الحكم، وكان يومئذ شيخ بني أمية وكبيرهم، وكان ذا أدب كامل ورأي فاضل، فاستخرجوه من داره، وبايعوه، وقالوا له: أنت شيخ قومك وسيدهم، فاطلب بثأر ابن عمك الوليد بن يزيد.
فاستعد مروان بجنوده في تميم، وقيس، وكنانة، وسائر قبائل مضر، وسار نحو مدينة دمشق، وبلغ ذلك إبراهيم بن الوليد، فتحصن في قصره.
ودخل مروان بن محمد دمشق، فأخذ إبراهيم بن الوليد وولي عهده عبد العزيز بن الحجاج فقتلهما، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسرى (١) نحو العراق حتى أتى الكوفة، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي (٢)، فاستخفى فيها، وعلى الكوفة يومئذ زياد بن صالح الحارثي (٣)، عاملًا ليزيد بن عمر بن هبيرة) (٤).
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذا الخبر كيفية وصول مروان بن محمد إلى الحكم، وذلك بعد خلع إبراهيم ثم قتله، وقد جعل ذلك كله من قِبَل المضرية، ولم يكن لمروان بن محمد إلا بعض المشاركة في الحدث بعد أن جمعت له المضرية الجيوش وولوه أمرهم، وهذا الخبر مخالفًا لما ورد عن الطريقة التي وصل بها مروان بن محمد إلى الحكم.
стр. 527
والذي ورد في ذلك أن مروان بن محمد لم يكن راضيًا عما فعله يزيد بالوليد في قتله الوليد بن يزيد وأخذ الحكم منه، ثم رضي بعدما أقره يزيد على عمل أبيه محمد، فبعث ببيعته مع وفد فلما مات يزيد بن الوليد ردهم من منبج (١).
فلما ولي إبراهيم جمع مروان الجيوش وأقبل إلى دمشق، والتقى بجيش إبراهيم بقيادة سليمان بن هشام، بمكان يسمى عين الجر (٢)، فهزمهم مروان، وقبل دخول مروان بن محمد دمشق، قتل أبناء الوليد وهما الحكم وعثمان من قبل يزيد بن خالد القسري ومن معه، ويذكر أن معهما يوسف بن عمر، ثم دخل مروان دمشق وبويع له بالخلافة، ثم إن إبراهيم طلب الأمان فأمنه (٣).
والسبب في قتل أبناء الوليد أن يزيد بن خالد ومن معه خافوا من مروان أن يولي أحدهما، فينتقما من قتلة أبيهما فقرر قتلهم (٤).
ومما سبق يفهم أن مروان بن محمد لم يقتل إبراهيم، وأنه أمَّنَه، وليس كما وهم صاحب الكتاب.
وكذلك عبد العزيز بن الحجاج لم يقتله مروان، بل يروى أن قتله كان قبل دخول مروان إلى دمشق، وأن من قتله هم موالي الوليد بن يزيد (٥)، وقيل: أهل دمشق (٦)، وقيل: إن أبا محمد السفياني (٧) وضع عشرة آلاف درهم لمن
стр. 528
يأتي برأسه فثار الناس عليه فقتلوه (١)، والمشهور أن من قتله هم موالي الوليد، وهم من أهل دمشق، وسبب ذلك لأنه هو من قام بمهمة قتل الوليد بن يزيد، وهو من قاد الجيوش ضده وحاصره (٢).
والسبب الذي جعل مروان بن محمد يرشح نفسه للخلافة، ما روي عن الحكم بن الوليد (٣)، وهو ولي عهد أبيه الوليد بن يزيد قد قال أبيات من الشعر يوصي بالخلافة من بعده لمروان بن محمد، والذي نقل هذا عنه لمروان أبو محمد السفياني، الذي كان محبوسًا معه، وأخوه في السجن، فلما دخل مروان دمشق بايعه أبو محمد بالخلافة، وأخبره بالأبيات التي فيها الوصية ومنها قوله:
ألا من مبلغ مروان عنِّي … وعمي الغمر طال بذا حنينا
بأني قد ظلمت وصار قومي … على قتل الوليد متابعينا
فإن أَهْلِك أنا وولي عهدي … فمروان أمير المؤمنينا (٤)
стр. 529
رابعًا: ما حدث بين الكرماني ونصر بن سيار
* قيام العصبية القبلية في خراسان:
[٢٤٠]- (ثم إن العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانية.
وكان سبب ذلك، أن جديع بن علي المعروف بالكرماني كان سيدَ مَنْ بأرض خراسان من اليمانية، وكان نصر بن سيار متعصبًا على اليمانية، مبغضًا لهم، فكان لا يستعين بأحد منهم، وعادى أيضًا ربيعة لميلها إلى اليمانية، فعاتبه الكرماني في ذلك.
فقال له نصر: ما أنت وذاك؟ قال الكرماني: إنما أريد بذلك صلاح أمرك، فإني أخاف أن تفسد عليك سلطانك، وتحمل عليك عدوك هذا المطل، يعنى المسودة. قال له نصر: أنت شيخ قد خرفت. فأسمعه الكرماني كلامًا غليظًا، فغضب نصر، وأمر بالكرماني إلى الحبس، فحبس في القهندر، وهي القلعة العتيقة.
فغضب أحياء العرب للكرماني، فاعتزلوا نصر بن سيار، واجتمع إلى نصر المضرية، فطابقوه وشايعوه.
وكان للكرماني مولى من أبناء العجم، ذو دهاء وتجربة، وكان يخدمه في محبسه، وكان الكرماني رجلًا ضخمًا عظيم الجثة، عريض ما بين المنكبين، فقال له مولاه: أتوطن نفسك على الشدة والمخاطرة حتى أُخرجك من الحبس؟ قال له الكرماني: وكيف تخرجني؟ قال: إني قد عينت على ثقب ضيق، يخرج منه ماء المطر إلى الفارقين، فوطن نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب. قال الكرماني: لا بد من الصبر، فاعمل ما أردت.
فخرج مولاه إلى اليمانية، فواطأهم، ووطنهم في طريقه، فلما جن الليل،
стр. 530
ونام الأحراس أقبل مولاه من خارج السور، فوقف له على باب الثقب، وأقبل الكرماني حتى أدخل رأسه في الثقب، وبسط فيه يديه حتى نالت يداه كفي مولاه، فاجتذبه اجتذابة شديدة، سلخ بها بعض جلده، ثم اجتذبه ثانية حتى انتهى به إلى النصف، فإذا هو بحية في الثقب، فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مارمار أي حية قد عرضت، فقال مولاه: بكز بكز أي عضها، ثم اجتذبه الثالثة، فاخرجه، فقال لمولاه: أمهلني ساعة، حتى أفيق، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ.
فلما رجعت إلى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل، وأتى بدابة ركبها حتى انتهى إلى منزله، واجتمعت إليه الأزد، وسائر من بخراسان من اليمانية، وانحازت ربيعة معهم.
وبلغ نصر بن سيار الخبر، فدعا بصاحب الحبس فضرب عنقه، وظن أن ذلك كان بمواطأة منه) (١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) بمثله مختصرًا، والطبري (٣) مطولًا.
• نقد النص:
في سنة إحدى وعشرين ومائة تولى على خراسان جديع الكرماني، ثم عُزِلَ عنها ووليها نصر بن سيار، وذلك من قبل يوسف بن عمر في خلافة هشام بن عبد الملك (٤).
