Полный текст (318 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقد ضرب الضريب بها قباباً ... على الأدواح أبهجت البطاحا
وكان جنابها يخضر أساً ... فأصبح وهو مبيض أقاحا
كأن الخضر قربه يميناً ... ومد عليه جبريل جناحا
ومن شعره يعتذر عن أحد إخوانه لغلام كان يهواه, وكان قد رآه فأعرض عنه فلامه على ذلك: [طويل]
يقولون لي أعرضت عمن تحبه ... كذبتم ولكن لم يكن رائق النفس
ولم يكن الإعراض مني تعمداً ... وهل يمكن الإعراض عن غاية الأنس
ولكن صرفت الطرف عن نور وجهه ... كما تصرف الأبصار عن قرصة الشمس
وقد دخل رث الحالة على الأستاذ ابن طلحة, فتكلم مع أحد الطلبة, فزجره الأستاذ, وزجر الطالب, فارتجل هذين البيتين ودفعها إليه, وهما: [كامل]
بأبي رشاً هام الفؤاد بحبه ... وتقطعت من لوعةٍ أفلاذه
شغف البرية كلها بجماله ... وأشدهم شغفاً به أستاذه
ومن شعره أيضاً: [بسيط]
لا تغضبن الذي ترميك أسهمه ... فقد جعلت له الأعراض أغراضا
فالماء والنار بعض من عناصره ... يغلي إذا اتقدت, وربما فاضا
ومن شعره: [طويل]
دخلتم فأفسدتم قلوباً بملككم ... فأنتم على ما جاء في سورة النمل
وبالعدل والإحسان لم تتخلقوا ... فلستم على ما جاء في سورة النحل
وأنشدني خالي رحمة الله تعالى عليه, قال: أنشدني أبو عبد الله بن مرج الكحل لنفسه يهجو: [طويل]
стр. 107
دع ابن حريقٍ يزدهي بكلامه ... فإن رحاه دون طحنٍ يجعجع
وهل شعره إلا كبارق ومضه ... خلي من المعنى, ولكن يفرقع
ومن شعره أيضاُ: [رمل]
ذهب الحرص (على) الوعد الذي ... سد عن إنجازه كل طريق
طال فيه المطل حتى إنني ... قد تمثلت بشعر ابن حريق
ومن شعره يهجو مؤذناً: [وافر]
ألا قل لابن بغل لا يؤذن ... فينجس ذكر خالقه بفيه
إذا ما كان في فمه كنيف ... فكيف يحل ذكر الله فيه
ومن شعره في أحد الولاة: [طويل]
وكنت أظن الحب بالضد للقلى ... ولم أعتقد أن الولاية ضده
فلا تطلبوا من عند والٍ محبة ... ألا رب والٍ قد تغير وده
فإن شئتم حداً لسكر معربدٍ ... فلا تضربوه, فالولاية خده
ومن شعره مما أنشدنيه خالي: [مخلع البسيط]
لا تطلبوا الود عند وال ... في تركه للأذى كفايه
رب ضعيف, أذاه خافٍ ... يبدي مع القوة الإذايه
ما كان في النفس من خبايا ... تخرجه الخمر والولايه
ومن شعره: [كامل]
стр. 108
تسليط أعدائي علي لنعمة ... ولقد سررت فإنه تمحيص
وقد كنت أحسب أنه لي نقمة ... لو أنني وحدي به مخصوص
ومن شعره: [مجتث]
اصبر على الظلم تكف ... وتؤت أجراً موفى
من كان غارس شيءٍ ... فلينتظر منه قطفا
ومن شعره يصف عشية أنس (بنهر القبداق) : [كامل]
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثر
ولتغتبقها راحة ذهبية ... من راحتي أحوى المدامع أحور
وعشيةٍ قد كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد تعذر
نلنا بها آمالنا في روضةٍ ... تهدي لناشقها شميم العنبر
والدهر من ندم يسفه رأيه ... فيما صفا منه بغير تكدر
والورق تشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميص أصفر
والروض بين مفضضٍ ومذهبٍ ... والزهر بين مدرهم ومدنر
والنهر مرقوم الأباطح والربى ... بمصندلٍ من زهره ومعصفر
كأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساطٍ أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحةٍ كالجوهر
وكأنه, وجهاته محفوفة ... بالآس والنعمان, خد معذر
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشعر من لم يشعر
стр. 109
ما اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
ومن شعره ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم: [كامل]
يا نظرة أودت بحسن شبابي ... وقضى علي نعيمها بعذاب
ما كنت أحسب نظرة من بصرة ... تقضي على مشتاقها بعقاب
يا شادناً عيناه تفعل بالنهى ... ما تفعل الصهباء بالألباب
لو ذقت ما ذوقت من ألم الهوى ... لعلمت قدر الشوق للأحباب
إني لأعجب من عتاب عواذلي ... جهلاً عليك وما يفيد عتابي
قلبي يرى أن لا سلو من الهوى ... رضي الذي يلقي من الأوصاب
يا عاذلي ماذا تضرك شقوتي ... القلب قلبي والعذاب عذابي
ومن شعره يمدح الكاتب ابن عياش: [طويل]
سرى الطيف من أسماء والنجم راكد ... ولا جفن إلا وهو في الحي راقد
شفى ألما لما ألم بمضجعي ... وبات يدانيني وكانت تباعد
ألم على رغم الرقيب ودوننا ... على عدوان الدهر بيد فدافد
ومنها:
سقى عهدها عهد السحاب ولم يكن ... على العهد لولا (أن تبقى) المعاهد
معاهد تذكي حرقة الكبد التي ... تكابد من آلامها ما تكابد
كأن بها الغدران زرقٌ نواضر ... بها الطل كحل والغصون مراود
أعلل بالآمال نفساً عليلة ... تكدر للآمال منها موارد
ومنها:
إليكم بإيلام الملام فمسمعي ... كقلب ابن عياش, وتلك حقائد
стр. 110
إمام البرايا في بلاغته التي ... يقر لها بالعجز من هو جاحد
ومنها:
ومن عجبي أن ترحل الشمس دائماً ... ومثلي في مثل الجزيرة قاعد
إذا لم يلائمني مكان ألفته ... فكل مكانٍ مثله لي فاقد
ولست كقوم أضمرتهم بلادهم ... أولئك موتى والبلاد ملاحد
ولو لم يكن أصلي ... وحاشاه
ماجداً
كفى الفرع مني أنه اليوم ماجد
ومنها:
وقال حسودي أين إرثك منهم ... فقلت لهم: مال الأكارم نافد
إذا لم يفدك المال حمداً مؤبداً ... فيا ليت شعري ما تكون الفوائد
(ومن شعره) : [وافر]
رأوا بالجزع برقاً فاستهاموا ... ونام العاذلون ولم يناموا
وعندي من معاطفها حديث ... يخبر أن ريقتها مدام
وفي أجفانها السكرى دليل ... وما ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعي ... إذا عرضت لمقلتي الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروق ... وأطربني إذا غنت حمام
ومن شعره يخاطب صفوان بن إدريس (ويعتب عليه) : [طويل]
سقى سدرة الوادي الساحب الغوائث ... وإن غيرت منه السيول العوائث
стр. 111
عذيري من الأيام خابت صقورها ... ونالت جزيل الحظ منها الأباغث
وقالوا ذكرنا بالغنى, فأجبتهم ... خمولاً, ولا ذكر مع البخل لابث
وما ضر خلا طيباً ورث الغنى ... إذا لم يغيره من الدهر حادث
يهون علينا أن تبيد أثاثنا ... وتبقى علينا المكرمات الأثائث
فهل عند صفوان بن إدريس أنني ... مقيم على حفظ المودة ماكث
وإن كنت قد خاطبت فصل خطابه ... فعاقت عن الود الخطوب الكوارث
ومن شعره (يتشوق إلى أبي عمرو بن غياث) الشريشي: [وافر]
أبا عمرو متى تقضي الليالي ... بلقياكم وهن قصصن ريشي
أبت نفسي هوى إلا شريشاً ... ويا بعد الجزيرة من شريش
ومن شعره: [كامل]
دع عنك قسطاس اللسان ولا تزن ... من كنت تحسب راجحاً أو ناقصا
وإذا نقدت فكن نحاساً وليكن ... من كنت تبصره لجيناًً خالصا
وأدبه ﵀ كثير, وشعره شهير. وسأذكر قطعة منه في باب موسى وتوفي رحمه لله نحو عام أربعة وثلاثين وستمائة ومنهم:
