفرق جماعتنا، وحمل أبناء العجم على رقابنا، وأباحهم أموالنا؟ سِرْ إليه، فإنا جميعًا معك، وكذلك من خلفنا بالكوفة من العرب، هم أعوانك. قال مصعب: يا ابن الأشعث، أنا عارف بكل ما ارتكبكم به، وليس يمنعني من المسير إليه إلا غيبة فرسان أهل البصرة وأشرافهم، فإنهم مع ابن عمك المهلب ابن أبي صفرة في وجوه الأزارقة بناحية كرمان، غير أني قد رأيت رأيًا. قال: وما رأيت أيها الأمير؟ قال: رأيت أن أكتبَ إلى المهلب، آمره أن يوادع الأزارقة، ويقبل إليّ فيمن معه، فإذا وافى تجهزنا لمحاربة المختار. قال ابن الأشعث: نعم ما رأيت، فاكتب إليه، واجعلني الرسول. فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب كتابًا، يذكر له ما فيه أهل الكوفة من القتل والحرب، ويفسر فيه أمر المختار. فسار محمد بن الأشعث بكتابه حتى ورد كرمان، وأوصل الكتاب إلى

стр. 374

المهلب، وقال له: يا ابن عم، قد بلغك ما لقي أهل الكوفة من المختار، وقد كتب إليك الأمير مصعب بما قد قرأته. فكتب المهلب إلى قطري، وكان رئيس الأزارقة يومئذ، يسأله الموادعة إلى أجل سماه، ويكتب بينهما كتابًا في ذلك، ويضعان الحرب إلى ذلك الأجل. فأجابه قطري إلى ذلك، وكتبا بينهما كتابًا وجعلا الأجل ثمانية عشر شهرًا. وسار المهلب بمن معه حتى وافى البصرة، فوضع مصعب لأهل البصرة العطاء وتهيأ للمسير. وبلغ المختار ذلك فعقد لأحمر بن سليط في ستين ألف رجل من أصحابه، وأمره أن يستقبل القوم، فيناجزهم الحرب. فسار أحمر بن سليط في الجيوش حتى وافى المذار، (وقد انصرف إليها شمر بن ذي الجوشن أنفه من أن يأتي البصرة هاربًا، فيشمتوا به، فوجه أحمر بن سليط إلى المكان الذي كان متحصنًا فيه خمسين فارسًا، وأمامهم نبطي (١) يدلهم على الطريق، وذلك في ليلة مقمرة. فلما أحس بهم دعا بفرسه فركبه، وركب من كان معه ليهربوا، فأدركهم القوم، فقاتلوهم، فقُتِلَ شمر وجميع من كان معه، واحتزوا رءوسهم، فأتوا بها أحمر بن سليط، فوجهها إلى المختار، فوجه المختار برأس شمر إلى محمد ابن الحنفية بالمدينة) (٢). وسار مصعب بن الزبير بجماعة أهل البصرة نحو المذار، وتخلف عنه

стр. 375

المنذر بن الجارود (١)، وهرب منه نحو كرمان في جماعة من أهل بيته، ودعا لعبد الملك بن مروان. وأقبل مصعب حتى وافى المذار، وأمامه الأحنف بن قيس في تميم. وزحف الفريقان، بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب المختار، واستحر القتال فيهم، ومضوا نحو الكوفة، واتبعهم مصعب يقتلهم في جميع طريقه، فلم يفلت منهم إلا القليل. فقال أعشى همدان في ذلك: ألم يبلغك ما لقيت شبام … وما لاقت عرينة بالمذار أتيح لهم بها ضرب طلحق … وطعن بالمثقفة الحرار كأن سحابة صعقت عليهم … فعمتهم هنالك بالدمار وما إن ساءني ما كان منهم … لدى الإعسار مني واليسار ولكني فرحت وطاب نومي … وقر لقتلهم منى قرارى (٢) وإن مصعبًا سار بالجيوش نحو الكوفة، فعبر دجلة، وخرج إلى أرض كسكر (٣)، ثم أخذ على حديثة الفجار (٤)، ثم أخذ على النجرانية (٥)