جاء عند الطبري أن ذلك وقع في سنة ست وعشرين ومائة، ثم إنه ذكر أسبابًا أخرى لما جرى بين الكرماني ونصر، ومن ذلك:
стр. 531
أن نصر بن سيار لما أتاه عهده على خراسان من قبل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، قام الكرماني في أصحابه وقال: الناس في فتنة فاختاروا لأنفسكم رجلًا. فقالوا: أنت لنا، وقالت المضرية لنصر: إن الكرماني يفسد عليك أمرك فأرسل إليه فاقتله، أو احبسه، فقرر حبسه، وكان ذلك بعد مقتل الوليد.
وقيل: أتى قوم إلى نصر وحذروه من الكرماني، وقالوا: إنه يدعو إلى فتنة، وأنه يطلب السلطان، وكان نصر والكرماني متصافين، وقد أحسن الكرماني إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما ولي نصر عَزَلَ الكرماني عن الرئاسة ثم ولاه يسيرًا ثم عزله، فتباعد ما بينهما، فحبسه نصر بعد أن ذكَّرَه بفضائله عليه، ثم هرب من سجنه، وخرج عليه (١).
وهذا ما روي في خبر العصبية القبلية في خراسان، ويبدو أن صاحب الكتاب حصرها في أفعال نصر وتحزبه مع النزارية ضد اليمانية، وهذا مبالغة منه، ولعلها قامت لأسباب منها: أنها امتداد للفتنة التي قامت في الشام ضد الخليفة الوليد بن يزيد، والتي أدت إلى مقتله، فقد راج أمر الناس ووقعت الفتنة في الشام والعراق وخراسان، فتحزب العرب في خراسان لولائهم القبلي بدلًا من ولائهم لبني أمية، ومن ذلك الكرماني ومن معه من اليمانية، فالكرماني يمتلك قاعدة عريضة من الأتباع، ثم إنه يعتبر الرجل الأول في هذا الحي من العرب، أما المضرية فقد تحزبوا وهم يمثلون الجانب الأعلى؛ لأن ولاءهم أخذ الشرعية بسبب نصر وولايته، ثم إن التنافس الواضح بين الكرماني ونصر على خراسان، كان له الأثر الكبير في خروج الكرماني على نصر، وخصوصًا أن الكرماني قد جرب السلطة ثم عزل عنها وله أتباع يحثونه عليها.
стр. 532
* آثار هذه الفتنة:
ذكر البلاذري (١) في بداية الخبر عن العصبية التي وقعت بخراسان أنها زادت من أمر أبي مسلم.
وقد أثّرت هذه الفتنة على وحدة الصف في خراسان، ففي أثناء هذا التقاتل بين العرب أصبح هناك فرصة سانحة لأتباع الدولة العباسية ودعاتها للبسط في الدعوة؛ بل إنها عجلت ظهورها.
* مراسلة نصر للكرماني بعد هروبه من السجن:
[٢٤١]- (ثم قال لسلم بن أحوز المازني (٢)، وكان على شرطه: انطلق إلى الكرماني، فأعلمه: أني لم أرد به مكروهًا، وإنما أردت تأديبه لما استقبلني به، ومره أن يصير إليَّ آمنًا؛ لأناظره في بعض الأمر.
فصار سَلْم إليه، فإذا هو بمحمد بن المثنى الربعي (٣) جالسًا على الباب في سبعمائة رجل من ربيعة، فدخل عليه، فأبلغه الرسالة، فقال الكرماني: لا، ولا كرامة، ما له عندي إلا السيف.
فأبلغ ذلك نصرًا، فأرسل نصر بعصمة بن عبد الله الأزدي (٤)، وكان من
стр. 533
خاصته، فقال له: انطلق إلى ابن عمك، فأمِّنْه، ومره أن يصير إليّ آمنًا؛ لأناظره في بعض ما قد دهمنا من هذا العدو. فقال الكرماني لعصمة حين أبلغه رسالة نصر: يا ابن الخبيثة، وما أنت وذاك؟ وقد ذكر لي عمك، أنك لغير أبيك الذي تنسب إليه، إنما تريد أن تتقرب إلى ابن الأقطع يعني نصرًا، أما لو كنت صحيح النسب لم تفارق قومك، وتميل إلى من لا رحم بينه وبينك. فانصرف عصمة إلى نصر، وأبلغه قوله) (١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٢).
• نقد النص:
نجد أن في هذه الرواية خبر مراسلة نصر بن سيار للكرماني، وهو يحاول بذلك رده إلى الطاعة بعد أن خرج من حبسه، وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر أن الكرماني قدح بنسب رسول نصر وهو عصمة، وهذا لم يثبت، ثم إنه مخالف لما رواه الطبري أن عصمة قال للكرماني: (يا أبا علي، إني أخاف عليك عاقبة ما ابتدأت به في دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خصالًا، فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد بذلك إلا الإنذار إليك. فقال الكرماني لعصمة: إني أعلم أن نصرًا لم يقل هذا لك، ولكنك أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى منزلك، فيرسل من أحب غيرك فرجع عصمة) (٣).
ونجد في هذا الرواية ردًّا على ما قبلها وما جاء فيها أن نصرًا أبعد اليمانية، فقد أرسل رجلًا منهم وهو عصمة الأزدي وهو من خاصته، ولكن أيدي العبث تأبى إلا أن تغير من الحقائق.
стр. 534
* محاولة نصر بن سيار رد الكرماني إلى حلف جاهلي:
[٢٤٢]- (ثم إن الكرماني كتب إلى عمر بن إبراهيم (١)، من ولد أبرهة ابن الصباح (٢)، ملك حمير، وكان آخر ملوكهم، وكان مستوطنًا الكوفة، يسأله أن يوجه إليه بنسخة حلف اليمن وربيعة، الذي كان بينهم في الجاهلية، ليحييه، ويجدده، وإنما أراد بذلك أن يستدعي ربيعة إلى مكانفته، فأرسل به إليه، فجمع الكرماني إليه أشراف اليمن وعظماء ربيعة، وقرأ عليهم نسخة الحلف.
وكانت النسخة:
بسم الله العلي الأعظم، الماجد المنعم، هذا ما احتلف عليه آل قحطان وربيعة الإخوان، احتلفوا على السواء السواء، والأواصر والإخاء، ما احتذى رجل حذا، وما راح راكب واغتدى، يحمله الصغار عن الكبار، والأشرار عن الأخيار. آخر الدهر والأبد، إلى انقضاء مدة الأمد، وانقراض الآباء والولد، حلف يوطأ ويثب، ما طلع نجم وغرب، خلطوا عليه دماءهم، عند ملك أرضاهم، خلطها بخمر وسقاهم، جز من نواصيهم أشعارهم، وقلم عن أناملهم أظفارهم، فجمع ذلك في صر، ودفنه تحت ماء غمر، في جوف قعر بحر آخر الدهر، لا سهو فيه ولا نسيان، ولا غدر ولا خذلان، بعقد مؤكد شديد، إلى آخر الدهر الأبيد، ما دعا صبي أباه، وما حلب عبد في إناه، تحمل عليه الحوامل، وتقبل عليه القوابل، ما حل بعد عام قابل، عليه المحيا والممات، حتى ييبس الفرات، وكتب في الشهر الأصم عند ملك أخي ذمم، تبع بن ملك
стр. 535
يكرب، معدن الفضل والحسب، عليهم جميعًا كفل، وشهد الله الأجل، الذي ما شاء فعل، عقله من عقل، وجهله من جهل.
فلما قرئ عليهم هذا الكتاب تواقفوا (١) على أن ينصر بعضهم بعضًا، ويكون أمرهم واحدًا) (٢).
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذا الحلف.
• نقد النص:
لم أقف على أصل لهذا الحلف الذي ذكره صاحب الكتاب.
وقد جاءت ردود من بعض المعاصرين على هذا الكتاب ومنهم:
- ناصر الدين الأسد (٣)؛ حيث قال: (وقد زعم أبو حنيفة الدينوري (٤) أن عمر بن إبراهيم من ولد أبرهة بن الصباح ملك حمير أرسل إلى الكرماني نسخة حلف اليمن وربيعة، الذي كان بينهم في الجاهلية، ثم أورد نص هذا الحلف) (٥).
وقصده ما ذكر في هذا الكتاب المنسوب للدينوري.
- جواد علي (٦)؛ حيث قال: (وهو كتاب يظهر أنه دُوِّنَ في الإسلام، وأن واضعه لم يكن له علم بأحوال اليمن في ذلك العهد) (٧).
стр. 536
* المواجهات بين نصر والكرماني:
[٢٤٣]- (فأرسل الكرماني إلى نصر: إن كنت تريد المحاربة فأبرز إلى خارج المدينة. فنادى نصر في جنوده من مضر.
وخرج، فعسكر ناحية من الصحراء، وفعل الكرماني مثل ذلك. وخندق كل واحد منهما في عسكره، ويسمى ذلك المكان إلى اليوم الخندقين.
ووجه الكرماني محمد بن المثنى، وأبا الميلاء الربعيين، في ألف فارس، من ربيعة، وأمرهما أن يتقدما إلى عسكر نصر بن سيار.
فأقبلا، حتى إذا قاربا عسكره قال نصر لابنه تميم: اخرج إلى القوم في ألف فارس من قيس وتميم.
فانتخب ألف فارس، ثم خرج، فالتقوا، واقتتلوا، وحمل محمد بن المثنى الربعي على تميم بن نصر، فتضاربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئًا، لكمال لامتيهما، فلما رأى محمد بن المثنى ذلك حمل بنفسه على تميم، فعانقه، فسقطا جميعًا إلى الأرض، وصار محمد فوق تميم، فانحنى على حلقه بالسيف، فذبحه.
وقال نصر بن سيار يرثي ابنه تميمًا:
نفى عني العزاء وكنت جلدًا … غداة جلَى الفوارس عن تميم (١)
وما قصرت يداه عن الأعادي … ولا أضحى بمنزله اللئيم
وفاء للخليفة وابتذالًا … لمهجته يدافع عن حريم
فمن يك سائلا عني فإني … أنا الشيخ الغضنفر ذو الكليم
стр. 537
نمتني من خزيمة باذخات … بواسق ينتمين إلى صميم (١)
قالوا: فمكثوا بذلك عشرين شهرًا (٢)، ينهض بعضهم إلى بعض كل يوم، فيقتتلون هويًا، ثم ينصرفون، وقد انتصف بعضهم من بعض.
وشغلهم ذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه حتى قوي أمره، واشتد ركنه، وعلا شأنه في جميع كور خراسان) (٣).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٤) مختصرًا، والطبري (٥) مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر صاحب الكتاب بعض المواجهات التي تمت بين نصر بن سيار والكرماني، ثم ذكر مقتل ابن نصر في هذه المواجهة، وهذا وهم منه، فقد ذكر الطبري (٦) أن هذه المعركة كانت سنة تسع وعشرين ومائة في السنة التي قتل فيها الكرماني.
وأما مقتل تميم بن نصر فهو في سنة ثلاثين ومائة في المواجهة بين نصر وأبي مسلم، فقد كان على جيش أبي مسلم قحطبة بن شبيب، وكان على جيش نصر ابنه تميم بن نصر، فقتل في تلك المواجهة (٧).
* محاولة الإصلاح:
[٢٤٤]- (فقال عقيل بن معقل الليثي لنصر بن سيار: إن هذه العصبية
стр. 538
قد تمادت بيننا وبين هؤلاء القوم، وقد شغلتك عن جميع أعمالك، وضبط سلطانك، وقد أظلك هذا العدو الكلب، فأنشدك الله أن تشام نفسك وعشيرتك، قارب هذا الشيخ يعني الكرماني بعض المقاربة، فقد انتقض الأمر على الإمام مروان بن محمد.
فقال نصر: يا ابن عم، قد فهمت ما ذكرت، ولكن هذا الملاح قد ساعدته عشيرته، وظافرتهم على أمرهم ربيعة، فقد عَدَا من أجل ذلك طوره، فلا ينوي صلحًا، ولا ينيب إلى أمان، فانطلق يا ابن عم إن شئت، فسله ذلك، وأعطه عني ما أراد.
فمضى عقيل بن معقل حتى استأذن على الكرماني، فدخل فسلم.
ثم قال له: إنك شيخ العرب وسيدها بهذه الأرض، فابق عليها، قد تمادت هذه العصبية بيننا وبينكم، وقد قتل منا ومنكم ما لا يحصيه أحد، وقد أرسلني نصر إليك، وجعل لك حكم الصبي على أبويه، على أن ترجع إلى طاعته، لتتآزرا على إطفاء هذه النار المضطرمة في جميع كور خراسان، قبل أن يكاشفوا يعني المسودة.
قال الكرماني: قد فهمت ما ذكرت، وكنت كارهًا لهذا الأمر، فأبى ابن عمك -يعني نصرًا- إلا البذخ والتطاول حتى حبسني في سجنه، وبعثني على نفسه وقومه.
قال له عقيل: فما الذي عندك في إطفاء هذه النائرة (١)، وحقن هذه الدماء؟.
قال الكرماني: عندي من ذلك أن نعتزل أنا وهو الأمر، ونولي جميعًا أمرنا
стр. 539
رجلًا من ربيعة، فيقوم بالتدبير، ونساعده جميعًا، ونتشمر لطلب هؤلاء المسودة قبل أن يجتمعوا، فلا نقوى بهم، ولو أجلب عليهم معنا جميع العرب.
قال عقيل: إن هذا ما لا يرضى به الإمام مروان بن محمد، ولكن الأمير نصرًا يجعل الأمر لك، تُولِّي مَنْ شئت، وتَعْزِل مَنْ شئت، وتدبر في هؤلاء المسودة ما شئت، ويتزوج إليك، وتتزوج إليه.
قال الكرماني: كيف يتزوج إليَّ، وليس لي بكفء؟
قال عقيل: أتقول هذا لرجل له بيت كنانة؟
قال الكرماني: لو كان من مصاص كنانة ما فعلت، فكيف وهو ملصق فيهم؟ فأما قولك: إنه يجعل الأمر إلي، أُولِّي، وأعْزِلُ مَنْ أريد، فلا، ولا كرامة، أن أكون تبعًا له، أو أكاره على السلطان. فانصرف عقيل إلى نصر، فقال: إنك كنت بهذا الملاح أبصر مني، ثم أخبره بما دار بينهما كله) (١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٢).
• نقد النص:
نجد في هذا الخبر أن صاحب الكتاب أطلق لقب الإمام على مروان بن محمد، ولم يذكر هذا اللقب من قبل لا لمروان ولا لغيره من خلفاء بني أمية، ويبدو أنه أخطأ في ذلك وظن أنه يتحدث عن أحد أئمة بني العباس.
ثم إنه أورد زيادة في هذا الخبر لم تأتِ عند الطبري وهي الجزء الأخير من النص والمتمثل بقدح الكرماني بنسب نصر، والذي ورد عند الطبري أن
стр. 540
الكرماني قال (لا آمنه على حال) (١).
