стр. 421
← История следующие страницы →
История · id 926
الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري
عبد العزيز بن عبد الله البريدي
Полный текст (620 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 422
ثانيًا: فتنة عبد الرحمن بن الأشعث والقضاء عليها
* فتنة عبد الرحمن بن الأشعث:
[١٨٨]- (ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس على الحجاج. وكان سبب خروجه أنه دخل على الحجاج يومًا، فقال له الحجاج: إنك لمنظراني. قال عبد الرحمن: إي والله، ومخبراني. وقام عبد الرحمن، فخرج. فقال الحجاج لمن كان عنده: ما نظرت إلى هذا قط، إلا أشهيت أن أضرب عنقه. وكان عامر الشعبي حاضرًا.
وإن عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبي، فقام عبد الرحمن إليه. فقال له: هل ذكرني الأمير بعد خروجي من عنده بشيء؟ فقال الشعبى: أعطني عهدًا وثيقًا ألا يسمعه منك أحد. فأعطاه ذلك، فأخبره بما كان الحجاج قال فيه. فقال عبد الرحمن: والله لأجهدن في قطع خيط رقبته. ثم إن عبد الرحمن دب في عُبَّاد أهل الكوفة وقرائهم، فقال: أيها الناس، ألا ترون هذا الجبار- يعني الحجاج-وما يصنع بالناس؟ ألا تغضبون لله؟ ألا ترون أن السنة قد أُميتت، والأحكام قد عُطلت، والمنكر قد أعلن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معي، فما يحل لكم السكوت. فلم يزل يدب في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعُبَّاد، وواعدهم يومًا يخرجون فيه، فخرجوا على بكرة أبيهم، واتبعهم الناس، فساروا حتى نزلوا الأهواز، ثم كتبوا إلى الحجاج (١) (٢):
خلع الملوك وسار تحت لوائه … شجر العرى وعراعر الأقوام (١) (٢)
стр. 423
فأرسل الحجاج كتابه إلى عبد الملك بن مروان.
فكتب عبد الملك في جوابه:
وإني وإياهم كمن نَبَّه القطا … ولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى
إخال صروف الدهر للحين منهم … ستحملهم مني على مركب وعر (١) (٢)
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٣) مختصرًا، والبلاذري (٤) والطبري (٥) مطولًا.
نقد النص:
في هذا الرواية خبر فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهي من الفتن الكبرى التي عصفت بالمسلمين، ومثلها كما سبق فتنة المختار والخوارج، وقد قُتِل فيها أعداد كبيرة من المسلمين، وهي من الأحداث التي لاقت عناية في المصادر، ولم تذكر هذه الرواية الخبر بما يستوفي حقه، فقد أغفلت سبب إرسال الحجاج لهذا الجيش بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وجعلت هذه الرواية أسباب خروج ابن الأشعث على الحجاج أسبابًا شخصية بحتة، ثم إننا نجد في هذه الرواية إقحامًا لذكر الشعبي، وأنه نَمَّ بين الحجاج وابن الأشعث، وهي لم تأت بطرقٍ (٦) صحيحة يمكن الاعتماد عليها،
стр. 424
وقد تكرر من بعضها ذكر الشعبي في فتنة المختار، وكأننا نلمس منها النكاية به، وأنه يدخل في سبب الفتن.
وأما متنها ففيه تناقض وإلا فكيف يعطي الحجاج هذا الجيش لابن الأشعث وهو لم يثق بولائه ويريد التخلص منه.
وقد عرض صاحب الكتاب بمجموعة من الفتن والمنكرات التي يدعي أن ابن الأشعث نقمها على الحجاج، وفيها مبالغة واضحة في حق ذلك القرن وأهله، وقد تكرر منه هذه الصياغة بقوله على لسان الحسين ﵁: (فإن السنة قد أُميتت)، وكأن سائر زمن بني أمية بهذه الأوصاف ولا شك أن هذا مِنْ تطريزِ الشيعة كما حكى ذلك ابن كثير (١).
ومما ورد في أسباب هذه الفتنة:
نأتي أولًا على السبب الذي جعل الحجاج يرسل قوة بهذا الحجم إلى سجستان ألا وهو ضياع أمر المسلمين في سجستان وهيمنة الترك على تلك البلاد وجرأتهم على المسلمين وذلك في ولاية عبيد الله بن أبي بكرة (٢) فقد منعه رتبيل زعيم الترك الإتاوة التي كان يؤديها للمسلمين، فعزم ابن أبي بكرة محاربته بعد أن كتب للحجاج بذلك، فقام بهذا الأمر ومعه قائد كان على أهل الكوفة وهو شريح بن هانئ (٣)، فحاربوا ملك الترك وأذلوه ثم إن شريح نهى
ابن أبي بكرة من التوغل، فلم ينته فتوغل وكاد أن يهلك، وطلب الصلح مع
стр. 425
ملك الترك وصالحه، ثم هلك هو ومن معه جوعًا في تلك البلاد، ورفض شريح الصلح وحارب بمن معه ثم قُتِلَ، فأتى الحجاج خبرهم فبعث به إلى عبد الملك، فأمره أن يبعث على سجستان من يراه من المسلمين (١)، وذلك في سنة ثمانٍ وسبعين (٢).
وذكر سببًا آخر وهو أن الحجاج بعث هميان بن عدي السدوسي (٣) إلى كرمان ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى مدد، فعصى هميان ومن معه فوجه الحجاج ابن الأشعث إليه وهزمه (٤)، وهذا السبب مستبعد وقد ساقه الطبري ممرَّضًا.
* حجم الجيش وعتاده:
أولى الحجاج هذا الجيش عناية فائقة وجعله مؤهلًا لملاقاة عدو كبير فأخذ يستعد، فانتخب من الكوفة اثني عشر ألفًا ويقال عشرة آلاف ومن البصرة مثلهم، وسموا ذلك الجيش بالطواويس ويقال: إن الناس سموهم بذلك لتكامل أهبتهم وعدتهم ونبلهم وشجاعتهم (٥).
وقد روي أن عددهم أربعون ألفًا من البصرة والكوفة، وأن الحجاج بسط العطاء لهم كاملًا، وأخذهم بالخيول الروائع، والسلاح الكامل (٦).
стр. 426
نتائج الحملة وأسباب تمرد ابن الأشعث ومن معه على الحجاج:
١ - لم تكن نتائج الحملة بمعزل عن أسباب الخروج على الحجاج وخلعه، فقد اعتذر رتبيل لابن الأشعث عما أصاب المسلمين من قبل على يدي جنوده وسأله الموادعة، ولكنه رفض وأصرَّ على محاربته، فسار في أرضه وضم إليه ما ترك له رتبيل من الحصون والقلاع وجعل عليها عاملًا من قبله، وحوى كثيرًا من الغنائم، ثم توقف معللًا ذلك بأن المسلمين يجب أن يتعرفوا على الأرض بعد المكوث بها عامًا من الزمن، ثم يعاودوا المسير إليهم ويؤخرون ما قدر لهم، ثم يستمرون على ذلك الأعوام القادمة حتى يقضوا عليهم، وكتب إلى الحجاج بذلك (١).
فكتب الحجاج لابن الأشعث كتابًا يسَفِّه رأيه ويضعفه في عدم التوغل، وهو يريد الأخذ بثأر المسلمين الذين قتلهم رتبيل من قبل، فأمره بالتقدم لحربهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، وهدده بعزله وتولية أخيه بدلًا منه، فقام ابن الأشعث بالناس خطيبًا وبيَّن خطر التوغل، وأنه اختار هذا الرأي بعد مشورة أصحاب الرأي ممن كان معه، وبين لهم رأي الحجاج في التوغل، وحذرهم من مغبة ذلك لكي لا يصيبهم ما أصاب إخوانهم من قبل، فوافقه الناس على ذلك، ثم خلعوا الحجاج وبايعوا له (٢).
ونجد في هذا الخبر سببًا واقعيًّا لقيام ابن الأشعث ومن معه بالخروج، وليس كما عرض صاحب الكتاب من ذكر كلام الحجاج عن ابن الأشعث ورأيه فيه، والذي جعله سببًا في انتقام ابن الأشعث.
стр. 427
[١٨٩]- (قالوا: وأهديت لعبد الملك في ذلك اليوم جارية إفريقية، أهداها إليه موسى بن نصير (١)، عامله على أرض المغرب، وكانت من أجمل نساء دهرها، فباتت عنده تلك الليلة، فلم ينل منها شيئًا أكثر من أن غمز كفها، وقال لها: إن دونك أمنية المتمني، قالت: فما يمنعك؟ قال: يمنعني بيت مُدِحنا به، وهو:
قوم إذا حاربوا شدُّوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت بأطهار (٢)
فزعموا أنه مكث سبعة أشهر لا يقرب امرأة حتى أتاه قتل عبد الرحمن ابن محمد) (٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٤) مختصرًا، والمبرد (٥) مطولًا، والجارية من عامله في اليمن.
• نقد النص:
هذه الرواية لم ترد بسند يمكن الاعتماد عليه وفي آخرها استخدم صاحب الكتاب أسلوبا قل ما ستخدمه في كتابه وذلك في تمريضه بقوله "فزعموا" ولا أدري لماذا؟ هل يعتقد أن كل ما يكتبه صحيح؟
стр. 428
[١٩٠]- (ثم إن الحجاج بعث أيوب ابن القرية (١) إلى عبد الرحمن
ابن محمد، وقال: انطلق، فادفعه إلى الطاعة، وله الأمان على ما سلف من
ذنبه. فانطلق إليه ابن القرية، فدعاه، فأبلغ في الدعاء، فقال له عبد الرحمن: ويحك يا ابن القرية، أيحل لك طاعته مع ارتكابه العظائم، واستحلاله المحارم؟! اتق الله يا ابن القرية، ووال عباد الله في البرية. ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه، وأقام مع عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: إني أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابًا مسجعًا، أُعَرِّفه فيه سوء فعاله، وأبصره قبح سريرته، فَأمْلِه عليّ، فقال أيوب: إن الحجاج يعرف ألفاظي، قال: وما عليك، إني لأرجو أن نقتله عن قريب، فَأَمْلَى عليه، فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد، إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل طاعة الله، الذين يحكمون بما أنزل الله، ولا يسفكون دمًا حرامًا، ولا يعطلون لله أحكامًا، فإني أحمد الله الذي بعثني لمنازلتك، وقواني على محاربتك حين تهتكت ستورك، وتحيرت أمورك، فأصبحت حيران تائهًا، لهفان لا تعرف حقًّا، ولا تلائم صدقًا، ولا ترتق فتقًا (٢)، ولا تفتق رتقًا، وطالما تطاولت فيما تناولت، فصرت في الغي مذبذبًا، وعلى الشرارة مركبًا، فَتَدَبَّرْ أمرك، وقِسْ شبرك بفترك (٣)، فإنك مراق عراق، ومعك عصابة فساق، جعلوك مثالهم، كحذوهم نعالهم، فاستعد للأبطال بالسيوف والعوال، فستذوق وبال أمرك، ويرجع عليك غيك، والسلام.
стр. 429
فلما قرأ الحجاج الكتاب عرف ألفاظ ابن القرية، وعلم أنه من إملائه، فكتب إلى عبد الرحمن في جوابه.
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، سلام على أهل التورع لا التبدع، فإني أحمد الله الذي حيرك بعد البصيرة، فمرقت عن الطاعة، وخرجت عن الجماعة، فعسكرت في الكفر، وذهلت عن الشكر، فلا تحمد الله في سراء، ولا تصبر لأمره في ضراء، قد أتاني كتابك بلفظات فاجر، فاسق غادر، وسيمكن الله منه، ويهتك سُتُورَه، أما بعد فهلم إلى فعل وفعال، ومعانقة الأبطال بالبيض والعوال، فإن ذلك أحرى بك من قيل وقال، والسّلام على من اتّبع الهدى، وخشي الله، واتقى) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن منظور (٢) مختصرًا.
* حرب ابن الأشعث مع الحجاج:
[١٩١]- (وإن عبد الملك وجه إلى الحجاج عشرة آلاف رجل من فرسان أهل الشام لمحاربة عبد الرحمن بن محمد.
فلما قدموا عليه تجهز، وسار نحو عبد الرحمن، فالتقوا بالأهواز، فاقتتلوا، فانهزم عبد الرحمن، ومضى على وجهه، فمر على رجل من أصحابه مسلوب حافٍ، يمشى ويعثر. فأنشأ عبد الرحمن يقول:
منخرق الخفين يشكو الوجى (٣) … تنكئه (٤) أطراف مرو حداد
стр. 430
أخرجه الخذلان عن أرضه … كذلك من يكره حر الجلاد
إن كان في الموت له راحة … فالموت حتم في رقاب العباد (١)
فقال الرجل: فهلا ثبت، فنقاتل معك. فقال له عبد الرحمن: أو بمثلك تسد الثغور؟!) (٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٣)، والبلاذري (٤) والطبري (٥) مطولًا.
استمرت الحرب بين ابن الأشعث والحجاج طويلًا، وكان من وقائعهم يوم تستر هزم فيه الحجاج، سنة إحدى وثمانين (٦).
ومن أيامهم أيضًا يوم الزاوية بالبصرة سنة اثنتين وثمانين (٧)، وقيل: سنة ثلاث وثمانين (٨).
ثم التقوا بدير الجماجم، وقد انضم إلى ابن الأشعث كثيرًا من القراء والصالحين لبغضهم الحجاج وسياسته، وبلغ عدد جنده مائة ألف، واجتمع رءوس أهل الشام أن يصلحوا ما فسد من أمر العراق، فطلبوا من عبد الملك أن يعزل الحجاج طلبًا لرضا أهل العراق وحقن دمائهم، وأن يعطي ابن الأشعث ولاية يتولاها ما دام حيًّا، فوافق على ذلك وبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك (٩)
стр. 431
وأخاه محمد بن مروان (١) إلى العراق فعرضا على ابن الأشعث ومن معه الأمر، فكاد ابن الأشعث أن يوافق على ذلك فخطبهم وطمعهم بالأمر، ولكنهم أعجبوا بكثرتهم ورفضوا الطلب، فخلعوه ثانية وكانت أكثر من الأولى، فرد الأمر إلى الحجاج، فبدأ بقتالهم وكان للقراء كتيبة لها وقع عظيم في الحجاج ومن معه (٢).
وكان للعلماء في جيش ابن الأشعث أثر عظيم في دفع الناس وتشجيعهم ومن هؤلاء الشعبي وعبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه (٣)، وأبو البختري الطائي (٤)، وكان لأصحاب ابن الأشعث ضروبًا من الشجاعة والصبر، ولكنهم هزموا في هذه المعركة سنة ثلاث وثمانين (٥).
وآخر هذه الوقائع وقعة مسكن، والتي انهزم فيه ابن الأشعث وخرج بمن
стр. 432
بقي معه إلى رتبيل فأمنه وأكرمه (١).
* نهاية ابن الأشعث:
[١٩٢]- (ومضى عبد الرحمن حتى استجار بملك الأتراك، فأقام عنده.
فكتب عبد الملك إلى ملك الأتراك، يخبره بشقاق عبد الرحمن، وخلعه الطاعة، وخروجه عليه، ويسأله أن يرده عليه. فقال ملك الأتراك لطراخنته (٢): إن ابن الأشعث هذا رجل مخالف للملوك، فلا ينبغي لي أن آويه، بل أبعث به إلى ملكه، فيتولى من أمره ما أحب.
فوجَّه به مع مائة رجل من ثقاته، فأنزلوه في طريقه قصرًا في قرية، فرقى إلى ظهر القصر، ورمى بنفسه من السور، فمات) (٣).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٤) مختصرًا، والبلاذري (٥) والطبري (٦) مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب: "أن ابن الأشعث عندما بعثه رتبيل إلى الحجاج قذف نفسه من أعلى قصر فمات، وهذا الخبر مشهور لكن لم أقف على من أورده بسند صحيح (٧)، وهو خبر منكر، فابن الأشعث لم يكن سيئ العقيدة
стр. 433
متجردًا من دينه حتى يقتل نفسه بهذه الطريقة المخزية. وقد اختُلِف في سبب موته ومن ذلك:
- أنه في سنة خمس وثمانين طلب الحجاج من رتبيل أن يبعث إليه بعبد الرحمن بن الأشعث، فقيده ومن معه من أهل بيته وبعث به إلى الحجاج فمات في الطريق (١).
- أن السُّل أصابه فمات، فبعث رتبيل إليه فحَزَّ رأسه وبعث به إلى الحجاج (٢).
- أنه مات حتف أنفه، ويقال: دُسَّ له شَربة سم فمات منها (٣).
* آثار فتنة ابن الأشعث ونتائجها:
لم تكن هذه الفتنة كأي فتنة سبقتها بل كانت عظيمة، اشترك فيها أكثر أطياف المجتمع المسلم في ذلك العصر، فعظم فيها الخطب وسفكت فيها كثير من الدماء المعصومة، وأصبح الناس إما الحجاج وإما ابن الأشعث، فلما هزم ابن الأشعث تبجَّح الحجاج في أخذ المشاركين معه ونكَّل بهم.
ويشترك مع الحجاج في سفك هذه الدماء عبد الملك بن مروان لتسليطه الحجاج على الناس وهو يعلم قسوته، ثم إن ابن الأشعث ليس بمعزل عن ذلك فهو القائد المؤتمن على من تحت يديه من الجند، فقد غَرَّر بهم وحثهم على الخروج فسفكت دماؤهم بسببه.
стр. 434
فلو عمل ابن الأشعث على نقل مظالم الحجاج لأهل العراق بطرق سلمية؛ لكان ذلك أجدر من حمل السلاح ومقارعة الحكام بالقوة؛ لأن عبد الملك لم يكن ليفرط بالعراق بسبب الحجاج، ودليل ذلك ما هم به من عزله لما رأى جد أهل العراق في ذلك، لكنه تأخر كثيرًا حتى سفكت الدماء وهاجت الفتنة بينهم.
وقد كان الحسن البصري يَنْهَى عن قتال الحجاج، وكان رأيه في ذلك لما سأله نفر ممن يريد قتال الحجاج فقال الحسن: «أرى ألا تقاتلوه؛ فإنّها إن تكن عقوبةً من اللّه فما أنتم برادّي عقوبة اللّه بأسيافكم، وإن يكن بلاءً فاصبروا حتّى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين» قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟ قال: وهم قومٌ عربٌ، قال: وخرجوا مع ابن الأشعث قال: «فقتلوا جميعًا» (١).
* * *
стр. 435
ثالثًا: أخبار الحجاج، ووفاة عبد الملك بن مروان:
* أيوب ابن القرية والحجاج:
[١٩٣]- (وإن أيوب ابن القرية أُسر فيمن أُسر من أصحاب عبد الرحمن، فادخل به على الحجاج، فلما أدخل عليه، قال له: يا عدو الله، بعثتك رسولًا إلى عبد الرحمن، فتركت ما بعثت له، وصرت وزيرًا ومشيرًا، تصدر له الكتب، وتسجع له الكلام، وتدبر له الأمور، فقال ابن القرية: أصلح الله الأمير، كان شيطانًا في مسك إنسان، استمالني بسحره، وخلبني بلفظه، فكان اللسان ينطق بغير ما في القلب.
قال الحجاج: كذبت يا ابن اللخناء، بل كان قلبك منافقًا، ولسانك مدامجًا، فكتمت أمرًا أظهره الله، وأطعت فاسقًا خذله الله، فما بقي من نعتك؟ قال ابن القرية: ذهني جديد، وجوابي عتيد.
قال: كيف علمك بالأرض؟
قال: ليسألني الأمير عما أحب.
قال: أخبرني عن الهند. قال: بحرها در، وجبلها ياقوت، وشجرها عطر.
قال: فأخبرني عن مكران. قال: ماؤها وشل (١)، وتمرها دقل (٢)، وسهلها جبل، ولصها بطل، إن كثر الجيش بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا.
قال: فخراسان. قال: ماؤها جامد، وعدوها جاهد، بأسهم شديد، وشرهم عتيد، وخيرهم بعيد.
قال: فاليمن. قال: أرض العرب، ومعدن الذهب.
стр. 436
قال: فعمان. قال: حرها شديد، وصيدها موجود، وأهلها عبيد. قال: فالبحرين. قال: كناسة بين مصرين، وجنة بين بحرين.
قال: فمكة. قال: قوم ذوو جفاء، ومن سجيتهم الوفاء.
قال: فالمدينة. قال: ذوو لطف وبر، وخير وشر.
قال: فالبصرة. قال: حرها فادح، وماؤها مالح، وفيضها سائح.
قال: فالكوفة. قال: جنة بين حماة وكنة، العراق تحشد لها، والشام يدر عليها، سفلت عن برد الشام، وارتفعت عن حر الحجاز.
قال: فالشام. قال: تلك عروس بين نسوة جلوس، تجلب إليها الأموال، وفيها الضراغمة الأبطال.
قال له الحجاج: ثكلتك أمك، أنت المصدر الكتب لابن الأشعث، ألم تعلم أني لا أصاحب على الشقاق، ولا أجامع على النفاق؟
قال ابن القرية: استبقني أيها الأمير.
قال: لماذا؟ قال: لنبوة بعد هفوة.
قال الحجاج: لا، بل لغدرة بعد نكثه، يا غلام، ناولني الحربة.
وقد أمسك ابن القرية أربعة رجال فلا يستطيع تحريكًا، وهز الحجاج الحربه ثلاثًا. فقال ابن القرية: اسمع مني ثلاث كلمات، تكن بعدي مثلًا.
قال: هات. قال: لكل جواد كبوة، ولكل حليم هفوة، ولكل شجاع نبوة.
فوضع الحجاج الحربة في ثندوة ابن القرية، ودفعها حتى خالطت جوفه، ثم خضخضها، وأخرجها، فأتبعها دم أسود.
فقال الحجاج: هكذا تشخب (١) أوداج (٢) الإبل، وفحص ابن القرية
стр. 437
برجليه وشخص بصره، وجعل الحجاج ينظر إليه حتى قضى، فحمل في النِّطْع.
فقال الحجاج: لله درك يا ابن القرية، أي أدب فقدنا منك، وأي كلام رصين سمعنا منك) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) والطبري (٣) مختصرًا، وفي خبره أنه استأذن الحجاج أن يكلمه فلم يأذن له وقتله، فندم على ذلك.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب ذكر قصة ابن القرية مع الحجاج وأنه قد خلعه بعدما أقنعه ابن الأشعث بذلك وبين له سوء الحجاج، وأنه سحره بلسان، وهذا سبب لا يحتمل قبوله؛ لأن ابن القرية ينعم بقرب الحجاج ولن يسمع فيه أحد، وهو ممن لا يخفى عليه القول لِمَا يتمتع به من البلاغة والفصاحة.
وقد روي سببًا آخر أقرب مما سبق وهو أنه أجبر على خلعه، بعدما هدده ابن الأشعث بالقتل إن لم يفعل (٤).
ثم إن صاحب الكتاب ختم الرواية بوصف دقيق لصفة القتل، لا أجد من تابعه عليه، ولعله زادها نكاية بالحجاج.
ومن ذلك أيضًا هذه الرواية التالية.
* أنس بن مالك ﵁ مع الحجاج:
[١٩٤]- (ودخل بعد ذلك أنس بن مالك. فقال له الحجاج: هيه يا أنس، يومًا مع المختار، ويوما مع ابن الأشعث، جوَّال في الفتن، والله لقد هممت
стр. 438
أن أطحنك طحن الرحى بالثفال (١)، وأجعلك غرضًا للنِّبال.
قال أنس: من يعني الأمير؟ أصلحه الله.
قال: إياك أعنى، أسك الله سمعك.
فانصرف أنس إلى منزله، وكتب من ساعته إلى عبد الملك بن مروان:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد، فإن الحجاج قال لي نكرًا، وأسمعني هجرًا، ولم أكن لذلك أهلًا، فخذ على يديه، وأعدني عليه، والسلام.
فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبًا، ثم كتب إليه: هيه يا ابن يوسف، أردت أن تعلم رأي أمير المؤمنين في أنس، فإن سوغك مضيت قدمًا، وإن لم يسوغك رجعت القهقرى، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، أنسيت مكاسب آبائك بالطائف في حفر الآبار، وسد السكور، وحمل الصخور على الظهور؟ أَبَلَغ من جرأتك على أمير المؤمنين أن تعنت بأنس بن مالك، خادم رسول الله ﷺ ست سنين، يطلعه على سره، ويفشى إليه الأخبار التي كانت تأتيه عن ربه؟ فإذا أتاك كتابي هذا فامش إليه على قدميك حتى تأخذ كتابه إليَّ بالرضا، والسلام.
فلما وصل كتاب عبد الملك إلى الحجاج قال لمن حوله من أصحابه: قوموا بنا إلى أبي حمزة فقام ماشيًا، ومضى معه أصحابه حتى أتى أنسًا، فأقرأه كتاب عبد الملك إليه، فقال أنس: جزى الله أمير المؤمنين خيرًا، كذلك كان رجائي فيه، قال له الحجاج: فإن لك العُتْبى، وأنا صائر إلى مسرتك، فاكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا، فكتب إليه أنس بالرضا عنه، ودفعه إلى الحجاج، فأنفذه
стр. 439
الحجاج على البريد إلى عبد الملك) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري مطولًا (٢)، والطبراني (٣) بمثله مختصرًا، والنهرواني (٤) بمثله.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن الحجاج أساء إلى أنس بن مالك واتهمه بموالاة ابن الأشعث والوقوف معه، ولم أقف على من أورد ذلك بسند صحيح (٥).
ولم يذكر عن أنس ﵁ أنه دخل مع الناس في فتنة ابن الأشعث، بل رُوِيَ عنه ما يخالف ذلك فقد أخرج البخاري في صحيحه عن الزبير بن عدي (٦) قال: (أتينا أنس بن مالكٍ، فشكونا إليه ما نلقى من الحجّاج، فقال: «اصبروا، فإنّه
لا يأتي عليكم زمانٌ إلّا الّذي بعده شرٌّ منه، حتّى تلقوا ربّكم» سمعته من
نبيّكم ﷺ (٧).
стр. 440
فبهذا الخبر الصحيح نرى أن أنسًا ﵁ يأمر الناس بالصبر على الحجاج، فكيف يخرج عليه وهو يأمر بالصبر عليه.
* وفاة عبد الملك بن مروان:
[١٩٥]- (قالوا: ولما حضرت عبد الملك الوفاة، وذلك في سنة ست وثمانين أخذ البيعة لابنه الوليد، وكان ولده: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ومسلمة، ومحمد.
ثم قال للوليد: يا وليد، لا ألفينك إذا وضعتني في حفرتي أن تعصر عينيك كالأمة الورهاء (١) بل ائتزر وشمر، والبس جلد النمر، وادع الناس إلى البيعة ثانيًا، فمن قال برأسه كذا، فقل بالسيف كذا، ووعك وعكًا شديدًا. فلما أصبح جاء الوليد، فقام بباب المجلس، وهو غاص بالنساء، فقال: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ قيل له: يرجى له العافية، وسمع عبد الملك ذلك، فقال:
وكم سائل عنا يريد لنا الردى … وكم سائلات والدموع ذوارف
ثم أمر بالنساء، فخرجن، وأذن لبني أمية فدخلوا عليه وفيهم خالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فقال لهما: يا بني يزيد، أتحبان أن أقيلكما بيعة الوليد؟ قالا: معاذ الله، يا أمير المؤمنين. قال: لو قلتما غير ذلك لأمرت بقتلكما على حالتي هذه، ثم خرجوا عنه، واشتد وجعه، فتمثل ببيت أمية بن أبي الصلت:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال أرعى الوعولا (٢)
стр. 441
فلم يُمْسِ يومه ذلك حتى قضى) (١).
ذكر نحوًا منها: النهرواني (٢).
• نقد النص:
جاء في هذه الرواية أن عبد الملك بايع لابنه الوليد لما حضرت الوفاة، وقد وهم صاحب الكتاب في ذلك، والصحيح أنه بايع لابنيه الوليد وسليمان قبل وفاته، وذلك بعد وفاة أخيه عبدالعزير بن مروان (٣) في سنة أربع وثمانين (٤).
لأن البيعة كانت لأخيه عبد العزيز بن مروان وأراد عبد الملك أن يجعلها لابنه فرفض عبد العزيز ثم توفي، فتمكن عبد الملك مما أراده فبايع لأبنائه الوليد ثم سليمان (٥).
وفيها وصية عبد الملك لابنه الوليد يأمره أن يأخذ البيعة من الناس بالقوة، وأن يقتل كل من خالفه، وفيها أيضًا التعرض لأبناء يزيد لمعرفة رأيهما في البيعة، وكل ذلك لم يرد بسند صحيح (٦).
стр. 442
وأما عن علاقة عبد الملك بأبناء يزيد فهي حسنة تنفي ما جاء في هذا الخبر من امتحان بيعتهما من قبل عبد الملك، ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن عبد الملك أنه كان يستشير خالد بن يزيد (١) ومعنى ذلك أنه يثق به ويقربه.
وقد انفرد صاحب الكتاب في اتهام عبد الملك ابنه الوليد بالفرح لموته، وتمثله بالبيت السابق، وهذا يرد عليه أن هذا الخبر حمل في طياته جملة من المخالفات وهذا منها.
ومن وصايا عبد الملك، والتي يظهر فيها حكمته وتدينه:
- (أوصى عبد الملك بنيه في مرضه الذي مات فيه فقال: أوصيكم بتقوى اللّه فإنها أزين حلية، وأحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الّذي عنه تفترون، ومجنكم الّذي عنه ترمون، وأكرموا الحجاج فإنه الّذي وطأ لكم المنابر، ودوَّخ لكم البلاد، وأذلّ الأعداء، وكونوا بني أم بررة لا تدب بينكم العقارب، وكونوا في الحرب أحرارًا، فإن القتال لا يُقرب منية قبل وقتها، وكونوا للمعروف منازل، فإن المعروف شيء يبقى آخره وذخره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب، فإنهم أصون له، وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتغمدوا ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا) (٢).
- وما وصى به أخاه عبد العزيز في ولاية على مصر بقوله: (قال له: انظر ما أوصيك به فاجعله لك إمامًا: أبسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور فهو أبلغ بك، وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفنّ أحد ببابك إلا أعلمك مكانه؛ لتكون أنت الّذي تأذن له أو ترده،
стр. 443
وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك بالكلام يأنسون بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك أمر مُشْكَلٌ فاستظهر عليه بالمشاورة، فإنها تفتح مغاليق الأمور المبهمة، واعلم أن لك نصف الرأي، ولأخيك نصفه، ولن يهلك امرؤ عن مشورة، وإذا سخطت على أحد فأخِّرْ عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف عنها أقدر منك على ردها بعد إمضائها) (١).
- (وقال عبد الملك بن مروان لابنه الوليد وكان ولي عهده: يا بنيّ، اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعية أو تملكه إلا حرفان: حزم وتوان) (٢).
- (أوصى عبد الملك ولده، وأهل بيته، فقال: يا بني مروان ابذلوا معروفكم، وكفوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم ولا تبخلوا إذا سُئلتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، فإنه مَنْ ضَيَّقَ ضُيِّقَ عليه، ومن وَسَّعَ وُسِّعَ عليه) (٣).
وقد ذكر في كتاب وصايا العلماء عن حضور الموت أن عبد الملك لما أحس بالموت قال: "ارفعوني على شرفٍ، ففعل ذلك، فتنسّم الرّوح ثمّ قال: يا دنيا ما أطيبك، إنّ طويلك لقصيرٌ، وإنّ كثيرك لحقيرٌ، وإن كنّا منك لفي غرورٍ، وتمثّل بهذين البيتين:
إن تناقش يكن نقاشك يا ربّ … عذابًا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت ربٌّ صفوحٌ … عن مسيءٍ ذنوبه كالتّراب" (٤)
[١٩٦]- (وكان سلطانه إحدى وعشرين سنة وستة أشهر، وكان له يوم
стр. 444
مات ثمانٍ وخمسون سنة، من ذلك سبع سنين، كان فيها محاربًا لعبد الله بن الزبير، ثم صفا له الْمُلك بعد قتله ابن الزبير ثلاث عشرة سنة ونصفًا) (١).
ذكر ابن سعد بسنده فقال: (مات عبد الملك بن مروان بدمشق يوم الخميس للنّصف من شوّالٍ سنة ستٍّ وثمانين، وله ستّون سنةً، فكانت ولايته من يوم بويع إلى يوم توفّي إحدى وعشرين سنةً وشهرًا ونصفًا، وكان تسع سنين منها يقاتل فيها عبد الله بن الزّبير ويسلّم عليه بالخلافة بالشّام ثمّ بالعراق بعد مقتل مصعبٍ، وبقي بعد مقتل عبد الله بن الزّبير واجتماع النّاس عليه ثلاث عشرة سنةً وأربعة أشهرٍ إلّا سبع ليالٍ، وقد روي لنا أنّه مات وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنةً، والأوّل أثبت وهو على مولده سواءٌ) (٢).
وذكر الخطيب البغدادي بسنده فقال: (كان موت عبد الملك لانسلاخ شوال، وقال آخرون: للنصف من شوال سنة ست وثمانين، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ومنهم من قال ابن إحدى وستين سنة، وهذا أثبت عندنا، فكانت خلافته من مقتل ابن الزبير إلى أن توفي ثلاث عشرة سنة، وأربعة أشهر، وثماني وعشرين ليلة، وصلى عليه ابنه الوليد بن عبد الملك) (٣).
والمشهور من وفاة عبد الملك في شوال سنة ست وثمانين (٤).
ونجد أنهم اتفقوا على سنة وفاته، ومدة خلافة، واختلفوا في عمره؛ لأنه لا يوجد شيء ثابت عن سنة ولادته، فسلطانه تسع سنين من خمس وستين إلى ثلاث وسبعين، وأما خلافته فكانت حينما اجتمع عليه الناس بعد مقتل
стр. 445
عبد الله بن الزبير ﵁ من سنة ثلاث وسبعين إلى ست وثمانين، فهذه ثلاث عشرة سنة، والمجموع إحدى وعشرين سنة.
* * *
стр. 446
رابعًا: أحداث في خلافة الوليد بن عبد الملك:
* ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة:
[١٩٧]- (ولما انصرف الوليد من قبل أبيه قصد المسجد الأعظم، واجتمع إليه الناس، فبايعوه، وعقد لعمر بن عبد العزيز بن مروان على الحرمين.
فنزل المدينة، فدعا بعشرة نفر من أفاضل أهلها، منهم عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة (١)، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٢)، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة (٣)، وسليمان بن يسار (٤)، والقاسم بن محمد (٥)، وسالم بن عبد الله (٦)، فاجتمعوا، فدخلوا عليه، فقال: اعلموا أنني لست أقطع
стр. 447
أمرًا إلا برأيكم ومشورتكم، فأشيروا علي. قالوا: نفعل أيها الأمير، جزيت على ما تنوي خير ما جزى مؤثر لمرضاة ربه، ثم خرجوا) (١).
ذكر نحوًا منها الطبري (٢)، وزاد عنده عبد الله بن عبد الله بن عمرو (٣) وعبدالله بن عامر بن ربيعة (٤) وخارجة بن زيد (٥).
• نقد النص:
يُفْهَمُ من هذه الرواية أن الوليد بعث عمر بن عبدالعزيز واليًا على المدينة فور توليه الخلافة، وهذا فيه مخالفة لما ورد في تاريخ ذلك.
فقد ذكر خليفة بن خياط أن عمر بن عبد العزير ولي المدينة للوليد في سنة سبع وثمانين أو في أو آخر سنة ست وثمانين، إلى سنة ثلاث وتسعين (٦).
وذكر الطبري أنها في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين (٧).
وقد سبق في ذكر وفاة عبد الملك أنها في شوال سنة ست وثمانين،
стр. 448
والجمع بين الخبرين أن ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة كانت بعد شهرين إلى ستة أشهر من خلافة الوليد.
وهذا الخبر عن عمر بن عبد العزيز بمثابة تأسيس مجلس شورى، والمتتبع لسيرته سواء في إمارة على المدينة أو خلافة يجد فيها كثيرًا من التوفيق والسداد؛ لأنه قرب العلماء والصالحين واستشارهم.
ومن هؤلاء الذين سموا فقهاء المدينة اشتهر منهم سبعة وسموا بفقهاء المدينة السبعة، وقد عدهم ابن حجر فقال: (هم على أشهر الرّوايات: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت) (١).
* توسعة مسجد الرسول ﷺ :
[١٩٨]- (ثم كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز، أن يشتري الدُّورَ التي حول مسجد رسول الله ﷺ ، فيزيدها في المسجد، ويجدد بناء المسجد.
وكتب إلى ملك الروم يعلمه ما هم به من ذلك، ويسأله أن يبعث إليه ما استطاع من الفسيفساء فوجه إليه منها أربعين وسقًا، فبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فهدم عمر المسجد، وزاد فيه، وبناه، وزينه بالفسيفساء) (٢).
ذكر نحوًا منها ابن سعد (٣) مطولًا، وخليفة بن خياط (٤) والبلاذري (٥)
стр. 449
مختصرًا، والطبري (١) مطولًا، والآجري مختصرًا (٢).
* موقف العلماء وعامة الناس من هذا الحدث:
قد تعاظم العلماء وعامة الناس هذا الحدث، وكان العلماء يرون أن تركها أولى لكي يعتبر الناس ويقتدوا بالنبي ﷺ وحجراته، ويزهدوا عن عمارة الدنيا (٣).
فقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: (واللّه لوددت أنّهم تركوها على حالها ينشأ ناشئٌ من أهل المدينة ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول اللّه في حياته فيكون ذلك ممّا يزهد النّاس في التّكاثر والتّفاخر فيها يعني الدّنيا) (٤).
وما أخرجه الآجري بسنده عن رجاء بن حيوة (٥) قال: (كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ أنِ اكْسر مسجد النّبيّ ﷺ وحجراته، وقد كان اشتراها من أهلها وأرغبهم في ثمنها، وكان الوليد هو الّذي بنى مسجد النّبيّ ﷺ ومسجد مكّة ومسجد دمشق ومسجد مصر، وأن تبني مسجد النّبيّ ﷺ ، فجاء عمر بن عبد العزيز حتّى قعد في ناحية المسجد وقعدت
стр. 450
معه ثمّ أمر بهدم الحجرات فما رأيت باكيًا ولا باكيةً أكثر من يومئذٍ جزعًا) (١).
أما عن جلب الفُسَيفساء والصُّنّاع من الروم فقد ذكر ذلك ابن كثير وقال معلقًا على عليه: (والمشهور أنّ هذا إنّما كان من أجل مسجد دمشق فاللّه أعلم) (٢)، وكان هذا الحدث عام سبع وثمانين وقيل: ثمان وثمانين (٣).
* جهاد قتيبة بن مسلم فيما وراء النهر:
[١٩٩]- (وكان على خراسان من قبل الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلي.
فكتب إليه الحجاج يأمره بعبور النهر نهر بلخ، وأن يفتح تلك البلاد. فاستعد قتيبة، وسار في المفازة التي بين مدينة مرو وبين مدينة آمويه (٤)، وهي ذات رمال وغضي، فصار إلى آموية، ثم عبَر النهر وسار إلى بخارى.
وكان ملك تلك الأرضين يسمى صول، وكان ملكه على جميع ما وراء النهر، فلقيه الملك، فحاربه قتيبة، فهزمه، وهرب صول نحو الصغانيان، فاحتوى قتيبة على بخارى وحيزها، فولى عليها رجلًا. وسار حتى وافى بلاد السغد (٥)، فأناخ على مدينتها العظمى، وهي سمرقند، فحاصرها أشهرًا. فوجه إليه دهقانها: إنك لو أقمت على مدينتي هذه عمرك لم تصل إليها؛ لأنا نجد في كتب آبائنا، أنه لا يقدر عليها إلا رجل اسمه بالان، لست إياه، فامضِ لشأنك.
стр. 451
فزعموا أن قتيبة احتال لما يئس من مكابرتها، فهيأ صناديق، وجعل لها أبوابًا من أسافلها، تغلق من داخل، وتفتح، وجعل في كل صندوق رجلًا مستلئمًا، معه سيفه، وأقفل أبوابها العليا.
ثم أرسل إلى الدهقان: أما إذا كان هذا هكذا، فإني راحل عنك إلى الصغانيان (١)، وناحيتها، ومعي فضول أموال وسلاح، فوادعني، وأحرز هذه الصناديق عندك إلى عودي إن سلمت.
فأجابه إلى ذلك، وتقدم قتيبة إلى الرجال أن يفتحوا أبواب الصناديق في جوف الليل، فيخرجون، ثم يصيرون إلى باب المدينة فيفتحوه.
وأمر الدهقان بالصناديق، فأدخلت المدينة.
فلما جن الليل، وهدأ الناس خرج الرجال مستلئمين، معهم السيوف، لا يستقبلهم أحد إلا قتلوه، حتى أتوا باب المدينة، فقتلوا الحرس، وفتحوا الباب.
ودخل قتيبة بالجيش، ووقعت الواعية (٢)، وهرب الدهقان في سرب، فلحق بالملك، وصارت سمرقند في قبضة قتيبة، فخلف عليها رجلًا.
وسار حتى أتى الصغانيان، فهرب الملك منهم حتى صار في بلاد الترك، ووغل فيها، وخلَّى المملكة لقتيبة. فدخل قتيبة الصغانيان، ووجه عماله إلى كش (٣) ونسف (٤)، وافتتح جميع ما وراء النهر، وجميع تخارستان (٥)، ولم يبق من خراسان شيء إلا افتتحه، ولم يزل قتيبة بخراسان سنين حتى شغب عليه
стр. 452
أجناده، فقتلوه) (١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب هذه الرواية، وفيها خبر جهاد قتيبة بن مسلم فيما وراء النهر، ثم أتى على فتحه لسمرقند، وأنه فتحها غدرًا، وقد مَرَّضَ الرواية بقوله: (فزعموا)، ولكن لم يورد غيرها وهذا ما تروج له الروايات الضعيفة (٥) وسوف أبين ذلك مفصلًا:
الفتح الإسلامي لسمرقند:
أول فتح لسمرقند كان في عهد معاوية ﵁ والذي افتتحها هو سعيد بن عثمان، فقد صالح أهلها وأعطوه رهائن، وذلك في سنة ست وخمسين
стр. 453
للهجرة (١)، وفي عهد يزيد بن معاوية غزاهم سَلْم بن زياد، فصالحوه (٢).
فتح سمرقند من قبل قتيبة:
نلاحظ فيما سبق تكرار غزو المسلمين لسمرقند ومصالحة أهلها؛ مما يوحي أنهم كانوا ينقضون الصلح، وأن المسلمين في تلك الفتوحات لم يدخلوا المدينة إلا في فتح قتيبة، وهذا يبرهن على أن الفتح الحقيقي لها هو فتح قتيبة، وقد قال في عزمه على فتحها: (حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية) (٣).
وقد ذكر خليفة بن خياط: أن قتيبة بن مسلم غزا سمرقند، وافتتحها بعد قتال شديد بين الطرفين انتهى بالصلح، وذلك سنة ثلاث وتسعين (٤)، ولم يذكر أنه غدر بهم، وكذلك الطبري (٥) بسنده فيما رواه عن الباهليين.
ومما سبق تبين أن قتيبة لم يغدر بأهل سمرقند وإنما فتحها بعد قتال، ولكن روج الغدر لتشويه الفتح، ومما يروى في ذلك قصة لأهل سمرقند مع عمر بن عبد العزيز، ومفادها أنهم شكوا إليه أن قتيبة غدر بهم عن فتح مدينتهم وطلبوا منه أن ينصفهم.
ومن أمثلة ما يروى في ذلك: عن أبي عبيدة (٦) وغيره: (لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب
стр. 454
لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فنصب لهم جميع ابن حاضر الباجي (١) فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء فَكَرِهَ أهلُ مدينة سمرقند الحرب وأقروا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم) (٢).
وَرَدَتْ نحوًا من هذه القصة عند الطبري (٣) وابن قدامة (٤)، ولم تأت بطرق صحيحة (٥) يمكن الجزم بحقيقتها.
وأما عن متنها فنلاحظ أن القضية التي تظلم منها أهل سمرقند استمرت من سنة ثلاث وتسعين إلى تسع وتسعين ولم أقف على شكاية لأحد منهم في هذه الفترة، إلا في خلافة عمر بن عبد العزيز ومع ذلك لم يتغير منها شيء، فالقضية التي تَظَلُّمَوا منها عادت كما كانت، فلا يُسْتَبْعَد أن تكون هذه القصة نُسِجَتْ نكاية بقتيبة وبالعرب وفتحهم، أو للتأكيد على عصر عمر بن عبد العزيز وعدالته، وهذا موضوع تندرج تحته معظم الروايات التي تذكر عدل عمر بن عبد العزيز وهو أهل لذلك، ولكن ليس في تخطئة وتهميش أعمال غيره من الخلفاء والقادة، وتصور عصورهم بالفترات المظلمة التي لم تنجلِ إلا في عصر عمر ﵀، فلا ينبغي
стр. 455
لنا أن ننساق وراء كل من يمدحه ولو على حساب الذم في غيره، فما صح من سيرته يغني عن ما كذب عليه وعلى غيره.
أما عن قتيبة بن مسلم فهو أحد قادة الإسلام والأعلام المشهورين، فيذكر أنه لم تهزم له راية، وقد جال المشرق وفتح الفتوح وأضاف إلى الدولة الأموية ما ليس منها، بل أن من جاء بعده لم يصل إلى ما وصل إليه، أفبعد هذا الجهاد والإنجازات نسمع لمن يسبه أو يقدح فيه؟!! كلا بل الواجب مدحه وذكر محاسنه في سلفنا الصالح.
* نهاية قتيبة بن مسلم:
ذكر الطبري (١) خبر قتل قتيبة بن مسلم مطولًا في سنة ست وتسعين، وقد اختصره ابن كثير فقال: (وذلك أنّه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همّته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلمّا فرغ من مقالته لم يجبه أحدٌ منهم إلى مقالته، فشرع في تأنيبهم وذمّهم، قبيلةً قبيلةً، وطائفةً طائفةً، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرّقوا، وعملوا على مخالفته، وسعوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجلٌ يقال له: وكيع بن أبي سودٍ (٢)، فجمع جموعًا كثيرةً، ثمّ ناهضه فلم يزل به حتّى قتله في ذي الحجّة من هذه السّنة) (٣).
стр. 456
وقال: (وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفصٍ الباهليّ، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النّجباء الكبراء، والشّجعان وذوي الحروب والفتوحات السّعيدة، والآراء الحميدة، وقد هدى اللّه على يديه خلقًا لا يحصيهم إلّا اللّه، فأسلموا ودانوا للّه ، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئًا كثيرًا كما تقدّم ذلك مفصّلًا مبيّنًا، واللّه سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيّب تعبه وجهاده.
ولكن زلّ زلّةً كان فيها حتفه، وفعل فعلةً رغم فيها أنفه، وخلع الطّاعة فبادرت المنية إليه، وفارق الجماعة فمات ميتةً جاهليّةً (١)، لكن سبق له من الأعمال الصّالحة ما قد يكفّر الله به سيئاته، ويضاعف به حسناته، واللّه يسامحه ويعفو عنه، ويتقبّل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغانه من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجّة من هذه السّنة، وله من العمر ثمانٍ وأربعون سنة) (٢).
* ولاية خراسان بعد قتيبة بن مسلم:
[٢٠٠]- (فاستعمل الوليد بن عبد الملك عليها الجراح بن عبد الله الحكمي (٣) (٤).
стр. 457
ذكر خليفة بن خياط (١)، والطبري (٢): أن وكيع بن أبي سود تولى أمر خراسان بعد مقتل قتيبة بن مسلم تسعة أشهر، ثم جاء بعده يزيد بن المهلب.
• نقد النص:
قد وهم صاحب الكتاب في ذكره ولاية الجراح بن عبد الله على خراسان في عهد الوليد، والصحيح أنه وليها من قبل عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين (٣).
[٢٠١]- (وحج الوليد بن عبد الملك في سنة إحدى وتسعين، وقد فرغ عمر بن عبد العزيز من بناء مسجد الرسول ﷺ ، فدخله، وطاف به، ونظر إلى بنائه) (٤).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٥) مطولًا.
* من بقي من الصحابة في عصر الوليد:
[٢٠٢]- (ولم يكن بقي في زمن الوليد من الصحابة إلا نفر يسير، منهم بالمدينة، سهل بن سعد الساعدي (٦)، وكان يكنى أبا العباس، توفي في آخر خلافة الوليد، وكان يوم مات ابن مائة سنة، ومنهم جابر بن عبد الله،
стр. 458
وبالبصرة أنس بن مالك، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى (١)، وبالشام أبو أمامة الباهلي (٢).
ذكر خليفة بن خياط (٣) أن سهل بن سعد الساعدي ﵁ توفي سنة إحدى وتسعين.
وذكر ابن قتيبة أنه توفي في نفس السنة وعمره مائة سنة، وهو آخر من توفي من الصحابة في المدينة (٤).
وأما جابر بن عبد الله ﵁ فقد توفي سنة ثمان وسبعين وهو المشهور من وفاته (٥)، في خلافة عبد الملك بن مروان.
وأنس بن مالك ﵁ توفي بالبصرة وهو آخرة من توفي فيها من الصحابة (٦)، قال ابن كثير: (وقد اختلف المؤرّخون في سنة وفاته، فقيل: سنة تسعين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: اثنتين وتسعين، وقيل: ثلاثٍ وتسعين، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور واللّه أعلم) (٧).
وعبد الله بن أبي أوفى ﵁ توفي بالكوفة سنة ست وثمانين، وهو آخر من
стр. 459
توفي فيها من الصحابة (١)، وقيل: ثمانٍ وثمانين وهو الصحيح من وفاته كما قال الذهبي (٢).
وأبو أمامة الباهلي ﵁ توفي سنة ست وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان (٣).
• نقد النص:
كل ما ذكر صاحب الكتاب من الصحابة قد أدرك خلافة الوليد بن عبد الملك إلا جابر بن عبد الله ﵁، فإنه مات سنة ثمان وسبعين، أي في خلافة عبد الملك بن مروان.
* مقتل سعيد بن جبير ونهاية الحجاج:
[٢٠٣]- (وفي السنة الخامسة من خلافة الوليد مات الحجاج بواسط (٤)، وله أربع وخمسون سنة، وكانت إمرته على العراق عشرين سنة، منها في خلافة عبد الملك خمس عشرة سنة، وفي خلافة الوليد خمس سنين (٥).
وقد كان قتل سعيد بن جبير (٦) قبل موته بأربعين يومًا.
стр. 460
قالوا: وكان يقول في طول مرضه إذا هجر: ما لي ولك يا ابن جبير؟ وقتل ابن جبير وهو ابن تسع وأربعين سنة، وكان يكنى أبا عبد الله، وكان ولاؤه لبني أمية) (١).
أما خبر قتل سعيد بن جبير فقد ذكر نحوًا منه: ابن سعد (٢)، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية مدة حكم الحجاج على العراق في عهد عبد الملك بن مروان وعهد الوليد وقد وهم في ذلك، فقد ذكر خليفة بن خياط (٥) والطبري (٦) أن ولاية الحجاج على العراق من قبل عبد الملك سنة خمس وسبعين، وأن وفاته كانت سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وكانت وفاة عبد الملك سنة ست وثمانين.
فتصبح ولايته في عهد عبد الملك إحدى عشرة سنة، وفي عهد الوليد تسع سنين، فبذلك يكون جملة ولايته على العراق عشرين سنة.
ثم أتى على خبر مقتل سعيد بن جبير على يد الحجاج، وهذا من أعظم المآخذ عليه.