للمضرية. قلت: إن اغتفرت منه خصلة. قال: وما هي؟ قلت: ليست له بخراسان عشيرة من جنودها، وإنما يقوى على ولاية خراسان من كانت له بها عشيرة من جنودها. قال: فأي عشيرة أكثر مني، لا أبا لك، يا غلام؟ انطلق إلى الكتاب، فمرهم بإنشاء عهده، وائتوني به.
فكتب له عهده، وأتى به، فناولنيه، وقال: انطلق حتى توصله إليه. ثم أمر أن أحمل على البريد. فسرت حتى وافيت خراسان، فأتيته في منزله، فناولته العهد، فأمر لي بعشرة آلاف درهم. ثم تناول العهد، فانطلق إلى جعفر بن حنظلة، الأمير كان بها، فدخل عليه، وهو جالس على سريره، فناوله العهد. فلما قرأه أخذ بيد نصر، فرفعه حتى أجلسه معه على سريره، وقال: سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين، فقال له نصر: أبا خلف، السلطان سلطانك، فمر بأمرك، ودعا له جعفر بن حنظلة، وسلم الأمر إليه) (١).
ذكر نحوًا منها البلاذري (٢) والطبري (٣) مطولًا، وكلها من طريق المدائني عن بعض شيوخه.
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب في ذكر أن سبب تولية نصر بن سيار هو ظهور المسودة في خراسان.
وهذه الرواية لا تصح عن هشام بن عبد الملك لأنها من طريق المدائني وفي سندها مجاهيل وهي تصف الطريقة التي تولى فيها نصر بن سيار على خراسان من قبل هشام، وفي متنها نكارة حيث ذكر فيها تصنيف الرجال من حيث قبائلهم
стр. 492
وبهتهم، وفيه إساءة لبعض القبائل من قبل هشام وأنه رغب بالمضرية على اليمنية، وهي لا تحاكي دهاء هشام وقدرته على سياسة الدولة، فهو بذلك عاجز عن اختيار رجل من دولته يصلح لولاية خراسان.
ثم أورد كلمة انفرد بها ويبدو أنها من تعليقه وهي قوله: (وكان هشام يبغض اليمانية، وكذلك سائر بني أمية) وهذا التعليق يختصر سبب إيراده مثل هذه الرواية.
وقد أورد الطبري رواية أخرى يمكن أن نستأنس بها، وهي أن يوسف بن عمر أمير العراق كتب إلى هشام يستشيره بمن يولي خراسان، وذكر له أسماء رجال قد رشحهم لها ومن بين تلك الأسماء نصر بن سيار وكان في آخر الكتاب وأكثر من ذكر أسماء القيسية له، ثم علل بعدم ذكر نصر في أول الكتاب بأنه ليس له عشيرة بخراسان، ففهم هشام بأن ذلك منه ترشيح للقيسية، فأمر بتولية نصر بن يسار وكتب له كتابا منه قوله: (فلم يقل من عشيرته أمير المؤمنين) (١)، فكأن الأمر أصلًا يشار به إلى نصر بن يسار وأراد يوسف بن عمر أن ينحِّيه عنها.
* تولية أبي مسلم أمر خراسان:
[٢٢٧]- (وإن سليمان بن كثير، ولاهز بن قرط، ومالك بن الهيثم، وقحطبة بن شبيب أرادوا الحج، فخرجوا مع الحاج متنكرين حتى أتوا مكة، وقد وافاها في ذلك العام إبراهيم بن محمد الإمام، فأخبروه بما اجتمع له الناس بخراسان. وقد كانوا حملوا إليه ما بعثت به إليه الشيعة. فقالوا: قد حملنا إليك مالًا. قال: وكم هو؟ قالوا: عشرة آلاف دينار، ومائتا ألف درهم. فقال: سلموه
стр. 493
إلى مولاي عروة، فدفعوه إليه.
فقال لهم إبراهيم: إني قد رأيت أن أولي الأمر هناك أبا مسلم، لما جربت من عقله، وبلوت من أمانته، وأنا موجهه معكم، فاسمعوا له، وأطيعوا أمره، فإن والدي رحمة الله عليه قد كان وصف لنا صفته، وقد رجوت أن يكون هو الذي يسوق إلينا الملك، فعاونوه، وكانفوه، وانتهوا إلى رأيه، وأمره.
قالوا: سمعًا وطاعة لك أيها الإمام.
فانصرفوا، وأبو مسلم معهم، حتى صاروا إلى خراسان. فتشمر أبو مسلم للدعاء، وأخذ القوم بالبيعة، ووجه كل رجل من أصحابه إلى ناحية من خراسان، فكانوا يدورون بها كورة كورة، وبلدًا بلدًا، في زي التجار.
فاتبعه عالم من الناس عظيم، فواعدهم لظهوره يومًا سماه لهم، وولى على من بايعه في كل كورة رجلًا من أهلها، وتقدم إليهم بالاستعداد للخروج من ذلك اليوم الذي سماه لهم حتى أجاب جميع أرض خراسان، سهلها وجبلها، وأقصاها وأدناها.
وبلغ في ذلك ما لم يبلغه أصحابه من قبله، واستتب له الأمر على محبته، وصار من أعظم الناس منزلًا عند شيعته، حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ويذكرونه، فلا يملون) (١).
ذكر نحوًا منها البلاذري (٢) مطولًا، والطبري (٣) مختصرًا.
• نقد النص:
زاد عند صاحب الكتاب قول إبراهيم بن محمد أن أباه أوصاه بأبي مسلم
стр. 494
وقوله: (قد رجوت أن يكون هو الذي يسوق إلينا الملك)، وعن سؤاله لهم كم مقدار المال الذي معهم، وهذا منه تمجيد له ومبالغة في أثره.
ثم أورد بعض المخالفات العقدية التي كانت تصاحب الدعاة، وهي قوله: (حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ويذكرونه، فلا يملون).
وأما عن ذكره تولية أبي مسلم في هذا اللقاء، فقد انفرد بذلك، وقد رُويَ ما يخالفه، وهو أن إبراهيم ولّى عليهم أبا سلمة، وذلك سنة سبع وعشرين ومائة (١).
ثم قدموا على إبراهيم مرة أخرى، وطلبوا منه تولية رجل يتولى أمرهم في خراسان، فاستخار ووجه أبا مسلم (٢).
وذكر الطبري (٣) أن أبا مسلم كان يختلف إلى خراسان، حتى ظهور العصبية واضطراب الناس، فكتب سليمان بن كثير كتابًا إلى أبي سلمة الخلال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم بن محمد أن يوجه رجلًا من أهل بيته، فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فوجه لهم أبا مسلم.
* * *
стр. 495
الفصل السابع
«آثار مقتل الوليد بن يزيد، ونهاية الدولة الأموية»
أولًا: هشام بن عبد الملك، وولاته.
ثانيًا: أحداث مقتل الوليد بن يزيد، وآثارها.
ثالثًا: بنو أمية بعد يزيد بن الوليد.
رابعًا: ما حدث بين الكرماني ونصر بن سيار.
خامسًا: أخبار متفرقة.
سادسًا: انتصار الدعوة العباسية، ومقتل مروان بن محمد.