والظاهر أن هذه الزيادة محدثة في الخبر من قبل صاحب الكتاب، وإلا فأصل نصر بن سيار ونسبه ليس فيه مقدح، وقد تكرر منه هذا القدح كما في قصة عصمة الأزدي الذي أرسله نصر إلى الكرماني كما مر بنا، ثم إن عقيل بن معقل هذا ابن عم لنصر فكيف يقدح في نسب ابن عمه أمامه؟
ولعل السبب الذي دعا صاحب الكتاب لذكر نصر وتهميش نسبه والحط من قدره، أن نصرًا يوالي بني أمية وهو ممثلهم في خراسان، وقد وقف ضد الدعوة العباسية موقفًا صارمًا لولا خروج الكرماني عليه، والذي تسبب في ضعف موقفه، فلا يستبعد أن ذلك مدفوعًا من تشيعه وبغضه لبني أمية وولاتهم، ثم إنه يغلب جانب الحق مع الكرماني؛ لأنه يمثل المعارضة في خراسان، ولم يكن ذلك ولاءً بل لاتفاقه معه في معارضة بني أمية.
* * *
стр. 541
خامسًا: أخبار متفرقة:
* إنذار نصر للخليفة مروان بن محمد:
[٢٤٥]- (فكتب نصر بن سيار، إلى الإمام مروان بن محمد، يخبره بخروج الكرماني عليه، ومحاربته إياه، واشتغاله بذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه، حتى قد عظم أمرهم، وإن المحصى المقلل لهم يزعم، أنه قد بايعه مئتا ألف رجل، من أقطار خراسان، فتدارك يا أمير المؤمنين أمرك، وابعث إليّ بجنود من قبلك يقوى بهم ركني، وأستعين بهم على محاربة من خالفني.
ثم كتب في أسفل كتابه:
أرى تحت الرماد وميض جمر … ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى … وإن الشر مبدؤه كلام
وقلت من التعجب، ليت شعري … أأيقاظ أمية أم نيام؟
فإن يقظت، فذاك بقاء ملك … وإن رقدت، فإني لا ألام
فإن يك أصبحوا، وثووا نيامًا … فقل قوموا، فقد حان القيام
فلما وصل كتابه إلى مروان كتب إلى معاوية بن الوليد بن عبد الملك، وكان عامله على دمشق، ومروان حينئذ بمدينة حمص، يأمره أن يكتب إلى عامله بالبلقاء، أن يسير إلى الحميمة، فيأخذ إبراهيم بن محمد بن علي، فيشده وثاقًا، ويرسل به إليه.
فأتى إبراهيم، وهو جالس في مسجده، فلف رأسه، وحمل إلى مروان، وأتبعه من أهل بيته عبد الله بن علي، وعيسى بن موسى بن علي، ونفر من مواليه.
стр. 542
فلما دخل على مروان قال له: ما هذه الجموع التي خرجت بخراسان تطلب لك الخلافة؟ قال له إبراهيم: ما لي بشيء من ذلك علم، فإن كنت إنما تريد التجني علينا فدونك وما تريد، ثم بسط لسانه على مروان، فأمر به، فحبس) (١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٢) مختصرًا، والبلاذري (٣)، والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
هذه الرسالة من نصر بن سيار إلى مروان كانت بعد أن ظهرت الدعوة العباسية في خراسان وكثر أتباعها في سنة تسع وعشرين ومائة (٥).
وكان رد الخليفة مروان على نصر: (فكتب إليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم ألّا نصر عنده) (٦).
ورد مروان على نصر بهذه العبارة (الثؤلول)، وهي تعني الخراج، الذي يكون في الجسد، ليوحي أن مروان احتقر أمر الدعوة العباسية، ولم يرعها تلك الأهمية، وما علم أن نهاية ملكه عليها.
وفي هذا الخبر نجد أن مروان بن محمد أمر بالقبض على إبراهيم بن محمد، وقد قرن صاحب الكتاب هذا الخبر بهذه الأبيات مما جعلها سببًا في
стр. 543
ذلك، وقد اختُلِف في سبب القبض على إبراهيم بن محمد، ومما يروى في ذلك ما يلي:
- ذكر البلاذري (١) أن نصرًا دسَّ رجلًا استأمنه إلى أبي مسلم، وأظهر الدخول معه، فعرف أن الذي يدعون إليه ويكاتبونه يدعى إبراهيم بن محمد، فكتب إلى مروان بذلك.
- أما الطبري (٢) فقد ذكر في سبب القبض على إبراهيم هو أن مروانًا عثر على رسول بين إبراهيم وأبي مسلم، فأمر مروان بالقبض على إبراهيم، فأخذ وكتف دون ذكر أن رأسه لُف.
- وذكر ابن كثير (٣) سببًا آخر في سبب القبض عليه ورجحه، وهو أن إبراهيم حج في سنة إحدى وثلاثين فاشتهر أمره؛ لأنه وقف في أبهة عظيمة، ونجائب كثيرة، فانتهى أمره إلى مروان، وقيل له: إن أبا مسلم يدعو الناس إلى هذا ويسمونه خليفة.
وما يزيد في ترجيحه أننا نجد أن وصول خبر إبراهيم وسجنه مواكبًا لقيام الدعوة؛ لأن الطبري (٤) ذكر سجنه في سنة تسع وعشرين ومائة، وهي السنة التي ظهرت فيها الدعوة العباسية في خراسان.
* موت إبراهيم في سجن مروان:
[٢٤٦]- (قال الهيثم (٥): فأخبرني أبو عبيدة (٦)، قال: كنت آَتِي إبراهيم
стр. 544
في محبسه، ومعه فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأسلم عليه، وأظل عامة نهاري عنده، وربما جنى الليل عنده، فأبيت معه، فبينا أنا ذات ليلة عنده، وقد بت معه في الحبس، فأنا نائم في سقيفة فيه، إذ أقبل، مولى لمروان، فاستفتح الباب، ففتح له، فدخل ومعه نحو من عشرين رجلًا من موالي مروان، فلبثوا ساعة، ثم خرجوا، ولم أسمع لأحد صوتًا، فلما أصبحت دخلت البيت لأسلم عليهما، فإذا هما قتيلان، فظننت أنهما خنقًا) (١).
ذكر البلاذري (٢) نحوًا منها.
• نقد النص:
هذه الرواية باطلة من جهة سندها، فهي من طريق الهيثم بن عدي، وأبي عبيدة وكلاهما ضعيفان.
وأما ما ورد في موت إبراهيم بن محمد فقد ورد في ذلك روايات عدة، وكلها تدور حول أن مروان قتله أو دس إليه من يقتله في السجن ومن ذلك:
- ذكر البلاذري (٣) روايات وهي: أن إبراهيم ومن معه ديست بطونهما، ويقال: غُما، ويقال: سُما، ويقال: عصر ما تحت سراويلهما حتى ماتا.
- وذكر الطبري (٤) روايتين الأولى: أن مروان بن محمد هدم على إبراهيم بيتًا فمات، والأخرى: أنه سُمَّ في لبن داخل السجن فمات منه.
وهذا الاختلاف نابع من الغموض الذي يدور حول الكيفية التي مات بها، فكلٌّ يدلي بدلوه، ولعل السبب الذي جعل مروان لا يقتله، بل فضل سجنه
стр. 545
أنه خاف من ردة الفعل التي قد يستجلبها قتله؛ فلذلك أرجح موته في السجن (١) بسبب المرض، ومما يؤيد ذلك ما ذكر الطبري فقال: (إن أهل السير اختلفوا
في أمر إبراهيم بن محمد، فقال بعضهم: لم يقتل لكنه مات في سجن مروان بن محمد بالطاعون) (٢)، ثم روى بسنده عن مخلد بن محمد (٣) فقال: (فهلك في سجن حران منهم في وباء وقع بحران العباس بن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر) (٤)، وكانت وفاته في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٥).
* رحيل أئمة الدعوة العباسية إلى العراق:
[٢٤٧]- (ولما قُتِلَ إبراهيم بن محمد خاف أخواه: أبو جعفر، وأبو العباس على أنفسهما، فخرجا من الحميمة هاربين إلى العراق، ومعهما عبد الله، وإسماعيل، وعيسى، وداود بنو علي بن عبد الله بن عباس، حتى قدموا الكوفة، ونزلوا على أبي سلمة الداعي، الذي كان داعية أبيهما، محمد بن علي بأرض العراق.
فأنزلهم جميعًا دار الوليد بن سعد (٦)، التي في بني أود، وألزمهم مساورا
стр. 546
القصاب، ويقطينا الأبزاري، وكانا من كبار الشيعة، وقد كانا لقيا محمد بن علي في حياته، فأمرهما أن يعينا أبا سلمة على أمره.
وكان أبو سلمة خلالًا، فكان إذا أمسوا أقبل مساور بشقة لحم، وأقبل أبو سلمة بِخَلٍ، وأقبل يقطين بالأبزار، فيطبخون، ويأكلون.
وفي ذلك يقول أبو جعفر:
لحم مساور، وخل أبي سلمة … وأبزار يقطين، وطابت المرقة (١)
فلم يزل أبو العباس، وأبو جعفر مستخفين بالكوفة إلى أن قدم قحطبة بن شبيب العراق.
قالوا: وبلغ أبا مسلم قتل الإمام إبراهيم بن محمد، وهرب أبي العباس، وأبي جعفر من الشام، واستخفاءهما بالكوفة عند أبي سلمة.
فسار من خراسان حتى قدم الكوفة، ودخل عليهما، فعزاهما بأخيهما، إبراهيم الإمام.
ثم قال لأبي العباس: مد يدك أبايعك، فمد يده، فبايعه، ثم سار إلى مكة، ثم انصرف إليهما، فتقدم إليه أبو العباس، ألا يدع بخراسان عربيًّا لا يدخل في أمره إلا ضرب عنقه.
ثم انصرف أبو مسلم إلى خراسان، فجعل يدورها، كورة كورة، ورستاقًا رستاقًا، فيواعدهم اليوم الذي يظهرون فيه، ويأمرهم بتهيئة السلاح والدواب
стр. 547
لمن قدر) (١).
ذكر البلاذري (٢) نحوًا منها مختصرًا.
• نقد النص:
جاء في هذا الخبر أن إخوة إبراهيم بن محمد خرجوا إلى الكوفة خوفًا على أنفسهم من مروان بن محمد، وهذا السبب ليس له مبرر؛ لأن مروان ليس له أن يأخذهما من غير ذنب، وقد ورد ما يخالف هذا السبب.
فقد روى الطبري (٣) أن إبراهيم بن محمد لما أخذه مروان نعى نفسه لأهله، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة، وأوصى بالأمر من بعده إلى أبي العباس، فلما قدموا الكوفة أنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، وأخفى أمرهم، وكان من أمر أبي سلمة أنه أراد تحويل الأمر إلى آل أبي طالب، فمنعه أبو الجهم ومن معه الذين بايعوا أبا العباس بالخلافة، فدخل في أمرهم أبو سلمة وبايع.
فلذلك نجد أن رواية الطبري أقرب لمجريات الأحداث فلم تعد الحميمة مكانًا آمنًا للدعوة، بعد القبض على قائد الدعوة فيها وصار من الحكمة تغيير الموقع، ثم إن دور أبي سلمة وأبي العباس ليس التلذذ بالطعام في هذا الوقت كما ذكر صاحب الكتاب.
وفي هذا الخبر صَوَّرَ صاحب الكتاب أبا العباس ومن معه من رجال الدعوة بالغفلة عن أمرهم حتى أقبل أبو مسلم وتدارك الأمر بمبايعة أبي العباس، ولم أقف على من ذكر قدوم أبي مسلم في هذا الوقت إلى العراق غيره.
стр. 548
وقد ورد ما يخالفه فقد ذكر الطبري في الرواية السابقة؛ أن الذي بايعه أبو الجهم ومن معه، وليس أبو مسلم ولم يكن أبو مسلم متفرغًا في ذلك الوقت للعزى أو غيره، فهو منهمك بقيادة الجيوش ومحاربة المخالفين للدعوة.
ثم إن قوله إن أبا العباس أمر أبا مسلم ألا يدع بخراسان عربيًّا لا يدخل في أمره إلا ضرب عنقه، فهذا القول يروى عن إبراهيم بن محمد وهو المشهور (١)، فقد ذكر الطبري (٢) أن مروان بن محمد عندما أتاه رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم، كان قد عاد من عند إبراهيم، وفيه أن إبراهيم أمر أبا مسلم ألا يدع بخراسان عربيًّا إلا قتله، وقد ذكرت ذلك في أسباب القبض على إبراهيم ثم رجحت غيره.
وذكر البلاذري (٣) أن مروان بن محمد كتب بهذا القول إلى نصر بن سيار، وهذا مردود؛ لأنهم جنده فكيف يأمره بقتل جنده، وقد شذ البلاذري في ذلك، وهذه المقولة لا تصح عن إبراهيم بن محمد، لما يعرف عنه من تدينه، فكيف يأمر بقتل قومه وبدون ذنب؛ لأنها على إطلاقها تشمل العموم.
ثم إن المنفذ ذلك وبدون أمر من أحد هو أبو مسلم الخراساني، ونجد أن صاحب الكتاب ينسب قتل العرب إلى أبي العباس، وقد حكى العلماء عن أبي مسلم أنه هو صاحب جرائم الإبادة بحق العرب في خراسان، وجعل عذره في ذلك الدعوة العباسية، وقد اجتمع فيه سفك الدماء وسوء العقيدة.
ومن أقوال العلماء فيه:
стр. 549
قال الذهبي عنه: (كان أبو مسلمٍ سفّاكًا للدّماء يزيد على الحجّاج في ذلك، وهو أوّل من سنّ للدّولة لبس السّواد) (١).
وقال عنه: (كان أبو مسلمٍ بلاءً عظيمًا على عرب خراسان، فإنّه أبادهم بحدّ السّيف) (٢).
وذكر ابن خلكان أنه قتل في دولته أكثر من ستمائة ألف صبرًا (٣).
وقد ذكر الشهرستاني عن سوء مذهبه فقال: (وكان أبو مسلم صاحب الدولة على مذهب الكيسانية في الأول، واقتبس من دعاتهم العلوم التي اختصوا بها) (٤).
[٢٤٨]- (قالوا: ولما أعيت نصر بن سيار الحيل في أمر الكرماني، وخاف أزوف (٥) أبي مسلم كتب إلى مروان:
يا أيها الملك الواني بنصرته … قد آن للأمر أن يأتيك من كثب
أضحت خراسان، قد باضت صقورتها … وفرخت في نواحيها بلا رهب
فإن يطرن، ولم يحتل لهن بها … يلهبن نيران حرب أيما لهب
فلما وصلت هذه الأبيات إلى مروان كتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة عامله على العراقين، يأمره أن ينتخب من جنوده اثني عشر (٦) رجلًا، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفة والبصرة، ويولي عليهم رجلًا حازمًا، يرضى
стр. 550
عقله وإقدامه، ويوجه بهم إلى نصر بن سيار.
فكتب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان: إن من معه من الجنود لا يفون باثني عشر ألفًا، ويعلمه أن فرض الشام أفضل من فرض العراق؛ لأن عرب العراق ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية، وفي قلوبهم إحن.
ولما أبطأ عن نصر الغوث أعاد إلى مروان:
من مبلغ عني الإمام الذي … قام بأمر بين ساطع
إني نذير لك من دولة … قام بها ذو رحم قاطع (١)
والثوب إن أنهج فيه البلى … أعيا على ذي الحيلة الصانع
كنا نداريها، فقد مزقت … واتسع الخرق على الراقع (٢)
فلم يجد عند مروان شيئًا) (٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٤) والطبري (٥) مختصرًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في الرواية أن نصرًا كتب إلى مروان يستنجده، وقد تكرر ذلك منه في الرواية رقم (٢٤٥) وهذا وهم منه، فالأبيات الأولى في هذه الرواية قد انفرد صاحب الكتاب في البيت الأول منها، وقد جاء عند البلاذري (٦)
стр. 551
والطبري (١) نحوًا من البيتين الأخيرين في أبيات بعثها نصر إلى يزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق، يستنجده بها، وتبين ذلك من مطلع القصيدة الذي لم يذكره صاحب الكتاب، وهو:
أبلغ يزيدًا وخير القول أصدقه … وقد تبينت أن لا خير في الكذب
وقد كان رده مخالف - أيضًا - لما ذكر صاحب الكتاب وهو أن يزيد بن عمر رد بقوله: (لا غلبة إلا بكثرة، وليس عندي رجل) (٢).
وأما الأبيات الأخيرة فقد ذكرها البلاذري (٣) ونسبها إلى يزيد بن عمر بن هبيرة حينما ضاع أمره وسيطر العباسيون على العراق.
ثم أتى صاحب الكتاب على العطاء وذكر أن بني أمية يفضلون أهل الشام في العطاء على أهل العراق؛ وذلك لأن أهل العراق ليس لهم نصيحة للخلفاء، وكل هذا لم أجد من يتابعه عليه، وليس له أصل ورد يزيد بن عمر على نصر محفوظ كما سبق.
وهذا من خلطه في سياقه للأحداث وحجم تزويره والزيادات التي تحصل من قبله حتى أدى به ذلك إلى الإتيان بأبيات موضوعة، وهو بعد هذه الأحداث لم يذكر ظهور الدعوة كما سيأتي، مع أن غيره ذكرها قبل هذه الأحداث.
* * *
стр. 552
سادسًا: انتصار الدعوة العباسية ومقتل مروان بن محمد:
[٢٤٩]- (وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبيه، فخرجوا جميعًا في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه، وقد سودوا ثيابهم، تسليًا على إبراهيم بن محمد بن علي بن عباس الذي قتله مروان، فكان أول من ورد عليه من القواد، وقد لبس السواد، أسيد بن عبد الله، ومقاتل بن حكيم، ومحقن بن غزوان، والحريش مولى خزاعة، وتنادوا: محمد، يا منصور، يعنون محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أول من قام بالأمر، وبث دعاته في الآفاق) (١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (٢) مطولًا.
• نقد النص:
نرى صاحب الكتاب في هذا الخبر يعلن قيام الدعوة العباسية، وقد سبق أن أشرنا إلى زمن قيامها، وأنها قبل هذه الأحداث، ثم إنه ينسب الأمر بقيامها لأبي مسلم، ويذكر أنها بعد وفاة الإمام إبراهيم، وأن التسويد كان حزنًا على وفاة إبراهيم، وقد أخطأ في هذا كله، وخالف غيره.
فالذي أمر بإظهار الدعوة هو إبراهيم بن محمد، فقد ذكر ذلك الطبري في أحداث سنة تسع وعشرين ومائة فقال: (وفي هذه السنة (٣) أمر إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أبا مسلم، وقد شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد) (٤).
стр. 553
ويتضح في هذه الرواية أن الذي أذن بإظهار الدعوة هو إبراهيم بن محمد، وذلك قبل سجنه من قبل مروان، وأن السواد كان علامة الظهور فقط، وقد سبق لصاحب الكتاب أن ذكر السواد عند موت محمد بن علي، ولعله يريد أن يجعل السواد للحزن، وهذا هو ما يذهب إليه الشيعة، وقد سبق الحديث عن السواد وسببه.
وأمر إظهار الدعوة في غاية الخطورة، ولا يمكن لأبي مسلم أن يفعله دون أن يكون أمرًا من صاحب الدعوة إبراهيم بن محمد، وهو الذي ولّاه، والذي يظهر أن صاحب الكتاب يريد أن يجعل الأمر كله لأبي مسلم.
* دخول الناس في الدعوة:
[٢٥٠]- (وانجفل الناس على أبي مسلم من هراة، وبوشنج، ومرو الروذ، والطالقان، ومرو، ونسا، وأبيورد، وطوس، ونيسابور، وسرخس (١)، وبلخ، والصغانيان، والطخارستان، وختلان، وكش، ونسف، فتوافوا جميعًا مسودي الثياب، وقد سودوا أيضًا أنصاف الخشب التي كانت معهم، وسموها كافر كوبات) (٢).
ذكر الطبري (٣) نحوًا منها مطولًا.
• نقد النص:
ذكر في هذا لرواية أنهم سودوا أنصاف الخشب ولعله وصف للرايات التي يحملونا، وقد سموها (كفر كوبات)، وهي في الأصل (كافر كوباد) وتعني
стр. 554
مضرب الكفار (١)، فهذه الكلمة ظاهرها أنها فارسية غير عربية، وهو يشير إلى أن أغلب المشاركين في جيش الدعوة من غير العرب، وأنها تضرب كل كافر.
وقد انفرد في ذلك صاحب الكتاب، وقد جاء عند الطبري وصف للراية: (اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يدعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعًا، وعقد الراية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاث عشرة ذراعًا، وهو يتلو: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٢)(٣).
[٢٥١]- (وأقبلوا فرسانًا، وحمارة، ورجالة، يسوقون حميرهم ويزجرونها، هر مروان، يسمونها مروان، ترغيمًا لمروان بن محمد، وكانوا زهاء مئة ألف رجل (٤)(٥).
ذكر نحوًا منها: الرازي (٦).
• نقد النص:
في هذا الرواية ذكر مروان وأن الجند يسوقون الحمير باسم مروان،
ولعل هذا يكون سببًا من أسباب تلقيب مروان الحمار، وأن هذا اللقب خرج من قبل أصحاب الدعوة والهدف منه احتقار مروان، والحط من قدره عند الجند.
ومما يؤيد هذا ما ذكره السمعاني فقال: (وجماعة نسبوا إلى رأي
стр. 555
الجعد بن درهم (١) مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد فلما جاءت الخراسانية نسبوه إليه شنعة عليه كما قالوا له: مروان الحمار، وهو مشهور بمروان الفرس) (٢).
وقد رويت أسباب أخرى لتسميته مروان بالحمار، منها: أنهم كانوا يسمونه بالحمار لقولهم فلان أصبر من حمار في الحروب؛ لأنه لا يخف له لبد في محاربة الخارجين عليه، وقيل: إنه سمي بالحمار؛ لأن العرب تسمي كل رأس سنة حمارًا، ولما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار (٣).
وكل هذه التأويلات ليس لها مسوغ، فقد وجد من هو أصبر منه على الحروب ولم يلقب بذلك، ومضت سنون وجاء على رأسها حكام من العرب لم يلقب أحد منهم بذلك.
وهنا وقفة وتساؤل؟ هل يصح تلقيب مروان بالحمار؟ وهل له علاقة بالجعد بن درهم؟ وهل هو من جلب الشقاء والزوال على دولة بني أمية؟.
للإجابة على ذلك نأتي على سيرته وأعماله:
* مروان بن محمد وأعماله:
- تولى مروان بن محمد سنة ١١٤ هـ أرمينية والجزيرة وأذربيجان من قبل هشام بن عبد الملك (٤).
стр. 556
- بعث مروان بن محمد في سنة ١١٧ هـ وهو على أرمينية بعثين، فافتتح أحدهما حصونًا ثلاثة من اللان، ونزل الآخر تومانشاه فنزل أهلها على الصلح (١).
- غزا مروان بن محمد في سنة ١٢٠ هـ أرض الترك (٢).
- ثم غزا مروان بن محمد سنة ١٢١ هـ بلاد صاحب سرير الذهب، فافتتح بلاده وخرب أرضه، وفرض الجزية عليه (٣).
هذا جهاده وهذه سيرته أثناء إمارته، فكيف بخلافته.
وأما علاقته بالجعد بن درهم وذلك بتسميته (مروان الجعدي) نسبة إلى الجعد بن درهم؛ لأنه مؤدبه.
فمن المصادر المتقدمة التي ذكرت هذا الخبر:
- البلاذري (٤) ولم يسند الخبر.
- ابن عساكر (٥) من طريق أبي معشر (٦).
- ابن الفقيه (٧) ولم يسند الخبر.
- ابن النديم (٨) في الفهرست.
стр. 557
وبعد عرض هذه المصادر التي نسبت مروان بن محمد إلى الجعد بن درهم لم أقف على من ذكر ذلك بسند يمكن الاعتماد عليه، ولذلك لا يستغرب أن هذا اللقب تشنيعًا عليه.
وبما أن هذه النسبة مشهورة وهي تمس عقيدة الخليفة مروان، وقد تناقلها بعض العلماء؛ بل إن منهم من جعل تبعيته المزعومة للجعد سببًا لذهاب دولته، وذلك لكثرة الفتن والشرور، وقد سبق معنا أن الفتن قامت بمقتل الوليد بن يزيد وليست وليدة خلافته.
لذلك نريد أن نقف على حدث مقتل الجعد بن درهم ومن قتله وأين مكان دعوته؟.
أعلن الجعد بن درهم دعوته في العراق، فقتله خالد القسري وكان أميرًا عليها، وكان ذلك في حدود سنة ١٢٠ هـ (١).
وفي أثناء هذا الحدث كان مروان بن محمد أميرًا على الجزيرة وأرمينية، فهنا وقفة وتساؤل؟ إذا كان مروان بن محمد على رأي الجعد فلماذا لم يعلن الجعد دعوته في إمارة مروان بن محمد؟ حتى على الأقل يحظى بحماية من الأذى في نشر فكره.
والجواب على ذلك أنه لم يفعل، فلذلك لا يقع الاتهام.
وهذا اتهام خطير لا يصح التلفظ به؛ لأنه يصوب الى خليفة من خلفاء المسلمين جاهد في الله حق جهاده، فقاتل الروم والخوارج والقادرية وحمى ثغور المسلمين، ثم يتهم في عقيدته، بلا شك إن ذلك لا يمكن تصوره.
ولا يقل التشنيع عليه بنبزه بالحمار عن اتهامه بعقيدته، وهذا لا نقبل
стр. 558
أن ينبز به أحدًا من المسلمين فكيف بخليفة من خلفاء المسلمين، والله المستعان.
[٢٥٢]- (فلما بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه، وخاف على نفسه، ولم يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية، والربعية إليهم، فيكون في ذلك اصطلامه (١)، فأراد أن يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعة.
فكتب إليهم، وكانوا جميعًا بمرو:
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتها (٢) … أن يغضبوا قبل ألا ينفع الغضب
ما بالكم تلحقون الحرب بينكم … كأن أهل الحجا عن فعلكم غيب
وتتركون عدوًّا قد أظلكم … ممن تأشب، لا دين ولا حسب
ليسوا إلى عرب منا، فنعرفهم … ولا صميم الموالي، إن هم نسبوا
قوما يدينون دينًا ما سمعت … عن الرسول، ولا جاءت به الكتب
فمن يكن سائلي عن أصل دينهم … فإن دينهم أن تقتل العرب (٣)
فلم تحفل ربيعة بهذه الأبيات) (٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (٥)، والطبري (٦) مختصرًا.
وذكر المرزباني (٧) هذه الأبيات ونسبها لنصر بن سيار.
стр. 559
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن نصر بن سيار خاف من انضمام الكرماني ومن معه من ربيعة إلى أبي مسلم الخراساني، فكتب هذه القصيدة وخص بها ربيعة، وهذا لا يصح؛ لأنه قد ورد ما يخالفه، ومن ذلك ما أورده البلاذري من قول نصر في البيت الأول:
أبلغ ربيعة فِي مروٍ وذا يمن … أَنْ اغضبوا قبل ألَّا ينفع الغضب
وهذا النداء واضح بأنه للعرب كافة وليس لربيعة وحدهم.
وقد ذكر ابن الأثير (١) مناسبة هذه القصيدة في أحداث سنة تسع وعشرين ومائة، أن نصرًا أراد أن يجمع كلمة العرب على أبي مسلم، فكتب هذه الأبيات السابقة.
فالقتال في خراسان كان قائمًا بين العرب كلهم وهم متفرقون بين نصر بن سيار والكرماني والحارث بن سريج وشيبان الحروري (٢).
وهذه القصيدة تعتبر من الشواهد على حال القائمين على الدعوة العباسية في خراسان، وما صاحبهم من الخرافات الدينية والقومية.
[٢٥٣]- (وبلغ أبا العباس الإمام، وهو مستخف بالكوفة أن أبا مسلم لو أراد أن يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل، غير أنه يدافع الحرب، فكتب إليه يؤنبه في ذلك) (٣).
стр. 560
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
في هذه الرواية دفاع واضح من صاحب الكتاب عن أبي مسلم، أنه يدفع الحرب، وهو قادر عليها، وأن أبا العباس هو الذي حمله على ذلك، وقد سبق الحديث عن أبي مسلم وتعطشه لسفك دماء العرب.
* مقتل الكرماني:
[٢٥٤]- (وكان أبو مسلم يحب أن يستميل أحد الرجلين، ليفصم به شوكة الآخر، فأرسل إلى الكرماني، يسأله أن ينضم إليه، لينتقم له من نصر بن سيار، فعزم على المسير إليه، وأقبل أبو مسلم في عساكره إلى أرض مرو، فعسكر على ستة فراسخ من المدينة.
وخرج إليه الكرماني ليلًا في نفر من قومه، فاستأمن لجميع أصحابه، فأمنهم أبو مسلم، وأكرم الكرماني، فأقام معه، وشق ذلك على نصر بن سيار، وأيقن بالهلكة.
فكتب إلى الكرماني يسأله الرجوع إليه، على أن يعتزلا، ويوليا الأمر رجلًا من ربيعة، يرضيانه، وهو الأمر الذي كان سأله إياه.
فأصغى الكرماني إلى ذلك، وتحمل ليلًا من معسكر أبي مسلم، حتى انصرف إلى معسكره، واسترسل الكرماني إلى نصر، فلما أصاب منه غرة دسَّ عليه من قتله.
ويقال: بل وجه إليه نصر رجلًا من قواده في ثلاث مائة فارس، فكمنوا له ليلًا عند منصرفه من معسكر أبي مسلم، فلما حاذاهم، وهو غافل عنهم، حملوا عليه، فقتلوه.
стр. 561
وبلغ ذلك أبا مسلم فقال: لا يبعد الله غيره، لو صبر معنا لقمنا معه، ونصرناه على عدوه) (١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٢) والبلاذري (٣) مختصرًا، والطبري (٤) مطولًا.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية مقتل الكرماني، وظهر أبو مسلم فيها مظهر المشفق على الكرماني من نصر، وقد زاد هذا الموقف عند صاحب الكتاب وانفرد به عن غيره، وقد اختلف في مقتل الكرماني ومن قتله على النحو التالي:
- روي أن الكرماني ونصرًا تصالحوا وجرى السفراء بينهم، فما لبثوا أن حمل الحارث بن سريج على الكرماني وقتله (٥).
- وقيل: إن أبا مسلم صالح الكرماني، فساء ذلك نصر، وأراد أن يفرق بينهما، فكاتب الكرماني ومناه بالصلح ثم أصاب منه غرة، فأرسل إليه ابن الحارث بن سريج ومعه ثلاثمائة فقاتله فقتله، ثم صلبه، ثم قام بالأمر عنه ابنه علي بن جديع الكرماني فصالح أبا مسلم (٦).
وهذا ما يوافق رواية صاحب الكتاب الثانية.
وكان ذلك في سنة تسع وعشرين ومائة (٧).
стр. 562
وكلها تشير على أن من دبّر قتله هو نصر، والاختلاف فيمن باشر ذلك هل هو الحارث بن سريج أو ابنه، وقد ذكر أن الحارث بن سريج قد خالف نصرًا، واجتمعت إليه بنو تميم، فقاتل الكرماني فقتله الكرماني سنة ثمان وعشرين ومائة (١).
ولعل الأقرب والله أعلم أن من قتل الكرماني هو ابن الحارث بن سريج؛ لأن الحارث قد قتل قبل ذلك، والذي دفع نصرًا إلى إرسال ابن الحارث إلى الكرماني ليأخذه بدم أبيه.
وقد جاء عند البلاذري ما يؤيد ذلك: (ويقال: إن الحارث قاتل جديعًا فقتله جديع، ثمّ وثبت تميم وفيهم حاتم بن الحارث بن سريج فقتلوا جديعًا والله أعلم) (٢).
ثم إن أبا مسلم لا يريد تقريب الكرماني ليعينه على عدوه نصر، ولكن يريد أن يتقوى بأحدهما على الآخر ليقضي عليهم جميعًا، كما حصل فقد قرب ابن الكرماني حتى انتهى من نصر ثم قضى عليه (٣).
[٢٥٥]- (وقال نصر في ظفره بالكرماني:
لعمري، لقد كانت ربيعة ظافرت … عدوي بغدر حين خابت جدودها
وقد غمزوا مني قناة صليبة … شديدًا على من رامها الكسر عودها
وكنت لها حصنًا، وكهفًا، وجنةً … يؤول إلي، كهلها، ووليدها
فمالوا إلى السوءات، ثم … وهل يفعل السوءات إلا مريدها؟
стр. 563
فأوردت كرمانيها الموت … كذاك منايا الناس يدنو بعيدها) (١)
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذه الأبيات.
* نهاية ابن الكرماني ونصر بن سيار:
[٢٥٦]- (قالوا: ولما قتل الكرماني مضى ابنه عليّ مِنْ خَنْدَقِهِ إلى أبي مسلم، فسأله أن يطلب له بثأر أبيه.
فأمر قحطبة بن شبيب أن يستعد، ويسير حتى ينيخ على نصر في خندقه، فينابذه الحرب، أو ينيب إلى الطاعة.
فسار قحطبة، فبدأ بالمدينة، فدخلها، واستولى عليها، وأرسل إلى نصر يؤذنه بالحرب. فكتب نصر إلى أبي مسلم، يسأله الأمان، على أن يدخل معه في أمره، فأجابه إلى ذلك، وأمر قحطبة أن يمسك عنه.
فلما أصاب نصر من قحطبة غفلة تحمل في حشمه وولده، وحاشيته ليلًا، فخرج من معسكره من غير أن يعلم أصحابه، وسار نحو العراق، وجعل طريقه على جرجان، فأقام بها، فمرض فيها، فسار منها إلى ساوه، فأقام بها أيامًا ثم توفي بها. فاستأمن جميع أصحابه وأصحاب الكرماني إلى أبي مسلم إلا أناسًا كرهوا أمر أبي مسلم، فساروا من مدينة مرو هرابًا، حتى أتوا طوس، فأقاموا بها) (٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (٣)، والبلاذري (٤)، والطبري (٥) مطولًا.
стр. 564
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر المصالحة بين علي بن جديع الكرماني وأبي مسلم، وأن سببه الطلب بثأر أبيه من نصر، وأن أبا مسلم قَبِل ذلك وأعانه على نصر، وقد انفرد صاحب الكتاب بهذا، ثم أتى على نهاية نصر.
أما عن علي بن جديع ومصالحته نصر فيذكر في ذلك سببًا آخر، وهو أن ابن الكرماني صالح نصرًا على حرب أبي مسلم، فلما علم أبو مسلم بذلك، أرسل إلى ابن الكرماني وذكره بقتل أبيه من قبل نصر، فرجع الكرماني عن رأيه وانتقض الصلح، فلما علم نصر بميل ابن الكرماني إلى أبي مسلم بعث إلى أبي مسلم بطلب الدخول معه، وبعث الكرماني ومن معه من ربيعة وقحطان بذلك، فاختار أبو مسلم الكرماني ومن معه على نصر ومضر (١).
ويقال: إن علي بن جديع الكرماني لما تولى الأمر بعد أبيه اتفق مع شيبان الخارجي (٢) على محاربة نصر، فمال أبو مسلم إليه، وأخذ يثني عليه ويصوب أمره، ويقول له: قد عظم أمرك ووهن أمر نصر، فابعث عمالك إلى الأمصار، وأخذ يستدرجه ويعظمه.
فلما انتهى من نصر بعث إلى ابن الكرماني من يأتي به على أية حال، فجيء به إليه فحبسه، ثم أخرجه وقتله (٣).
وقد ذكر الطبري خبر مقتل الكرماني وخاصة أصحابه فقال: (وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بن الكرماني، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمي له خاصته ليوليهم، ويأمر لهم بجوائز وكِسًا، فسماهم له فقتلهم جميعًا) (٤).
стр. 565
أما نصر فقد نجا من غدر أبي مسلم حين أمنه وأظهر أنه يريد إكرامه، وذلك أن نصرًا لما قدم على أبي مسلم، أرسل إليه من يخبره أنه يريد محادثته، وكان ممن بعث إليه لاهز بن قرط، فلما أتوه تلا لاهز قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (١)، فتنبه لذلك نصر وقال لهم: إنه صائر إلى أمر أبي مسلم، ثم احتال عليهم وهرب، فأخبر أبي مسلم بفعل لاهز فقتله (٢)، ثم إن نصرًا سار إلى الري، فلما صار إليها مرض، فحمل إلى ساوة بقرب همذان فمات بها (٣)، وكان ذلك في سنة إحدى وثلاثين ومائة (٤).
فهذا أبو مسلم وهذه أعماله الخسيسة، فقد كان لا يدع للعرب في خراسان مجالًا للاجتماع، فكلما حاولوا ذلك عمل بخبثه بالتفريق بينهما، وحينما يجد الفرصة يغدر بهم ويسفك دماءهم، ونجد أن صاحب الكتاب صوره بذلك البطل الشهم الذي يحب نصرة المظلوم، وأنه وافٍ بالعهد ولا يحب الغدر.
ولعل هذا من تسليط الله عليهم بسبب عصبيتهم واختلافهم، ولولا العصبية والخلاف بين العرب في خراسان لم تتمكن الدعوة العباسية من الانتصار، فقد فتح هذا التنافس والتناحر على العرب شرًّا أذهب به أمرهم، وتسلط عليهم من عاث في دمائهم وفرق جمعهم وأصبحوا أذلاء بعد عزتهم، ومن صور هذا الذل أنهم يتنافسون في التحالف مع أبي مسلم لكي يتقوى به أحدهما على الآخر، وهذا الخلاف والتنازع فيما بينهم هو الذي أفشلهم وأذهب ريحهم، وبدَّل قوتهم ذلة وهوانًا، وهذا من سنن الله في خلقه، قال تعالى: