← История

История · id 926

الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري

عبد العزيز بن عبد الله البريدي

Полный текст (620 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عن عمرو بن دينارٍ (١)، قال: أخبرني الحسن بن محمّدٍ، قال: (أخذني ابن الزّبير ﵄ فحبسني في دار النّدوة في سجن عارمٍ، فانفلتُّ منه في قيودي، فلم أزل أتخطّى الجبال، حتّى سقطتُّ على أبي بمنى) (٢). وسبب ذلك أن الحسن بن محمد قام مع ناس من الخشبية في نصيبين بعد قتل المختار، فعارضوا أمير الموصل التابع لعبد الله بن الزبير ﵁، فهزمهم وأسر الحسن وأرسله إلى ابن الزبير ﵁ في مكة. (٣) * دخول إبراهيم بن الأشتر في أمر مصعب: [١٧٧]- (وقتل المختار، وإبراهيم بن الأشتر عامله على كورة الجزيرة، فكتب إلى مصعب يسأله الأمان، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فقدم وبايعه، وفوض مصعب إليه جميع أمره، وأظهر بره وألطافه) (٤). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٥) مختصرًا، والطبري (٦) مطولًا. * الشبهات المثارة حول مصعب بن الزبير: * مصير أصحاب المختار: [١٧٨]- (ولم تزل الستة الآلاف الذين دخلوا القصر متحصنين فيه شهرين، حتى نفد جميع ما كان المختار أعده فيه من الطعام، فسألوا الأمان، فأبى مصعب أن يعطيهم الأمان إلا على حكمه، فأرسلوا إليه: إنا ننزل على

стр. 387

حكمك، فنزلوا عند ما بلغ إليهم الجوع، فضرب أعناقهم كلها، وكانوا ستة آلاف: ألفين من العرب، وأربعة آلاف من العجم) (١). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢) والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا. • نقد النص: تذكر هذه الرواية قتل من تبقى من جند المختار على يد مصعب، وهذه من الشبه المثارة عليه، ولم أقف على خبر صحيح يثبت وقوع الحادثة بهذا العدد. وقد اختلفت الروايات في عدد المحاصرين من جند المختار، الذين قتلهم مصعب بن الزبير، ويستبعد أن يكون العدد كما ذكره صاحب الكتاب ستة آلاف أو خمسة آلاف كما ذكر غيره (٥)؛ لأن هذا العدد لو كان مع المختار لم يضطر إلى اللجوء إلى القصر فبإمكانه أن يعيد ترتيبهم ويقاتل بهم؛ ولكن الذي ورد عنه أنه نزل من القصر، وقاتل قتال الذي يئس من النصر، وقصده بذلك عدم النزول على حكم مصعب ومن معه؛ لأنه يعرف أن مصيره القتل. قال الإسفراييني: (ثمّ وقعت الهزيمة على المختار وأصحابه، فانهزموا إلى دار الإمامة بالكوفة، وتحصن فيها مع أربعمائة من أتباعه، وحاصرهم مصعب فيها ثلاثة أيام حتّى فني طعامهم، ثمّ خرجوا إليه في اليوم الرّابع

стр. 388

مستقتلين فقُتِلُوا وقُتِلَ المختار معهم) (١). وهنا وقفة وتساؤل: أين معظم الجند الذين كانوا مع المختار؟. والجواب على ذلك: أنها جرت أحداث قبل وأثناء حرب المختار ساهمت بالتقليل من جنده، ومن ذلك: - أمر مصعب عبد الرحمن بن مخنف أن يأتي الكوفة مستخفيًا ويخرج من استطاع من أهلها ويبايع له سرًّا، ويخذل أصحاب المختار عنه (٢). - حصلت هزائم متتالية، قُتِلَ فيها الكثير من جند المختار قبل لجوئه إلى القصر وحصاره (٣). - يروى أن المختار وجنوده بلغوا حالة من الضعف والهوان حتى إن أهل البيوت في الكوفة يرمونه بالحجارة ويصبون عليهم الماء القذر (٤)، وهذا يدل على قلة عددهم. ومما يروى عن مصير أصحاب المختار ولم يثبت: روي أنهم نزلوا على حكم مصعب وكاد أن يعفو عنهم، فاعترض عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث وبعض أشراف الكوفة، فقالوا اخترنا أو اخترهم، وذكروا له دماءهم، فعدل عن ذلك وقتلهم (٥). وذكر ابن سعد بسنده أن القتل حدث لهم بعد أن أعطاهم الأمان (٦)، وكل

стр. 389

هذا لم يصح منه شيء. وما أخرج ابن أبي شيبة (١) من طريق محمد بن كناسة (٢)، والبلاذري (٣) من طريق عباس ابن هشام الكلبي (٤)، والطبري (٥) من طريق أبي مخنف: أن عبد الله بن عمر أنكر على مصعب بن الزبير قتل أصحاب المختار. وهذا لم يثبت عن ابن عمر ﵁، وهو في رواية الكوفيين الذين يكثر فيهم التشيع وفيهم تعاطف مع المختار، وهذا الحدث يعد من المآخذ على مصعب وهو ما جعله يوصف بأنه سفَّاكًا للدماء (٦)، ويروى أنه سمى نفسه الجزار (٧). وكل هذه الأوصاف لا يصح منها شيء، وهي تمهيد وتثبيت لهذه الرواية والتي تليها. * مصعب وامرأة المختار: [١٧٩]- (ودعا مصعب بامرأتي المختار، أم ثابت ابنة سمرة بن

стр. 390

جندب (١)، وعمرة بنت النعمان بن بشير (٢)، فدعاهما إلى البراءة من المختار، فأما أم ثابت فإنها تبرأت منه، وأبتْ عمرة أن تتبرأ منه، فأمر بها مصعب، فأخرجت إلى الجبانة، فضُرِبَ عنقها، فقال بعض الشعراء (٣) في ذلك: إن من أعجب العجائب عندي … قتل بيضاء حرة عطبول قتلوها بغير ذنب سفاها … إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا … وعلى المحصنات جر الذيول وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (٤) في ذلك: ألم تعجب الأقوام من قتل حرة … من المخلصات الدين محمودة الأدب؟ من الغافلات المؤمنات بريئة … من الزور والبهتان والشك والريب (٥) علينا كتاب الله في القتل واجب … وهن الضعاف في الحجال وفي الحجب

стр. 391

فقلت ولم أظلم، أعمرو بن مالك … يقتل ظلمًا، لم يخالف ولم يرب ويسبقنا آل الزبير بوترنا … ونحن حماة الناس في البارق الأشب فإن تعقب الأيام منهم نجازهم … على حنق بالقتل والأسر والحنب (١) ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢)، والطبري (٣). • نقد النص: هذا الحدث والذي قبله جاء بعد قتل المختار بن أبي عبيد الثقفي، وصاحب الكتاب كعادته في انتقاء الأخبار التي فيها قدح وإساءة لأعلام المسلمين، وفيه أن مصعب بن الزبير قتل امرأة المختار بعد أن سألها عنه فأخبرته أنه رجل صالح وهناك روايات أخرى تذكر أنها تزعم أنه نبي. وخبر قتل مصعب لامرأة المختار لم يرد بسند صحيح، فقد رواه الطبري (٤) عن أبي مخنف وهو ضعيف، وقد ذكر فيه أن مصعبًا كتب إلى أخيه عبد الله بن الزبير ﵁ في أمرها، وأنها تزعم أن المختار نبي، فكتب له أن أخرجها واقتلها. وأخرجه ابن عساكر (٥) بسند فيه الحسن بن فهم (٦)، ولم يوثق. ومن طريق آخر بسنده عن صالح بن وجيه (٧) وهو لم يدرك الحدث.

стр. 392

وروايته نحوًا مما ذكر الطبري عن أبي مخنف، وفي متنه نكارة، فمتى كان المسلمون يفتشون عن النساء ليحاسبونهن على أقوالهن ثم يقتلونهن. ومثل عبد الله بن الزبير ﵁ وأخيه مصعب لا يخفى عليهما نهي الرسول ﷺ عن قتل النساء والصبيان، ثم إنه لو صح الخبر بردتها عن الإسلام أين الاستتابة قبل القتل، لكن الواضع لهذه الرواية جهل حكم الردة، ولم يتتبعِ العلماءُ هذه القضية التي حدث فيها القتل قبل الاستتابة ولم يستشهدوا بها لعلمهم بضعف ناقلها. وكلتا الروايتين السابقتين من خزايا أبي مخنف ودسائسه. أفبعد أن انتصر مصعب بن الزبير على المختار وقتله، وخلص الناس من شره، يأتي من يحاول أن ينال من هذا القائد العظيم الذي لو لم يكن له إلا قتل المختار والقضاء على فتنته لكفاه أن يُشْكَرُ؟!! لكن لا بد للأقلام العابثة أن يأتي دورها في أغلب مواطن العزة والشرف للمسلمين، فبدأت التهم تدور حول مصعب كما دارت حول أخيه عبد الله بن الزبير ﵁. * * *

стр. 393

سادسًا: مقتل مصعب بن الزبير، وخضوع العراق لعبد الملك بن مروان: * مقتل مصعب بن الزبير: [١٨٠]- (ثم إن مصعب بن الزبير نزل القصر بالكوفة، واستعمل العمال، وجبى الخراج، فولى البصرة عبيد الله بن معمر التيمي (١)، ورد المهلب إلى قتال الأزارقة). ذكر البلاذري (٢) أن المصعب بعث على البصرة عمر بن عبيد الله (٣)، وولى الموصل والجزيرة المهلب، ثم عزله ووجهه إلى الخوارج (٤). وذكر الطبري (٥) نحوًا منه مطولًا. [١٨١]- (قالوا: ولما صفا الأمر لعبد الله بن الزبير ودانت له البلدان إلا أرض الشام، جمع عبد الملك بن مروان إخوته، وعظماء أهل بيته، فقال لهم: إن مصعب بن الزبير قد قتل المختار، ودانت له أرض العراق، وسائر البلدان، ولست آمَنَهُ أن يغزوكم في عقر بلادكم، وما من قوم غزوا في عقر دارهم إلا ذلوا، فما ترون؟. فتكلم بشر بن مروان (٦)، فقال: يا أمير المؤمنين، أرى أن تجمع إليك

стр. 394

أطرافك، وتستجيش جنودك، وتضم إليك قواصيك، وتسير إليه، وتلف الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله. فقال القوم: هذا الرأي، فاعمل به، فإن بنا قوة ونهوضًا. فوجه رسله إلى كور الشام ليجتمع إليه، فاجتمع له جميع أجناد الشام، ثم سار وقد احتشد، ولم ينزل. وبلغ مصعب بن الزبير خروجه، فضم إليه أطرافه، وجمع إليه قواصيه، واستعد، ثم خرج لمحاربته، فتوافى العسكران بدير الحانات (١)، فقال عدي بن زيد بن عدي (٢)، وكان مع عبد الملك: لعمري لقد أصحرت خيلنا … بأكناف دجلة للمصعب يجرون كل طويل الكعوب … معتدل النصل والثعلب بكل فتى واضح وجهه … كريم الضرائب والمنصب (٣) ولما نظر أصحاب مصعب إلى كثرة جموع عبد الملك تواكلوا، وشملهم الرعب، فقال مصعب لعروة بن المغيرة (٤)، وهو يسايره: ادنُ يا عروة أكلمك، فدنا منه، فقال: أخبرني عن الحسين، كيف صنع حين نزل به الأمر؟.

стр. 395

قال عروة: فجعلت أحدثه بحديث الحسين، وما عرض عليه ابن زياد من النزول على حكمه، فأبى ذلك، وصبر للموت، فضرب مصعب معرفة دابته بالسوط، ثم قال: فإن الألى بألطف من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا (١) وإن عبد الملك كتب إلى رؤساء أصحاب مصعب يستميلهم إليه، ويعرض عليهم الدخول في طاعته، ويبذل لهم على ذلك الأموال، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر فيمن كتب، فأقبل إبراهيم بالكتاب مختومًا فناوله مصعبًا، وقال: أيها الأمير، هذا كتاب الفاسق عبد الملك بن مروان، قال له مصعب: فهلا قرأته، قال: ما كنت لأفضه، ولا أقرأه إلا بعد قراءتك له، ففضه مصعب، وإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى إبراهيم بن الأشتر، أما بعد، فإني أعلم أن تركك الدخول في طاعتي ليس إلا عن معتبة، فلك الفرات وما سقى، فأنجز إليّ فيمن أطاعك من قومك، والسلام). فقال مصعب: فما يمنعك يا ابن النعمان؟ قال: لو جُعِلَ لي ما بين المشرق إلى المغرب ما أعنت بني أمية على ولد صفية (٢). فقال مصعب: جزيت خيرًا أبا النعمان.

стр. 396

فقال إبراهيم لمصعب: أيها الأمير، لست أشك أن عبد الملك قد كتب إلى عظماء أصحابك بنحو مما كتب إليّ، وإنهم قد مالوا إليه، فائذن لي في حبسهم إلى فراغك، فإن ظفرت مَنَنْتُ بهم على عشائرهم، وإن تكن الأخرى كنت قد أخذت بالحزم. قال مصعب: إذن يحتجوا عليّ عند أمير المؤمنين. فقال إبراهيم: أيها الأمير، لا أمير المؤمنين والله لك اليوم، وما هو إلا الموت، فمت كريمًا. فقال مصعب: يا أبا النعمان، إنما هو أنا وأنت فنقدم للموت. قال إبراهيم: إذن، والله أفعل. قال: ولما نزلوا بدير الجاثليق (١) باتوا ليلتهم. فلما أصبحوا نظر إبراهيم بن الأشتر، فإذا القوم الذين اتهمهم قد ساروا تلك الليلة، فلحقوا بعبد الملك بن مروان، فقال لمصعب: كيف رأيت رأيي؟. ثم زحف بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا، فاعتزلت ربيعة، وكانوا في ميمنة مصعب، وقالوا لمصعب: لا نكون معك ولا عليك. وثبت مع مصعب أهل الحفاظ، فقاتلوا، وإمامهم إبراهيم بن الأشتر، فقُتِلَ إبراهيم. فلما رأى مصعب ذلك، استمات، فترجل، وترجل معه حماة أصحابه، فقاتلوا حتى قُتِلَ عامتهم، وانكشف الباقون عن مصعب. فحمل عليه عبد الله بن ظبيان (٢)، فضربه من ورائه بالسيف، ولا يشعر به

стр. 397

مصعب، فخر صريعًا، فنزل وأجهز عليه، واحتز رأسه. فأتى به عبد الملك، فحزن عليه حزنا شديدًا، وقال: متى تغدو قريش مثل مصعب؟ وددت لو أنه قبل الصلح، وإني قاسمته مالي. ولما قُتِلَ مصعب بن الزبير استأمن من بقي من أصحابه إلى عبد الملك، فأمنهم. فقال عبد الله بن قيس الرقيات (١): لقد ورد المصرين خزي وذلة … قتيل بدير الجاثليق مقيم فما صبرت في الحرب بكر بن وائل … ولا ثبتت عند اللقاء تميم ولكنه ضاع الذمار فلم يكن … بها عربي عند ذاك كريم وكان قتل مصعب يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين (٢). فارتحل عبد الملك بالناس حتى دخل الكوفة، فدعاهم إلى البيعة، فبايعوه. ثم جهز الجيوش إلى تهامة لمحاربة عبد الله بن الزبير، وولى الحرب قدامة بن مظعون (٣)، وأمره بالمسير. وانصرف عبد الملك إلى الشام) (٤).

стр. 398

ذكر نحوًا منها ابن سعد (١)، والبلاذري (٢)، والطبري (٣) مطولًا. • نقد النص: في هذه الرواية خبر قضاء عبد الملك على مصعب بن الزبير، وقد انفرد صاحب الكتاب بجعل السبب في عزم عبد الملك على حرب مصعب بن الزبير بإشارة من بشر بن مروان، وفي الرد الذي أورده على لسان إبراهيم بن الأشتر: (لو جعل لي ما بين المشرق إلى المغرب ما أعنت بني أمية على ولد صفية)، وهذا من تشيعه وتزويره. وقد اختلفت المصادر في سبب ذلك: فقد روى ابن سعد (٤) في ذلك أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان يكتب إلى مصعب ويأمره بغزو عبد الملك، فجمع مصعب العدة واستعد لذلك، فلما بلغ عبد الملك تجهز وخرج بنفسه. وذكر البلاذري (٥) سببًا آخر، وهو أن أشراف الكوفة والبصرة كتبوا إلى عبد الملك يدعونه، وهذا ما جعله يسير إليهم. وأما الطبري (٦) فذكر أن عبد الملك قدم يريد مصعبًا، فضمن له خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ذلك، فقدم البصرة وفشلت مهمته، وخرج منها بأمان، ثم إن مصعبًا عزم على المسير لعبد الملك فكاتب عبد الملك الذين يوالونه من أهل العراق وواعدهم، ثم التقى الجيشان وكانت الغلبة لعبد الملك. ثم إنه لا يوجد أدنى شك أن الأمويين يريدون استعادة نفوذهم في بلاد

стр. 399

العراق وخراسان والحجاز، ولا بد لذلك أن يكون على مراحل، فقد عزم عبد الملك على البدء بأهل العراق وما يتبعها من بلاد فارس ثم الحجاز، لكي يأمن الشام من خطر العراقيين، ويتقوى بالرجال والعتاد ثم يخرج إلى الحجاز؛ ليقضي على أعظم خطر يهدد ملكه، وهذا ما فعله كما سيأتي. ولا بد لنا هنا أن نطرح تساؤلات منها: ما أهمية العراق بالنسبة لسلطان آل الزبير؟. وما هي الأسباب التى أدت إلى فشلهم في الحفاظ عليه؟. وللإجابة عن ذلك نبدأ بأهمية العراق بالنسبة لآل الزبير. - إن العراق أولى الولايات التي انضمت لحكم آل الزبير، وبسهولة وبدون أدنى جهد يُذْكَر؛ لأن العراقيين خضعوا بسرعة؛ كي يتداركوا خطر الخوارج، ثم جاءهم خطر آخر وهو أشد من الأول وهو خطر المختار، فزاد ذلك من تمسكهم. - أن العراقيين هم في الأساس الجند الأكثر قوة ودعمًا لآل الزبير. - يعتبر العراق وما ورائه من بلاد فارس المصدر الأساسي لقوة آل الزبير الاقتصادية وذلك في الخراج والفيء وغيره. أما عن أسباب فشل آل الزبير في الحفاظ على العراق فهي كالآتي: - زوال الأخطار المحدقة بالعراق والتي تمثلت بانحسار الخوارج إلى خراسان، ومقتل المختار، وهي لم تذهب بسهولة بل بحروب كثيرة؛ ولذلك فقد فتر العراقيون في تلك الفترة من الحروب وملوها، ورأوا عزم عبد الملك على حربهم فمالوا إليه؛ لأنهم خافوا حربه ولذلك تركوا آل الزبير. - اختيار عبد الملك بن مروان ضم العراق لملكه في ذلك الوقت جاء مناسبًا لتفكك الوسط القبلي الذي يقوم عليه أهل العراق في حروبهم وولاتهم،

стр. 400

فبعد مقتل المختار مات الأحنف بن قيس (١) الذي يسيطر على بني تميم في العراق، وهي من القوى الضاربة في العراق ومثلها الأزد، ومات محمد بن الأشعث بحرب المختار فلم يبقَ لهم إلا المهلب وهو منشغل بحرب الخوارج، ولم يقم مصعب باستدعائه ليكون له عونًا على أهل الشام كما فعل عندما قاتل المختار، وقد روى عن ابن خازم (٢) أنه فند أسباب خسارة مصعب فقال: (أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استعمله على فارس، قال: أفمعه المهلب ابن أبي صفرة؟ قيل: لا، استعمله على الموصل، قال: أفمعه عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة، فقال: وأنا بخراسان! خذيني فجريني جعار (٣) وأبشري … بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره) (٤) - استعمال عبد الملك مكيدة حربية تَكْمُن في دهاء بني أمية ومقدرتهم على السياسة في الحروب وغيرها، ألا وهي قيامه باستمالة قادة العراقيين وأشرافه إليه عن طريق المكاتبة فاستجابوا له، إلا ما كان من إبراهيم بن الأشتر الذي أخبر مصعبًا بذلك وأثبت له ولاءه، ولم يستجب مصعب لرأي إبراهيم بن الأشتر (٥)، والذي يقتضي بمحاسبة القادة، وتثبيت ولائهم، وهذا نابع من فقه

стр. 401

مصعب وتدينه، فلم يقبل بالأخذ بالظنة والتهمة، وهو أيضًا يعرف أن أخاه عبد الله ﵁ لن يقبل بهذا أيضًا، فهم اتقوا الله في أهل العراق ولكن أهل العراق خذلوهم كما خذلوا آل البيت من قبلهم. فحال مصعب بن الزبير كحال الحسين بن علي ﵁، فكلاهما قد خُذِلَ؛ ولذلك سأل مصعب عن حال الحسين ﵁ حينما خذله أهل العراق، ليعلم من حوله أنه لن ينزل على حكم أهل الشام وأنه سوف يتبع سنة الكرام التي سنها الحسين ﵁. * * *

стр. 402

سابعًا: الحجاج ومقتل عبد الله بن الزبير ﵁ - * مقتل عبد الله بن الزبير ﵁. [١٨٢]- (ثم وجه الحجاج بن يوسف لمحاربة عبد الله بن الزبير، وعزل قدامة بن مظعون، فسار الحجاج حتى نزل الطائف، وأقام شهرًا. ثم كتب إلى عبد الملك: إنك يا أمير المؤمنين متى تدع ابن الزبير يعمل فكره، ويستجيش ويجمع أنصاره، وتثوب (١) إليه فلاله (٢) كان في ذلك قوة له، فائذن في معاجلته لي، فأَذَنَ له. فقال الحجاج لأصحابه: تجهزوا للحج، وكان ذلك في أيام الموسم. ثم سار من الطائف حتى دخل مكة، ونصب المنجنيق على أبي قبيس. فقال الأقيشر الأسدي (٣):

стр. 403

لم أر جيشًا غر (١) بالحج مثلنا … ولم أر جيشًا مثلنا غير ما خرس دلفنا (٢) لبيت الله نرمي ستوره … بأحجارنا زفن (٣) الولائد (٤) في العرس دلفنا له يوم الثلاثاء من منى … بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس فإلا ترحنا من ثقيف وملكها … نصل لأيام السباسب والنحس فطلبه الحجاج، فهرب، وأناخ الحجاج بابن الزبير، وتحصن منه ابن الزبير في المسجد، واستعمل الحجاج على المنجنيق ابن خزيمة، فجعل يرمي أهل المسجد ويقول: خطاره مثل الفنيق الملبد … نرمي بها عواذ أهل المسجد (٥) فلما اشتد على ابن الزبير وأصحابه الحصار، خرجت بنو سهم من بابهم، فقال ابن الزبير: فرت سلامان، وفرت النمر … وقد تكون معهم فلا تفر (٦)

стр. 404

وجعل أهل الشام يدخلون عليه المسجد، فيشد عليهم، فيخرجهم من المسجد حتى رمى بحجر، فأصاب جبهته، فسقط لوجهه، ثم تحامل، فقام، وهو يقول: فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا (١) … ولكن على أقدامنا تقطر الدما (٢) ثم قال لأصحابه: اخرجوا إلى من بالباب، واحملوا، ولا يلهينكم طلبي، والسؤال عني، فإني في الرعيل الأول. فخرج، وخرجوا معه، فقاتل قتالًا شديدًا حتى قُتِلَ عامة من كانوا معه، وأحدقوا به من كل جانب، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه. فأمر به الحجاج، فصلبه، فمر به عبد الله بن عمر، فقال: رحمك الله أبا بكر، أما والله لقد كنت صوامًا قوامًا، غير أنك رفعت الدنيا فوق قدرها، وليست لذلك بأهلٍ، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق. وكان مقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين (٣) (٤). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٥)، وخليفة بن خياط (٦) مختصرًا،

стр. 405

والبلاذري (١)، والطبري (٢) مطولًا. • نقد النص: ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية خبر مسير الحجاج لحرب عبد الله بن الزبير ﵁، وأنه بطلب من الحجاج نفسه، وقد ذكر الطبري نحوًا من هذا. وقد روي أن ذلك كان من عبد الملك نفسه دون طلب من الحجاج (٣). وقد جاء صاحب الكتاب بخبر يذكر فيه قول عبد الله بن عمر ﵁ حينما مر على عبد الله بن الزبير ﵁ بعد أن قتله الحجاج فقال: (رحمك الله أبا بكر، أما والله لقد كنت صوامًا قوامًا، غير أنك رفعت الدنيا فوق قدرها، وليست لذلك بأهلٍ، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق)، وهذا القول مكذوب على عبد الله ابن عمر ﵁؛ لأنه قد ثبت قوله في الصحيح عند مسلم عن أبي نوفلٍ (٤) أنه قال: (رأيت عبد الله بن الزّبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريشٌ تمرّ عليه، والنّاس حتّى مرّ عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه فقال: السّلام عليك، أبا خبيبٍ السّلام عليك أبا خبيبٍ السّلام عليك أبا خبيبٍ أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت، ما علمت، صوّامًا، قوّامًا، وصولًا للرّحم، أما والله لأمّةٌ أنت أشرّها لأمّةٌ خيرٌ، ثمّ نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجّاج موقف عبد الله وقوله: فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثمّ أرسل إلى أمّه أسماء

стр. 406

بنت أبي بكرٍ، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرّسول: لتأتينّي أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتّى تبعث إليّ من يسحبني بقروني، قال: فقال: أروني سبتيّ فأخذ نعليه، ثمّ انطلق يتوذّف، حتّى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدوّ الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنّك تقول له: يا ابن ذات النّطاقين أنا، والله ذات النّطاقين، أمّا أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ ، وطعام أبي بكرٍ من الدّوابّ، وأمّا الآخر فنطاق المرأة الّتي لا تستغني عنه، أما إنّ رسول الله ﷺ حدّثنا، «أنّ في ثقيفٍ كذّابًا ومبيرًا» فأمّا الكذّاب فرأيناه، وأمّا المبير فلا إخالك إلّا إيّاه، قال: فقام عنها ولم يراجعها) (١). فبهذا النص نجد التحريف الواضح بين ما ثبت في هذا الحديث وبين ما رواه صاحب الكتاب في كلام عبد الله بن عمر ﵁، ونلحظ مدى خطورة تحريف الرواة لسير السلف وإدراج ما تخفيه صدورهم من الحنق والكراهية على أهل الحق، وهذا يندرج تحته كثير من أهل الأخبار، فلو أن صاحب الكتاب أسند الخبر لذهب عنه هذا الاتهام ولكنه ذكره جازمًا به، فقد جعل عبد الله بن الزبير ﵁ ليس أهلًا للخلافة، والقيام بأمر المسلمين وأنه رفع الدنيا فوق قدرها، فالحمد لله الذي وفق هذه الأمة للسند لكي يعرف به الحق من الباطل. قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (وفيه الثّناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة، وفيه منقبةٌ لابن عمر لقوله بالحقّ في الملأ وعدم اكتراثه بالحجّاج؛ لأنّه يعلم أنّه يبلغه مقامه عليه وقوله وثناؤه عليه، فلم يمنعه ذلك أن

стр. 407

يقول الحق ويشهد لابن الزّبير بما يعلمه فيه من الخير، وبطلان ما أَشَاعَ عنه الحجّاج من قوله أنه عدو) (١). وقد أثنى عليه عبد الله بن عباس ﵁ وبَيَّنَ أحقيته بهذا الأمر وعظيم نسبه وقرابته (٢). فشهادة ابن عباس ﵁ وابن عمر ﵁ له كافية له أن يكون أهلًا للخلافة. وفي هذا الخبر مقتل عبد الله بن الزبير ﵁ شهيدًا على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، وبذلك تنتهي دولته، التي نشأت من سنة أربع وستين إلى اثنتين وسبعين من الهجرة، فهي ما يقارب تسع سنوات، وهي حافلة بالعدل والإنجازات، وقد بدأت دولته بحرب الخوارج وطردهم عن العراق على يد أحد رجالاته وهو المهلب بن أبي صفرة، ثم أعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ثم قضى على المختار على يد أخيه مصعب بن الزبير. وبعد مقتل عبد الله بن الزبير ﵁ صَفَى لعبد الملك بن مروان ملكه بعد تفرق بين المسلمين دام ما يقارب تسع سنوات، حصل فيه من القتل والتفرق الشيء الكثير، وتعطلت الفتوحات بسبب هذا الخلاف، وجاء هذا التفرق من عدم وجود الولاية الشرعية، فلو أن معاوية بن يزيد وَلَّى الأمر بعده لأحد بني أمية الأكفاء؛ لحقن بذلك دماء أهل الشام والعراق والحجاز، وكل ذلك بتقدير الله. وقد سبق معنا أن الخوارج لم تَقْوَ شوكتهم إلا بعد موت يزيد وكذلك المختار لم يخرج إلا مقلدًا لمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير ﵁ كما صرح بذلك، وما حصل من تقاتل أهل الشام فيما بينهم إلا لعدم وجود خليفة

стр. 408

شرعيًّا بينهم، ولذلك أقول: إن معاوية ﵁ أصاب في جمع الناس على ابنه يزيد، وهذا تأكيد منه على أهمية ولاية العهد، ويضاف إلى دهائه وتبصره بالعواقب. * أسباب زوال سلطان عبد الله بن الزبير ﵁: - سقوط العراق بيد عبد الملك بن مروان ومقتل أخيه مصعب بن الزبير، فالعراق كان بمثابة القوة الضاربة لعبد الله بن الزبير ﵁. - عدم جدوى استمرار الحصار من قبل عبد الله بن الزبير ﵁، وذلك بسبب الجوع الذي تسببت به طول فترة الحصار من قبل أهل الشام، فأهل الشام استطاعوا أن يثبتوا لما يأتيهم من مدد الشام. - عمدَ الحجاج إلى حيلة حربية، ألا وهي إعطاء الأمان كل من أتاه من جند ابن الزبير ﵁. - قاتل معه ناس من الحبشة يجيدون الرمي، قتلوا جماعة من أهل الشام، فحمل عليهم الشاميون فانكشفوا واعتذروا من عبد الله ﵁ وقالوا: لسنا أصحاب مواجهة (١). - وكان مع عبد الله بن الزبير ﵁ في قتال الحجاج جند من أصحاب ابن عديس (٢) وهم خوارج ذوو بأس وشدة كانت له نكاية بأهل الشام، فبلغه عنهم ما يقولون في عثمان ﵁، فقال: (والله ما أحب أن أستظهر على عدوي بمن

стр. 409

يبغض عثمان، ولا بأن ألقى اللّه إلا ناصرًا له، وجعل يماكرهم، فقالوا: والله ما نرى أن نقاتل مع رجل يكفر أسلافنا، وما قاتلنا إلا لحرمة هذا البيت، وأن نردها شورى فتفرقوا عنه فاختل عسكره وعريت مصافه، ودنا منه عدوه حتّى قاتلوه) (١). فهذا هو ابن الزبير ﵁ منعه تقواه أن يلقى الله مستنصرًا بمن يبغض عثمان ﵁. وسوف أقف على بعض ما يثار حول ابن الزبير ﵁ من الشبهات وأردّها، وهي كما يلي: الشبهة الأولى: ما جاء بها صاحب الكتاب وهي عدم أهليته للخلافة، والحديث السابق عن ابن عمر ﵁ يرد على ذلك. الشبهة الثانية: أنه خارج على دولة بني أمية. وللرد على ذلك نقول: إنه قد ثبت لنا أن عبد الله بن الزبير ﵁ لم يطلب الخلافة إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية، وقد بينا ذلك بالأدلة في فصل سابق، وقد اجتمعت له أغلب البلدان، إلا ما كان من بعض بلدان الشام، حتى إن مروان بن الحكم هم بمبايعته لولا تدارك بعض الموالين لبني أمية له، فبهذا الوقت قد مرضت الدولة الأموية وكاد أن يضمحل أمرها، وهو الوقت الذي سنحت فيه الفرصة لعبد الله بن الزبير ﵁ أن يعلن أمره بحيث أنه لم يكن له منازع، بل إنه لم ينازع إلا بعد أن استعاد عبد الملك العراق بعد سنة سبعين من الهجرة، فهو بذلك لم يكن خارجًا على إمام زمانه. ويؤيد ذلك ما ذكره ابن كثير في كلامه عن عبد الله بن الزبير ﵁: (ثمّ هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشدُ من مروان بن

стр. 410

الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت البيعة له في الآفاق وانتظم له الأمر واللّه أعلم) (١). فامتناع مروان بن الحكم عن بيعة عبد الله بن الزبير ﵁ وقيامه بأمر الشام جعل عبد الله بن عباس ﵁ يمتنع عن بيعتهما ومعه ﵁ محمد ابن الحنفية، ومات ابن عباس قبله، ولم يبايع له، وكذلك امتنع عبد الله بن عمر ﵁ ولم يبايع له، ولا لعبد الملك بن مروان إلا بعد قضاء الحجاج على عبد الله بن الزبير ﵁. فقد أخرج البخاري في صحيحة عن عبد الله بن دينارٍ (٢)، قال: (شهدت ابن عمر حيث اجتمع النّاس على عبد الملك، قال: (كتب إنّي أقرّ بالسّمع، والطّاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنّة اللّه وسنّة رسوله ما استطعت، وإنّ بنيّ قد أقرّوا بمثل ذلك) (٣). الشبهة الثالثة: وهي أنه كان يعاب عليه بالبخل. وهي من المواد التي لاقت رواجًا من بعض أهل الأخبار، فقد ألمح لها صاحب الكتاب في ذكره لرأس المختار حينما أوتي به إلى عبد الله بن الزبير ﵁ فقال لمن أتى به: خذ الرأس هدية لك، وقد ذكرنا أن هذا الخبر لم يصح منه شيء. ويؤيد ما ذكرناه القاضي عياض في شرحه للحديث السابق فقد قال: (وقوله فيه: «وصولًا للرحم»: أصح من قول من بخله ونسبه لذلك من أصحاب الأخبار، لإمساكه مال الله عمن لا يستحق، وقد عده صاحب كتاب الأجواد

стр. 411

فيهم، وهو الذي يشبه أفعاله وشيمته) (١). وحكايته في كتاب الأجواد هي: (عن أم ذرة (٢) وكانت تخدم عائشة ﵂، قالت: إن ابن الزبير بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة وألف، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس) (٣). ومن أمثلة ما ذكر في بخله: ما رواه البلاذري عن الواقدي قوله: (وأصابت النّاس مجاعة شديدة حتّى ذبح ابن الزّبير فرسًا له وقسم لحمه في أصحابه) (٤). وفي رواية أخرى عن الواقدي أيضًا أنه قال: (وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، ومُدُّ الذرة بعشرين درهمًا، وإن بيوت ابن الزّبير لمملوءة قمحًا وشعيرًا وذرة وتمرًا) (٥). وهذا في حديثه عن حصار الحجاج بن يوسف لعبد الله بن الزبير ﵁، ونلحظ في هذا حجم التناقض بين الروايتين، فالأولى تثني على كرم ابن الزبير ﵁ وإيثاره، والأخرى تذم بخله، وكلها عن الواقدي وهو من قد ضعفه العلماء، فلم يسعه المدح حتى جاء بالذم، ومثل ذلك في كتب الأخبار كثير. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه كان يبخل ابن الزبير ﵁ ويقول قال رسول الله ﷺ : («ليس المسلم من شبع وجاره جائعٌ إلى جنبه» (٦)، وهذا الأثر

стр. 412

جاء على روايات عدة من طريق عبد الله بن المساور (١) وهي أن ابن عباس ﵁ يعاتب رجلًا في البخل (٢)، وأنه يخبر (٣) عبد الله بن الزبير ﵁، وأنه يبخل (٤) ابن الزبير ﵁، وروى هذا الحديث مجردًا دون تعليق (٥). وقد ذكر هذا الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة فقال: (رجاله ثقات غير ابن مساور فهو مجهول كما قال الذهبي في الميزان … وقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي (٦)، وقال الألباني: (نعم هو صحيح بما له من شواهد، فقد روي من حديث أنس وابن عباس وعائشة) (٧). فنجد أن الألباني صحح الحديث ولم يصحح الإسناد وعلته عبد الله بن المساور الذي جاء بالزيادات التي فيها عبد الله بن الزبير ﵁. ورُوِيَ عن ليث بن أبي سليمٍ (٨) قال: كان ابن عباسٍ يكثر أن يعنف ابن الزبير بالبخل، قال: فلقيه يومًا فعيّره، فقال له ابن الزبير: ما أكثر ما تعيرني يا ابن عباسٍ؟ قال: إنّي إن أفعل، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ المؤمن

стр. 413

لا يشبع وجاره وابن عمّه جائعٌ» (١). وهذا لم يصح إسناده؛ لأن ليثًا متروك. فالحديث السابق عن النبي ﷺ صحيح ولكن إقحام عبد الله بن الزبير ﵁ فيه هو ما لم يرد بسند صحيح. * * *

стр. 414

الفصل السادس «أخبار الحجاج، وفتنة ابن الأشعث، وأخبار هشام بن عبد الملك» أولًا: أخبار متفرقة. ثانيًا: فتنة عبد الرحمن بن الأشعث والقضاء عليها. ثالثًا: أخبار الحجاج، ووفاة عبد الملك. رابعًا: أحداث في خلافة الوليد بن عبد الملك. خامسًا: شيء من أخبار سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. سادسًا: بداية الدعوة العباسية. سابعًا: ظهور أبو مسلم الخراساني.

стр. 415

أولًا: أخبار متفرقة * قصة عروة بن الزبير مع الحجاج: [١٨٣]- (ولما قُتِلَ عبد الله بن الزبير خرج أخوه عروة بن الزبير هاربًا من الحجاج حتى أتى الشام، فاستجار بعبد الملك بن مروان، فأجاره، وأظهر إكرامه، وأقام عنده. فكتب الحجاج إلى عبد الملك به أن أموال عبد الله بن الزبير عند أخيه عروة، فرُدَّه إليّ لاستخرجها منه. فقال عبد الملك لبعض حراسه: انطلق بعروة إلى الحجاج. فقال عروة: يا بني مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه. فتذمم عبد الملك، وخلَّى سبيل عروة. وكتب إلى الحجاج: إلْهُ عن عروة، فلن أسلطك عليه) (١). ذكر نحوًا منها: الفاكهي (٢) والفسوي (٣)، البلاذري (٤). • نقد النص: خبر عروة مع الحجاج جاء مسندًا عند الفاكهي وهو أصح وأوثق مما جاء به صاحب الكتاب، الذي جاء بالخبر وفيه نزعة تشيع، وهو تحريف قول عروة ابن الزبير السابق بقوله: (يا بني مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه)، وهذا من الطعن في حكم بني أمية.

стр. 416

حيث قال الفاكهي: (وحدّثني أبو زرعة (١)، عن عليّ بن عبد الله (٢) قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: "لمّا قتل الحجّاج عبد الله بن الزّبير ﵄ أخذ عروة بن الزّبير أموال ابن الزّبير فأودعها قومه، ثمّ لحق بعبد الملك، فلمّا انتهى إلى الباب قال للبوّاب: قل لأمير المؤمنين أبو عبد الله بالباب قال: من أبو عبد الله؟ قال: قل له أبو عبد الله فدخل الحاجب، فقال: إنّ رجلًا بالباب عليه ثياب السّفر يقول: أبو عبد الله بالباب قال: قلت له: من أبو عبد الله؟ قال: قل له: أبو عبد الله بالباب قال: ويحك ذاك عروة بن الزّبير، ائذن له قال: فأذن له فدخل، فقال: مرحبًا بأبي عبد الله حتّى أقعده معه على السّرير، ثمّ قال: ما فعل أبو خبيبٍ؟ قال: قُتِلَ يرحمه الله قال: فنزل عبد الملك عن السّرير فخرّ ساجدًا، ثمّ عاد إلى السّرير قال: وجاء رسولٌ من عند الحجّاج بكتابٍ يخبره فيه بقتل ابن الزّبير، وأنّ عروة أخذ الأموال فأودعها قومه ولحق بك، فأقرأه عبد الملك الكتاب، فغضب عروة وقال: "والله ما يدعون الرّجل أو يأخذ سيفه فيموت كريمًا ") (٣)، وزاد في رواية الفسوي موقف عبد الملك: (فلمّا رأى ذلك كتب إلى الحجّاج: أن أعرض عن ذلك) (٤). وأما عن الحجاج فقد حمل على عروة وأراد أن يأخذه فلم يجد طريقًا إلا اتهامه بحيازة الأموال، وهذه الأموال خاصة لورثة عبد الله بن الزبير ﵁ ولم

стр. 417

تكن من مال المسلمين وإلا لم يكن لعروة سبيل لحيازتها وهو من كبار الفقهاء في عصره، فهو بريء من هذا؛ ولذلك لم يحذر من مواجهة عبد الملك؛ لأنه يعرف أنه لا يتهمه بها. * أحداث سنة أربع وسبعين: [١٨٤]- (فأقام الحجاج بمكة حتى أقام للناس الحج، وأمر بالكعبة فنقضت، وأعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم) (١). ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٢)، والطبري (٣). جاء في الرواية رقم [١٥٢] أن عبد الله بن الزبير ﵁ أعاد بناء الكعبة، ثم جاء الحجاج وهدمها وأعاد بناءها على ما كانت عليه من قبل بأمر عبد الملك. وأصح ما جاء في ذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه: (فلمّا قُتِلَ ابن الزّبير كتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أنّ ابن الزّبير قد وضع البناء على أسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكّة، فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزّبير في شيءٍ، أمّا ما زاد في طوله فأقرّه، وأمّا ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسدّ الباب الّذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه) (٤). وبهذا هدم الحجاج الكعبة بأمر عبد الملك بن مروان وأعاد بناءها؛ لأنه ظن أن ما فعله عبد الله بن الزبير ﵁ بها كان من أمره ورأيه، ولم يعلم أنه اعتمد بذلك على ما رواه عن خالته عائشة ﵂ عن الرسول ﷺ .

стр. 418

وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه: (أنّ عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزّبير حيث يكذب على أمّ المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتّى أزيد فيه من الحجر، فإنّ قومك قصّروا في البناء»، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أمّ المؤمنين تحدّث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على ما بنى ابن الزّبير) (١). [١٨٥]- (وفي ذلك العام توفي عبد الله بن عمر، وله أربع وسبعون سنة، فدفن بذي طوى (٢) في مقبرة المهاجرين، وكان يكنى أبا عبد الرحمن. وفيها مات أبو سعيد الخدرى، واسمه سعد بن مالك. وفيها مات رافع بن خديج، وله ست وثمانون سنة، وكان يكنى أبا عبد الله) (٣). وقوله: وفيها أي سنة ثلاث وسبعين. اختلف في وفاة عبد الله بن عمر فقيل: في سنة ثلاث وسبعين وقيل: أربع وسبعين (٤). وقال ابن كثير: (قال الواقديّ وجماعةٌ: توفّي ابن عمر سنة أربعٍ وسبعين، وقال الزّبير بن بكّارٍ وآخرون: توفّي سنة ثلاثٍ وسبعين والأوّل أثبت، واللّه أعلم) (٥).

стр. 419

وتوفي أبو سعيد الخدري ﵁ بعد الحرة بسنة (١)، وقيل: أربع وسبعين (٢)، وهو المشهور. وأما رافع بن خديج (٣) قيل: إنه توفي سنة ثمانٍ وستين (٤)، وقيل: ثلاث وسبعين (٥) وقيل: أربع وسبعين (٦). [١٨٦]- (قالوا: وأمر عبد الملك بضرب الدراهم سنة ست وسبعين، ثم أمر بعد ذلك بضرب الدنانير، وهو أول من ضربهما في الإسلام، وإنما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم) (٧). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٨)، والبلاذري (٩) مطولًا، والطبري (١٠). وخبر سك النقود من قبل عبد الملك بن مروان، قد اختصره صاحب الكتاب. ولم تفصح كتب التاريخ عن سبب قيام عبد الملك بسك النقود،

стр. 420

ولا بد من وجود سبب دعاه لذلك، وقد ذكر هذا الحدث البلاذري في الفتوح مفصلًا وذكر السبب، فقال (قالوا: كانت القراطيس تدخل بلاد الروم من أرض مصر ويأتي العرب من قبل الروم الدنانير. فكان عبد الملك بن مروان أول من أحدث الكتاب الّذي يكتب فى رءوس الطوامير من ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١)، وغيرها من ذكر اللّه، فكتب إليه ملك الروم إنكم أحدثتم في قراطيسكم كتابًا نكرهه، فإن تركتموه وإلا أتاكم في الدنانير من ذكر نبيكم ما تكرهونه. قال: فكبر ذلك في صدر عبد الملك فكره أن يدع سنة حسنة سنها، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له: يا أبا هاشم إحدى بنات طبق (٢) وأخبره الخبر، فقال: افرخ روعك (٣) يا أمير المؤمنين، حَرِّمْ دنانيرهم فلا يتعامل بها، واضرب للناس سككًا (٤)، ولا تعف هؤلاء الكفرة مما كرهوا في الطوامير (٥). فقال عبد الملك: فرجتها عني فرَّج اللّه عنك، وضرب الدنانير) (٦). وقد اختُلِفَ في السنة التي ضرب فيها الدراهم وفي من ضربها ويبدو أنها على مراحل؛ حيث ذكر البلاذري: (أن عبد الملك أول من ضرب الذهب عام الجماعة سنة أربع وسبعين، قال أبو الحسن المدائني: ضرب الحجاج الدراهم آخر سنة خمس وسبعين، ثمّ أمر بضربها في جميع النواحي سنة ست

стр. 421

وسبعين) (١). [١٨٧]- (وفي تلك السنة (٢) مات جابر بن عبد الله، وله سبع وتسعون سنة) (٣). ذكر خليفة بن خياط (٤) أنه توفي سنة ثمانٍ وستين، وذكر البلاذري (٥) والطبري (٦) عن الواقدي أنه توفي سنة ثمانٍ وسبعين (٧)، وعمره أربع وتسعين وهو الأشهر. * * *

стр. 422

ثانيًا: فتنة عبد الرحمن بن الأشعث والقضاء عليها * فتنة عبد الرحمن بن الأشعث: [١٨٨]- (ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس على الحجاج. وكان سبب خروجه أنه دخل على الحجاج يومًا، فقال له الحجاج: إنك لمنظراني. قال عبد الرحمن: إي والله، ومخبراني. وقام عبد الرحمن، فخرج. فقال الحجاج لمن كان عنده: ما نظرت إلى هذا قط، إلا أشهيت أن أضرب عنقه. وكان عامر الشعبي حاضرًا. وإن عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبي، فقام عبد الرحمن إليه. فقال له: هل ذكرني الأمير بعد خروجي من عنده بشيء؟ فقال الشعبى: أعطني عهدًا وثيقًا ألا يسمعه منك أحد. فأعطاه ذلك، فأخبره بما كان الحجاج قال فيه. فقال عبد الرحمن: والله لأجهدن في قطع خيط رقبته. ثم إن عبد الرحمن دب في عُبَّاد أهل الكوفة وقرائهم، فقال: أيها الناس، ألا ترون هذا الجبار- يعني الحجاج-وما يصنع بالناس؟ ألا تغضبون لله؟ ألا ترون أن السنة قد أُميتت، والأحكام قد عُطلت، والمنكر قد أعلن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معي، فما يحل لكم السكوت. فلم يزل يدب في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعُبَّاد، وواعدهم يومًا يخرجون فيه، فخرجوا على بكرة أبيهم، واتبعهم الناس، فساروا حتى نزلوا الأهواز، ثم كتبوا إلى الحجاج (١) (٢): خلع الملوك وسار تحت لوائه … شجر العرى وعراعر الأقوام (١) (٢)

стр. 423

فأرسل الحجاج كتابه إلى عبد الملك بن مروان. فكتب عبد الملك في جوابه: وإني وإياهم كمن نَبَّه القطا … ولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى إخال صروف الدهر للحين منهم … ستحملهم مني على مركب وعر (١) (٢) ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٣) مختصرًا، والبلاذري (٤) والطبري (٥) مطولًا. نقد النص: في هذا الرواية خبر فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهي من الفتن الكبرى التي عصفت بالمسلمين، ومثلها كما سبق فتنة المختار والخوارج، وقد قُتِل فيها أعداد كبيرة من المسلمين، وهي من الأحداث التي لاقت عناية في المصادر، ولم تذكر هذه الرواية الخبر بما يستوفي حقه، فقد أغفلت سبب إرسال الحجاج لهذا الجيش بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وجعلت هذه الرواية أسباب خروج ابن الأشعث على الحجاج أسبابًا شخصية بحتة، ثم إننا نجد في هذه الرواية إقحامًا لذكر الشعبي، وأنه نَمَّ بين الحجاج وابن الأشعث، وهي لم تأت بطرقٍ (٦) صحيحة يمكن الاعتماد عليها،

стр. 424

وقد تكرر من بعضها ذكر الشعبي في فتنة المختار، وكأننا نلمس منها النكاية به، وأنه يدخل في سبب الفتن. وأما متنها ففيه تناقض وإلا فكيف يعطي الحجاج هذا الجيش لابن الأشعث وهو لم يثق بولائه ويريد التخلص منه. وقد عرض صاحب الكتاب بمجموعة من الفتن والمنكرات التي يدعي أن ابن الأشعث نقمها على الحجاج، وفيها مبالغة واضحة في حق ذلك القرن وأهله، وقد تكرر منه هذه الصياغة بقوله على لسان الحسين ﵁: (فإن السنة قد أُميتت)، وكأن سائر زمن بني أمية بهذه الأوصاف ولا شك أن هذا مِنْ تطريزِ الشيعة كما حكى ذلك ابن كثير (١). ومما ورد في أسباب هذه الفتنة: نأتي أولًا على السبب الذي جعل الحجاج يرسل قوة بهذا الحجم إلى سجستان ألا وهو ضياع أمر المسلمين في سجستان وهيمنة الترك على تلك البلاد وجرأتهم على المسلمين وذلك في ولاية عبيد الله بن أبي بكرة (٢) فقد منعه رتبيل زعيم الترك الإتاوة التي كان يؤديها للمسلمين، فعزم ابن أبي بكرة محاربته بعد أن كتب للحجاج بذلك، فقام بهذا الأمر ومعه قائد كان على أهل الكوفة وهو شريح بن هانئ (٣)، فحاربوا ملك الترك وأذلوه ثم إن شريح نهى ابن أبي بكرة من التوغل، فلم ينته فتوغل وكاد أن يهلك، وطلب الصلح مع

стр. 425

ملك الترك وصالحه، ثم هلك هو ومن معه جوعًا في تلك البلاد، ورفض شريح الصلح وحارب بمن معه ثم قُتِلَ، فأتى الحجاج خبرهم فبعث به إلى عبد الملك، فأمره أن يبعث على سجستان من يراه من المسلمين (١)، وذلك في سنة ثمانٍ وسبعين (٢). وذكر سببًا آخر وهو أن الحجاج بعث هميان بن عدي السدوسي (٣) إلى كرمان ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى مدد، فعصى هميان ومن معه فوجه الحجاج ابن الأشعث إليه وهزمه (٤)، وهذا السبب مستبعد وقد ساقه الطبري ممرَّضًا. * حجم الجيش وعتاده: أولى الحجاج هذا الجيش عناية فائقة وجعله مؤهلًا لملاقاة عدو كبير فأخذ يستعد، فانتخب من الكوفة اثني عشر ألفًا ويقال عشرة آلاف ومن البصرة مثلهم، وسموا ذلك الجيش بالطواويس ويقال: إن الناس سموهم بذلك لتكامل أهبتهم وعدتهم ونبلهم وشجاعتهم (٥). وقد روي أن عددهم أربعون ألفًا من البصرة والكوفة، وأن الحجاج بسط العطاء لهم كاملًا، وأخذهم بالخيول الروائع، والسلاح الكامل (٦).
следующие страницы →