стр. 376

حتى قارب الكوفة. وبلغ المختار مقتل أصحابه، فنادى في بقية من كان معه من جنوده، فقواهم بالأموال والسلاح، وسار بهم من الكوفة مستقبلًا لمصعب بن الزبير، فالتقوا بنهر البصريين، فاقتتلوا، فقتل من أصحاب المختار مقتلة عظيمة، وقتل محمد بن الأشعث، وقتل عمر بن علي بن أبي طالب (١) ﵁، وذلك أنه قدم من الحجاز على المختار، فقال له المختار: هل معك كتاب محمد ابن الحنفية؟ فقال عمر: لا، ما معي كتابه. فقال له: انطلق حيث شئت فلا خير لك عندي. فخرج من عنده، وسار إلى مصعب، فاستقبله في بعض الطريق، فوصله بمائة ألف درهم، وأقبل مع مصعب حتى حضر الوقعة، فقتل فيمن قتل من الناس (٢). وانهزم المختار حتى دخل الكوفة، وتبعه مصعب، فدخل في أثره، وتحصن المختار في قصر الإمارة، فأقبل مصعب حتى أناخ عليه، وحاصره أربعين يومًا. ثم إن المختار قلق بالحصار قلقًا عظيمًا، فقال للسائب بن مالك

стр. 377

الأشعري (١)، وكان من خاصته: أيها الشيخ، أخرج بنا نقاتل على أحسابنا لا على الدين. فاسترجع السائب، وقال: يا أبا إسحاق، لقد ظن الناس أن قيامك بهذا الأمر دينونة. فقال المختار: لا، لعمري ما كان إلا لطلب دنيا، فإني رأيت عبد الملك ابن مروان قد غلب على الشام، وعبد الله بن الزبير على الحجاز، ومصعبًا على البصرة، ونجدة الحروري على العروض، وعبد الله بن خازم (٢) على خراسان، ولست بدون واحد منهم، ولكن ما كنت أقدر على ما أردت إلا بالدعاء إلى الطلب بثأر الحسين. ثم قال: يا غلام، عليّ بفرسي ولامتي، فأُتي بدرعه، فتدرعها، وركب فرسه، ثم قال: قبَّح الله العيشَ بعد ما أرى، يا بواب، افتح، ففتح له الباب. وخرج ومعه حماة أصحابه، فقاتل القوم قتالًا شديدًا، وانهزم أصحابه، ومضى هو نحو القصر، وهو في حامية أصحابه، فدخل القصر من أصحابه ستة آلاف رجل، وبقي مع المختار نحو من ثلاثمائة رجل، فأخذ أصحاب مصعب عليه باب القصر، فلجأ المختار فيمن معه إلى حائط القصر، وأقبل يَذَّمَّر أصحابه، ويحمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل أكثر من كان معه.

стр. 378

فحمل عليه إخوان من بني حنيفة (١) من أصحاب المهلب، فضرباه بالسيف حتى سقط، وبادرا إليه، فاحتزا رأسه، فأتيا به مصعبًا، فأعطاهما ثلاثين ألف درهم. فقال سويد بن أبي كاهل (٢) يذكر قتل المختار: يا ليت شعرى متى تغدو مخيسه … منا فتبلغ أهل الموسم الخبرا إنا جزرنا عن الكذاب هامته … من بعد طعن وضرب يكشف الخمرا) (٣) ذكر نحو منها: ابن سعد (٤)، وخليفة بن خياط (٥) مختصرًا، والبلاذري (٦)، والطبري (٧) مطولًا، وقد زاد عن البلاذري والطبري (٨) أن شبث بن ربعي أيضًا استحث مصعب على قتال المختار بعد أن بين له ما لاقاه أهل الكوفة منه. وأما ابن سعد (٩) فقد ذكر سببًا غير ذلك، وهو أن المختار كان يوالي عبد الله بن الزبير ﵁، ثم كتب إليه يخبره بأنه يخدعه وأن ما قام به من مولاته

стр. 379

ليتمكن مما يريد، فعلم عبد الله بن الزبير ﵁ أمره وكلمه من حوله وأخبره بغشه وسوء مذهبه، فبعث إليه أخاه مصعب وأمره بقتاله. وقد انفرد ابن سعد بهذا السبب. وفي سياقه لأخبار المختار ذكر أن المختار يظهر في بداية أمره أنه مع ابن الزبير وأنه يمثل واليه على الكوفة، وهذا مستبعد؛ لأنه لم يأتِ من طرق صحيحة (١)، ثم إن المختار لم يكن أمره بهذا الخفاء حتى لا يعلم بل كان شره واضحًا وبلاؤه عظيمًا. * رأس المختار: [١٧٥]- (ووجه مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع عبد الله بن عبد الرحمن (٢). قال عبد الله: فوافيت مكة بعد العشاء الآخرة، فأتيت المسجد، وعبد الله بن الزبير يصلي، قال: فجلست أنتظره، فلم يزل يصلي إلى وقت السحر، ثم انفتل من صلاته، فدنوت منه، فناولته كتاب الفتح، فقرأه، وناوله غلامه، وقال: أمسكه معك. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الرأس معي. قال: فما تريد؟. قلت: جائزتي. قال: خذ الرأس الذي جئت به بجائزتك. فتركته، وانصرفت) (٣). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٤).

стр. 380

• نقد النص: قُتِلَ المختار على يد مصعب بن الزبير سنة سبع وستين للهجرة (١). ذكر صاحب الكتاب أن رأسه بُعِثَ إلى عبد الله بن الزبير ﵁ لكنه لم يُعْطِ حامل الرأس شيئًا، وقال له: خذ الرأس فهو جائزتك، وهذا الخبر أورد مثله ابن سعد بإسناد جمعي، قال عنه المحقق: (فيه ضعفاء ومن لا يعرف) (٢)، وبذلك لم أقف على من أورد ذلك بسند صحيح. وفي هذه الرواية تعريض بعبد الله بن الزبير ﵁ أنه بخيل، وهذا ما تروجه الروايات الضعيفة، وهو كغيره من أعلام الهدى، أما أن ترمى إليه تهمة أو يوصف بوصف يوهن أمره، فبعض الصحابة والتابعين والخلفاء لا بد في الغالب أن تدور حوله التهم، ولكن هذا لا يضر مثله، فقد شهد له بالصلاح والزهد وحسن المعاشرة، فلو كان فيه بخل لم يسوده الناس، وسيأتي الرد على هذه الشبهة في الحديث عن الشبهات التي أثيرت حوله في هذا الكتاب. * * *

стр. 381

خامسًا: أخبار عبد الله بن الزبير ﵁ وأخيه مصعب: * عبد الله بن الزبير ﵁ وموقفه من ابن عباس ﵁ وابن الحنفية: [١٧٦]- (قالوا: ولما قُتِلَ المختار، واستتب الأمر لعبد الله بن الزبير، أرسل إلى عبد الله بن عباس ومحمد ابن الحنفية: إما إن تبايعاني أو تخرجا من جواري، فخرجا من مكة، فنزلا الطائف، وأقاما هناك، وتوفي عبد الله بن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد ابن الحنفية. وخرج محمد ابن الحنفية حتى أتى أيلة (١)، وكتب إلى عبد الملك بن مروان، يستأذنه في القدوم عليه، والنزول في جواره، فكتب إليه: وراءك أوسع لك، ولا حاجة لي فيك، فأقام محمد ابن الحنفية عامه ذلك بأيلة، ثم توفى بها (٢) (٣). ذكر نحوًا منها مطولًا: ابن سعد (٤) والبلاذري (٥) والطبري (٦). • نقد النص: ورد في علاقة عبد الله بن الزبير ﵁ مع عبد الله بن عباس ﵁ ومحمد ابن الحنفية أخبارًا كثيرة، وفيها أمور منكرة، لا يمكن قبولها، ولم ترد بسند صحيح ومن ذلك:

стр. 382

- روى ابن سعد أخبارًا عمّا جرى بين عبد الله بن الزبير ﵁ وبين عبد الله بن عباس ﵁ ومحمد ابن الحنفية، وأكثر ما رواه في هذا عن الواقدي (١)، وهو ضعيف، ومن ذلك قوله: (فلمّا جاء نعي يزيد بن معاوية، وبايع ابن الزّبير لنفسه، ودعا النّاس إليه دعا ابن عبّاسٍ ومحمّد ابن الحنفيّة إلى البيعة له فأبيا يبايعان له، وقالا: حتّى يجتمع لك البلاد، ويتّسق لك النّاس، فأقاما على ذلك ما أقاما. فمرّةً يكاشرهما ومرّةً يلين لهما، ومرّةً يباديهما، ثمّ غلظ عليهما، فوقع بينهم كلامٌ وشرٌّ، فلم يزل الأمر يغلظ حتّى خافا منه خوفًا شديدًا ومعهما النّساء والذّرّيّة، فأساء جوارهم، وحصرهم وآذاهم، وقصد لمحمّد ابن الحنفيّة فأظهر شتمه وعيبه، وأمره وبني هاشمٍ أن يلزموا شعبهم بمكّة، وجعل عليهم الرّقباء، وقال لهم فيما يقول: واللّه، لتبايعنّ أو لأحرقنّكم بالنّار) (٢). - وأخرج ابن سعد (٣) بسنده من طريق هوذة بن خليفة (٤) عن عوف (٥) خبرًا فيه أن عبد الله بن الزبير منع محمد ابن الحنفية أن يدخل مكة إلا أن يبايعه، فخرج إلى الشام، فمنعه عبد الملك بن مروان أيضًا من دخولها حتى يبايعه، ثم إن عبد الله بن الزبير ﵁ أرسل أخاه عروة يتهدده بالحبس إن لم يبايع.

стр. 383

وهذا لم يأت بسند صحيح، قال يحيى بن معين: (هوذة عن عوف ضعيف) (١). - وعند ابن سعد من طريق أبي حمزة (٢)، قال: (كنت مع محمّد بن عليٍّ، فسرنا من الطّائف إلى أيلة بعد موت ابن عبّاسٍ بزيادةٍ على أربعين ليلةً. قال: وكان عبد الملك قد كتب لمحمّدٍ عهدًا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتّى يصطلح النّاس على رجلٍ، فإذا اصطلحوا على رجلٍ بعهدٍ من اللّه وميثاقٍ كتبه عبد الملك، فلمّا قدم محمّدٌ الشّام بعث إليه عبد الملك: إمّا أن تبايعني، وإمّا أن تخرج من أرضي … فأحرم بعمرةٍ، وقلّد هديًا، فعمدنا إلى البيت، فلمّا أردنا أن ندخل الحرم تلقّتنا خيل ابن الزّبير، فمنعتنا أن ندخل فأرسل إليه محمّدٌ، لقد خرجت وما أريد أن أقاتلك، ورجعت وما أريد أن أقاتلك، دعنا، فلندخل، ولنقضِ نُسُكَنَا، ثمّ لنخرج عنك، فأبى، ومعنا البُدْن قد قلّدناها، فرجعنا إلى المدينة، فكنّا بها حتّى قدم الحجّاج، فقتل ابن الزّبير، ثمّ سار إلى البصرة والكوفة، فلمّا سار مضينا، فقضينا نسكنا، وقد رأيت القمل يتناثر من محمّد بن عليٍّ، فلمّا قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة، فمكث ثلاثة أشهرٍ ثمّ توفّي) (٣). وهذا لم يرد بسند صحيح؛ لأنه من طريق أبي حمزة ولم يوثق. - وروي أن عبد الله بن الزبير حبس محمد ابن الحنفية ومن معه من أهل

стр. 384

بيته بزمزم، وتوعدهم بالقتل والإحراق؛ وذلك لأنهم كرهوا بيعته حتى تجتمع عليه الأمة، وأن المختار أرسل جيشًا لنجدتهم، ولكن محمد ابن الحنفية أبى عليهم أن يقاتلوا في الحرم (١)، وهذا لايصح منه شيء لأنه من طريق المدائني وأبي مخنف. ومما سبق من النصوص نجد قَدْحًا ومبالغة واضحة بسياسة عبد الله بن الزبير ﵁، وعبد الملك بن مروان تجاه محمد ابن الحنفية، والمستفيد من هذا في المقام الأول هم الشيعة، فلا عجب أن تجد مثل هذه الزيادات؛ ولذلك لم يثبت أن عبد الله بن الزبير ﵁ حصر محمد ابن الحنفية ومن معه، وحاول إحراقهم، أو أنه منعه من دخول مكة لأداء العمرة. وفي الروايات السابقة نجد أن موقف محمد ابن الحنفية يتكرر، وهو أن سبب عدم بيعته هو أنه لا يبايع في فرقة، وهذا منهج ابن عباس ﵁ أيضًا فهو قد حذا حذوه واقتدى به. ولم يكن ابن عباس ﵁ مبايعًا لابن الزبير ﵁، ولم يكن مخالفًا أيضًا، فقد كان ابن الزبير ﵁ يستشير ابن عباس ﵁ في المسائل الفقهية (٢)، ثم إنه أثنى عليه ومدحه، فقد أخرج البخاري بسنده: قال ابن أبي مليكة: وكان بينهما شيءٌ، فغدوت على ابن عبّاسٍ، فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزّبير، فتحلّ حرم اللّه؟ فقال: «معاذ اللّه، إنّ اللّه كتب ابن الزّبير وبني أميّة محلّين، وإنّي واللّه لا أحلّه أبدًا»، قال: قال النّاس: بايع لابن الزّبير فقلت: «وأين بهذا الأمر عنه، أمّا أبوه: فحواريّ النّبيّ ﷺ يريد الزّبير - وأمّا جدّه: فصاحب الغار - يريد

стр. 385

أبا بكرٍ - وأمّه: فذات النّطاق - يريد أسماء - وأمّا خالته: فأمّ المؤمنين - يريد عائشة - وأمّا عمّته: فزوج النّبيّ ﷺ يريد خديجة - وأمّا عمّة النّبيّ ﷺ : فجدّته - يريد صفيّة - ثمّ عفيفٌ في الإسلام، قارئٌ للقرآن … ) (١). وقوله: (وأين بهذا الأمر عنه) أي إنه أجدر الناس بالخلافة وليست بعيدة عنه لما له من المكارم والمزايا (٢). وهذا الأثر الصحيح يعطي دلالة واضحة أن الخلاف بينهما لم يصل إلى درجة التقاتل والتقاطع بينهما، فابن عباس ﵁ أقر بأحقيته للخلافة، ولم يخالفه ولم يرضَ بقتاله. ثم إنه روي عن ابن عباس ﵁ أنه قد سأل عن أهل المدينة زمن الحرة وهو في الطائف (٣)، وقد توفي فيه كما هو مشهور، وهذا يدل على أنه أقام فيه آخر حياته. وقضية سجن محمد ابن الحنفية التي وردت في النصوص وهي إحدى الشُّبَهِ المثارة في علاقة عبد الله بن الزبير ﵁ بمحمد ابن الحنفية، فلم أقف على مَنْ أوردها بسند صحيح، والذي ورد في ذلك أن عبد الله بن الزبير ﵁ سجن الحسن بن محمد ابن الحنفية (٤). فقد روى الفاكهي فقال: حدّثنا محمّد بن أبي عمر (٥)، قال: ثنا سفيان (٦)،

стр. 386

عن عمرو بن دينارٍ (١)، قال: أخبرني الحسن بن محمّدٍ، قال: (أخذني ابن الزّبير ﵄ فحبسني في دار النّدوة في سجن عارمٍ، فانفلتُّ منه في قيودي، فلم أزل أتخطّى الجبال، حتّى سقطتُّ على أبي بمنى) (٢). وسبب ذلك أن الحسن بن محمد قام مع ناس من الخشبية في نصيبين بعد قتل المختار، فعارضوا أمير الموصل التابع لعبد الله بن الزبير ﵁، فهزمهم وأسر الحسن وأرسله إلى ابن الزبير ﵁ في مكة. (٣) * دخول إبراهيم بن الأشتر في أمر مصعب: [١٧٧]- (وقتل المختار، وإبراهيم بن الأشتر عامله على كورة الجزيرة، فكتب إلى مصعب يسأله الأمان، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فقدم وبايعه، وفوض مصعب إليه جميع أمره، وأظهر بره وألطافه) (٤). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٥) مختصرًا، والطبري (٦) مطولًا. * الشبهات المثارة حول مصعب بن الزبير: * مصير أصحاب المختار: [١٧٨]- (ولم تزل الستة الآلاف الذين دخلوا القصر متحصنين فيه شهرين، حتى نفد جميع ما كان المختار أعده فيه من الطعام، فسألوا الأمان، فأبى مصعب أن يعطيهم الأمان إلا على حكمه، فأرسلوا إليه: إنا ننزل على

стр. 387

حكمك، فنزلوا عند ما بلغ إليهم الجوع، فضرب أعناقهم كلها، وكانوا ستة آلاف: ألفين من العرب، وأربعة آلاف من العجم) (١). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢) والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا. • نقد النص: تذكر هذه الرواية قتل من تبقى من جند المختار على يد مصعب، وهذه من الشبه المثارة عليه، ولم أقف على خبر صحيح يثبت وقوع الحادثة بهذا العدد. وقد اختلفت الروايات في عدد المحاصرين من جند المختار، الذين قتلهم مصعب بن الزبير، ويستبعد أن يكون العدد كما ذكره صاحب الكتاب ستة آلاف أو خمسة آلاف كما ذكر غيره (٥)؛ لأن هذا العدد لو كان مع المختار لم يضطر إلى اللجوء إلى القصر فبإمكانه أن يعيد ترتيبهم ويقاتل بهم؛ ولكن الذي ورد عنه أنه نزل من القصر، وقاتل قتال الذي يئس من النصر، وقصده بذلك عدم النزول على حكم مصعب ومن معه؛ لأنه يعرف أن مصيره القتل. قال الإسفراييني: (ثمّ وقعت الهزيمة على المختار وأصحابه، فانهزموا إلى دار الإمامة بالكوفة، وتحصن فيها مع أربعمائة من أتباعه، وحاصرهم مصعب فيها ثلاثة أيام حتّى فني طعامهم، ثمّ خرجوا إليه في اليوم الرّابع

стр. 388

مستقتلين فقُتِلُوا وقُتِلَ المختار معهم) (١). وهنا وقفة وتساؤل: أين معظم الجند الذين كانوا مع المختار؟. والجواب على ذلك: أنها جرت أحداث قبل وأثناء حرب المختار ساهمت بالتقليل من جنده، ومن ذلك: - أمر مصعب عبد الرحمن بن مخنف أن يأتي الكوفة مستخفيًا ويخرج من استطاع من أهلها ويبايع له سرًّا، ويخذل أصحاب المختار عنه (٢). - حصلت هزائم متتالية، قُتِلَ فيها الكثير من جند المختار قبل لجوئه إلى القصر وحصاره (٣). - يروى أن المختار وجنوده بلغوا حالة من الضعف والهوان حتى إن أهل البيوت في الكوفة يرمونه بالحجارة ويصبون عليهم الماء القذر (٤)، وهذا يدل على قلة عددهم. ومما يروى عن مصير أصحاب المختار ولم يثبت: روي أنهم نزلوا على حكم مصعب وكاد أن يعفو عنهم، فاعترض عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث وبعض أشراف الكوفة، فقالوا اخترنا أو اخترهم، وذكروا له دماءهم، فعدل عن ذلك وقتلهم (٥). وذكر ابن سعد بسنده أن القتل حدث لهم بعد أن أعطاهم الأمان (٦)، وكل

стр. 389

هذا لم يصح منه شيء. وما أخرج ابن أبي شيبة (١) من طريق محمد بن كناسة (٢)، والبلاذري (٣) من طريق عباس ابن هشام الكلبي (٤)، والطبري (٥) من طريق أبي مخنف: أن عبد الله بن عمر أنكر على مصعب بن الزبير قتل أصحاب المختار. وهذا لم يثبت عن ابن عمر ﵁، وهو في رواية الكوفيين الذين يكثر فيهم التشيع وفيهم تعاطف مع المختار، وهذا الحدث يعد من المآخذ على مصعب وهو ما جعله يوصف بأنه سفَّاكًا للدماء (٦)، ويروى أنه سمى نفسه الجزار (٧). وكل هذه الأوصاف لا يصح منها شيء، وهي تمهيد وتثبيت لهذه الرواية والتي تليها. * مصعب وامرأة المختار: [١٧٩]- (ودعا مصعب بامرأتي المختار، أم ثابت ابنة سمرة بن

стр. 390

جندب (١)، وعمرة بنت النعمان بن بشير (٢)، فدعاهما إلى البراءة من المختار، فأما أم ثابت فإنها تبرأت منه، وأبتْ عمرة أن تتبرأ منه، فأمر بها مصعب، فأخرجت إلى الجبانة، فضُرِبَ عنقها، فقال بعض الشعراء (٣) في ذلك: إن من أعجب العجائب عندي … قتل بيضاء حرة عطبول قتلوها بغير ذنب سفاها … إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا … وعلى المحصنات جر الذيول وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (٤) في ذلك: ألم تعجب الأقوام من قتل حرة … من المخلصات الدين محمودة الأدب؟ من الغافلات المؤمنات بريئة … من الزور والبهتان والشك والريب (٥) علينا كتاب الله في القتل واجب … وهن الضعاف في الحجال وفي الحجب
следующие страницы →