٤٨- محمد بن حسن بن إبراهيم الأنصاري
يعرف بالبنالي. من جلة طلبة مالقة. كان كاتباً بليغاً وشاعراً مطبوعاً. وله
стр. 112
كتاب سماه بطلوع الزهرة السنية في سقوط زهرة الثنية, أثبت فيه أشعار الطلبة بمالقة, وحلاهم فيه. وقد ذكرت له منه في مواضع من هذا الكتاب. فمما أثبت فيه من قوله: [مخلع البسيط]
وشادنٍ رائق المحيا ... تاه به الحسن والشباب
إحدى ثناياه قيل عنها ... (قد) اعترى بعضها ذهاب
أنجز وعد الفراق منها ... فمن حجى فعله يهاب
فكأنه رجيم بشهب ... إذا شرر فيه والتهاب
قد ظل يبغي استراق سمعٍ ... فانقض منها له شهاب
وله في المعنى: [رجر]
وبارع الحسن زرى في النظر ... ببهجة الشمس وحسن القمر
قالوا وقد ماس بغصن ناعم ... أسقط بعض ما به من زهر
كم أسقطت إحدى الثنايا مبسماً ... له كمثل الخاتم المجوهر
فانطرحت عن عددٍ جملتها ... من قبل في حساب تلك الطرر
أما رأوا بحر الجمال يرتمي ... والبحر قد يطرح بعض الدرر
وله في المعنى: [مخلع البسيط]
وبارع الوصف ذي جمالٍ ... لكل قلب به احتفاء
فقلت قول امرئ خبيرٍ ... له بتحقيق ذا اكتفاء
وما الثنايا سوى حبابٍ ... جرى على بعضها انطفاء
وله في المعنى: [وافر]
وريم كم رمى قلبي نبالاً ... بسحر جفونه أبداً تراش
стр. 113
إن (ابدى) السن منه حصاه قلنا ... سنا المصباح أطفأه فراش
ومن شعره, وكتب به إلى الفقيه الأوحد أبي جعفر بن خديجة: [متقارب]
لأنجم أفقك نستمطر ... وأسهم ذهنك نستنصر
فأرض الطروس إذا جدبت ... بسحر بلاغتكم تمطر
فتنبت في الحين روضاً له ... جنى زهرٍ أنواره تزهر
نجوم من الأفق منقولة ... بأرضٍ سماء بها تبهر
حدائق صور فيها الجمال ... حداقاً من الأنس لا تسهر
فيا حسنها لم تزل دائماً ... عيون المعاني بها تبصر
فتلك قدود, وتلك خدود ... فمنظرها طاب, والمخبر
ومهما وردنا على غربها ... فليس لنا بعده مصدر
أنضحي على فرط برح الظما ... وفضل أبي جعفرٍ يسفر
ويا ابن خديجة إن أخرجت ... معانٍ تتم وتستظهر
فعذب حلاه, وخصب علاه ... لنا روضة, ولنا كوثر
ومنهم:
٤٩- محمد بن يوسف بن هود الجذامي
هو الأمير. كان ابتداء أمره بمرسية. ثم إنه انتظمت له البلاد واتفقت له الأقطار على مبايعته والدخول في دعوته فبايعه الناس في بلاد الأندلس, وخلعت دعوة الموحدين منها, وذلك في عام ست وعشرين وستمائة. وبويع في مالقة في يوم الاثنين التاسع والعشرين من شعبان من العام بعده. فأول جمعة أقيمت لدعوته ودعوة العباسيين في الرابع من رمضان من العام المذكور.
стр. 114
وكان قد ملأ قلوب الروم رعباً, وكانوا يصفونه بالشجاعة والنكاية للعدو. وكان ﵀ كثير العطاء لمن قصده, عفيف السيف, سيء التدبير. وصل إلى مالقة مراراً وأقام بها إلى أن انتقل إلى ألمرية, فدخلها ليلة الخميس الخامس والعشرين من جمادى الأولى من سنة خمس وثلاثين وستمائة, فأقام بها عند ابن الرميمي ليلة الخميس المذكور إلى نحو من ثلث الليل وهو صحيح دون ألم. فلما كان الثلث الثاني سمع الصياح في دار ابن الرميمي, فنهض إلى الدار فوجد ميتاً, فيقال: إنه خنق, ويقال: إنه مات موتته, والله أعلم.
ووصل الكتاب بموته إلى مالقة غدوة يوم السبت, بعد اليوم المذكور في قارب في البحر. فسبحان من لا ينقضي سلطانه, ولا يبدل ملكه. لا إله إلا هو, الحي الذي لا يموت, وهو على كل شيء قدير.
ومنهم:
٥٠- محمد بن علي بن خضر بن هارون الغساني
المشهور بابن عسكر. وهو خالي رحمة الله عليه, يكنى أبا عبد الله, مبتدئ هذا الكتاب.
كان ﵀ جليل المقدار متفنناً في العلوم على اختلافها, ومشاركاً فيها على تشتت أصنافها, يتقد ذكاء, ويشرق طهارة وزكاء. نشأ بمالقة وبها أعلام وجلة أكابر, فأربى عليهم في معارفه. وكان معظماً عندهم مشاراً إليه فيهم. كانت الفتوى تدور عليه بمالقة, والمسائل ترد عليه من البلاد, فيفتي فيها, ويعمل فيها برأيه, والقضاة يعظمونه كل التعظيم ويقطعون برأيه في أحكامها. وكان معظماً عند الملوك مقرباً لديهم. ولي القضاء بمالقة نائباً عن القاضي أبي عبد الله بن الحسن, وذلك في مدة أبي عبد الله بن هود. ثم إن ابن الحسن أخر. فلما كان في أيام الأمير أبي عبد الله بن نصر, ولي مرة ثانية مستقلاً. وصل كتابه في توليته القضاء في يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان المعظم عام خمس وثلاثين وستمائة. فبكى ﵀, وامتنع. وكتب إلى الأمير أبي عبد الله يذكر أنه لا
стр. 115
يصلح للولاية حرصاً على أن يعزله عنها تورعاً منه ﵀. فلم يقبل الأمير ذلك منه. وبقي على ولايته.
وظهرت في أيامه الحقوق, وسار من السيرة الحسنة ما لم يسربها أحد قلبه. كان ماضي العزيمة, مقداماً مهوباً منفذاً للأحكام. فكان بذلك مستحسن المقاصد, مشكوراً في الصادر والوارد.
وكان ﵀ أفضل الناس خلقاً, وأرحبهم صدراً, وأجملهم عشرة, وأتمهم رجولة, وأنداهم يداً, وأكثرهم احتمالاً. يحسن إلى من أساء إليه, ويجود بماله على من بخل به عليه, مع ما كان عليه من سياسة الناس ومداراتهم وقضاء حوائجهم وله في صنعة التوثيق باع مديد, وسهم سديد. وكان سريع القلم سهل الألفاظ مختصر الوثيقة, غاية في البراعة إلى الشعر الرائق, والكتب الفائق.
وله تصانيف عجيبة متداولة بأيدي الناس, كالمشرع الروي في الزيادة على كتاب الهروي, والتكميل والإتمام لكتاب التقريب والإعلام, والأربعين حديثاً الموافق فيها اسم الشيخ لاسم الصحابي, وهو منزع لم يسبق إليه, وكنزهة الناظر في مناقب عمار بن ياسر, وكالجزء المختصر في السلو عن ذهاب البصر, وغير ذلك.
رحل الناس إليه وأخذوا عنه. وكان ﵀ قد أخذ عن شيوخ جلة كأبي الحجاج ابن الشيخ, وأبي محمد القرطبي, وأبي علي الرندي, وأبي جعفر الجيار, وكالقاضيين أبي محمد بن حوط الله, وأبي سليمان داود, وكالقاضي أبي الخطاب بن واجب, وكأبي زكرياء بن عبد المنعم الأصبهاني وغيرهم.
وكان قد مال أخيراً إلى الرواية. وإنما نبهت عليه هذا التنبيه, وذكرت بعض ما كان من المحاسن فيه, مخافة أن ينقرض الزمان. فتنقرض أخباره. ويفنى ناس عصره, فتنس مآثره وآثاره, وليقف من لم يدركه على مناقبه الجميلة, ويشاهد بعض مآثره الحميدة ومنازعه الجليلة. ومازالت مناقب الأئمة تخلد وتذكر, وتذاع وتنشر. وإذا كان من العلم قد تعين شرعاً, واستحسن طبعاً فحقه علي آكد الحقوق, وسكوتي عن الاعتناء بتخليد مناقبه ضرب من العقوب. ولا غرو أن يقال: ما باله أطال في مدحه عنانه, وأدر من سماء فكره عنانه, فذكر له مالم يذكره لسواه, ولا أظهر على أحد نصه ولا فحواه, فعذري في ذلك أنه لم يكن أحد من أهل عصره
стр. 116
يجاريه, وأيضاً لفرط حبي فيه, واعتنائه ﵀ بي وتحفيه, فلا أقل من أن أوفي له بعض ماله من الحق, وأقوم به فأنا الأوجب بذلك والأحق وعلمت ﵀ وفضله كثير من أن أحصيه.
وقد نعيت إليه نفسه, (حين) آن أن تغرب من سماء مغاربه شمسه. فمن شعره في ذلك ﵀: [طويل]
ولما انقضت إحدى وخمسون حجة ... كأني منها ما تذكرت أحلم
ترقيت أعلاها لأنظر فوقها ... إلى الحتف مني علني منه أسلم
إذا هي قد أدنته مني كأنما ... ترقيت فيها نحوه وهي سلم
ومن شعره: [طويل]
إلى الله قوم قد تعرضت الدنى ... لهم ورمتهم كي تصيب فراغ
وثباً لنفسي إنها عن طريقهم ... تميل لقوم بالجهالة راغوا
أهاب ذنوباً صيرتني لميتةٍ ... إهاباً وما إلا المتاب دباغ
تقسمت الأعضاء مني بطالة ... فللهو قلب, والرقاد دماغ
وبيني وبين النفس في كل حالةٍ ... دفاع, فتردي مرة وتراغ
عجزت فما وسم الجلاد بلائح ... علي, ولكن للوساد صداغ
وأخلدت للراحات, والموت يستوي ... أولو ضنك عيشٍ عنده ورباغ
стр. 117
ومن شعره وقد طرقه هم: [مخلع البسيط]
واصبر لما يعتريك تغنم ... غنيمتي راحةٍ وأجر
فإن همّ الخطوب ليل ... لا بد يجلوه ضوء فجر
ومن شعره وقد استدعي أن يجيز: [طويل]
أجبتك لا أني لما رمته أهل ... ولكن ما أحببت متحمل سهل
وكيف أراني أهل ذاك وقد أتى ... علي المميتان: البطالة والجهل
وما العلم إلا البحر طاب مذاقه ... وما لي عل في الورود ولا نهل
فأسأل ربي العفو عني فإنه ... لما يرتجيه العبد من فضله أهل
وله في المعني: [طويل]
أجبت على حكم التواصل والود ... سؤالك لما لم أجد منه من بد
مقراً بأني لست أهل إجازةٍ ... وما كل مشمومٍ وإن طاب كالند
وما كل ماءٍ للصدي وإنما ... كتبت كما واسى المقل من الجهد
فأسال ربي أن يمن بعطفةٍ ... تقرب للقربى وترشد للرشد
وله يستدعى من أبي عبد الله بن مرج الكحل أن يجيزه رواياته, وكتب إليه بها إلى إشبيلية: [كامل]
يا من تصور شخصه من نور ... ...........................
وقد رغب منه الفقيه الكاتب أبو الحسن الرعيني أن يجيز أولاده, فكتب إليه: [سريع]
أصوح النبت فيرعى الهشيم ... عذراً فما برقي مما يشيم
стр. 118
فصارم العجز لدي اغتدى ... صلباً وعضب العلم في الجهل شيم
حسب المعيدي سماع فما ... له إذا ينظر, مرأى وسيم
إن تطلب الرؤية منه فقد ... كلف من ذلك خسفاً, وسيم
وهي طويلة. ومن شعره في المعني: [متقارب]
ويقصر مهدي النعاج العجاف ... عن السمن البدن والبدن
أمثلي يعرض في حلبة ... تباري السوابق بالكودني
ومن ذا الذي في رواة العلوم ... فأثبتني بعد أوعدني
ولو رمت إلحاق نفسي بهم ... لطاردني العجز أو ردني
وإني وإن أنا عنهم خطى ... لأرجو, وحسبي أن أدني
ومن لي بإدراك قوم سروا ... إلى أشرف الفعل والديدن
وقد قصر السن بي والسنا ... ء عن ذلك العتن الأهدن
ولما تبسم عرف العرا ... ق حركني الشوق واعتدني
ووالى ارتياحاً لمن حله ... كعهدك بالغصن الألدن
أناس بهاليل بيض غدوا ... يلوحون في الزمن الأكدن
ومنها:
تنص المعالي على مجدكم ... كنص علي على المدني
ولما علمت بهم لم أبال ... بمن سدته بعد أو سدني
وكلفت رد الجواب لهم ... فحملت من ذاك ما أدني
стр. 119
فأصبحت فيهم قصيراً كمن ... يقيس الرديني بالمردن
فعذراً لمظهرٍ سوقه ... يروم معارضة الصيدني
وكتب معها بعد الصدور, وبعد: فإنه لما دعا لهذه الإجابة أكرم داعٍ, وجب الفعل بالإتباع. فكم آلى (علي) أن أبرز في منصة العجز سعالتي, وأطرز من العذر ما أحتمل به على علالتي. فلعل هذا المكلف قصد أن يجمع إلى الخز المشوب, أو أظنه طلب أن ينظم إلى الدر المخشوب فلو لم يأخذ القوس إلا الباري, ولا دخل الحلبة إلا السابق المباري, لما علم الأرفع من الأنزل, والرامح من الأعزل, ولرميت أدواء الجهل بالتعطيل, وعريت أفعل عن صفة التفضيل. لكن اقتضت الحكمة أن يباين الند نده, ويلاين الشيء ضده, حتى يعرف العذب بالأجاج, ويشرف الدر بمقايسه الزجاج. ولما علمت أني إذا امتثلت, ونثرت كنانتي ونثلت فإنما أكون من بين سبق الجواد بعيره , وزين بهدره بلاغة غيره, فأحبت, بعد أن تسترت من الحياء واحتجبت, فكتب والقلم عاثر, والعجز لما أروم نظمه من الكلام ناثر. وبعد أن وقفت على هذا الاستدعاء الذي طلعت من المطالع العراقية شمسه, وحسر اليوم بهذه البلاد الغريبة عليه أمسه, وكسا هذا الأفق من حال التشريف والتنويه, ما لم يكن يحتسبه ولا ينويه, وتأهل لأن يحمل من أهله العلم حيث قطبه الذي عليه مداره, ويروي عنه بالمكان (الذي) هو محله وداره. فيا عجباً للبحار كيف استمدت أوشالها, واستعدت لطلب المكاتبة. وقد كان يجب أن تقصد ويمشى لها فيا نفحات مسكية, ولمحات نيرة ذكية, أوجبت للإجابة حقاً, وصيرت كل سامح مسترقاً ومستحقاً وهي طويلة.
كتب معزياً: مثل سيدي أجزل الله أجره, وأطلع في ليل مصابه فجره, في
стр. 120
متصبره من الفضل الذي ملك زمانه, والعلم الذي أصبح إمامه, والزهد الذي رداه رداء الورع, والمجد الذي فاق فيه نظراءه فبرع. لا تزعزعه النوائب, ولا تروعه المصائب, ولا تستفزه جرياً على سنن الفضلاء الأكابر, وأخذاً بما ذخر الله تعالى للصابر.
وفي فصل منها: ولست أعزك الله ووقاك بأول من أفرده الدهر من حميمه, وجرعه كأس حميمة. فشيم الزمان, عدم الأمان, وسجايا الدهر, رزايا العلماء في البر والبحر. ألم يفجع متمماً بمالك, وصيره يبكي القبور لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك. وأصاب الخنساء بصخرٍ, فلم يحجبه ما يسرته له من الثناء والفخر, وفرق بين ندماني جذيمة, فأفقد كل واحدٍ منهما نديمه, وملأ قلب سيبويه أحزاناً, حتى أنشد (عن) أخوين كانا..... [رجز]
كل أخ (مهما غدا) ... أخ له مفارقه
لا بد أن يطرقه ... من الحمام طارقه
وسوف يلحق الفرقدين العناء, فلا ينفعهما الاستثناء. فإذا علم المرء أنه إلى الموت مآله, وقد درج عليه سلفه وآله. فما ينفعه الوله, وسوف يفني آخر كما أفنى أوله: [طويل]
وما المرء إلا هالك وابن هالكٍ ... وذو نسب في الهالكين عريق
وكتب معها: [متقارب]
عزاء, فمثلك من يؤتسى ... به في العزاء إذا الخطب لم
ومن كان قلبك في صدره ... محا الصبر ما خط فيه الألم
стр. 121
ومنها:
وللعلم بدر به يجتلي ... إذا ما ادلهمت دياجي الظلم
ومن يدر أن الردى منتهاه ... فليس مفيداً له: ليث لم
ومن أمل الخلد في دهره ... فمن جهله نفسه قد ظلم
وكتب مهنئاً بزواج فقال بعدما تقدم جزء من الرسالة: فيا لها خطبة ما أسعدها وأسندها, وبغية تنيل مبتغيها عظمى المقاصد وحسناها. فهنيئاً له بقرينةٍ يفوز منها بوسطى سلك الحسب والعد, وزهرة رياض العلى والمجد, ودرةٍ لم تنشق عن مثلها الصدف, وزهرةٍ طلعت في سماء المجد والشرف. قسماً لقد جلت قدراً عن كل محاول, وقصرت عن إدراكها يد المتطاول. فلو صنعت من قرص الشمس دنانير مهرها, وطبعت دراهمه من نيرات الكواكب وزهرها, وبذل الوجود في نقد صداقها, وسلبت لها الجوزاء عن تاجها ونطاقها, وأجري من برها إلا ما قصر عنه كل بحر, وسقيت لخدمتها الثريا في ملاءة الفجر؛ لما بلغ لها بحق, ولقصر عن الأوجب لها والأحق.
وكتب يوماً: مثل سيدي تذكر بعد أمة, ورعى الأمانة وواجب الذمة. فالفضل يتعلم من أخلاقه, والعلم من جملة ذخائره وأعلاقه. وما أظن سيدي إلا أن النسيان المركب في طباع بني آدم, غلب عليه حتى طال العهد وتقادم. ولا غرو فإن البشر بذلك أنسوا, ونسي أبوهم فنسوا. إلا أني قد ذكرت سيدي غير مرة, وأعلمت من المخاطبة كل طمرة. فتارة وعد بالتوجيه, فقلت: لا تنكر نجاحه من آل الوجيه, وأخرى جعلت فيها العتاب, للمتوجه بالكتاب. فقلت: لعله لم يكن أهلاً لأدائه, فلا أرمي غيري بدائه. والآن يصل به إن شاء الله فلان, وهو من أهل الأمانة والثقة, وممن يختص مني بالمودة والمقة. وأرجو إن وصله إلى ناديكم, فليكن الإسعاف من أياديكم, إن شاء الله وإن كان محتقراً قدراً, ومن سقط المتاع الذي يستخف به
стр. 122
ويزرى. ففي علمك أن الطالب يقنع بورقه, ويراها أعظم من بدر النهار ورقه والسلام.
وكتب يوماً: وصل الله بقاء الفقيه أبي الحجاج, مؤملاً لقبول الشفاعة وقضاء الحاج. قد علمت, أدام الله عزتك, وجعل للمكارم ارتياحك وهزتك - أن حق الجار مرعي, وذمامه شرعي. فينبغي أن يلاحظ ويرتقب, فهو كما قال ﵇: أحق بالصقب. وإن كان خامل المقدار, فيرعى له قرب الدار. وحسبك من هذه المرتبة المنيفة, قصة أبي حنيفة, حين استعمل قدمه إكمال الشفاعة, وما أهمل (جارة) ولا أضاعه. وإن رجلاً خديماً تعرفه إن شاء الله من قبل موصلها, وهو جار لي بيت بيت, فحركني للشفاعة بعد أن أبيت. فوصلتني الآن رغبة في أن أشفع له شفاعة حسنة, وأفوز بنصيبٍ من هذه الحسنة. وذكر أن مقر الوزارة العظمى, لا ينحى من لاذ به ولا يظمأ, أعلى الله مقداره, وأجرى بأفق مراده أقداره؛ سجنه لأمر سببه, وأدب أوجبه. ويرجى إن شاء الله أن يكون الأدب قد أقامه, وألزمه الاستقامة. فالغرض منك أيها الصفي الوفي في إحراز هذه الفضيلة, وتبليغ هذه الوسيلة, لعل الشفاعة تتقبل, فيكون حق المجاورة قد رعي ولم يهمل. لا زال محل الوزارة قابلاً شفاعة الشافع, مواصلاً على الجميع أشتات الأيادي والمنافع. ولا زلت أعزك الله ساعياً في خير, جارياً بمقاصدك أسعد يمنٍ - وطير) بمنه, والسلام.
ومن شعره: [متقارب]
ولما أذاب الهوى مهجتي ... فأصبحت (منها كرسمٍ) دثر
ولم يبق عين تراه العيو ... ن مني ولا أثر من أثر
стр. 123
تعرضته قاصداً كي يرى ... شحوبي فيشفق أو يعتبر
وناديت رفقاً فقال: اعجبوا ... أمن دون جسم يلام البشر
وقال أتبصرني هازلاً ... فإنك لست ترى بالبصر
فقلت لقد صدق القائلون: ... أريها السها وتريني القمر
ومن شعره في ناعورة: [سريع]
ودائرٍ يسرق من مائه ... كواكباً فهو بها صاعد
حتى إذا قام بها واستوى ... وقلت هذا فلك زائد
أهوت إلى الأرض كما قد جرت ... نيازك لاح لها مارد
فعاد من حليتها عاطلاً ... وهو إلى حالته عائد
ومن شعره في المعنى: [سريعٍ]
وسابح في الماء أعجب به ... لم يعرف السبح ولا أنكرا
يجري مدى وما زال عن ... موضعه يوماً ولا قصرا
وينتقي من مائة فضة ... يسبكها من حينه جوهرا
ومن شعره في قوس: [وافر]
ألا يا ناظراً رميي تعجب ... كأني في الإصابة لحظ ريم
أسر بحسن رشي من رمى بي ... كأني قد رميت على الهموم
إذا أرمي السهام يقال: هذا ... هلال الأفق يرمي بالنجوم
فلو أمي على الشيطان يوماً ... سبقت إليه من قبل الرجوم
ومن شعره أحدب: [سريع]
وأحدبٍ تحسب في ظهره ... حبابة في نهرٍ عائمة
стр. 124
مثلث الخلقة لكنها ... في ظهره زواية قائمة
وله فيه: [سريع]
يا أوقص الخلقة بعداً فقد ... شوهك الله بهذا الوقص
وزادك الله, ولكنها ... زيادة أكثر منها نقص
كأنه في حملها صائد ... يحمل من دون طيورٍ قفص
وله فيه: [طويل]
وقالوا أتهوى أحدباً فأجبتهم: ... أرى حبه للقلب أسلى وأروحا
فقالوا: فصفه, قلت: غصن تحدبت ... كمامته من قبل أن تتفتحا
وكتب وقد استدعيت منه أقلام: سيدي الأرفع, وسندي الأمنع, الذي أفخر بولائه وأخر وده لأزمات الدهر ولأوائه, ما زال للأدب يدير أفلاكه, ويسر أملاكه, وينظم عقوده وأسلاكه. وصلت أحرفك المشرقة, وغصون أدبك المورقة, تعبر عن براعة, وتعرب في العبارة عن طلب يراعه. فلله أنت, لقد أبدعت في وصفك, وصدعت بالحق في نظمك ورصفك, فحليتها من ألفاظك بدرر, وأعليتها فوق الشمس والقمر, حتى تمنى الوشيج أن يكون يراعاً, وتحققت الصوارم أنها لم تزل للأقلام أتباعاً, وأشرت أن يكون مما خرجته أناملي, وصرفته عواملي. فكيف وهو في يميني لا يكاد يمشي خجلاً, وفي يمينك ينشئ حللاً. وعندي يريد أن يعرف فيعجم, وعندك ينبئ عن البيان ويترجم. فخفت أن يعدي على خطك الأغرب, كما يعدي الصحيح الأجرب. لكني سأوجه إليك إن شاء الله بابنة حزن, وغدية مزن, نابتة في الحجر الصلد, ومستويه كاستواء الملد, قد امتدى أنابيبها امتداد القداح, وطالت في دوحتها طول الرماح, وامتنعت لمدى من الأوراق,
стр. 125
واجتمعت وإنما تصلح بالافتراق. فحينئذٍ تبرى وتقط, وتكتب وتخط, فتبدى إذا صبحت يمينك سحراً, وتخرس من آدابك الرائقة بحراً. والله تعالى يبقي إخاءك, ويديم ولاءك بمنه. وكتب محبك الأشكر, محمد بن عسكر. والسلام. وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين أبا العلاء إدريس: [طويل]
إليك تركت الأرض والمال والأهلا ... لأسمع من داعي قبولك (لي) : أهلا
وفيك هجرت العيش أخضر ناعماً ... بها ونسيم الأرض أعطر معتلا
ومنها:
ركبت إلى لقياك كل مطيةٍ ... مبرأةٍ أن تعرف الأب والنسلا
إذا نسبوها فالتنوفة أمها ... ووالدها ماء الغمام إذا انهلاً
وما علمت يوماً غذاء وإنما ... أعار لها الأعضاء سائسها فتلا
وقد ضمرت حتى اغتدت من نسوعها ... فلو عرضت للشمس ما أسقطت ظلا
وما في قداها قدر مقعد راكبٍ ... ولكنها ساوت مساحتها الرجلا
لتبليغها المضطر تدعى ببلغةٍ ... وإن قست بالتشبيه سميتها نعلا
سأشكرها جهدي وأثني بفضلها ... فقد بلغتني خير من وطئ الرملا
ملكياً كأن الشمس فوق جبينه ... وليث الشرى في درعه حاملاً شبلا
إذا رام أمراً لم يخف فيه من عسى ... وإن قال كن لم يخش في غرض من لا
وما ذاك إلا أن في الله همه ... فيجري له في ذلك القول والفعلا
стр. 126
ومنها:
له فتكات في العدى وعزائم ... تسدد رعباً (في) قلوبهم النبلا
نعدهم أسرى وهم في دياركم ... ونحسبهم ما بين أهليهم قتلى
همام إذا ما الحرب شبت تقدمت ... به همة. حسب الشجاع بها فضلا
ومنها:
إذا أوعد الأعداء لم يعرفوا البقا ... وإن وعد العافين لم يعرفوا المطلا
ومنها:
ولا غرو إن لاحت نحلية باطل ... فعجل بها, فالحق يعلو ولا يعلى
ألم تر موسى حين ألقى عصاه لم ... يطق ساحر يلقي عصياً ولا حبلا
وما ابن لبون الحرب يستطيع صولة ... إذا هو قد رام القناعيس والبزلا
ومنها:
تقابله سيفاً, ومنك تسابقا ... حسام محلى أو دهاء قد استعلى
طلعت بأفقي إمرةٍ وخلافةٍ ... كما اشترك النوران واتحدا فعلا
وإن امتزاج الطيب بالطيب مكسب ... له قوة ما كان يعرفها قبلا
رضيت بتغريب يصحف لفظه ... لدي بتقريب إليه, فما أحلى
وبالشوق للأحباب إذ أنت مؤنسي ... وكم وحشةٍ صارت طريقاً لما يسلى
وبالبين عنهم خائفاً مترقباً ... وإذا سار موسى خائفاً لحق الرسلا
ومنها:
جهول يرى أن السيادة شرعة ... فقل: سامري صاغ من عسجدٍ عجلا
وما زلت أوليه من البشر والرضا ... نصيباً, ويولي من إساءته كيلا
إلى حين أصمتني سهام قسية ... "فأوقعن بي عيباً وسببن لي نغلاً"
стр. 127
وسرت طريداً البلاد كأنني ... لأحمد سمعا قد حلمت به عذلا
فأحمد ربي إذا منيت بغربةٍ ... ولم يرني صانعت وغداً ولا ردلا
وربتما ماتت من الجوع حرة ... ولم ترض أن تختار من ثديها أكلا
فمن مبلغ الأعداء أني آمن ... وأن أذاهم عاد ممتنعاً سهلا
وأني بحيث الدهر قد صار خائفاً ... لإضراره بي أن أحمله الثكلا
وأني منكم في جوارٍ وأرتقي ... له البدر, ما شان المحاق له شكلا
أما علموا أني بآخر آيةٍ ... من اقتربت, سحراً يورثهم خبلا
فدمت بكم أجني السرور ويجتني ... عدوي من فرط الحسادة لي نكلا
وله في قارئ يقرأ ما يكتب له تحت أثوابه باللمس من غير أن يعاين ما في الطرس مكتوباً: [سريع]
وقارئٍ ما تحت أثوابه ... كأنما ينظر في طرسه
نورية فاضت بأعضائه ... فانقلبت فيه إلى حسه
كأنما قوة إبصاره ... قد نقلت منه إلى لمسه
كأنما الحرف له نابض ... وهو كجالينوس في جسه
لا تعجبوا من (أمر) إدراكه ... ينفد ما يعلوه من لبسه
فالأفق الأعلى سماواته ... لا تحجب الإدراك عن شمسه
لمثله كان سليمان قد ... تفقد الهدهد في نفسه
فيا لها من آيةٍ أعجزت ... عن مثلها كل بني جنسه
ومن شعره يصف عشية أنس ﵀: [طويل]
أأنسى من الأزمان أنس عشيةٍ ... أجلنا بها الأحداق بين الحدائق
стр. 128
حدائق بيض بالأزاهر وسطها ... جداول كالأسطار وسط المهارق
كأن على تلك الأباطح جردت ... صوارم لما خيف من كل طارق
صفت وصفا فيها الحصا فكأنها ال ... مجرة حفت بالنجوم الشوارق
وقد أودع الأرواح عند هبوبها ... عليها يدي داود, رب الخلائق
يصوغ دروعاً فوقها كلما جرت ... فيا لك من حسنٍ للحظك رائق
وغنت بها الأطيار وهي تجيبها ... فيا عجباً من حسنٍ أخرس ناطق
أقمنا عليها بعض يوم كأنه ... لمبصره في العمر لمعة بارق
مع أبناء صدقٍ طاهرين كأنهم ... نجوم سماءٍ أشرقت بالمشارق
حسان الذي يبدو فريق جيوبهم ... أعفة ما قد ضم تحت المناطق
أقر بنو الدنيا جميعاً بأنهم ... شياه وكل الناس مثل البيادق
يديرون في وصف العلوم كؤوسهم ... وليس سوى الآداب خمراً لذائق
رأت أنسنا شمس النهار فلم تزل ... تسارع نحو الغرب سير السوابق
وغارت بنا فاصفر للناس وجهها ... كما اصفر من خوف النوى وجه عاشق
عجبت لها قد أبصرتنا ولم تقف ... وقد وقف قدماً لقتل العمالق
فهلا أقامت كي يدوم وصالنا ... ولو قدر ما ترتد مقلة وامق
فتباً لدهر لا يدوم نعيمه ... لقد قطعت للأمن منه علائقي
تطول على الحر اللبيب صروفه ... كليل سليم أو عذاب منافق
وتقصر ساعات الوصال إذا أتت ... كخلب برقٍ أو كغفلة سارق
فيا لزمان بالورى متقلب ... خلائقه للخلق شر الخلائق
كأن بني الدنيا لوقع صروفها ... عصافير ترمى عن قسي البنادق
فما منهم من يستطيع تخصاً ... لإصماء سهم للمنية راشق
سواء عزيز القوم مثل ذليلهم ... لديه, ومن في السفح أو في الشواهق
فما عمرت عمرو بن هندٍ جنوده ... ولا أنعم النعمان قصر الشقائق
كأن جميعاً إذا سقاه حمامه ... بكأسٍ حقاقٍٍ خر من رأس حالق
أطلعت الهوى حتى خدعت ومن يطع ... هوى النفس يخدعه كخدع المآذق
فيا نفس كفي قد بلغت بي المدى ... أمالك بعد الشيب توبة صادق
ويا رب عفواً إنني منك واثق ... فمن على عبدٍ بجودك واثق
стр. 129
وله من قصيدة كتب بها جواباً لبعض إخوانه: [بسيط]
أطل (على) الدهر في عتب أو اقتصر ... فلست منه على حالٍ بمنتصر
ودع بنيه ففيهم من شمائله ... ما قد تضمن من مستقبح السير
حازوا التليدين من لؤمٍ ومن حسدٍ ... إلى الطريفين من عي ومن حصر
ومنها:
كم قد تنكر لي من قد محضت له ... ودي وما جئت من شيءِ له نكر
وظل يوثر أفراس العداوة لم ... ينفعه وعظ ولم أغدر ولم أتر
ومنها:
لما توهم أن يقوى بقدرته ... على المضرة لم أصرف له بصري
وكلت لله آمالي فأعجزه ... وقلت بالجبر لما قال بالقدر
ومنها:
إيه فديت بأرواح العداة أبا ... محمد وفداك الدهر بالنفر
أتشتكي حسد الحساد وهو لهم ... كالنار تعرف فيها نكهة القطر
ومنها:
ن كنت تطلب منهم مثل نفسك قد ... طلبت معجزة من غير مقتدر
عذراً لهم فلقد راموا بجهلهم ... شأو امرئٍ فوق أوج الشمس والقمر
مهما مشى نحو قصدٍ, للعلاء سعوا ... وإن سعوا خلقه في غايةٍ يطر
تجري اليراع بيمناه فتبلغ ما ... يغيب من سمهري في يمين جري
ومنها:
وصفتني بصفاتٍ أنت مالكها ... لكن تكسيت منها ثوب مفتخر
فالريح تخطر بالأزهار جارية ... فتكتسي من شذاها الطيب العطر
стр. 130
كأنما كنت في المرآة تبصر من ... وصفته, فلديها العكس للصور
حقاً دعيت بزهري منك قد جمعت ... في الطرس بين (فنون) الزهر والزهر
وقد برعت زهيراً في القريض, ومن ... تقارب اللفظ, خصوا ذاك بالصغر
إيه تكلفني رد الجواب وقد ... علمت أني لا أسطيعه, فدر
لما بعثت رياضاً منك مثمرة ... سرقت منها, وليس القطع في الثمر
فإن نطقت فمن علمٍ بصفحك (لي) ... وإن سكت فإني بالسكوت حر
وكتب إليه الفقيه أبو علي الاستجي بقطعة شعرية, فجاوبه عليها مسرعاً: [كامل]
يا سيدي قد أقحمتني أحرف ... ألفيت فيها كل سحرٍ مودعاً
وافت, وعهد أخيك, عن أثبالها ... قد طل من نهب السرور وودعا
ذكرت عن قمرين لاحا عندنا ... ولعل عندك أشرقاً وتطلعا
سكرا بأفلاكٍ جرت بهما لنا ... فتألفا في أفقنا وتجمعا
فلعل إظلاماً لدينا ينجلي ... بهما, وأنسا قد مضى أن يرجعا
ولقد غنيت بنور وجهك عنهما ... وبنور ذهنك إذا بدا وتشعشعا
ولئن تغب عنا فإنك حاضر ... فاعجب لمفترقين قد حضرا معا
فإذا تمتع ناظري حسناً فقد ... لاح الجمال للحظكم فتمتعا
ومن شعره وقد سأله بعض الطلبة أن يجود عليه, فكتب إليه مع جملة دراهم أعطاها له: [مخلعٍ]
стр. 131
عذراً فإن الحسام ينبو ... إن لم تساعده شفرتاه
والصقر إن لم يكن بريشٍ ... لم تستطع نهضة قواه
ورب ذي منيةٍ ولكن ... باعده الفقر من مناه
فاقبل ... فديت
القليل ممن
لم يستطع غيره يداه
وله يصف سيلاً على أمير المؤمنين أبي العلاء في رياضة بوادي........ [كامل]
يا أيها الملك الذي قد أشرقت ... أقطار رية من سناه ونوره
يا من يرينا الشمس فوق جبينه ... حسناً, وليث الغاب فوق سريره
وإذا الزمان رأى رجاحة عقله ... صرفته عن ثهلانه وثبيره
عذراً لوادٍ أم قصد مقامكم ... كدراً, وحسن الزور في تكديره
عجلان محمر الأديم كأنما ... غلب الحياء عليه عند خطوره
يحكي الحوامل باضطراب فؤاده ... قلقاً, وعدو الأيم عند مسيره
سيريك متن السيف عند صفائه ... جرياً, وسرد الدرع عند فتوره
وافى يقبل في الثرى إذا لم يطق ... تقبيل كف تزدري بنميره
ويروم يقضي بعض حقكم الذي ... عجزت أولوا الأفهام عن تعبيره
منع الكلام وقد تعين شكركم ... فأتاك يعرب عنه صوت خريره
وتوفي ﵀ عليه في ظهر يوم الأربعاء لجمادى الآخرة عام ستة وثلاثين وستمائة غفر الله وجعل الجنة مأواه بمنه وكرمه لا رب سواه.
ومنهم:
٥١- محمد بن عيس بن مع النصر المومناني
يكنى أبا عبد الله. ورد علينا مالقة أيام الأمير أبي عبد الله بن هود فأقام بها سنين.
стр. 132
كان ﵀ من جلة العلماء والمحدثين, أكثر اشتغاله بالحديث. وكان ﵀ ذا هيئة جميلة وشارة حسنة, وسيم الصورة منبسط النفس, عالي الهمة. وكان عنده من الكتب ما لم يكن عند أحد. أدخل مالقة فوائد وكتباً لم يشاهدها قبله أحد من أهلها. وجدت بخط خالي ﵀ ما نصه: أنشدني الفقيه أبو عبد الله المومناني وقال: وجدتها بخط قاضي الجماعة الشريف أبي عبد الله محمد بن طاهر الفاسي, وينسبها لابن تومرت يخاطب بها أبا حامد الغزالي, وهي: [متقارب]
أخذت بأعضادهم إذا أتوا ... وخلفك العجز إذا أسرعوا
وأصبحت تهدي ولا تقتدى ... وتسمع وعظاً ولا تسمع
فيا حجر الشحذ حتى متى ... تسن الحديد ولا تقطع
قال: وأنشدني أيضاً له: [سريع]
الأرض للطوفان محتاجة ... لعلها من درنٍ تغسل
قد كثر البغي على ظهرها ... وكذب المرسل والمرسل
وانتقل ﵀ إلى مراكش, وبقي بها معظماً عند الأمير الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن أبي العلاء في غاية من المكانة والتنويه إلى أن أراد الله بهلاكه, فكتب إلى بعض السادات يذكر له القيام على الأمير أبي محمد عبد الواحد المذكور, فذهب غلامه بالبطاقة فجعلها في يد الأمير وهو يظن أنه إليه أرسله. فكان الأمير على شغل في قصره, فلم يعبأ بالبراءة ورمى بها واشتغل بما كان بصدده. ورجع الغلام إلى أبي عبد الله المذكور فأعلمه بالنازلة, فعلم أنه لا يعيش أبداً. ثم فكر في نفسه وحمله رأيه على أن يكتب براءة يستعذر للأمير فيها ويطلب الإقالة منه لعثرته, ووجه بها إليه في الحين. فقرأ الأمير البراءة, وقال: لأي شيء يستعذر وما جنى ذنباً. ثم تذكر البراءة الأولى فقرأها ووجه في الحين على أبي عبد الله المومناني وأمر بقتله. ويقال: إنه ذبح ذبحاً نفعه الله وأعظم أجره. ووصل مالقة خبر موته في أوائل ذي القعدة عام ثمانية وثلاثين وستمائة.
стр. 133
ومنهم:
٥٢- مسلم بن أحمد بن محمد بن قزمان
يكنى أبا الوليد. كان ﵀ كاتباً أديباً بارعاً متفنناً في الأدب, جيد الطبع, متقد الخاطر. من شعره: [بسيط]
ولى شبابي ولم أعلم بكرته ... فالآن قد صرت من حتفي على وجل
كأنه قادم وأفى أحبته ... يبغي بتسليمه توديع مرتحل
ومن شعره: [بسيط]
لو كنت تنظر للآجال معتبراً ... وسيرها سير ذي الأوبار في السفر
أبغضت محبوب آمالٍ تقر بها ... نفساً, تحير بين الورد والصدر
ومن شعره: [متقارب]
وقالوا اعتقدت متاباً من ال ... حميا وأنك لا تشرب
فقلت: نهاراً, فمهما دنا ... غروب فحلقي لها مغرب
ومن شعره: [طويل]
مرادك (دينار) تعبة ودرهم ... وإنهما عند الحقيقة أوزار
هما شرك الدنيا كطعمة قانصٍ ... ليأخذ ذا أنسٍ ويسلم مذعار
فكن شرساً (صعب) القياد (إليهما) ... فآخر ذا هم, وآخر ذا نار
ومن شعره: [طويل]
إذا زرت غباً زدت حباً وغبطةً ... فمخلق ثوب الود طول تلاق
فللعين إعراض عن البدر مدة ... ولكنها ترعاه عند محاق
وله يصف عصا في يد شيخ يمسكها: [بسيط]
стр. 134
وعمدةٍ لي وقد ألزمت صحبتها ... تخذتها قدمي مذ هاضني قدمي
نحيلة الجسم للهندي نسبتها ... وقد تعاورها قدماً ذوو الهرم
من عاتق النبع مثل القدح قد نحتت ... صلفاء في لمسها من كف ملتزم
صليبة العجم صفراء القميص, لها ... نحافة الصب مهجوراً أو الدلم
على ثمانين مرت بي أشير بها ... وما لهن ارتجاع, لا على غنمي
كأنني قوس رامٍ وهي لي وتر ... والدهر يشرع لي سهماً من العدم
وتوفي ﵀ في عشي يوم الأحد بعد صلاة المغرب في شعبان المكرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة, ودفن اليوم الثاني بعد صلاة (الظهر) مجاوراً للأستاذ أبي علي الرندي ومن شعره: [طويل]
أما رام ظبياً راقني بصفاته ... وحسن لآ (له وزين) سماته
وددت لطيفٍ ليس ينقص حكمه ... (فيوفي بوعدٍ أو يروم) لآته
ومجدٍ أثيل قد ملكت عنانه ... وذاتٍ نأت عمن نواها بذاته
إذا غاب عن فكري خيالك ساعة ... فقد ساء حالي من أذى غمراته
ولي منطق رطب بشكرك كلما ... تنشقت عرف المسك من نفحاته
وكم عزم القلب المعنى على النوى ... ولكنني استوقفت عن عزماته
ولولا مقال الناس عني هالع ... لكنت قريح الجفن من عبراته
وأعمى انسكاب الدمع إنسان ناظري ... وصار محاقاً نوره بأذاته
ولا غرو ما يلقي خليلك في النوى ... وما بثه من مؤلمات شكاته
стр. 135
فإن مذاق البين مر وأنني ... أرى سكرات الموت من سكراته
ولو كان شخصاً كنت قاتله ولم ... أخف قوداً أو باهضات دياته
وإن حمام الأيك فوق غصونه ... ليشكوا أليم البين في نغماته
وكنت أظن الدهر يبقي مسرة ... (تظل به) موصوفة بثباته
فلما تفرقنا استزدت زهادة ... ولم أرض أني من رجال عفاته
ولا (راقني) أني أعدد من ذوي ... موالاته قرباً ولا من ولاته
ولو زادني منه بنخبة عزه ... لما قلت هبنيه ولا قلت هاته
ولا كنت (مرتاحاً) ببهجته ولا ... اغتررت بما أبصرت من حسناته
فما لذ شرب منه إلا أمره ... وكدره بالصعب من سيئآته
إذا استهدف البين المشتت مقلتي ... وأصبح هذا الدهر أصمى رماته
فما هو إلا بالمصائب محذق ... به قد أحاطت من جميع جهاته
أبا حسن إني عهدتك محسناً ... فأيقظ كريم ودنا من سناته
ولا تستبن فيه تطلع بيننا ... مقالة من يهديك هدي صفاته
وآنس بحرفٍ أو بحرفين واحشاً ... يفديك من صرف الردى بحياته
فلا زلت في ضمن الحياة مهنأ ... وأبصرت من عاداك رهن مماته
ومنهم:
٥٣- مسعود بن عبد الله
يكنى أبا الحسن, إسلامي. كان كيساً ذكياً أديباً, بارع الأدب كاتباً بليغاً. له أشعار حسان وموشحات رائقة. ذاكراً لآداب كثيرة, معتنياً بطريقة الأدباء. ومن شعره يرثي: [وافر]
стр. 136
أبيني يا منون لنا السؤالا ... وبالحق انطقي ودع الجدالا
لقد أشعرتنا بذهاب عيشٍ ... وما نلنا من الدنيا منالا
فكم ذا نشتكيك ولم تحني ... كأن لم تسمعي قيلاً وقالاً
علام أدلتنا نعمي ببؤسى ... فغم بما نعمنا الدهر بالا
وحكمت النوائب في البرايا ... فلم تبق النساء ولا الرجالا
ولم ترث لحزبهم فمهما ... حللت بهم شددت لهم عقالا
ومنها:
قتلت العالمين بلا سلاح ... وعطلت الأسنة والنصالا
وقد غادرت أهل الأرض صرعي ... ولا زرقاً بعثت ولا نبالا
وقد كنا نعد لك العوالي ... لو أنك كنت أبديت القتالا
وإن قتل الأنام غدا حراماً ... فقد صيرت قتلهم حلالا
ومنها:
فمن هذا الذي يرجو حياة ... يسر بها, وسوف تسوء حالا
إذا فكرت ليلاً أو نهاراً ... وجدت حقيقة الدنيا محالا
إن اعتزت سيغشاها هوان ... أو اعتلت ستنتقل انتقالا
وليس رشادها إلا سفاهاً ... وليس لها هدى إلا ضلالا
وما أعطت لطالبها اختياراً ... ولا بقت لعاشقها وصالا
وكم هدمت لعامرها بناء ... وكم قطّت لواصلها حبالا
ومنها:
بنو الدنيا حياتهم نيام ... فإن زاروك فاحسبهم خيالا
وكل رزيةٍ فيها عزاء ... لرزءٍ عارضٍ هدَّ الجبالا
ومنها:
على فقد التي لما استقلت ... تغير كل عز واستحالا
فآثر عقد جيد الدهر لما ... أصيب بها, ولم يرض الجدالا
стр. 137
وحتى أنجم الآفاق أمست ... تشكى في منازلها الكلالا
وأظلمت القصور لساكنيها ... وقد كانت تروق لهم جمالا
لئن صار الضريح لها حجاباً ... لقد كان الحياء لها حجالا
ولم تجزع لموت حين وافى ... ولا أبدت لرؤيته اختبالا
لقد جرعتنا كأساً فظيعاً ... شربناه وكان لنا سمالا
وأحببنا لقاء الموت لما ... رأينا بعدك المحيا وبالا
وشققت القلوب عليك عين ... نواعم لم تراع لها دلالا
ولما أن جعلت اللحد مثوى ... وهبن نفوسهن لتستمالا
تفديك المكارم والمعالي, ... إذا الغرم اغتلى منك النوالا
وأما المأثرات فقد أقامت ... لديك وأقسمت أن لا زوالا
ألا يا رب ذا وجه مصون ... وسيم الروع فامنعه ابتذالا
أثابك ربك الحسنى جزاء ... ولقاك الكرامة والجلالا
زهت بك جنة الفردوس عجباً ... وحور العين بادرن اقتبالا
على أن لو بسطنا الخد أرضاً ... تمر عليه ما كان احتفالا
عسى الصبر الجميل يزور قوماً ... قد اجتلدوا (وما وجلوا) اجتلالا
وهي أكثر من هذا. وأدبه مشهور.
ومنهم:
٥٤- مغاور بن عبد الملك بن مغاور
ويكنى أبا الحسن, وهو ابن أخي الشيخ أبي بكر بن مغارة. كان ﵀ نبيهاً فطناً لوذعياً شاعراً مجيداً. نقلت من خط الفقيه أبي عمرو بن سالم, قال: أنشدنا أبو الحسن بن مغاور لنفسه مما قاله بمرسية: [بسيط]
стр. 138
وليلةٍ بتها والسعد يسعدنا ... في فتيةٍ كنجوم الدهرٍ أكفاء
نرتاح في جنةٍ راقت محاسنها ... مستمتعين بآلاء ونعماء
وبيننا شمعة كالبدر مشرقة ... لكنها طلعت في صفحة الماء
فزنا بنيل المنى رغماً لحاسدنا ... والدهر ذو مقلةٍ عن ذاك عمياء
يا ليلة السفح هلا عدت ثانية ... سقيت من ليلةٍ في الدهر غراء
ونقلت من خطه أيضاً, قال: أنشدني الفقيه أبو الحسن مغاور لنفسه بمالقة: [متقارب]
بجامع مالقةٍ شادن ... هضيم الحشا, ثغره جوهر
يطوف بإبريقه ساقياً ... ولكن لواحظ تسكر
يبيح لنا الماء من كفه ... ويحمي اللمى واللمى أعطر
كأن بخديه بدر الدجا ... فكل إلى حسنه ينظر
ومن شعره, ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم أيضاً قال: أنشدني ابن مغاور لنفسه:
يا ناسخاً أحكمت يداه ... فوق سماء الطروس زهرا
طرسي روض بغير زهرٍ ... فاغرس بيمناك فيه زهرا
ونقلت أيضاً من خط أبي عمرو بن سالم رحمه الله تعالى عليه بمنة آمين, من شعره: [مجزوء الخفيف]
سود الشعر خده ... بعد ما كان أبيضا
وتقضى شبابه ... فهو يبكي لما مضى
ومن شعره: [بسيط]
بالأمس لحيته سوداء حالكة ... واليوم ليس لها عين ولا أثر
كانت كعارية في خده رجعت ... إلى المعير فلم يسمع لها خبر
стр. 139
ومنهم:
٥٥-المنذر بن رضى الرعيني
يكنى أبا الحكم. أصله من بسطة, وانتقل منها إلى الموحدين في أول أمرهم ووفد عليهم فتلقوه بالبر والإكرام لمكانه من الحسب, وبراعته في الأدب. وأقطعوه إقطاعاتٍ بمالقة, فاستوطنها. وكان ﵀ جليلاً كاتباً بليغاً شاعراً. وصفه ابن أبي العباس فقال: مجرر ذيولٍ كسحبان, ومالك أزمة البيان, إلى بلاغةٍ تربي على بلاغة إبراهيم بن هلال, وبراعةٍ توقف عليه صفة العلم والكمال, وذكاءٍ كذكاء إياس, وفهم يحل كل مشكل واقتباس. ومن شعره في صفة قينة: [مخلع البسيط]
وقينةٍ تستبيك حسناً ... كمسك دارين إذ تشم
ألذ في الكف منها ثدي ... تطعن في الصدر إذ تضم
وله في صفة راقصة. ورأيت ابن أبي العباس نسبها لعبادة, والصحيح أنها للمنذر: [منسرح]
راقصة لا تحس وطأتها ... تخالها في الخفوف كالطيف
تنقل أقدامها على عجلٍ ... كأنما رقصها على سيف
ومن شعره في طول الليل: [كامل]
في ليلة وصلت بأخرى مثلها ... لا ينقضي إظلامها إصباحا
تبدو النجوم بها وتخفى تارة ... تحت الغيوم كما أجلت قداحا
ومن شعره وكتب بها إلى أبي محمد ابن أبي العباس: [كامل]
أأضام والجار الأمين منيع ... ويراع في كنف الكريم مريع
стр. 140
وترى علي كآبه وتخالني ... في صغرةٍ بين السراة خشوع
لو قد رأتني من رأتني قبلها ... عجبت وقالت كيف ذاك يضيع
عهدي به يستدفع الجاني (حمى) ... وأراه قد أعياه بعد شفيع
الله في حفظ الجوار وذمهٍ ... والعز والجميع جميع
وله يرثي أبا محمد ابن أبي العباس: [بسيط]
لمثل رزئك دمع العين ينكسب ... ومن مصابك قلب المجد يضطرب
وفقد مثلك لا فقدان يعدله ... وإنما هو في فقد العلى سبب
قالوا توفي عبد الله فانفطرت ... له القلوب وكاد الحين يقترب
يا هضبة عجلت (أيدي المنون بها) ... فبعدك الأرض يكسو خدها شحب
وكيف شمس الضحى (أضحت) أما غربت ... (لذاك, بل) كيف لاحت بعدك الشهب
وكيف لم تصبح الأمواه غائرة ... وكيف تخضر في أدواحها القضب
أقول لما أتى منعاه في رجبٍ ... ماذا من الحزن أهدى نحونا رجب
ومنها:
وكنت أحسبني وحدي أصبت به ... حتى علا (جمعنا) والسؤدد العجب
يثني العدو كما يثني الصديق ولو ... لم يثنيا, أثنت الأيام والحقب
ومنها:
لا أجعل الصبر (من) هذا المصاب ولا ... أراك لو مت تأتي بالذي يجب
والنعش حذو بنات النعش محتمل ... له صرير, فملثوم ومجتذب
стр. 141
مثل السفينة إلا أن (راكبها) ... جمع, ومجلوبه ما مثله جلبوا
وكتب إلى أبي محمد ابن أبي العباس المذكور: [كامل]
يا من إذا عد الأفاضل في الورى ... فهو الذي يثني عليه الخنصر
يا من هو العين الذي كل الورى ... في كل مشكلة ألمت, يبصر
يا سالكاً سنن ابن ثورٍ جملة ... فلأنت في كرم السجية أشهر
حزت المآثر يا وحيد زمانه ... فبك السراة على الحقيقة يفخر
لا زلت ترفل في ثياب محاسنٍ ... وشذا الثناء يذاع منك وينشر
وله في شمعة خضراء: [سريع]
خضراء تحكي الغصن في شكلها ... بين اعتدال (دائم) واخضرار
يقول إذا أبصرها مبصر ... نور ذاك الغصن أم فيه نار
تبكي لما حل بها أو لأن ... شتت شمل الليل ضوء النهار
وله أيضاً في شمعة: [منسرح]
واقفة ليلها على قدم ... لم يعرها في وقوفها فتر
تنفق للناس نفسها كرماً ... حتى لقد مسها به ضر
فينقضي الليل مظهراً (حزناً) ... مما عراها ويطلع الفجر
وشعره ﵀ كثير, وأدبه مشهور.
ومنهم:
٥٦- موسى بن محمد المشعلاني
يكنى أبا شهاب. من الأدباء النبهاء. (كان) شاعراً وأديباً بارعاً. نقلت من خط
стр. 142
خالي قال: نقلت من خط ابن سالم, أنشدني أبو بكر ابن أبي غالب, قال: أنشدني أبو شهاب لنفسه:
حمدت الله أن كنت المعافى ... وخصك بالعمى عيناً وقلبا
فعينك ليس تبصر عين شيء ... وقلبك يبصر الأشياء قلبا
ومن شعره: [كامل]
مما أضر بنا (لدى) ترحالنا ... طين على ظهر الطريق يبيس
فكأن آثار الركائب فوقه ... خط تقادم في الكتاب دريس
وكأنما الطرق المدوسة حوله ... طرر المصاحف أخلقتها السوس
ومنهم:
٥٧- مقدم بن معافى بن حسن بن زياد المالقي
يكنى أبا الحسن, من علية مالقة ونبهائهم ومعدود في حلية حسبائهم, قال فيه أصبغ في كتابه: مقدم في النباهة كاسمه, وأصيل جرى على سنن الانقباض ورسمه لم يقف في أبواب الملوك ممتدحاً, ولا أورى زناداً ماله بالشعر مقتدحاً. وكان أبو الحسن هذا بليغاً كاتباً أديباً شاعراً.
ومن شعره ﵀ يرثي عبد الملك بن منذر البلوطي: [طويل]
عليك أبا مروان يوم النوى كدت ... أموت, ولو أني أموت لروحت
وفيك اتخذت الحزن خدناً وصاحباً ... وأنواع ترجيع الحنين تعلمت
стр. 143
عشية مات الصبر واحتضر العزا ... وغيض بماء العين في جفنها السحت
وجاء رسول البين فينا, فقال إذ ... رآني لأشياع له: ذا تخيرت
فشد على أطواق ثوبي كفه ... وأسلمني من بعد أنسي وجردت
إلى عصبةٍ لم يرحموا سوء مرفقي ... كأني بدين الله ربي كذبت
وأذن فينا للرحيل مؤذن ... فقال: أجيبوا البين قد حضر الوقت
فهان علي الموت حين سمعته ... ووكل بي منهم رفيق فما زدت
أقاد ولا أدري أقتل يراد بي ... أم السجن, فاستسلمت للحين وانقدت
فقيدك في قيد الحديد كأنني ... أسير بدار الحرب, أو من به غرت
وطبقت في السجنٍ إذا الليل جنه ... تجلت نجوم الليل بدراً وكبرت
وظلمة سجني في سواد مصائبي ... كمشي نهارٍ مر ساعته الست
مصاب أبي مروان أفني تجلدي ... فصبرت مقطوع الحبال ومنبت
تجرع كأس الموت دوني ليته ... يؤخر عن ذاك المقام وقدمت
به كنت ألتذ الحياة وإن غدا ... صريع المنايا ما أبالي متى مت
فقدت بفقدي شخصه كل راحةٍ ... وكل سرورٍ يوم ودع ودعت
وعوضت من أنسي به الحزن والأسى ... ومن جمع شملي بالتفرق عوضت
سأبكي عليه ما بقيت, فإن أمت ... سيبكيه من بعدي رثاثي الذي قلت
وإن لم أجد دمعاً بكيت له دماً ... وإن لم أطق كتمان ما حل بي, بحت
وإن غلب الوجد المبرح والأسى ... وضعت على قلبي يدي وتأوهت
إذا اشتد بي كربي وضاقت مذاهبي ... ولم أستطع صبراً على كبدي صحت
تطاول بي ليلي وبدري آفل ... فلا البدر يبدو لي ولا أنا أصبحت
أقول لمن بالذل والسجن عابني ... رويداً, فإن حال الزمان فما حلت
وإن كان وشك البين أخلق جدتي ... فحزني جديد ليس يخلق ما شئت
وإن كان صرف الدهر غير ظاهري ... فإني الذي تدرونه ما تغيرت
стр. 144
وإن كانت الأيام أعدمنني المنى ... وغيرن من حالي, فإني الذي كنت
وليس بعيبٍ أن سجنت لريبةٍ ... ولا سيبهم أهلي لأني أشركت
ولا قتلونا واستحقوا دماءنا ... بحق, ولو بالحق كان لأذعنت
ولا أوثقونا بالحديد وعطلوا ... دياري من أهلي لأني أجرمت
وهي طويلة.
ومن شعره ﵀ يرثي من مات في البحر: [طويل]
هوى حيث تهوي الشمس عيناً حمية ... من البحر فالتمت عليه غرائبه
خلا أنها درت شروقاً, ومذ هوى ... بلجته ما أطلعته مغاربه
هل الدر إلا بالبحار مقره ... فلا غرو أن يسترجع الشيء واهبه
هوى الطود بالرمس الوجيب كأنه ... من الأرض (قد) ضاقت عليه سباسبه
لذلك كان البحر ملحاً لأنه ... هو الدمع تذريه عليه نوادبه
وقد كنت أستسقي لمن هلك الحيا ... فمن بعده, لا جاد بالدمع ساكنه
ولا سح وكاف الغمام ببقعةٍ ... ولا نثرت در الغمام سحائبه
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بمثل الذي كانت تفيض مواهبه
وما كان إلا البحر إن فاض جوده ... ولكنه كانت عذاباً مشاربه
فيا بحر إن واريته, إن مجده ... بأفق العمالي طالعات كواكبه
وشعره ﵀ كثير. مات سنة ثلاث وأربعمائة, ودفن بحضين جبل فاره.
ومنهم:
٥٨- منصور بن الخير بن يملى
المقرئ بمالقة. (توفي) في سنة ست وعشرين وخمسمائة, ذكر ذلك أحمد ابن الباذش في فهرسته, وذكر أنه توفي على سن يزيد فيها, ونسبه إلى الكذب
стр. 145
والدعوى في القراءة ودخول الأقطار و (رواية) الحديث (بها) . وهذا الذي ذكره ابن الباذش أمر لم يعرف به الشيخ المذكور, بل من جملة المحدثين المقرئين الموصوفين بالعدالة. وقد رحل إليه من غرناطة الحافظ أبو عبد الله النميرية, وتلا عليه القرآن, وآثره على ابن الباذش ولم يتهمه في شيء من روايته. ولا يشك (في) أن النميري أتم معرفة بعلم الحديث وأحسن نقداً له من ابن الباذش, وقد روى النميري جماعة من الجلة, كالأستاذ الكبير أبي القاسم بن دحمان, فلم يصفه من ذلك, بل كان يصدر به في أشياخه ويعظمه. وقد روى الأستاذ الأجل أبو محمد القرطبي السبع عن ابن دحمان عن أبي علي منصور المذكور, وكان أعرف الناس بهذا الفن, فلم يطعن عليه ولا أتهمه. وقد أشار الأستاذ أبو محمد القرطبي إلى ذلك في إجازته المنظومة فقال بعد تقديم صدرٍ منها: [طويل]
وأشياخ منصور بن يملى جماعة ... ولابن شريحٍ فيهم المنصب العالي
تلا السبع بالكافي عليهم محصلاً ... وحسبك بالكافي مفسر إشكال
وحاز ابن يملى بالمعدل رفعة ... وما مثل موسى بن الحسين لرحال
ونال بلقيا الطابري بمكةٍ ... أبي معشرٍ ما شاء من درك آمال
ومنها:
روى عنه تلخيص المثاني رواية ... وعرضاً فلا تحفل بقيلٍ ولا قال
وإنما قال الأستاذ ﵀ في هذا البيت: "فلا تحفل بقبل ولا قال", لتكذيب ابن الباذش لأبي علي في روايته عن الطبري. ولا أدري ما حمله على
следующие страницы →