стр. 496
أولًا: هشام بن عبد الملك وولاته:
* عزل خالد بن عبد الله القسري ومحاسبته:
[٢٢٨]- (وقد كان خالد بن عبد الله ولي العراقين عشر سنين، أربعًا في خلافة يزيد بن عبد الملك، وستًّا في خلافة هشام) (١).
ذكر خليفة بن خياط (٢) والطبري (٣) أن خالد بن عبد الله ولي العراق في خلافة هشام بن عبد الملك.
• نقد النص:
وهم صاحب الكتاب في ذكر تولي خالد بن عبد الله العراق ليزيد بن عبد الملك.
[٢٢٩]- (فلما عزله هشام، وولَّى مكانه يوسف بن عمر حاسبه يوسف، فخرج عليه عشرة آلاف درهم، قد كان وهبها للناس، وبذرها وكان من أسخى العرب فحبسه يوسف بن عمر عنده في العراق، وكتب إلى هشام بتقاعد خالد بالمال الذي خرج عليه.
فكتب إليه هشام بالبسط عليه فدعا به يوسف بن عمر وقال: ما هذا التقاعد بمال السلطان يا ابن الكاهن؟ يعني شق بن صعب (٤) المعروف بالكهانة، وكان خالد بن عبد الله من ولده، فقال له خالد بن عبد الله: أتعيرني بشرفي يا ابن الخمّار؟ وإنما كان أبوك وجدك بالطائف أصحاب حانة، وبلغ
стр. 497
هشامًا أن خالدًا بذر ذلك المال في الناس، فكتب إلى يوسف يأمره بإطلاقه، والكف عنه) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) والطبري (٣) مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكرٌ لعزل خالد القسري سنة عشرين ومائة، ثم محاسبته من قبل يوسف بن عمر الوالي الجديد كما جرت به العادة في أواخر عهد بني أمية، وهذا مما زاد في وهن أمر الدولة فكل والٍ يُتْرَك ولا يُتَابع في أمره حتى تنتهي ولايته، ثم يحاسب والأحسن من ذلك أن يتابع ويحاسب في أمره كله من حين ولايته، فهذا أجدر من إهماله؛ لأن هذا أدعى إلى عدم بسط يده وقلة مظالمه، وحال خالد بن عبد الله أشبه بهذا فقد استمر في ولايته ما يقارب خمس عشر سنة (٤)، لم يُحَاسب إلا بعد عزله.
أما عن السبب الذي دعا يوسف بن عمر إلى محاسبة خالد بن عبد الله، مع تبذير الأموال هو أنه اعتل عليه بانكسار الخراج في عهده (٥).
* خبر خروج زيد بن علي وقتله:
[٢٣٠]- (فلم يزل خالد مقيمًا بالكوفة حتى خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ (٦) بالكوفة، وكان خروجه في صفر سنة
стр. 498
ثماني عشرة ومائة.
فسار إليه يوسف بن عمر، فالتقوا بالكناسة فانهزم أصحاب زيد، وخذلوه، فأخذه يوسف بن عمر، فضرب عنقه، وبعث برأسه إلى هشام، وصلب جسده بالكناسة) (١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٢)، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذكر صاحب الكتاب خبر خروج زيد بن علي، وقد اختصره على غير عادته في ذكر آل البيت وتقفي أثرهم كما فعل بجده الحسين بن علي ﵁، ويعود السبب في ذلك أن زيد بن علي لم يكن في عداد أئمة الشيعة الإمامية التي يتتبع أخبارهم صاحب الكتاب؛ لأن زيدًا له منهج خاص شَذَّ فيه عن منهج الشيعة ألا وهو تولي الشيخين.
وقد عد المؤرخون أسبابًا لخروجه منها: أنه دخل على هشام بن عبد الملك في دين له فأغلظ عليه (٥).
وقيل: إن يوسف بن عمر حاسب يزيد بن خالد القسري في مال، فدعا أن أودعه عند زيد بن علي وبعض بني هاشم، فأمره هشام أن يجمع بينهم فحلفوا أنه ما أودعهم شيء (٦).
стр. 499
وذكر الذهبي سببا آخر واختصره، وهو أن زيد بن علي وفد على يوسف بن عمر فأحسن جائزته، ثم رجع إلى المدينة فأتاه ناس من الكوفة فقالوا: ارجع فليس يوسف بشيء، فنحن نأخذ لك الكوفة، فرجع وبايعه ناس كثير، وخرجوا معه، ثم تفرقوا عنه بعد أن سألوه عن رأيه في أبي بكر ﵁ وعمر ﵁، وطلبوا منه التبرؤ منهم حتى يقاتلوا معه، فأخبرهم أنه يتولاهم ويتبرأ ممن تبرأ منهم، ولم يقاتل معه إلا من هو على رأيه (١)، ولعل هذا السبب أقرب لحاله، والله أعلم.
قال ابن تيمية: (ومن زمن خروج زيد بن عليٍّ افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سُئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم، فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًّا، لانتسابهم إليه) (٢)، (وقد سمي أتباعه بالزيدية وهم لا يشتمون الشيخين ولا عائشة، ولا سائر العشرة؛ ولكنهم يفضلون عليًّا ﵁ ويقدمونه في الخلافة، ثم أبا بكر ثم عمر، ثم يسكتون عن عثمان ﵁، ويحطون على معاوية غفر الله له) (٣).
وأما عن زمن خروجه فقد وهم صاحب الكتاب وشذ في أنه سنة مائة وثماني عشرة، والمحفوظ أنه سنة إحدى وعشرين ومائة (٤)، وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومائة (٥).
стр. 500
* خالد القسري بعد عزله:
[٢٣١]- (وإن خالدًا كتب إلى هشام يستأذنه في الخروج إلى طرسوس (١) غازيًا متطوعًا، فأذن له هشام في ذلك، فسار حتى وافى طرسوس فأقام بها مرابطًا. وإن رجلًا من أهل العراق كان يتلصص، ويكنى أبا المعرس، قدم من الكوفة نحو أرض الشام، في جماعة من لصوص الكوفة، حتى وافوا مدينة دمشق، فكان إذا جنّه الليل أشعل في ناحية من السوق النار، فإذا تصايح الناس، واشتغلوا بإطفاء الحريق، أقبل في أصحابه إلى ناحية أخرى من السوق، فكسر الأقفال، وأخذ ما قدر عليه، ثم هرب.
فدخل كلثوم بن عياض القسري (٢) على هشام، وكان معاديًا لخالد بن عبد الله، وهو ابن عمه، فقال لهشام: يا أمير المؤمنين، إن هذا الحريق لم يكن بدمشق، وقد حدث، وما هو إلا عمل محمد بن خالد بن عبد الله القسرى (٣) وغلمانه.
فأمر هشام بطلب محمد بن خالد، فأتوه به، وبغلمان له، فأمر بحبسه، وحبس غلمانه. وبلغ ذلك خالدًا، وهو بطرسوس، فسار حتى وافى دمشق، فنزل في داره بها، وغدا عليه الناس مسلمين، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: أيها الناس، خرجت غازيًا بإذن هشام وأمره، فحبس ابني وغلماني، أيها الناس، ما لي
стр. 501
ولهشام؟ والله ليكفن عني هشام يسميه في كل مرة باسمه ولا يقول: أمير المؤمنين أو لأدعون إلى عراقي الهوى، شامي الدار، حجازي الأصل، إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (١)، ألا وإني قد أذنت لكم أن تبلغوا هشامًا.
وبلغ هشامًا ذلك فقال: خرف أبو الهيثم، وأنا حري باحتماله، لقديم حرمته، وعظيم حقه، فأقام خالد بن عبد الله بمدينة دمشق عاتبًا لهشام، مصارمًا له، لا يركب إليه، ولا يعبأ به، وهشام في كل ذلك يحتمله، ويحلم عنه) (٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٣) والطبري (٤) من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
• نقد النص:
هذه الرواية الضعيفة أعطت تصورًا باطلًا عن معاملة هشام بن عبد الملك وعامله المعزول خالد بن عبد الله القسري، وما يزيد في بطلانها أن خالدًا لما عُزِل ذهب إلى هشام، ومعنى ذلك أنه أَمِنَه ولم يحدث شيئًا حتى يخافه، ولو كان العكس لما أحب قربه، ثم إن خالدًا ظل بحماية هشام ولم يقتل إلا بعده، وهنا وقفة، وهي أن لخالد أعداء، فلذلك كثرت الافتراءات حوله، ولم يتمكنوا منه لمعرفة هشام بولائه.
ونلاحظ أن جملة ما ساقه صاحب الكتاب من أخبار حول هشام تدور على خفته، وعدم تبصُّره بأمور الحكم، وأنه يصدِّق كل ما يقال حوله، وما يُنَمُّ له
стр. 502
في أصحابه، فيأخذهم، ثم يتبين له براءتهم وهكذا.
[٢٣٢]- (وإن رجلًا يسمى عبد الرحمن بن ثويب الكلبي (١) دخل على خالد بن عبد الله، فسلم عليه، وعنده نفر من أشراف أهل الشام، فقال له: يا أبا الهيثم، إني أحبك لعشر خصال فيك يحبها الله منك: كرمك، وعفوك، ودينك، وعدلك، ورأفتك، ووقارك في مجلسك، ونجدتك، ووفاؤك، وصلتك ذوي رحمك، وأدبك. فأثنى عليه خالد، وقال له خيرًا.
وبلغ هشامًا ذلك فقال: أَبَلَغَ من أمر الفاسق عبد الرحمن بن ثويب أن يصف خالدًا بمحاسن لم تجتمع في أحد من الخلفاء المؤتمنين على عباد الله وبلاده؟ ثم أمر به، فأحسن أدبه، ونفي عن دمشق.
وبلغ ذلك خالدًا، وعنده أناس من وجوه أهل الشام، فقال لهم: ألا تعجبون من صنيع هشام برجل ذكر مني خصالًا؟ زعم أنه يحبني لها، فضربه وطرده، وإن أعظم مما قال في عبد الرحمن بن ثويب قول عبد الله بن صيفي (٢) حين قال له: يا أمير المؤمنين، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك أم رسولك؟. قال هشام: بل خليفتي في أهلي، قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه، ومحمد رسول الله ﷺ إليهم، فأنت أكرم على الله منه، فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي، وهي تضارع الكفر، ويغضب على عبد الرحمن بن ثويب، وينكر عليه ما وصفني به من خصال، يحبها الله، فأحبنى لها، فلم يحفل هشام حين بلغه ذلك من قول خالد، ولم يؤاخذه بشيء
стр. 503
من مقالته) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢)، والطبري (٣).
• نقد النص:
وردت هذه الرواية مسندة عند البلاذري من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف. وعند الطبري بسند فيه أحمد بن معاوية (٤) وهو متهم بالأباطيل.
وأما عن متنها ففيه منكر عظيم لا يصح عن أمير المؤمنين هشام،
وفي ألفاظ النص أيضًا غرابة، وإلا فكيف يخيره بين خليفته ورسوله وهو الخليفة. ثم إن هذا الأثر روي عن الحجاج وهو الأقرب لتناسق الألفاظ، فقد أخرج أبو داود بسنده عن المغيرة (٥)، عن الربيع بن خالد الضّبّيّ (٦)، قال: (سمعت الحجّاج يخطب، فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله عليّ ألا أصلّي خلفك صلاة أبدًا، وإن وجدت قومًا يجاهدونك لأجاهدنّك معهم) (٧).
حكم الألباني: بأنه ضعيف الإسناد مقطوع (٨).
стр. 504
ثانيًا: أحداث خلافة الوليد بن يزيد وآثار مقتله:
* خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
[٢٣٣]- (فلما تم لخلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر مرض مرضته التي مات، فأسند الخلافة إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك) (١).
ذكر خليفة بن خياط (٢) مثله، وزاد في مدة خلافة هشام بن عبد الملك أحد عشر يومًا، وكانت وفاته سنة خمس وعشرين ومائة.
وذكر أبو زرعة (٣) أن هشام مات سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وأشهر.
* خبر مقتل خالد بن عبد الله القسري:
[٢٣٤]- (فلما استخلف الوليد بن يزيد أمر صاحب شرطته سعيد بن غيلان (٤) بأخذ خالد بالمال الذي عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه، وقال: أسمعني صياحه.
فأقبل سعيد بن غيلان إلى خالد وهو في منزله، فأخرجه، فانطلق به إلى السجن، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب، فلم يكلمه خالد بحرف.
وقال الأشعث بن القيني (٥) فيما نال خالدًا:
стр. 505
ألا إن خير الناس نفسًا ووالدًا … أسير قريش عندها في السلاسل
لعمري، لقد أعمرتم السجن خالدًا … وأوطأتموه وطأة المتثاقل
فإن تحبسوا القسري لا تحبسوا اسمه … ولا تحبسوا معروفه في القبائل (١)
وقدم يوسف بن عمر الثقفي بمال العراقين على الوليد، فجلس الوليد للناس، وأذن لهم إذنًا عامًّا. فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمري (٢)، وكان معاندًا لخالد، فقال: يا أمير المؤمنين، عليَّ محاسبة خالد بخمسة آلاف ألف درهم، فسلمه إليَّ. فأرسل الوليد إلى خالد وهو في السجن أن زياد بن عبد الرحمن قد أعطى بمحاسبتك خمسه آلاف ألف درهم، فإن صححتها لنا، وإلا دفعناك إليه. فأرسل له خالد: إن عهدي بالعرب لأتباع، وبالله لو سألتني أن أضمن لك هذا، ورفع عودًا من الأرض، ما فعلت. فلما رأى الوليد بن يزيد تقاعد خالد بما عليه من المال أمر به، فسلم إلى يوسف بن عمر، وقال: انطلق به إلى العراق، واستدنه جميع ما عليه من المال.
فحمله يوسف بن عمر معه إلى واسط، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه، ثم يرده إلى الحبس، فأخرجه ذات يوم، وقال: ما هذا التقاعد يا ابن المائقة؟!
فقال له خالد: ما ذكرك الأمهات، لعنك الله؟ والله لا أكلمك بكلمة أبدًا.
فغضب يوسف بن عمر من ذلك، فوضع على خالد المضرسة، وجعل
стр. 506
يعذبه بها حتى قتله، فدفنه ليلًا في عباءة كانت عليه) (١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر مقتل خالد بن عبد الله القسري، والسبب أن الوليد أراد محاسبة خالد على أموال العراق، وزاد عند غيره، أنه سأله عن ابنه يزيد بن خالد وكان مستخفيًا عن هشام، وألحَّ عليه في ذلك ففهم خالد أنه يريد أن يأخذه، فأغلظ القول له (٥).
ورويت في سبب معاتبة الوليد لخالد روايات منها:
- أن الوليد أراد أن يبايع لابنيه الحكم وعثمان، فأراد خالدًا في ذلك فأبى، فغضب عليه (٦).
- عزم قوم من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة، على قتل الوليد، فأراد الحج، فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق، فطلب منه أن يترك الحج هذا العام، فلما سأله عن السبب، رفض أن يخبره السبب، فغضب عليه وحبسه، فلما قدم يوسف بن عمر سلمه له مقابل مبلغ من المال (٧).
ولعل الأقرب في سبب محاسبة الوليد لخالد هو المال؛ لأنه أسلمه إلى
стр. 507
غريمه يوسف بن عمر بعد أن ضمن له المال، وهو مطلب يوسف كما مر بنا في خلافة هشام، ولكن لم يقدر على ذلك إلا بعد موته. وكان ذلك في سنة خمس وعشرين ومائة (١).
ويَرِدُ هنا تساؤلٌ!، وهو: مَنْ هو خالد؟ ولماذا هذا المصير المؤلم، الذي ناله من بني أمية، مع ما ذُكِرَ من بلائه لهم؟.
كان خالد بن عبد الله من أوفى رجال بني أمية، وله مناقب كثيرة ليس هذا مجال حصرها، وقد ساق شيئًا منها ابن كثير ثم ختم بقوله: (فإنّه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع - كما قدمنا - من قتله للجعد بن درهم، وغيره من أهل الإلحاد، وقد نسب إليه صاحب العقد أشياء لا تصح؛ لأن صاحب العقد كان فيه تشيّعٌ شنيعٌ ومغالاة في أهل البيت) (٢).
ومع أن بلاءه مع بني أمية إلا أنه أصابه منهم شر؛ ولذلك نجد أن البلاء الذي أصابه يشبه البلاء الذي أصيب به سعيد بن جبير، عندما أسلمه إلى الحجاج ليقتله، وقد كان الحجاج غريمه - كما سبق لنا من قصته -، فلم يمت حتى لقي نفس المصير، فقد أسلمه الوليد إلى يوسف بن عمر غريمه أيضًا ليقتل فسلط الله عليه، مثلما تسلط على سعيد بن جبير.
* مقتل الخليفة الوليد بن يزيد:
[٢٣٥] (فأنشأ الوليد بن يزيد:
ألم تهتج فتذكر الوصالا … وحبلًا كان متصلًا فزالا
بلى، فالدمع منك له سجال … كماء الغرب ينهمل انهمالا
стр. 508
فدع عنك ادكارك آل سعدى … فنحن الأكثرون حصًى ومالا
ونحن المالكون الناس قَسْرًا … نسومهم المذلة والنَّكالا
ونوردهم حياض الخسف ذلًا … وما نالوهم إلا خبالا
وطئنا الأشعرين بكلِّ أرضٍ … ولم يك وطؤنا أن يستقالا
وكندة والسكون قد استعاذوا … نسومهم المذلة والخبالا
شددنا مُلكنا ببني نزار … وقوَّمنا بهم من كانَ مالا
وهذا خالد فينا قتيلًا … ألَا مَنعوهُ إن كانوا رجالا
ولو كانت بنو قحطان عُرْبًا … لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبًا أسيرًا … نحمله سلاسلنا الثقالا
ولكن المذلة ضعضعتهم … فلم يجدوا لذلتهم مقالا
فلما سمع من كان بأقطار الشام من اليمانية هذا الشعر أنفوا أنفًا شديدًا، فاجتمعوا من مدن الشام، وساروا نحو الوليد بن يزيد، وبلغ الوليد مسيرهم، فأمر بمحمد بن خالد بن عبد الله فحبس بدمشق.
وأقبلت اليمانية، وخرج إليهم الوليد بمضر مستعدًّا للحرب، فالتقوا، واقتتلوا، وأثخنت اليمانية القتل في مضر، فانهزمت مُضَر، وأخذوا نحو دمشق، ودخل الوليد قصره، فتحصن فيه، وأقبلت اليمانية حتى دخلت دمشق، وأخرجوا محمد بن خالد من محبسه، ورأسوه عليهم، فأرسل محمد بن خالد إلى ابن عم الوليد بن يزيد، وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فجاء به، فبايعوه جميعًا، وأرسل إلى أشراف المضريين، فبايعوه طوعًا وكرهًا، وخلعوا الوليد بن يزيد، فلبث مخلوعًا أيامًا كثيرة، وهو خليع بني أمية، فقام يزيد بن الوليد
стр. 509
بالخلافة، ووضع للناس العطاء، وفرق في اليمانية الصلات والجوائز.
وأقبل محمد بن خالد إلى قصر الوليد بن يزيد، وأمر بالأوهاق (١)، فألقيت في شرف القصر، وتسلقوا، فعلوه، ونادوا: يا وليد، يا لوطي، يا شارب الخمر، ثم نزلوا إليه، فقتلوه. واستدف الملك ليزيد بن الوليد) (٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٣) والبلاذري (٤) والطبري (٥) مطولًا.
• نقد النص:
قامت الثورة على الوليد بن يزيد من داخل البيت الأموي، والذي قام بها ابن عمه يزيد بن الوليد، وليس كما ذكر صاحب الكتاب أنه محمد بن خالد القسري، ثم إنه ليس السبب في مقتل الوليد هو قتله لخالد بن عبد الله القسري، وغضب اليمانية عليه بعد أن قال القصيدة السابقة، بحيث لا يمكن قصر هذا الفعل على هذه القصيدة؛ لأن نسبة هذه القصيدة للوليد بن يزيد لم يثبت، ولكن قد تكون القصيدة نفسها قيلت للتأليب عليه، ودليل ذلك أنها قيلت على لسانه، وهي تثبت المصير الذي لقيه خالد في خلافة الوليد.
فقد ذكرها الطبري بصيغة التمريض بقوله: (فقال الوليد بن يزيد - فيما زعم الهيثم بن عدي- شعرًا يوبخ به أهل اليمن في تركهم نصرة خالد بن عبد الله) (٦)، وزيادة على تمريض الطبري لها أنها من طريق الهيثم بن عدي، وهو ضعيف.
стр. 510
ثم ذكر أن هذا الشعر قاله بعض أهل اليمن على لسان الوليد يحرض عليه اليمانية، ولعل هذا هو الأقرب، وهذا يمكن أن يجعل سببًا من أسباب الثورة عليه (١).
أما عن السبب الحقيقي لهذه الثورة فهو القائم عليها وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وقد وجد مادته في ذلك عن طريق اليمانية وجميع الغاضبين على الوليد بن يزيد، وكان معه رجال ممن ينتسب إلى غيلان (٢)، وكان السمة العامة لهذه الثورة إنكار المنكر، ولكنها في الحقيقة ثورة القادرية الذين ينسب إليهم يزيد بن الوليد كما سيأتي.
وقد وجد هذا المشئوم الذي أوْدَى بالخلافة الأموية إلى الهاوية بعض الإنذارات المبكرة؛ ولكنه لم يرتدع عن غيه وسفهه في انتهاك حرمة الخلافة وهتك سترها ومن هذه الإنذارات:
أن يزيد بن الوليد أتاه آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية، وكانوا قد اضطغنوا على الوليد فأرادوه على البيعة، فشاور أخاه العباس بن الوليد، فحذره وهدده بالقبض عليه وتسليمه لأمير المؤمنين الوليد، ولكنه لم يرتدع عن ذلك وأخذ الناس بالبيعة له سرًّا، وقد جعل يظهر نصحه لهم وشفقته عليهم، وبدأ بتشويه صورته وذكر مساوئه (٣).
ومنها: أن مروان بن محمد - وكان على أرمينية - لمّا علم بأمر يزيد ومن
стр. 511
معه من أهل بيته، أرسل إلى سعيد بن عبد الملك (١)، وحذَّره الفتنة والعواقب التي سوف تجري عليهم إذا فعلوا ذلك بخليفتهم، وذكره بنعم الله على أهل بيته، وخوفه من ذهابها على أيدي هؤلاء المشئومين، فبعث سعيد بذلك إلى العباس بن الوليد، فحذر العباس يزيد من ذلك، فحلف له أنه لم يفعل فصدقه (٢)، وكل ما تخوف منه هؤلاء العقلاء وقع بعد ذلك.
وقد اعترف بذلك ابن لبشر بن الوليد (٣) فقال: (دخل أبي بشر بن الوليد على عمي العباس، فكلمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يرده، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلم عمي ويرد عليه قوله! وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبي، وكان الصواب فيما يقول عمي، فقال العباس: يا بني مروان، إني أظن الله قد أذن في هلاككم، وتمثل قائلًا:
إني أعيذُكُم بالله من فتنٍ … مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إن البرية قد ملَّت سياستكم … فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
стр. 512
لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم … إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم … فثم لا حسرة تغني ولا جزع) (١)
* محاصرة الوليد ومقتله:
حينما أتم الثوار أمرهم وحاصروا الوليد في قصره، رفض المواجهة وفضل الموت على المصحف كحال عثمان ﵁ يوم الدار، وآخر ما دار بينهم وبينه أنه قال: (أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه! فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي (٢): كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم! ألم أرفع المؤن عنكم! ألم أعط فقراءكم! ألم أخدم زمناكم! (٣) فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل لي لسعة عما ذكرت، ورجع إلى الدار، فجلس وأخذ مصحفًا، وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة السكسكي، فنزل إليه وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نحِّ سيفك، فقال له الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حاله فيهم غير هذه) (٤)، فقتله رجل لقب بوجه الفلس (٥) واسمه عبد الرحمن (٦).
стр. 513
قال البلاذري: (كانت ولايته سنة وشهرين وأيامًا، ويقال: سنة وثمانية أشهر والأول أثبت، وقتل في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة) (١).
وليس لنا أن ننفي كل ما قيل عنه، ولا أن نثبته دون سند صحيح، ولكن يسعنا أن نحكم عليه بما نقل لنا من الأحداث من بعده، فنجد أن السب والتوبيخ يَطَاله ويسلم من بعده ويمدح وهو يزيد بن الوليد أو ما يسمى بيزيد الناقص (٢)، ومثل ذلك ما ذكره صاحب الكتاب أنه هو من وضع العطاء للناس، وما ذكرنا سابقًا عن الوليد يثبت عكس ذلك، فالذي وضع العطاء وزاد الناس الوليد بن يزيد، والذي سمي بالناقص وأنقص عطاء الناس هو يزيد بن الوليد، ولعل المراد من ذلك إثبات صلاح الأخير، وفسق الأول ليتسنى البسط
فيه.
هذا خبر قتل الوليد بن يزيد على يد ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك.
والحديث عن الخليفة الوليد بن يزيد وعن أسباب مقتله يطول، ولا يسعني هنا إلا أن أذكر من هو هذا الخليفة، وهل يصح ما نُسب إليه، حتى يتسنى لنا الحكم عليه، لاسيما أن قتله أورث الشرور على من بقي من بني أمية ولم تقم له قائمة بعدها، وخبر مقتله من الأخبار الشائكة في التاريخ الأموي.
وهذه وقفات مع أخباره وسيرته وبعض ما نسب إليه:
- حج بالناس سنة ست عشرة ومائة في خلافة هشام (٣).
وقد ذكر أن سبب تولية هشام له الحج في هذه السنة أنه أراد أن يصرفه عن ندماء اتخذهم لشرب الخمر، وأنه حمل معه كلاب وخمر ليشربه على ظهر الكعبة.
стр. 514
وهذا الخبر رواه الطبري (١) عن المدائني بإسناد منقطع، ثم كيف لهشام وما عرف به من حسن السيرة وصحبة العلماء أن يولي الحج رجلًا بلغ من أمره ما سبق.
ثم ساق الطبري الخبر مطولًا، وفيه أن هشامًا أراد عزله لما تمادى في الشراب والمجون وحصل بينهما بعض المشاحنة، وأن الوليد خرج وأقام في البرية حتى توفي هشام، وهذا من الشواهد والآثار التي رويت وعملت على تشويه هذا الخليفة.
ونجد أن هذا الخبر خلط بين أن هشام أراد خلعه لمجونه وفسقه، وأنه يريد تولية ابنه بدلًا منه، وقد حصل بينهما قطيعة، حتى مات هشام، وهذا الخبر لا يتسنى لنا نفيه بالجملة؛ لأن ما جاء بعده من انتقام الوليد من أبناء هشام دليل على القطيعة التي قد حصلت بينهما. حتى قال الوليد بن يزيد في قطيعة هشام له شعرًا، ومنه قوله:
رأيتك تبني جاهدًا في قطيعتي … فلو كنت ذا إرب لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة … فويل لهم إن مت من شر ما تجنى!
كأني بهم والليت أفضل قولهم … ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني
كفرت يدًا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن (٢)
وقال أيضًا:
أليس عظيمًا أن أرى كل واردٍ … حياضك يومًا صادرًا بالنوافل
وأرجع مجذوذ الرجاء مصرّدًا (٣) … بتخليةٍ عن ورد تلك المناهل
стр. 515
فأويست ممّا كنت آمل فيكم … وليس يلاقي ما رجا كل آمل
كذي قبضةٍ يومًا على عرض هبوةٍ … يشد عليها كفه بالأنامل (١)
تبين هذه الأبيات حجم القطيعة التي كانت بينه وبين هشام.
- تولى الوليد بن يزيد الخلافة بعد هشام، فاستعمل العمال، وأتته بيعة الآفاق (٢).
وهذا يدل على اجتماع الأمة عليه بعد هشام، فأين العلماء والمصلحون لماذا لم يعترضوا على بيعة هذا الفاسق كما يروى عنه؟!.
- أمر الوليد بن يزيد أن يأخذ أموال هشام وولده، إلا مسلمة بن هشام (٣) أمر بالكف عنه؛ لأنه كان يكثر على أبيه أن يرفق بالوليد (٤)، وهذا يثبت تعرضه للأذى من هشام وبقية ولده إلا مسلمة.
- كتب إليه مروان بن محمد كتابًا بليغًا، يبارك له بالخلافة، ويعظم حقه فيها، ويلوم هشام على ظلمه له ويخطئه (٥).
وقد قام بأعمال جلية لم يسبق عليها منها ما ذكره الطبري: (فلما ولي الوليد أجرى على زَمْنى أهل الشام وعُميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعًا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة، لأهل الشام خاصة، وزاد مَنْ وفد إليه من أهل بيته
стр. 516
في جوائزهم الضعف، وكان وهو ولي عهد يطعم مَنْ وَفَد إليه من أهل الصائفة قافلًا، ويطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له: زيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابهم، ولم يقل في شيء يسأله: لا فقيل له: إن في قولك: انظر، عدة ما يقيم عليها الطالب، فقال: لا أعود لساني شيئًا لم اعتده، وقال:
ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق … بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة … وأعطيه مني عليكم تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم … به يكتب الكتاب شهرًا وتطبع (١)
وقد زاد في أعطيات الناس، وأنقصها يزيد بن الوليد بعد ذلك فسمي بالناقص (٢).
ولقد أكثرت بعض الكتب الذم في هذا الخليفة، فلا تجد ذكرًا له إلا قبيحًا وممزوجًا بأنواع القبائح، وخصوصًا كتب الأدب وهي التي يقل فيها التثبت، ولم نقف على أشياء صحيحة في ما يذكر عنه، فكلها أحاديث وأقاويل تناقلته الرواة مع الزمن، ويبدو أن الدور الإعلامي الذي قام به الثائرون عليه أثبت كل هذا، ثم سارت به الركبان.
ثم إن تسلط هذا الخليفة على أبناء هشام وخالد بن عبد الله جعل منه عرضة للانتقام بمحورين: الأول: من بعض المتعاطفين معهم من البيت الأموي، والثاني: من اليمانية التي ينتسب إليهم خالد بن عبد الله، والمتمعن بما صح من شعره وأعماله الطيبة التي بذلها للناس في حكمه يجد هناك تعارضًا مع ما يروى من قبيح سيرة، وأن هذه الأعمال يستحيل أن تجتمع في شخص واحد.
стр. 517
وهو بحق خليفة مظلوم بغي عليه، ومن أدلة ذلك:
- يروى أن أيوب السختياني (١) لما بلغه مقتل الوليد قال: (ليتهم تركوا لنا خليفتنا ولم يقتلوه) (٢).
- ذكر ابن الأثير الوليد بن يزيد فقال: (وقد نزّه قومٌ الوليد ممّا قيل فيه، وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنّه قيل عنه وألصق به وليس بصحيحٍ) (٣).
ثم ساق أخبارًا في ذلك ومنها:
دخل ابن للغمر بن يزيد على الرشيد فسأله ممن أنت قال من قريش قال من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن، ولو أنك مروان. فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد فقال: رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعًا عليه، أرفع حوائجك، فرفعها فقضاها.
وجاء ذكر الوليد بن يزيد عند الخليفة العباسي المهدي، فقال المهدي إنه زنديق، فقام أبو علاثة (٤) الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقًا، فأقر المهدي قوله وشكره (٥).
ويقول العسيري (٦) عن الوليد بن يزيد: (وقد أشيع عنه انحرافات ومنكرات تبدو كالأساطير، حتى إن البعض تصوره زنديقًا، محتقرًا للقرآن، مهاجمًا تعاليم الإسلام، ولو صح ذلك لكانت فرصة لعمه هشام لعزله، ولكن
стр. 518
ذلك لم يحصل كما أن أشياعه الذين دافعوا عنه قبل مقتله كانوا كثيرين، والثورات التي طالبت بالثأر له لم تهدأ حتى انتصر أتباعه بقيادة مروان بن محمد) (١).
* آثار مقتله:
- إن يزيد بن الوليد الذي قام بالثورة على ابن عمه والذي أقر
بخطبته (٢) التي ألقاها عند توليه الخلافة أنه لم يقم إلا لإنكار المنكر الذي ظهر على الوليد بن يزيد، وهو بنفسه لم يسلم من المنكرات العقائدية التي وصفه بها العلماء.
- ذكر أنه كان قدريًّا، حيث روي عن الشافعي أنه قال: (ولي يزيد بن الوليد الذي يقال له: الناقص، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه وقرب غيلان) (٣)، قال ابن عساكر: (ولعله قرب أصحاب غيلان؛ لأن غيلان قتله هشام بن عبد الملك) (٤).
وروى الطبري بسنده: (أن يزيد بن الوليد مرض في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده، قال: فلم تزل القدرية يحثونه على البيعة، ويقولون له: إنه لا يحل لك أن تهمل أمر الأمة فبايع لأخيك، حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده) (٥).
стр. 519
- أخرج أبو زرعة بسنده: (كان القاضي سليمان بن حبيب المحاربي (١) قاضي الخلفاء إلى أن جاء قتل الوليد بن يزيد) (٢)، وهذا دليل على أن الشر وقع بعد مقتله.
وروي عنه أيضًا أنه كان صديقًا ليزيد بن الوليد، فلما ولي الخلافة قال: اللهم أنسه ذكري (٣).
- ذكر ابن جرير الطبري فقال: (وفي هذه السنة اضطرب حبل بني مروان، وهاجت الفتنة) (٤).
ثم ذكر جملة من الفتن منها، خروج سليمان بن هشام بعمان غاضبًا على يزيد بن الوليد، ووثوب أهل حمص مطالبين بدم الوليد بن يزيد (٥)، وخلاف أهل الأردن وفلسطين (٦)، وامتنع نصر بن سيار من تسليم عمله لعامل منصور بن جمهور، وهو ولي العراق من قبل يزيد بن الوليد (٧)، وأظهر الخلاف مروان بن محمد، وكتب إلى الغمر بن يزيد يطالبه بالقيام بدم أخيه (٨)، ووقوع الفتنة بين اليمانية والنزارية بخراسان، وهي بين الكرماني ونصر بن سيار (٩).
стр. 520
ثالثًا: بنو أمية بعد الوليد بن يزيد
* بيعة يزيد بن الوليد ومقتل يوسف بن عمر:
[٢٣٦]- (وإن محمد بن خالد وجه منصور بن جمهور (١) في خيل إلى العراق، وأمره أن يقصد إلى مدينة واسط، فيأخذ الناس بالبيعة ليزيد بن الوليد، فإذا بايعوا دعا بيوسف بن عمر، فضرب عنقه.
فسار منصور بن جمهور، فبدأ بالكوفة وأخذهم بالبيعة ليزيد بن الوليد، فلما بايعوا سار منها إلى واسط، فاجتمع إليه الناس، فبايعوا ليزيد، فلما فرغ دعا بيوسف بن عمر، فقال له: أنت القاتل سيد العرب خالد بن عبد الله؟.
قال يوسف: كنت مأمورًا، وما لي في ذلك من ذنب، فهل لك أن تعفيني من القتل، وأعطيك ديتي عشرة آلاف درهم؟ فضحك منه، ثم حمله حتى أتى به محمد بن خالد (٢) بالشام، فقال له محمد: أما زعمك أني كنت مأمورًا
فقد صدقت، وقد قتلت قاتل أبي، وإنما أقتلك بعبده غزوان، ثم قدمه،
فضرب عنقه) (٣).
стр. 521
ذكر نحوًا منها: البلاذري (١) مختصرًا، والطبري (٢) مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر تولية يزيد بن الوليد العراق لمنصور بن جمهور، وقد كان منصور بن جمهور أعرابيًّا جافيًّا غيلانيًّا، ولم يكن من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية، وحمية لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد (٣).
وقد أنكر عليه ذلك، فقد روى الطبري: (دخل على يزيد بن الوليد يزيد بن حجرة الغساني (٤) وكان دينًا فاضلًا ذا قدر في أهل الشام، قد قاتل الوليد ديانة - فقال: يا أمير المؤمنين، أوليت منصورًا العراق؟ قال: نعم؛ لبلائه وحسن معونته، قال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك في أعرابيته وجفائه في الدين. قال: فإذا لم أُوَّلِّ منصورًا في حسن معاونته فمن أولي؟! قال: تُولي رجلًا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود) (٥).
وكأن يزيد بن حجر استنكر تقريب يزيد بن الوليد منصور بن جمهور، مع ما فيه من الجفاء والجهل بالدين، فأنكر عليه ذلك وكأنه يقول: ألم تخرج على ابن عمك لإنكار المنكرات فكيف تولي رجلًا هذه حاله، ولكن يزيد رد عليه أن لمنصور حق علينا لبلائه في الخروج معنا على الوليد، فلا بد من مكافأته، ولعل هذا سبب اتهام يزيد بن الوليد بتقريب الغيلانية، وأن من قام معه في ثورته هذا ومن على نهجه.
стр. 522
أما خبر عزل ومحاسبة يوسف بن عمر واليًا العراق الذي حاسب خالد بن عبد الله وقتله، فقد وهم صاحب الكتاب في ذكر أن منصور بن جمهور هو الذي قبض عليه وأنه أسلمه إلى محمد بن خالد القسري.
والذي ورد من قصته أنه لما قدم العراق منصور بن جمهور واليًا عليها هرب يوسف بن عمر إلى البلقاء فبعث إليه يزيد بن خالد القسري (١) من يأتي به، فلما جيء به إلى الشام حبس، فلما مات يزيد بن الوليد وتولى إبراهيم بن الوليد أقبل مروان بن محمد إلى الشام، فأرسل يزيد بن خالد مولى خالد ويكنى أبا أسد في عدة من أصحابه، فدخل السجن وأخرج يوسف بن عمر وقتله (٢)، وقيل: إن يزيد بن خالد هو من تولى ذلك (٣).
وهذا هو المشهور من قصة مقتل يوسف بن عمر.
ويذكر أن يوسف بن عمر أتى يزيد بن الوليد ووضع يده بيده، فحبسه لمحاسبته، فجاءت اليمانية مع يزيد بن خالد وطالبوا بثأر خالد فوثبوا بيوسف وقتلوه، وقتلوا معه أبناء الوليد، وذلك في خلافة يزيد بن الوليد (٤).
وهذا ما يؤكد انتشار ظاهرة محاسبة عُمَّال الولايات لمن قد سبقهم في العمل، وهو ما زاد الدولة الأموية بسببها تفرقًا ووهنًا.
стр. 523
* وفاة يزيد بن الوليد:
[٢٣٧]- (فملك يزيد بن الوليد ستة أشهر، ثم مات) (١).
ذكر ابن قتيبة (٢) أن يزيد بن الوليد مات سنة ست وعشرين ومائة وخلافته خمسة أشهر.
وذكر الطبري (٣) ذلك وزاد: وقيل ستة أشهر.
* خلافة إبراهيم بن الوليد:
[٢٣٨]- (وقام بالملك من بعده أخوه إبراهيم بن الوليد، فبايعه الناس بالشام، وجميع الآفاق، وجعل ولي العهد من بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان (٤)، واستعمل على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة (٥)، فسار ابن هبيرة حتى نزل المكان الذي إلى اليوم يسمى قصر ابن هبيرة وبنى فيه قصرًا، واتخذ ذلك المكان منزلا له ولجنوده) (٦).
стр. 524
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (١) والبلاذري (٢) والطبري (٣).
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن بيعة إبراهيم بن الوليد كانت عامة، وأنها من جميع الآفاق، وقد انفرد بهذا وخالف غيره، فلم تكن بيعته عامة، ومما ورد في ذلك:
- ذكر خليفة بن خياط (٤): أن إبراهيم بويع له في الشام، ما خلا حمص، فإنهم لم يبايعوا له، ثم ذكر أن مروان بن محمد لم يبايع أصلًا ليزيد بن الوليد، وكان على أرمينية، ودعا إلى من يرضاه المسلمون للبيعة، ثم رضي وأراد أن يبايع فأرسل وفدًا إلى يزيد، ولما مات يزيد بن الوليد رد مروان ذلك الوفد، ثم خرج يريد إبراهيم في الشام.
- وأما الطبري (٥) فذكر أن الأمر لم يتم له، فجمعة يسلم عليه بالخلافة، وجمعة يسلم عليه بالإمارة، وجمعة لا يسلم عليه لا بالإمارة ولا بالخلافة، حتى قدم مروان بن محمد فخلعه، ويذكر أنه استمر أربعة أشهر، وقيل: سبعين ليلة.
وفيما سبق من النصوص دليل على أن الأمر لم يتم لإبراهيم بن الوليد حتى في الشام فكيف بسائر الآفاق!!
أما عن ولاية العهد بعد إبراهيم:
فقد ورد عند البلاذري (٦) والطبري (٧) أن يزيد جعله ولي عهده ومن بعده
стр. 525
عبد العزيز بن الحجاج.
وقيل: إن يزيد لم يولِّ أحدًا بعده، فكتب مولاه قطن كتابًا على لسانه يولي فيه عهدًا لإبراهيم بالخلافة (١)، وأما ذكره أن إبراهيم ولّى العراق يزيد بن عمر ابن هبيرة، فقد وهم في ذلك؛ لأن ولايته كانت في خلافة مروان بن محمد (٢).
وأما عن ولاية العراق في عهد يزيد بن الوليد فقد كانت بيد عبد الله بن عمر بن عبد العزيز (٣)، ولما توفي يزيد وقام إبراهيم بالأمر، قام بعض أهل العراق بثورة ضده، وبايعوا لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر (٤) في سنة سبع وعشرين ومائة (٥).
* ثورة مروان بن محمد وخلع إبراهيم:
[٢٣٩]- (قالوا: وإن المضرية تلاومت فيما كان من غلبة اليمانية عليها، وقتلهم الخليفة الوليد بن يزيد، فدب بعضهم إلى بعض، واجتمعوا من أقطار الأرض وساروا حتى وافوا مدينة حمص، وبها مروان بن محمد بن مروان بن
стр. 526
الحكم، وكان يومئذ شيخ بني أمية وكبيرهم، وكان ذا أدب كامل ورأي فاضل، فاستخرجوه من داره، وبايعوه، وقالوا له: أنت شيخ قومك وسيدهم، فاطلب بثأر ابن عمك الوليد بن يزيد.
فاستعد مروان بجنوده في تميم، وقيس، وكنانة، وسائر قبائل مضر، وسار نحو مدينة دمشق، وبلغ ذلك إبراهيم بن الوليد، فتحصن في قصره.
ودخل مروان بن محمد دمشق، فأخذ إبراهيم بن الوليد وولي عهده عبد العزيز بن الحجاج فقتلهما، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسرى (١) نحو العراق حتى أتى الكوفة، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي (٢)، فاستخفى فيها، وعلى الكوفة يومئذ زياد بن صالح الحارثي (٣)، عاملًا ليزيد بن عمر بن هبيرة) (٤).
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذا الخبر كيفية وصول مروان بن محمد إلى الحكم، وذلك بعد خلع إبراهيم ثم قتله، وقد جعل ذلك كله من قِبَل المضرية، ولم يكن لمروان بن محمد إلا بعض المشاركة في الحدث بعد أن جمعت له المضرية الجيوش وولوه أمرهم، وهذا الخبر مخالفًا لما ورد عن الطريقة التي وصل بها مروان بن محمد إلى الحكم.
стр. 527
والذي ورد في ذلك أن مروان بن محمد لم يكن راضيًا عما فعله يزيد بالوليد في قتله الوليد بن يزيد وأخذ الحكم منه، ثم رضي بعدما أقره يزيد على عمل أبيه محمد، فبعث ببيعته مع وفد فلما مات يزيد بن الوليد ردهم من منبج (١).
فلما ولي إبراهيم جمع مروان الجيوش وأقبل إلى دمشق، والتقى بجيش إبراهيم بقيادة سليمان بن هشام، بمكان يسمى عين الجر (٢)، فهزمهم مروان، وقبل دخول مروان بن محمد دمشق، قتل أبناء الوليد وهما الحكم وعثمان من قبل يزيد بن خالد القسري ومن معه، ويذكر أن معهما يوسف بن عمر، ثم دخل مروان دمشق وبويع له بالخلافة، ثم إن إبراهيم طلب الأمان فأمنه (٣).
والسبب في قتل أبناء الوليد أن يزيد بن خالد ومن معه خافوا من مروان أن يولي أحدهما، فينتقما من قتلة أبيهما فقرر قتلهم (٤).
ومما سبق يفهم أن مروان بن محمد لم يقتل إبراهيم، وأنه أمَّنَه، وليس كما وهم صاحب الكتاب.
وكذلك عبد العزيز بن الحجاج لم يقتله مروان، بل يروى أن قتله كان قبل دخول مروان إلى دمشق، وأن من قتله هم موالي الوليد بن يزيد (٥)، وقيل: أهل دمشق (٦)، وقيل: إن أبا محمد السفياني (٧) وضع عشرة آلاف درهم لمن
стр. 528
يأتي برأسه فثار الناس عليه فقتلوه (١)، والمشهور أن من قتله هم موالي الوليد، وهم من أهل دمشق، وسبب ذلك لأنه هو من قام بمهمة قتل الوليد بن يزيد، وهو من قاد الجيوش ضده وحاصره (٢).
والسبب الذي جعل مروان بن محمد يرشح نفسه للخلافة، ما روي عن الحكم بن الوليد (٣)، وهو ولي عهد أبيه الوليد بن يزيد قد قال أبيات من الشعر يوصي بالخلافة من بعده لمروان بن محمد، والذي نقل هذا عنه لمروان أبو محمد السفياني، الذي كان محبوسًا معه، وأخوه في السجن، فلما دخل مروان دمشق بايعه أبو محمد بالخلافة، وأخبره بالأبيات التي فيها الوصية ومنها قوله:
ألا من مبلغ مروان عنِّي … وعمي الغمر طال بذا حنينا
بأني قد ظلمت وصار قومي … على قتل الوليد متابعينا
فإن أَهْلِك أنا وولي عهدي … فمروان أمير المؤمنينا (٤)
стр. 529
رابعًا: ما حدث بين الكرماني ونصر بن سيار
* قيام العصبية القبلية في خراسان:
[٢٤٠]- (ثم إن العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانية.
وكان سبب ذلك، أن جديع بن علي المعروف بالكرماني كان سيدَ مَنْ بأرض خراسان من اليمانية، وكان نصر بن سيار متعصبًا على اليمانية، مبغضًا لهم، فكان لا يستعين بأحد منهم، وعادى أيضًا ربيعة لميلها إلى اليمانية، فعاتبه الكرماني في ذلك.
فقال له نصر: ما أنت وذاك؟ قال الكرماني: إنما أريد بذلك صلاح أمرك، فإني أخاف أن تفسد عليك سلطانك، وتحمل عليك عدوك هذا المطل، يعنى المسودة. قال له نصر: أنت شيخ قد خرفت. فأسمعه الكرماني كلامًا غليظًا، فغضب نصر، وأمر بالكرماني إلى الحبس، فحبس في القهندر، وهي القلعة العتيقة.
فغضب أحياء العرب للكرماني، فاعتزلوا نصر بن سيار، واجتمع إلى نصر المضرية، فطابقوه وشايعوه.
وكان للكرماني مولى من أبناء العجم، ذو دهاء وتجربة، وكان يخدمه في محبسه، وكان الكرماني رجلًا ضخمًا عظيم الجثة، عريض ما بين المنكبين، فقال له مولاه: أتوطن نفسك على الشدة والمخاطرة حتى أُخرجك من الحبس؟ قال له الكرماني: وكيف تخرجني؟ قال: إني قد عينت على ثقب ضيق، يخرج منه ماء المطر إلى الفارقين، فوطن نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب. قال الكرماني: لا بد من الصبر، فاعمل ما أردت.
فخرج مولاه إلى اليمانية، فواطأهم، ووطنهم في طريقه، فلما جن الليل،
стр. 530
ونام الأحراس أقبل مولاه من خارج السور، فوقف له على باب الثقب، وأقبل الكرماني حتى أدخل رأسه في الثقب، وبسط فيه يديه حتى نالت يداه كفي مولاه، فاجتذبه اجتذابة شديدة، سلخ بها بعض جلده، ثم اجتذبه ثانية حتى انتهى به إلى النصف، فإذا هو بحية في الثقب، فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مارمار أي حية قد عرضت، فقال مولاه: بكز بكز أي عضها، ثم اجتذبه الثالثة، فاخرجه، فقال لمولاه: أمهلني ساعة، حتى أفيق، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ.
فلما رجعت إلى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل، وأتى بدابة ركبها حتى انتهى إلى منزله، واجتمعت إليه الأزد، وسائر من بخراسان من اليمانية، وانحازت ربيعة معهم.
وبلغ نصر بن سيار الخبر، فدعا بصاحب الحبس فضرب عنقه، وظن أن ذلك كان بمواطأة منه) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) بمثله مختصرًا، والطبري (٣) مطولًا.
• نقد النص:
في سنة إحدى وعشرين ومائة تولى على خراسان جديع الكرماني، ثم عُزِلَ عنها ووليها نصر بن سيار، وذلك من قبل يوسف بن عمر في خلافة هشام بن عبد الملك (٤).
جاء عند الطبري أن ذلك وقع في سنة ست وعشرين ومائة، ثم إنه ذكر أسبابًا أخرى لما جرى بين الكرماني ونصر، ومن ذلك: