Полный текст (318 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فهذا شهاب في سماء مكارمٍ ... وهذا حسام مر في كف ضارب
وهذا إمام من إمام مفوهٍ ... وهذا همام من مشيخ مضارب
وحل ابن مسعود ٍأبو نضرٍ إذا سما ... إلى المجد في أعلى سنام وغارب
لقد قلدت منه المواريث حافظاً ... إذا حل فيها كل راع وكاسب
جواد بجدواه بخيل بفرضه ... سليم السجايا من محوبة حائب
ولا كيف بالأستاذ ... الذي ... غدا لزمام العلم أكرام جاذب
معارف شتى لا تعد, أقلها ... حساب, ونحو حجة للأعارب
وما لابن إبراهيم في الفضل مشبه ... فلله منه خير خل مصاحب
وكم فخرت بالقنت أربع سبتهٍِ ... فأكرم بها من أربع وملاعب
وبابن عزيزٍ عز كل مجاورٍ ... ضعيف وعز الحلف كل مصاقب
فلولاه لم تسطع يد ابن محمدٍ ... دفاع الأعادي والأكف والسوالب
ولكنه آواه فاعتز واغتدى ... وقد رد عنه بغي كل مطالب
فجاور قعقاع بن شورٍ وعامراً ... وكعب بن بسطامٍ معز الأغالب
وآب الذي يبغيه خزيان صاغراً ... وباء بخزي واغتدى شر خائب
لعمري لقد فاق الحجاري ذوي العلا ... فهل من مدانٍ سعيه, أو مكاذب
بجد كنصلٍ من حسام مصمم ... وهزلٍ كوصلٍ من حبيب ملاعب
إلى رتب في المعلوات ونسبةٍ ... إلى المجد قد أزرت بكل مناسب
وسل بعلي القرتي إن كنت غائباً ... وعن فضله من ليس عنه بغائب
على أنه أسنى من الشمس شهرة ... إذا طلعت فوق الربا والأعاشب
وحسب ابن عشاب من المجد إنه ... تحل به العلياء أعلى الرواتب
وفي ابن برورٍ وابنه ألمعية ... سمت بسما فهمٍ من الحلم صائب
стр. 72
وأبدى أبو بكر بتأليف فكرةٍ ... عجائب شتى شفعت بعجائب
وتاهت بمتيطها أرض سبتةٍ ... وباهت به ما بين بصرى ومآرب
فذاك الذي حاك القريض وصاغه ... لآلئ جلت عن نحور الكواعب
وقلد جيد المجد سلك مفاخرٍ ... وحلى المعالي من حلي المناقب
وإن شمت عضباً من خلال محمدٍ ... فحسبك والدراج غضب المضارب
نفى النوم عنه واتقاها بعزةٍ ... تريك ابتداء عزم سعد بن ناسب
ولله عليا من أبي الحسن إذ حوى ... علي فرجونٍ ذي الخلال الأطايب
وساد ذوي العلياء كهلاً وإذ غدا ... وحيد المعالي يافعاً غير شائب
ومن في العلا والمجد كابني سمرمرٍ ... لصفحة مأثورٍ وصهوة سارب
فهدا كمناع من الشم باذج ... وهذا كهطالٍ من الغيث ساكب
وقد أحرز الأزدي في الأزد رتبة ... تقاصر عنها كل قرمٍ وراكب
وقلد أعمالاً كراماً فعافها ... وجرع منها كل صاب بصالب
وما باح منها بالذي في ضميره ... خشية جورٍ من أميرٍ معاقب
وأضحى ابن عباسٍ إمام زمانه ... كمثل ابن عباس, وتلو ابن غالب
تقي يخاف الله حتى كأنه ... رشداًه عياناً دون سترٍ وحاجب
وكم قد رأى قاضي العلا والتقي أبو ... تميم ولاء النصر ضربة لازب
على أنه أعلى من المجد همة ... وأرحب صدراً من عراض السباسب
стр. 73
وللهوزني في هوازن سورة ... تقر له بالفضل أعراق الحسائب
وحسب أبي نصرٍ من العلم أن رأى ... ولا ما يبقى بعين مراقب
إلى علم برهانٍ وأحكام شارقٍ ... وصحة آثار وأحكام غارب
أولئك لن يحصوا ثناء وكثرة ... بنظم ولا نثر ولا وصف خاطب
فحسبي أن استعرضت ما قد أتيته ... وبت بهم (ما) بين جنبي ناصب
ومن ذا يوفي في الثناء حقوقها ... ويحصي الحصا والقطر أو رمل كاثب
ولكن أبو بكر ينوء بعبئها ... ويحتل منها في الذرى والكواثب
ويبعثها عني من العلم والحجا ... حديقة فكر. صوبها غير ناضب
ويأتيكم منه جواب سريرةٍ ... فصحت (به) سبل العلوم لسارب
وفي عمر ذي الفضل خلق سما به ... وثاب حميداً خبزه كل ثائب
وقار رئيس في إهابة ناسكٍ ... وظرف أديبٍ في تبتل راهب
ورقة طبع فيه مثل غمامةٍ ... تصفقها أيدي الصبا والجنائب
وفات ذوي الألباب والعلم والحجا ... كما فات حاوي السبق جري الشآرب
به فخرت قدماً أباطح رندةٍ ... وسامت به أعلام حزوى وعاقب
وحلي منه بالذي لو ثوى به ... حلياً, تعالى عن حصانٍ وكاعب
ويتبعها العباس بعد حديقة ... يجود بها من صوب تلك المشاهب
ومن قبلها لبى دواعي مجدكم ... بمثنور در لا كدر الحقائب
стр. 74
ومنظوم عقيان من اللفظ لم يكن ... جماناً, ولم تظفر به يد جالب
حوى شعره الشعرى لهاباً, ونثره ... سبى النثرة العليا وليس بغاصب
وسل حساماً من عزائم فكره ... فذخره حدا ببيض قواضب
وقام ابن حناطٍة خطيباً بذكركم ... فنم على كل الربا والرحائب
مننتم علينا إذ كفيتم لديكم ... أبا حسنٍ سوء الظنون الكواذب
وحاشى علي ذي العلاء لعلمه ... ومنصبه من فاضحات المعايب
ولكنه أضحى كريماً مبرءاً ... عليماً سليماً من ذميم المثالب
وما زال محمود الخلال محبباً ... على الخير مشغوفاً به كل صاحب
وقد قيل أصحاب كرام وإخوة ... وأهل, ويأبي ذاك بعد المناسب
فقلنا وإن تبعد مناسب بيتنا ... فإخوة ذي ود, وقربى مواهب
وليس أخو الإنسان إلا صفيه ... ولا أهله غير الصديق المقارب
نصرتم علياً لا رجاء ثوابه ... وقد خذلت كسرى حماة المرازب
ولكن كما أوفى السموأل إذا رأى ... مصاب ابنه والغدر ثنتي مصائب
فلم يستجز غدر امرئ القيس وابتغى ... حمام ابنه إذ صار نهب الكتائب
وأضحى مدى الأحقاب في كل ملةٍ ... حميداً وفي بلواه أكرم نادب
حنوتم عليه رغبة وتعطفاً ... وجدتم على رغم العداة النواصب
فإن كان ما لا بد منه فإمرة ... وحاشاكم أن تسلموه لناهب
وحسبكم ما كان من أمر يوسفٍ ... مع الملك والأسباط خير العصائب
ويكفيكم ما حل قدماً بمالكٍ ... إمام الهدى من مشرق ومغارب
عدا ابن سليمانٍ عليه فناله ... بسبعين لم يتبع جناية حارب
وحاشى على المنصور من أن يناله بسوءٍ وأن تعديه صورة غاصب
стр. 75
ولكنه لم يرض عدوان جعفرٍ ... وأوصى بعتبى مالكٍ كل عاتب
ووافاه بعد العام في الحج مالك ... فوالاه واسترضاه غير مغاضب
وباء بإثم جعفر والذي سعى ... على مالكٍ سراً دبيت العقارب
وهذا ابن عباس علي سطابة ال ... الوليد على قربي ومرأى أعارب
أولئك خير الناس قدماً قد ابتلوا ... بسارٍ وغدارٍ وباغ وصالب
وفي بعض هذا أسوة وتبصر ... وزجر لمغتاب ٍوردع لثالب
عليكم سلام الله يا أهل سبتةٍ ... تعم ويقضى في العلا كل واجب
مدحت وما أثنيت إلا ببعض ما ... يصدقه البرهان بعد التجارب
وإني وإن قصرت عن معلواتكم ... لأعرب في تلك الصفات الغرائب
على أنني إذا أبعث الشعر نحوكم ... كما قيل قدماً في السنين الذواهب
كمستبضع تمراً لخيبر, أو كمن ... يسرق لفيض البحر نغبة شارب
فلولا رجاء الصفح منكم سترتها ... حذاراً لها من كل زارٍ وعائب
ولولا عوادي البنين سرنا إليكم ... وبدل بالقرطاس وخد الركائب
وخضنا عباب البحر شوقاً فأصبحت ... مكان الجواري سابقات النجائب
ولكن لعل الله يجمع بيننا ... فنقضي مكنون الحشا والترائب
وإن رأت الأعلام منكم حفاءنا ... ببدء خطاب أو جواب مجاوب
مننتم وأحييتم نفوساً حوائماً ... تقاد إليكم كاقتياد الجنائب
بقيتم نجوماً في سماء مكارمٍ ... تضيء منار القصد في كل لاحب
ومن شعره يمدح أبا محمد أيوب بن يركوكان رحمه الله تعالى: [بسيط]
هواك يأبي سوى سهدي وتعذيبي ... وسحر عينيك يغريني ويغري بي
ووصلك الدهر مضمون فموعده ... مرجع بين تصديق وتكذيب
علام لحظك يدنيني ويبعدني ... والصبر ينفد في بعدي وتقريبي
وفيم أطمع من لقياك في عدةٍ ... ميقاتها بين محظورٍ ومندوب
стр. 76
ومنها
يا روع (الله) روعات الفراق فكم ... أذكت حشاي بجمر منه مشبوب
وكم أطالت يد البين (المشت على) ... جمر الغرام ونار الشوق تقليبي
ومنها:
علقته يوسفي الحسن ألزمني ... في صبر أيوب شكوى بث يعقوب
لم يدرك المجد والعلياء في زمنٍ ... إلا بكل طرير الحد مشطوب
ولا أظل رواق العز أشرف من ... سراة أجرد سامي الطرف يعبوب
ولا أتى الدهر في أعلام صفوته ... يوماً بمثل ابن يركوكان أيوب
السائق الناس في جلى ومكرمةٍ ... إلى مراقٍ من العليا مصاعيب
والضارب الهام لم تطبع صوارمه ... إلا لمصرع مطعونٍ ومضروب
ومنها:
ورب عمياء والأبطال قد بهتت ... والأسد مابين مصروع ومسلوب
أوقدت جاحمها, والخيل موطئها ... هام الكماة المطاعين المضاريب
وقد أثرن سواد النقع, أنجمها ... زرق الأسنة في صم الأنابيب
وهي طويلة. ومن شعره ﵀: [بسيط]
أضحى فؤادك نهب الأعين النجل ... وضاع صبرك بين الركب والإبل
وهام قلبك بالأظعان فابتدرت ... سوابق الدمع بين العذر والعذل
لم تدر يوماً سليمى هل توعنا ... أم هل تودع قلباً واهي الحيل
راحوا وفي كل قلب ترحة وجوى ... وخلفوك بقلب منك مختبل
وبالفؤاد. وإن قل الفؤاد له, ... ساجي المحاجر, أحوى, ساحر المقل
منوع الحسن, ساجي الطرف, مقلته ... تزري بهاروت أو تسبي بني ثعل
مركب الجسم من غصنٍ ومن قمرٍ ... مقسم اللحظ بين الغنج والكحل
стр. 77
وشعره ﵀ كثير. وتوفي عام ثلاثة عشر وستمائة.
ومنهم:
٣٢-محمد بن أحمد بن جبير الكناني
يكنى أبا الحسين, من أهل غرناطة. سكن مالقة وأقام بها مدة, ورحل إلى المشرق وأقام هنالك حتى توفي ﵀. وجدت بخط بعض الشيوخ أن أبا الحسين هذا, كان أولاً من العمال المشغلين بأشغال السلطان, واكتسب مالاً كثيراً. ثم نزع عن ذلك كله, وتصدق لإوالفضل والدين والأدب البارع والكلام الرائق والشعر الفائق. ويحدث عن جماعة من شيوخ الأندلس. منهم أبو الحسن علي بن محمد بن أبي العشائر, قرأ عليه القرآن العظيم وحدثه بجميع الروايات. عن أبي الحسن بن الدش, عن أبي عمر الداني. وحدث أيضاً عن أبي عبد الله الأصيلي الطرطوشي, وعن أبي الحجاج بن يسعون. وحدث عن شيوخ المشرق, عن أبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن سكينة الصوفي البغدادي, وعن أبي إبراهيم التونسي, وعن أبي حفص الميانشي, وعن أبي محمد القاسم بن عساكر, وعن غيرهم. وحدث عنه جماعة من أصحابنا. وله كتاب جمع فيه رحلته, وعجائب ما رأى وشاهد, وأتقن فيه غاية الإتقان. وله شعر كثير في الزهد وغيره, وأدب جم. من كلامه ﵀: إن شرف الإنسان فبفضلٍ وإحسان, وإن فاق فببذلٍ وإنفاق. ومن كتبه إلى بعض إخوانه: آن لعصا النوى أن تنصدع, ولضوائق هذه النوائب أن ترتدع, وللأيام أن تنشئ غير هذه المنازع وتبتدع, لشدة ما لعبت بنا من حال إلى حال, وأرتنا الحقيقة في ملامح المحال. وكان يكفيها أن نثرت نظم ذلك الشمل الذي كنت واسطة عقده, والرسم الرئق في برده, حتى فحعتنا بفقد من بكت
стр. 78
الدنيا وبنوها على فقده. إلى الله المشتكى من صروفها, وهو المسؤول (عن) إزاحة منكرها ومعروفها. ولحين ما أشعرت بكونك على كثب من هذه الجهة اختلست هذه الأحرف إليك (موجهة) , من يد خاطر لا يعرج على داعية, ولا يكاد يسمع سراً ولا يعيه. قد وله فلا يعرف دبيراً من قبيل, ولا يجد إلى العبارة عما يتلجلج في الصدر من سبيل. ولكن بحكم الشرق إلى محاورتك بلسان القلم, رشحت لي صفاته بنبذةٍ من الكلم, فأرسلت عنانه في ميدان الأختصار, وسلكت به في شعاب القول على غير استبصار. وأما شوقي إلى لقائك فلا أصفه, ولو خلت ما عسى (أن أقول) لا أنصفه. وحسبي مما يتحقق من ذلك (.....) , معيناً على تقدير أو كده, فيدخل مدخل الحديث المعاد وأنت الأعلم به على القرب والبعاد. ولعل الزمان ينبسط وجه إسعافه بلقيةٍ نغفر بها بعض ما جناه, ونقتطف الأنس على يديك حلوا جناه, إن شاء الله تعالى. ولسيدي الفضل في مراجعةٍ تشفي عن مجلتي أحواله, لا برحت تتقلب في قبضة آماله, بمن الله والسلام. ومن شعره يمدح أمير المؤمنين أبا يعقوب ابن أمير المؤمنين حين هجرته إلى الحضرة الإمامية مراكش وذلك في رمضان المعظم سنة أربع ولستين وخمسمائة: [كامل] بشراي قد (أبصرت) خير إمام=في حضرة التقديس والإعظام
أما وقد ألفت إليه (يد) النوى ... فلأعفون جناية الأيام
ولو أنني شئت انتصاراً لم أكن ... فيهن إلا فاقد الأحكام
стр. 79
أنهضت عزمي فاستطار مصمماً ... فكأنني أنبت غرب حسام
أهجعت نومي لابساً خلع الدجا ... وحدي, (فما) عرجت بالنوام
هي (هجعة) هجرت لها سنة الكرى ... فالجفن لم يطعم لذيذ منام
حم الردى فاخترت ريا كأسه ... والحر رياه بحر حمام
لم أكترث لشتات شملي بالنوى ... فكأنما للشمل جمع نظام
شوقاً إلى دار الخلافة إنها ... دار الهدى ومعرس الإسلام
من كل معطيةٍ على علاتها ... وخداً, لها في الشهر سير العام
جب السرى منها سنام فقارها ... فكأنها خلقت بغير سنام
فأتت كأمثال القسي ضوامراً ... ولربما مرقت مروق سهام
وافت أمير المؤمنين بنا على ... شحط النوى, فلها يد الإنعام
ولو استطعنا لم تكن تطأ (الثرى) ... إلا على الأرواح والأجسام
كيما ترى ما دام إبضاع لها ... لا تشتكي من وضع حف دام
وبودنا لو لم نكلفها السرى ... ليكون هذا الحق للأقدام
حتى إذا رفع الحجاب بدا لنا ... ملك, وقل إن شئت بدر تمام
فتسكن الجأش الطموح عبابة ... بطلاقهٍ من وجهة البسام
ودنا الجميع للئم راحته التي ... هي معدن الأرزاق والأقسام
وانهل بعد تعللٍ المنى ... فتلا وميض البرق صوب غمام
وهي طويلة, ومن شعره في الممدوح المتقدم الذكر: [كامل]
عيد بما يهوى الإمام يعود ... ما اخضر في وجه البسيطة عود
لولا لزوم الشرع لم نحفل به ... إذا كل يومٍ ذراه لعيد
стр. 80
حيا بما للعيد بدر خلآفةٍ ... يهنيه أن قرانه لسعيد
وأتى يجرر بالمجرة ذيله ... ركضاً وإن مزاره لبعيد
وكأنما أضناه شوق لقائه ... أمن الأهلة هائم وعميد
لم تثنه الأشواق عن حسد ٍله ... إحدى العجائب وامق وحسود
بشرى أمير المؤمنين فإنه ... عيد حدته للفتوح سعود
طرب الجواد وقد علوت بمتنه ... حتى كأن صهيله تغريد
يهفو بعطفه المراح فيرتمي ... لعباً وينقص تارة ويزيد
ولربما سالت عليه سكينة ... حتى تخال بعطفتيه خمود
يزهى فيظهر نخوة لما رأى ... بك أنه في حسنه محمود
كيف استقل بطود حلم راجع ... والطود يثقل حمله ويؤود
لو كنت ترضى نعلته خدودها ... مستشرفين به:؛ الملوك الصيد
ملك تود النيرات لو أنها ... حلي على أعطافه وفريد
وأما كفاها أن شسع نعاله ... بجبين أشرفها, سنا معقود
يا من يروم بلوغ بعض صفاته ... هيهات ليس لكنهها تحديد
كم ذا تحاول عد زهر خصاله ... أقصر فما لأقلها تعديد
(ومن شعره ﵀ : [طويل]
ويوم تضوع الشمس حلياً بحسنه ... تفضضه طوراً طوراً تذهب
تريه كحلي مشرق الوجه في الضحى ... وتضمر شجواً في الأصيل فينحب
تبسم عن ثغر العشية مثل ما ... جلا صفرة المسواك ألعس أشنب
تجلى به غصن تطلع بشره ... فقلنا: أيبدو الصبح, والشمس تغرب
وقد قابلتنا من سجاياه نفحة ... أنم من المسك الفتيق وأطيب
شمائله تزهى الشمول بطيبها ... وما خلت أن الراح بالراح تعجب
стр. 81
تدار علينا بالكؤوس كواكب ... إذا غاب منها كوكب لاح كوكب
فنشربها في ورده وهي عندنا ... ألذ من العيش الهني وأعذب
بمجلس أنس ودت الشمس لو ترى ... كؤوساً بها بين الندامى فتشرب
يذكرنا دار النعيم بحسنه ... يعيد شباب المرء والمرء أشيب
محبتنا أضحت إليه وسيلة ... فتدني إلى مرضاته وتقرب
ومن شعره ﵀ في طاق مجلس: [منسرح]
أصبحت مثل الجنان في الصدر ... أصون ما أحتويه كالسر
في خير قصرٍ تريك ساحته ... في مطلع الشمس مطلع البدر
كأنني في جدار مجلسه ... عين وبابي جفن بلا شفر
فلتدع يا مبصري لساكنه ... بالسعد والملك آخر الدهر
ومن شعره ﵀ منقلة: [كامل]
أنا للندامى نزهة المستمتع ... تبدو نجوم سعودهم في مطلع
ما بي موضع لحظةٍ إلا احتوى ... نقلاً فلي في النفس أكرم موضع
أنا مستطيل الشكل إلا أنني ... قسمت بين مسدسٍ ومربع
فمتى أكن والأقحوان بمجلس ... لم يؤثر الندماء إلا موضعي
الفضل لي وإن اشتبهنا منصباً ... وكفى بأني من ذوات الأربع
وكتب إلى أبي الحكم بن هرودس ﵀ عليه: [متقارب]
أبا حكم أين عهد الوفاء ... فقدماً عهدتك تعزى إليه
وما العذر في أن أتاك الرسول ... فأصدرته ضارباً صدرتيه
وأهدى إليه صهره الوزير أبو جعفر الوقشي, وكتب معه: [متقارب]
стр. 82
بعثت إليك بخل كريم ... يمد إليك ذراع النجاد
فوشح به معطفيك إذا ما ... دفعت إلى جوب بيد البلاد
وسر نافذاً حاكياً مضربيه ... ملقى من السعد فوق المراد
وأب تحت عرضٍ كثيفٍ ... كما آب في العمر يوم الجلاد
فراجعه أبو الحسين رحمة الله عليهما: [متقارب]
لك الشكر شفعت بيض الأيادي ... بأبيض صافحني بالنجاد
تهادى بأربعةٍ مثله ... حدادٍ لبسن حداد المداد
سيوف من النظم مطبوعة ... مقللة عزك كل انتقاد
أتتني في الطرس مسلولة ... فأغمدتها في سواد الفؤاد
فأعددت هذي ليوم الفخار ... وأعددت هذا ليوم الجلاد
ومن شعره ﵀ وكتب به إلى الحسن بن مرتين: [رمل]
لا وأعطاف الغصون الميس ... والصبا تزجي عليل النفس
وابتسام الروض للطل, وقد ... رقرق الدمع بجفن النرجس
ما رأينا يوم أنس مثله ... كان أسنى بغيه الملتمس
وتلته ليلة صفحتها ... ألفت شمل انشراح الأنفس
أضحك اللهو بنا ثغر المنى ... فبدت سمرتها كاللعس
جمعت أطرافها من قصر ... للفتى مغربها كالغلس
وسمت زهر الليالي حلية ... فتحلت بنجوم الأكؤس
وابنة الكرم عروس تجتلى ... فتخيل حسن ذاك المعرس
نزهة قادت إليها زورة ... فاغتنمها نظرة المختلس
يا له من مجلسٍ فزت به ... من فتى شرف صدر المجلس
стр. 83
علق مجد جاد من خلته ... لي بالعلق الخطير الأنفس
لأبي عمرو بن مرتين عُلى ... أنطقت بالمدح أهل الخرس
أروع يطلع من آدابه ... شهباً تجلو دياجي الحندس
ذو بنانٍ مثل شؤبوب الحيا ... وذكاءٍ كاشتعال القبس
من يسابقه إلى معلوة ... رام بالعير سباق الفرس
ومن شعره: [كامل]
علقته كالسيف راع بهاؤه ... لكن بغير جوانحي لم يغمد
عافوا العذار بصفحتيه وما دورا ... أن الفرند يزين كل مهند
ومن شعره. [مخلع البسيط]
مولاي إني بحال شوقٍ ... كل اصطبارٍ به يحول
مرتقبا زورة عساها ... تشفي جوى هاجه الغليل
أرسلت فيها إليك قلبي ... وما أرى يرجع الرسول
ومن شعره: [وافر]
أبا يحيى أما في الري فضل ... تجود به فقد طال الظماء
فأطلعها لنا حمراء نبصر بها شفقاً تضمنه الإناء
وليس بلونها لكن أغبت ... زيارتها فخامرها الحياء
ومن شعره وكتب به بعض إخوانه يصف لعبة كرج كانت بمجلسه: [مخلع البسيط]
يا خير خل فدته نفسي ... والنفس في حقه تهون
حدثت عن مجلسٍ أنيقٍ ... في مثله يحسن المجون
جال به فارس ظريف ... تتبعه لحظها العيون
في شكة الحرب قد تبدى ... يرجمه وهمها الظنون
стр. 84
ذو حركات يخف فيها ... من لم يزل دأبه السكون
رقت فلو أنها نسيم ... ما شعرت مسه الغصون
لو أنه جال في المآقي ... لما أحست به الجفون
فهل إلى مثله سبيل ... ومثله قلما يكون
من شعره: [متقارب]
ألا رب عرض امرئ مسلم ... بغير لسانك لم يستبح
إذا كنت في الناس ذا غيبةٍ ... تبيح بها منكراً لم يبح
فلست بأول ذئب عوى ... ولست بأول كلبٍ نبح
من شعره: [طويل]
يقولون إن العين داعية الهوى ... ولو صح ذا ما كانت العين تعشق
فؤاد الفتى لا عينه يوجب الهوى ... فرؤيته من رؤية العين أصدق
وليس بكاء العين حباً وإنما ... لإشفاقها للقلب تبكي وتشفق
(ومن شعره) : [كامل]
بأبي رشاً سفكت دمي ألحاظه ... وسبى برائق حسنه الألبابا
من كان ينكر سفكه فليأته ... يرمق دمي في راحتيه خضابا
من شعره (وقد هجره محبوبه) : [سريع]
ارشأ حظي إبعاده ... وحظ غيري منه إسعاده
خبت, وكل نال منك المنى ... أسعد أهل الحب أوغاده
بي ظمأ برح ولكنه ... زهد في المورد وراده
стр. 85
من شعره فيه جلس بين ثقيلين: [كامل]
لو كنت تبصر منذ يومٍ قد نأى ... تيسين ضمها, وظبياً مجلس
لعجبت قبحاً منهما, وملاحة ... منه, وقلت: حظيرة أم مكنس
ومن شعره فيه على هذا الحال ﵀: [كامل]
أفقيهنا المستن ديناً والذي ... شهدت له بالفضل منه شواهد
لو تبصر ابن سعادةٍ ونديمه ... قد حل بينهما الغزال الشارد
لرأيت من ثقلٍ عليك وخفةٍ ... جبلين بينهما نسيم راكد
ومن شعره, وقد أزمع على حج بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ﵇: [وافر]
أقول وقد دعا للخير داع ... حننت له حنين المستهام
حرام أن يلم بي اغتماض ... ولم أرحل البيت الحرام
ولا طافت بي الآمال إن لم ... (أطف ما بين زمزم والمقام
ولا طابت حياة لي إذا لم) ... أزر من طيبةٍ خير الأنام
قأهديه السلام وأقتضيه ... رضى يدني إلى دار السلام
وله من قصيدة يتشوق بها (إلى) ﵀: [متقارب]
غريب تذكر أوطانه ... فهيج بالذكر أشجانه
يحل عرى صبره بالأسى ... ويعقد بالنجم أجفانه
стр. 86
ومن شعره: [مخلع البسيط]
طهر بماء التقى جنانك ... واصحب على حاله زمانك
ودار أبناءه عسى أن ... تنال من بغيتهم أمانك
واصمت إذا ما سمعت لغواً ... ولا تحرك به لسانك
ومن شعره يرثي ابنه أحمد: [طويل]
رأى الحزن ما عندي من الحزن والكرب ... فروع من حالي فلم يستطع قربي
وأظهر عجزاً عن مقاومة الأسى ... وأيقن ألا خطب أعظم من خطبي
وقال التمس غيري لنفسك صاحباً ... وقل للردى حسبي, بلغت المدى حسبي
فقلت وهل يكفيني الوجد صاحباً ... وكيف وما بي قد تعدى إلى صحبي
فلما انتهت بي شدتي في مصيبتي ... وبرح بي يأسي رجعت إلى ربي
فأستنشقن روح الرضى بقضائه ... فناديت يا برد النسيم على قلبي
إلى الله أشكو بالرزايا وفعلها ... فقد كدرت شربي وقد روعت سربي
سل الليل عني هل أمنت إلى الكرى ... فكيف وأجفاني مع النوم في حرب
وقد رق لي حتى تفرى أديمه ... وأقبل يبكيني بأنجمه الشهب
لحالي أبدي الرعد أنه موجع ... ولي البرق شع في الترامي مع السحب
ولي لبس الجو الحداد بدجنةٍ ... وأسبل دمع القطر سكباً على سكب
ومن أجل ما بي أبدت الشمس بالضحى ... شحوب ضنى قبل الجنون إلى الحجب
على واحدٍ قد كان لي ففقدته ... على غرةٍ فقد الجوانح للقلب
فحزني عليه جاوز الحد قدره ... ولا حزن يعقوبٍ, ويوسف في الجب
وأكثر إشفاقي لأم حزينةٍ ... مقسمة بين الأسى فيه والحب
وأذهلها عن حالها فرط وجدها ... عليه وقد يستسهل الصعب للصعب
بني أجبها فهي تدعوك حسرة ... وأدمعها تنهل غرباً على غرب
بني أحقاً صرت رهن يد البلى ... ونهب الثرى أمسيت, يا لك من نهب
стр. 87
بني عساها نومه, فانتباهة ... فكم ذا أنادي العين: طال الكرى تعبي
بني أعرني من منامك خلسة ... لعلي أن ألقى مناي من الغيب
بني أرحني بالإجابة مخبراً ... فقد كنت ذا رأي, فما لك لا تنبي
بني وفي طي الحشا كنت ثاوياً ... فكيف سخت نفسي بدفنك في الترب
فلا غرو أن أضحى لك الغرب مدفناً ... فإن مغيب الشمس والبدر في الغرب
لقد هصرت كف المنون إلى البلى ... قضيب شباب كان من أنضر القضب
فيا غصناً خفت أزاهر حسنه ... تحليك أجفاني بلؤلؤها الرطب
ويا أحمد المحمود قد كنت مشبهاً ... بطيب الخلال الحلو والبارد العذب
لآل جبير فيك أي فجيعةٍ ... فما منهم من يستفيق من الكرب
وقد كنت وسطى العقد فيهم فربما ... نقصت, فصار العقد منتثر الحب
وكم خالةٍ أمست عليك بحالةٍ ... من الحزن ما تنفك ذاهلة اللب
وأبناء خالات تسقيهم الأسى ... كؤوساً وهم حتى إلى الآن في الشرب
وصاحبةٍ قد كنت صباً بذكرها ... وكنت لها حباً, وناهيك من حب
فأنت وهامت فيك بالوجد والأسى ... وحق لها فالصب يفجع بالصب
وراحت بأثواب الحداد وطالما ... لها كنت تستخفي الحرير مع العصب
وكم أجنبي فيك قد بات ساهراً ... تقلبه الأفكار جنباً إلى جنب
رزقت قبولاً ما سمعت بمثله ... فهذا على هذا بإشفاقه يربي
وكنت وصولاً للقرابة جارياً ... لمرضاتهم, براً بريئاً من العجب
مجداً إذا كلفت أمر ملمةٍ ... مضيت مضاء السهم والصارم العضب
جوادا كريم النفس تلتذ بالندى ... فتسخو ولا تخفي, وتحيي ولا تجبي
حريصاً على نيل المعالي بهمة ... كسبت بها من ذخرها أفضل الكسب
وكانت لك الآداب روضة نزهةٍ ... وكنت محباً في مطالعة الكتب
تفتق زهر النثر في الطرس يانعاً ... وتنظم در الشعر نظماً بلا تعب
стр. 88
وما زلت بالهدي الجميل وبالحجا ... معزاً (لأهل) في البعاد وفي القرب
وزاد على العشرين سنك أربعاً ... فعاجلك الحين المقدر بالذنب
شهيداً بطاعونٍ أصابك بغتة ... كمثل شهيد الطعن في ساحة الضرب
وكنت غريباً فاستزدت شهادة ... لأخرى كبشرى سيد العجم والعرب
أطلعت مغيباً ثم جئت مودعاً ... إلى سفر (يدنو) مدلاً على الركب
ولم أشف من لقياك قلبي فليتني ... لبرح اشتياقي لو قضيب به نحبي
وعقباك بعدي كنت أرجو بقاءها ... زماناً ليبقى من بينك بها عقبي
رضيت بحكم الله فيك فإنما ... نقلت لحزب الله, بورك من حزب
وإني لراض عنك, فابشر, فبالرضى ... أرجي لك الزلفى ومغفرة الذنب
فجادت على مثواك مزنة رحمةٍ ... وبوأك الرحمن في المنزل الرحب
وشعره ﵀ كثير موجود بأيدي الناس. وتوفي رحمه الله تعالى بالإسكندرية في ليلة الأربعاء السابع والعشرين لشعبان علم أربعة وعشرين وستمائة ومنهم:
٣٣- محمد بن علي بن الحسن بن عبيد الله بن حسون
ابن عيسى بن الحسين الكلبي, القائد. يكنى أبا عامر. حسبه مشهور. كان ﵀ جليل المقدر. ولي مالقة نحواً من عشرين سنة إشرافاً ونائباً فسار في أهلها سيرة حسنة ورأوا معه من المسرة والأفراح ما لم يروه مع أحد قلبه ولا بعده من الولاة. كثير العطاء والنبل, محسناً للفقراء. كانت ولايته أيام الأمير أبي عبد الله الناصر. قدم على مالقة في سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وعقبه بمالقة إلى الآن. ولم يكن مشهوراً بطلب. لكني وجدت بخط خالي رحمة الله عليه ما نصه: أنشدني الشيخ الفقيه القاضي أبو الطاهر بن (علي) السبتي, قال: أنشدني القائد أبو
стр. 89
عامر عند توجهه إلى الحضرة في عام أربعة وستمائة من شعره: [طويل]
جنى جنة الرضوان الذي يجني ... أعدنا, ولم نلق الصفاء, إلى عدن
أيا وفد باب القوس بلغتم المنى ... فحطوا بباب الفوز والطول والمن
وهبوا لإصباح السلام وثوبوا ... سراعاً بما لبى الحجيج لدى الركن
تلقوا بإلقاء المسامح شهداً ... ًمعاني الدنى, إني أخاف على ذهني
فكل الذي عم البلاد مهابة ... توفر أضعافاً على عبدها القن
فأذهل عقلي واستهلت مدامعي ... فشكراً لعيني, إنها خبرت عني
وعاودني شرخ الشباب مصاحباً ... فها أنا ذا قد زاد سني على سني
وأنمى بروحي في فؤادي وعظمي ... فما عشها (أزرى) بضعفٍ ولا وهن
فما قدر المسكين بين عواطفٍ ... تفيض على المملوك رحمى أبٍ لابن
غذيت بها لكن وجدت رياحتي ... وأصفى الزلال العذب ما كان في المزن
وكنت رهين الشوق جاء فكاكه ... وقد غلب الإشفاق من علق الرهن
فبت خلي البال من كل حاجةٍ ... ومن نومه المسرور يزجيه في الجفن
بأي لسان ٍأم بأيه فكرة ... أعبر عن عجز الخواطر واللسن
أيشكرها نطفي وذاتي بعضها ... ومنها أفاد الشكر نطقي, لا مني
وإحصاء ما لم يأت دهر بمثله ... عزيز, لو استظهرت بالإنس والجن
وقد خص مولانا الخليفة ربه ... بكل الذي يدعو به العبد أو يثني
فلم يبق لي لما حللت بجنةٍ ... سوى أن أقول: الحمد لله ذي المن
هكذا ألفيتها بخط خالي رحمة الله عليه. وذكر لي شيخي ومعلمي الفقيه الأجل الأستاذ العالم المحقق أبو عبد الله الاستجي, أن هذه القصيدة صنعها للقائد أبي عامر المذكور أحد الطلبة, وأنها ليست من شعره, وهذا هو الصحيح, والله أعلم.
وتوفي القائد أبو عامر ﵀ في يوم الخميس الخامس من رمضان المعظم عام أربعة عشر وستمائة. ودفن في جنانه بمالقة عفا الله عنا وعنه بمنِّه وكرمه.
стр. 90
ومنهم:
٣٤ - محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن يوسف الإدريسي
المشهور بالقرطبي. وهو والد شيخنا الفقيه الأجل الخطيب المحدث الورع أبي إسحاق القرطبي أكرمه الله. وكان ﵀ مكتباً للصبيان بربض التبانين. أصله من قرطبة. استوطن مالقة وأقام بها سنين إلى أن توفي ﵀. وكان من أهل الفضل والدين والورع والزهد مقرئاً لكتاب الله تعالى عالماً بطرق روايته قائماً على تجويده وإتقانه حافظاً للفروع. وله أخبار ورؤيا تدل على فضيلته ﵀. حدثني من أثق به أن أبا عبد الله هذا كان خارجاً لصلاة الصبح, أو نائماً إثر صلاة الصبح - الشك من المتحدث - فسمع منادياً ينادي: عبدي عبدي, فوقع في نفسه أن النداء من قبل الله تعالى, فقال: نعم يا رب. فكان يقال له: أرضيت, فيقول: نعم يا رب رضيت. فكان يقول له: ارض عني, فإني قد رضيت بحبك.
ومن أظرف ما يحكى عنه أنه كان في إحدى الليالي نائماً فرأى امرأة بطفل في ذراعها وهي في حفرة من نار موقدة تضطرب فيها, فكانت تطلب منه أن يخرجها منها, فكان يناولها يده ليخرجها, فضرب أصبعها على سرته, فأصبح الموضع وأثر النار فيه. وفضله وعفافه ﵀ كثير. وتوفي عشي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين لربيع الأول عام سبعة عشر وستمائة.
ومنهم:
٣٥- محمد بن أبي العباس الشلبي
يكنى أبا عبد الله. كان كاتباً بليغًا وشاعراً مطبوعاً. وجدت بخط شيخنا الفقيه
стр. 91
الأجل أبي عمرو بن سالم ﵀, قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المذكور لنفسه من شعره: [وافر]
أقول لصاحبي والدمع جارٍ ... وأيدي العيس تخدي بالرمال
وداعي البين يوم البين يدعو ... ألا جدوا بتقويض الرحال
فقد ذاب الفؤاد وحن شوقاً ... لأيام التآلف والوصال
رويدك كف عن عذلي فإني ... أجد السير في طلب المعالي
ولو كان الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
قال الفقيه أبو عمرو: فكتبت إليه في الحين: [وافر]
أجدت القول يا ترب المعالي ... فكعبك في محل الفخر عال
سموت على سماء المجد حتى ... بدا لك نجمها تحت النعال
إلى كم ذا تروم على وكم ذا ... تجد السير في طلب المعالي
ومما ذكر له: قطعة نذكرها عند ذكر أبي (محمد) عبد المحسن إن شاء الله. ومنهم:
٣٦- محمد بن أحمد بن عيسى بن جدار
المشهور بالحميري, يكنى أبا عبد الله. كان ﵀ من أهل الأدب. ومن شعره رحمة الله عليه: [خفيف]
لي حبيب يفاخر الشمس حسناً ... وهو والله في المحاسن فائق
قد دعوه موفقاً على وفق ... وحبيب النفوس كل موافق
стр. 92
فاتن في الجمال يختال ظرفاً ... فيروق العيون والظرف رائق
زهري الطباع يهوى ويهوى ... فهو معشوق كل نفسٍ وعاشق
إن يخاطبك في رموز هواه ... تبصر البدر بالعجائب ناطق
إن أفارقه باضطرارٍ وقهر ... لست بالحب والذمام مفارق
كل من عاقني عن الحب فيه ... فهو للحق والحقائق عائق
قد سكرنا بحبه وطربنا ... فهجرنا الطلا وتلك الأبارق
برح الصب بالعلائق شجواً ... يا لها في فؤاده من علائق
هكذا وجدته مذكوراً. وشعره في بعض تقييدات أبي عمرو بن سالم ﵀. قلت: ولا أعرفه (بغير ذلك) ومنهم:
٣٧-محمد بن نزار
يكنى أبا عبد الله. قدم على مالقة. وأصله من ميورقة. هكذا ألفيت بخط الفقيه أبي عمرو بن سالم ﵀: وجدت بخط الفقيه الأجل أبي الطاهر السبتي قال: أنشدني الوزير الكاتب أبو الله بن نزار بدار الصنعة من مالقة, وقد جرت بيني وبينه مذاكرة في أبخر, من شعره في أبخر: [بسيط]
وأبخرٍ كنفت أسنانه بخراً ... إذا تنفس مات الروح والروح
كأنما هي ألواح مسمرة ... على كنيفٍ, ومنها قد مضى لوح
وكان كاتباً محسناً وشاعراً مجيداً. واشتغل بصنعة التوثيق وسدد بالجملة (فيه) ﵀.
ومنهم:
٣٨- محمد بن الولي
يكنى أبا عبد الله. كان رحمه لله من الطلبة النبهاء, أديبا ًشاعراً لبقاً. وكان
стр. 93
حديث السن, أنشدني شيخنا الفقيه الأديب إسحاق القرطبي أكرمه الله, للفقيه المذكور في صبي حسنٍ الصور, أجرى فرساً بساحل مالقة, فقال يصفه: [طويل]
رأيت غزالاً فوق طرفٍ كأنه ... هلال بدا تحت الدجنة يشرق
فقلت له لما انثنى عطف شارةٍ ... ومر كبرقٍ لاح بل هو أسبق
عبيدك يا نجل السيادة هالك ... ببحر الهوى إن لم تغثه سيغرق
فأنت الذي حزت المكارم والعُلى ... وأنت الذي قلبي إليه موثق
أخبرني به شيخنا أبو إسحاق المذكور, وغير واحد. قلت: ولا أعرفه بغير ذلك ومنهم:
٣٩- محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي ويعرف بالملاحي
كان ﵀ فقيها محدثاً (حافظاً) ثقة ورعاً فاضلاً من العلماء. وله تآليف نبيهة كالأربعين عن أربعين, وككتاب لمحات الأنوار ونفخات الأزهار في فضل القرآن, وكان أديباً يقول الشعر. نقلت من خط خالي ﵀ عليه, وقد ذكر أبا القاسم المذكور, فقال: هو ﵁ محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن فرج بن أحمد بن عبد حريث بن جعفر بن سعيد بن حقل بن مروان بن حقل الغافقي الغرناطي المشهور بالملاحي. ومروان هو الداخل إلى الأندلس.
стр. 94
قلت: وأصلة من غرناطة كما ذكر, إلا أنه قدم على مالقة, وأخذ عنه العلم بها ﵀ ونفقه. مولده سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وتوفي لخمس خلون من شعبان سنة تسع وعشر وستمائة.
ومنهم:
٤٠- محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عياش التجيبي
يكنى أبا عبد الله. هو الكاتب المشهور الجليل المقدار. كتب لأمير المؤمنين المنصور, فكان يظهر له في كتبه من البلاغة والفصاحة ما يدل على معرفته وحفظه. وكتبه مشهور. حدثني خالي أبو عبد الله بن عسكر رحمة الله عليه, أن الكاتب أبا عبد الله هذا, كتب يوماً كتاباً ليهودي, فكتب فيه: ويحمل على البر والإكرام. فقال له المنصور: من أين لك أن تقول في كافر: يحمل على البر والكرامة. قال: ففكرت ساعة, وقد علمت أن الانفصال يلزمني عما ذكرت.
فقلت له: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه", وهذا عام في الكافر وغيره. فقال لي: نعم, هذه الكرامة. فالمبرة من أين أخذتها. قال: فسكت لم أجد جواباً. قال: فقرأ المنصور: أعوز بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم, (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم, إن الله يحب المقسطين) . قال: فسررت بذلك كثيراً وشكرته عليه. وكان أبو عبد الله هذا كاتباً بليغاً شاعراً مؤثراً عالي الهمة, معظماً عند الملوك مقرباً لديهم. قدم علينا لمالقة, وقرأ بها على الأستاذ الجليل أبي زيد السهيلي ﵀, وصحب في حين القراءة عليه الأستاذ أبا علي الرندي. قال خالي ﵀ عليه: إن شيخنا أبا علي أخبره أنه لما قدم مراكش, لقي بها الكاتب أبا عبد الله, فانتفع به في قضاء مآربه,
стр. 95
ونالها على الكمال والتمام بسببه. ومن شعره ﵀: [طويل]
بلنسية بيني عن القلب سلوة ... فإنك روض لا أحن لزهرك
وكيف يحب المرء داراً تقسمت ... على صارمي جوع وقتله مشرك
قال الفقيه أبو البحر صفوان بن إدريس في كتابه المسمى بزاد المسافر, وقد ذكر الكاتب أبا عبد الله بن عياش: اجتمعت به ليلة بمراكش, فقال ابن عياش مرتجلاً [بسيط]
وليلة من ليالي الصفح قد جمعت ... إخوان صدقٍ, ووصل الدهر مختلس
كانوا على سنة الأيام قد بعدوا ... فألقت شملهم لو ساعد الغلس
وله من قصيدة:
أشفارها أم صارم الحجاج ... وجفونها أم فتنة الحلاج
فإذا نظرت لأرضها وسمائها ... لم تلف غير أسنة وزجاج
وأدبه رحمه كثير, ومنصبه شهير.
ووصفه الأديب أبو عبد الله بن مرج الكحل في صدر كتابه الذي جمع فيه شعره, وطرزه باسم الكاتب أبي عبد الله المذكور, بعد أن قال: ولما جنيت ثمر الانقطاع والانحياش, من الرئيس الأوحد أبي عبد الله بن عياش. جمعت شتاته, ووصلت بتاته, فرسمته باسمه, ووسمته بوسمه, وعوذتها من نفثات المتعسفين بسور كرمه, وأمنتها نقد المنتقدين في فناء حرمه, على أني ما نظمت إلا منثوره, ولا ضمنت ألا حكمه المأثورة, عرفت فاعترفت, ونلت حين وردت بحره فاغترفت.
стр. 96
ولابن مرج الكحل فيه نظماً ونثراً: [وافر]
لقد طلع ابن عياش شهاباً ... شهاب الأفق يلثم أخمصيه
أطرز باسمه ديوان شعري ... وكان له, فعاد إلى يديه
إذا كانت معاني الشعر منه ... فقد ردت بضاعته إليه
فما طمحت الهمم إلى كلامه, إلا نكصت على أعقابها, ولا برزت الوجوه إلى أن تعاطيه, إلا استترت بنقابها. كلامه يبهر الخواطر ويستوقف الخاطر, ويدر الجمام ويستوقف الماطر. ولابن مرج الكحل المذكور فيه أمداح كثيرة. وله فيه من قصيد مدحه بها: [طويل]
إذا ما ابن عياش تدانى محله ... فلا عيش إلا وهو فيه خصيب
كريم السجايا أريحي سميدع ... أغر طليق الراحتين وهوب
ومنها:
تبؤأ من دار الخلافة رتبة ... أقام بها كيوان وهو مريب
ومنها:
فحسبي من فخرٍ وأنت مقلد ... مقالك عني, إنه لأديب
ومولد الكاتب أبي عبد الله المذكور ببلده برشانة عام خمسين وخمسمائة. وتوفي ﵀ بمراكش في شهر رجب عام ثمانية عشر وستمائة.
ومنهم:
٤١-محمد بن أبي بكر بن ولاد الأنصاري
يكنى أبا عبد الله. كان رحمة الله عليه من أهل الفضل والعدل والدين. وكان أمين قيسارية مالقة, مقصوداً من البلاد, مؤتمناً على الودائع, يقتصده الملوك
стр. 97
والسادات في حوائجهم. وكان ﵀ طالباً حافظاً للقرآن, ذاكراً للحديث. قرأ على الفقيه الحاج الزاهد أبي الحجاج ابن الشيخ ﵀ ولازمه وانتفع بهو الفقيه أبي عمرو بن سالم ﵀. وله يمدحه: [بسيط]
جزى الإله ابن ولادٍ وما ولدا ... خيراً وبراً على ما قال واعتقدا
هو الأمين الذي يمناه قد وكفت ... فكفه ليس تدري غير بذل ندى
بر وفي كثير الجد همته ... درء الهموم فيعطي كل من قصدا
محدث لفنون العلم رواية ... يلقي الحديث صحيحاً كالذي وردا
وإن تكلم في فقهٍ وفي أدبٍ ... فما تقيس عليه في الورى أحدى
عدل تقي كأن الله صوره ... دون البرية شخصاً من تقى وهدى
لذاك قلت وقد عمت فضائله: ... جزى الإله ابن ولاد وما ولدا
ومنهم:
٤٢- محمد بن يوسف بن عمار المكتب
يكنى أبا عبد الله. هو أرل من أدبني وعلمني القرآن رحمه (الله) ونفعه (به) كان ﵀ فاضل الخلق, حسن العشرة, موطأ الأكناف, مشفقاً. فقد كنت أقرأ عليه القرآن في الصغر, وأنا يومئذٍ من نحو ست سنين, فربما كان النوم يغلبني, فكان يضمني إلى نفسه, ويغطيني بردائه, جزاه الله خيراً وأسكنه الجنة بمنه. وكان الإيراد له, كاتباً بليغاً, وشاعراً مطبوعاً. لما حدقت عنده رحمه (الله) في سورة فاطر, وجه خالي ﵀ عليه الحدقة إليه, وكتب له معها أبيات شعرٍ يستعذر له فيها: [مجزوء الكامل]
عذراً أبا عبد الأله ... فإنه نزر يسير
واقبل قليل أخ له ... في وده العدد الكثير
стр. 98
لو كان يهدي قدر ما ... يخفي من الود الضمير
لم يرض ثهلاناً ولم ... يقنع بوزنته ثبير
دامت بكم تحيى النفو ... س هدى فتنشرح الصدور
ثم السلام عليك ما ... لاحت بآفاقٍ بدور
فأجابه أبو عبد الله المذكور: [مجزوء الكامل]
لله درك من أخ ... قد جل قدراً عن نظير
أكتبت معتذراً وقد ... أفحمت بالبر الشكور
وبذلت ما يسخو به ... في الجود أرباب الدثور
حيث سحاءتك التي ... في كتبها منك الضمير
من خالص الود الذي ... ما مثله العذب النمير
فلك التطول والندى ... ولك السيادة والظهور
لا زلت في سعدٍ ًيدو ... م مدى الليالي والدهور
ما لاح (نجم) في الدج ... نة أو سرى قمر منير
وعليك من محض التح ... ية ما نمى المسك النثير
وكتب في آخر القطعة بنثر, وهو: وردت علي, أدام الله توفيقك, وأنجح إلى مرضاته طريقك أبياتك تفصح عن ودك, وقد اقترنت برفدك, على حين أقفر من خطة النظم ربعي, واختل فيه طبعي, لأني كنت قد عطلت وترها, ونظرت إلي بعين من وترها, فرمت في الحين مجاوبتك. وكيف وبين يدي من يجاذبني من كل وجهة, ويرمي خاطري عند تسديده بكل شبهة. فما لي منه بعد ضجر, بشيء ٍدون خشونة الحجر. وأنت بأفضالك, تغضي على هناته متطولاً بذلك. وكتب محبكم في الإعلان والإسرار, محمد بن عمار. والسلام عليكم ورحمة الله.
وتوفي ﵀ فيما أظن في شهر ذي الحجة آخر عام أربعة وعشرين وستمائة.
стр. 99
ومنهم:
٤٣-محمد بن أبي غالب (العبدري) المشتهر بالداني
يكنى أبا عبد الله. وكان أبو عبد الله هذا أديباً كاتباً شاعراً مطبوعاً. وجدت بخط شيخنا الفقيه أبي عمرو بن سالم قال: حدثنا صاحبنا الفقيه أبو داود سليمان ابن القاضي أبي العباس ابن أبي غالب, قال: نهضنا إلى قرية ذكوان, ولم يكن غرضنا إلا (أن) نرى مكان أبي الحسين بن الفخار, لما عهدنا من حسنه, فنزلنا عند أصحاب, ثم بعثنا إليه صبياً قال لي الفقيه: فاتفق أن حملوه بعض أشراطه, وأظن أنه من عنب الغال. وعند خروج الفتى من الموضع عضه أحد الكلاب ومزق أثوابه, فنظمنا أبياتاً وبعثنا بها إليه. فقال أخي محمد: [وافر] لقد حزت ابن كامل المساوي وباينت المروءة والسخاء ولا عجب وأنت عديم عقلٍ=ورأي أن محوت لنا الإخاء وإن ناديت باسم أبيك حقاً=وضعت (به) مكان الكاف خاء فقال أبو داود: وقلت أنا: [متقارب]
وأنطقنا شكر إحسان من ... أبى الحُسن لما تكنى به
يقول أناس وهم معجبون ... بأخلاقه وبآدابه
أعد لنا شاكر يومنا ... ونحن وقوف على بابه
стр. 100
كلاباً تقطع أثوابنا ... وقالع ضرسٍ بكلابه
فمن ذا يروم ندى شاكرٍ ... وهذان من بعض حجاجه
قال: ثم كتبنا له أسفل البطاقة: إلى الفقيه الوزير في أن يبين لنا أي الشعرين أطبع, والسلام. وبعثنا بالبطاقة إليه, فكتب إلينا: [متقارب]
لحا الله من حد لطف المقال ... عن الحُسن من كل أسبابه
إذا شاء بعضهم نعمة ... أتى بنباح ذوي نابه
فإن شئتم بسط عتبي ففي ... علاكم شفيع لإعتابه
ومن رام إغضاب ليث الحمى ... سليقى, ولو, بعض إغضابه
فلا تجعلوا للنموم غداً ... سوى الخبط والصفع من بابه
بقيتم إياة ليشقى بكم ... أخو سنةٍ ليس بالنابه
قال: ووقع تحت الأبيات: أدام الله كرامتكم, أول الشعرين أقذع, والثاني أطبع وأصنع, ومجدكم أسمع وأوسع. وكتب شاكر كم: شاكر بن كامل.
ثم وصل إلينا واعتذر وحلف علينا, فنهضنا معه, فرأينا عنده من الكرامة ما تكل الألسن عن وصفه. انتهت الحكاية.
قلت: ومحمد الذي له الأبيات هو أبو عبد الله بن أبي غالب المذكور, وأبو داود أخوه. وتوفي ﵀ بمراكش في سنة ست وعشرين وستمائة ومنهم:
٤٤- محمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن زنون
يكنى أبا بكر. كان ﵀ حاجاً فاضلاً لوذعياً, كثير المداعبة, أدبياً بارعاً وشاعراً مفلقاً, وكاتباً مجيداً, حسن الخلق جميل العشرة. وله أمداح في الأمراء وأشعار كثيرة في الزهد والغزل وغير ذلك. فمن شعره ﵀: [طويل]
لكل ابتداء آخر وتمام ... وكل رضاع يعتريه فطام
وقد صح عقلي تغير حالتي ... بأدني خيالٍ والحياء سقام
стр. 101
ولما انتهى البدر المنير لما له ... تعاور في نقصٍ فراح تمام
وعند نصول الشيب يعرف ذو نهى ... نكوصاً ثناها الشيخ وهو غلام
إذا أمَّ يوم المرء أمسى وعمره ... بذلك محصور, فكيف مقام
لقد رام فيها الخلد قوماً فأصبحوا ... وقد سلبوا عزاً, وعز ومرام
ومن شعره: [كامل]
والموت ذو خرفٍ تساوى عنده ... يفنٌ تطاول عمره وغلام
ولدى الضريح ... إذا اعتبرت
مواعظ
ماطت على إبرازها الأفهام
لا تحسبن هذي القبور صوامتاً ... صمت القبور إذا علقت
كلام
قالت وقد رصف الفناء جباهها ... فكأنها فوق الثرى آكام
كن يا حريص كما تشاء وتشتهي ... مهلاً إلي تردك الأيام
كم مدةٍ طالت لمثلك وانقضت ... فكأنها عند الخيال منام
أفرحت إذا طال المدى, وهل الردى ... إلا الذي يأتي به الإتمام
أما الزمان فجازر ذو مديةٍ ... والناس في كلتا يديه سوام
أنحى على أهل العراق ولم يزل ... يشكوه, مما عات فيه, الشام
يا مورداً كل الأنام يعافه ... وله عليه مورد وزحام
ما للمعارف نكست أعلامها ... وأناخ في أرجائها الإبهام
ومعرب الإنسان فيما ساءه ... نحو الزمان: الحذف والإدغام
وله يرثي: [كامل]
الناس في حال الحياة نيام ... والقبر حيث تعير الأحلام
وأظن هذا الدهر ما لا ينثني ... أو يفقدن أليفه فيلام
стр. 102
وإذا تكون القوس من نبع العصا ... فجميع ساحات الديار سهام
وله يرثي: [بسيط]
قال الضريح ولم يفغر بذاك فماً: ... من راعه الموت فليستشعر الندما
فللحياة كتاب طالما درست ... فيه الأماني سطراً بالردى ختما
ومنها:
يا ساكب الدمع يبكي غيره أسفاً ... لتبك نفسك قيحاً سائلاً ودما
فالمرء يرفعه فعل وينصبه ... حال, فإن صار ميتاً فقد جزما
وأكيس الناس من أضحى بهمته ... مولياً عن وجودٍٍ أشبه العدما
ومن شعره يمدح أحد السادات ويصف حماماً وفندقاً بناه: [بسيط]
أبالعراق أنخت أم بجيان ... أما دخلت أندلساً تزري ببغدان
ومن لبغدان أو سود تربتها ... بناعم الدهر في بستان بنيان
زاهراً بكل فصول العام تحسبه ... من حسن بهجته في شهر نيسان
قد كنت أحسب أن الحُسن مسكنه ... في ثغر أشنب أو في جفن وسنان
حتى بصرت به السحر يقسمه ... على السواء لدى الحمام والخان
تنافسا في بديع الصنع فارتقيا ... هضب التأنق في مرقاة إتقان
فذا يتيه بتاج فوق مفرقه ... كأنه هرمز في ملك ساسان
وذا عليه رواق لم يلم به ... كسرى, فخط ولم يلمح بإيوان
ومنها:
حيث القو (....) حبل كأن له ... لهف أهب له (....) ثعبان
ماء يسح بمصقول الرخام كما ... سحت على الخد دمعاً مقلة العاني
جرى به اليسر فانقادت إبايته ... من بعد كم حلف حنثٍ وأيمان
стр. 103
إن أكثر الناس مما أبصروا عجباً ... حتى لظنوا به صنعة الجان
فلست أعجب من بنا تكنفه ... من الخليفة سعد أنجد الباني
وسنحته اجتهاداً منك بشره ... بعزةٍ فمضت بالعاجز الواني
إيهٍ أبا زكرياء المسر لنا ... خيراً فلم يختلف في حبه اثنان
أثرت تحيي أمير المؤمنين بعد ... لٍ في رعيته فأمر بأزمان
فللإمام بذلت النصح مجتهداً ... وفي الرعية لم تنسب لعدوان
هنئتم أملا بلغتموه ولا ... زلتم تخصون خداماً بإحسان
ودمتم لثناء تكسبون, وظل ... م تكشفون, وعز فوق كيوان
وما كفى منه أوفي الإجازة إذ ... (أمنٌ لنعمى وما للطول والشان)
وأدبه ﵀ كثير. وتوفي في غزوة ماردة في شهر جمادى الأولى عام سبعة وعشرين وستمائة.
ومنهم:
٤٥- محمد بن أحمد بن عطية القيسي شهر بابن عطية
ويكنى أبا عبد الله. كان ﵀ من أهل مالقة. وله المعروفة بالوثائق, حسن الخط سهل الألفاظ مستقلاً بصنعة التوثيق جليل المقدار مشاراً إليه. ولي قضاء مالقة نائباً عن القاضي أبي عبد الله ابن الخطيب أبي مروان الباجي مدة ثم ولاه أمير المؤمنين أبو العلاء مستقلاً بمالقة فسار فيها السيرة الحسنة وأظهر من العدل ما يليق بأمثاله ووصفه الفقيه أبو الطاهر في بداية كتابه في موثقي زمانه, فقال فيه: متعمق في العلوم عارف, مستولٍ بذهنه على كلية المعارف. نشأ بمالقة وأطوادها متوافرون, وإعلامها النجوم متكاثرون, فحل من نفوسهم المحل الذي لا يدرك, وسكن منها ما يطرح له كل شيء ويترك, وباعة في الشغل رحب المتسع: فيضمن كل شيء بأذني
стр. 104
ما يسع. يراعته تخدمه, وبراعته في كل حين تقدمه. وقد أخذ بخط من العلوم ليس بالقليل, وتقلد منها ما صار غير قليل. وتوفي ﵀ في الثالث من ذي القعدة سنة سبع وعشرين وستمائة.
ومنهم:
٤٦- محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي
يكنى أبا عبد الله من حسباء مالقة وأعيانها وقضائها. وقد ذكر خالي ﵀ والده فيما تقدم من هذا الكتاب. وكان أبو عبد الله هذا من علية الطلبة ونبهائهم, ذكياً فطناً بارع الخط كاتباً بليغاً أديباً شاعراً مطبوعاً. ولي قضاء مالقة في أيام الأمير أبي عبد الله بن هود في عام ست وعشرين وستمائة نحواً من أربع سنين. ثم إن أهل مالقة بغوا عليه وشنعوا عليه القيام على الأمير ابن هود. فخرج عن مالقة قاصداً ابن هود إلى إشبيلية ليعرف بذلك ويطلب منه الإقامة معه. فلقي أبا عبد الله بن الرميمي وزير ابن هود حينئذ, فرده من الطريق إلى مالقة, وأقام بها معه أياماً, ثم ذهب معه إلى غرناطة, فكبل فيها, وثقف في أحد أبراجها مدة طويلة, ثم سرح بعد ذلك, وامتحن ﵀ في حياته كثيراً نفعه الله بذلك. فمن شعره ﵀ يصف قوساً:
تكاد تصيب خافية الرمايا ... فترشق قبل أن ترمي إليها
كان عمودها خود بخالٍ ... تخال قضيبها تاجاً عليها
ومن شعره يصف دولاباً: [طويل]
ودائرة في الماء سبحاً تخالها ... كردانهٍ في كف محكمة الغزل
فهذي تطير الماء من فرط سبحها ... وهذي تطير القطن من شدة الفتل
لقد شاقني منها أنين كأنه ... أنين بكائي يوم بنت عن الأهل
ومن شعره يرثي أبا محمد القرطبي: [كامل]
لا صبر للعلياء بعد وحيدها ... سيان حزن جزوعها وجليدها
стр. 105
ومن شعره يصف روضةً ونهراً: [طويل]
أيا روضة تبدي النجوم أزاهراً ... وتختال في ثوبٍ من الحسن رائق
لقد سل فيض النهر بيضاً كأنها ... بياض المشيب في سواد المرافق
إذا انساب ما بين الربيع تخاله ... سنا البدر حسناً أو وميض البوارق
كأن خرير الماء يخضم بالحصا ... مدامع محزونٍ, ورنة عاشق
وتوفي رحمة الله بغرناطة, وسيق منها ميتاً إلى مالقة, ودفن بجبل فاره, بل بجبانة جبل فاره ﵀, (وذلك عام ٦٣١) .
ومنهم:
٤٧- محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم بن مرج الكحل
يكنى أبا عبد الله. قدم علينا مالقة مراراً وأقام بها مدة. وأبو عبد الله هذا من فحول شعراء الأندلس المفلقين. كان ﵀ شاعراً مجيداً وكاتباً مطبوعاً, سلس الطبع رائق المعاني سهل الألفاظ ذاكراً للآداب متصرفاً بأنواع البلاغات. أنشدنا خالي ﵀ قال: أنشدنا أبو عبد الله بن مرج الكحل: [رمل]
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تلحقه متبعاً ... فإذا وليت عنه تبعك
ومن شعره أيضاً: [وافر]
سقى الله الجزيرة من محل ... فقد حسنت لقاطنها مراحا
وطاف بها طواف الصل نهر ... كما أبصرت في خصرٍ وشاحا
ورب عشيةٍ فيه طفقنا ... نرود الظل والماء القراحا
стр. 106
وقد ضرب الضريب بها قباباً ... على الأدواح أبهجت البطاحا
وكان جنابها يخضر أساً ... فأصبح وهو مبيض أقاحا
كأن الخضر قربه يميناً ... ومد عليه جبريل جناحا
ومن شعره يعتذر عن أحد إخوانه لغلام كان يهواه, وكان قد رآه فأعرض عنه فلامه على ذلك: [طويل]
يقولون لي أعرضت عمن تحبه ... كذبتم ولكن لم يكن رائق النفس
ولم يكن الإعراض مني تعمداً ... وهل يمكن الإعراض عن غاية الأنس
ولكن صرفت الطرف عن نور وجهه ... كما تصرف الأبصار عن قرصة الشمس
وقد دخل رث الحالة على الأستاذ ابن طلحة, فتكلم مع أحد الطلبة, فزجره الأستاذ, وزجر الطالب, فارتجل هذين البيتين ودفعها إليه, وهما: [كامل]
بأبي رشاً هام الفؤاد بحبه ... وتقطعت من لوعةٍ أفلاذه
شغف البرية كلها بجماله ... وأشدهم شغفاً به أستاذه
ومن شعره أيضاً: [بسيط]
لا تغضبن الذي ترميك أسهمه ... فقد جعلت له الأعراض أغراضا
فالماء والنار بعض من عناصره ... يغلي إذا اتقدت, وربما فاضا
ومن شعره: [طويل]
دخلتم فأفسدتم قلوباً بملككم ... فأنتم على ما جاء في سورة النمل
وبالعدل والإحسان لم تتخلقوا ... فلستم على ما جاء في سورة النحل
وأنشدني خالي رحمة الله تعالى عليه, قال: أنشدني أبو عبد الله بن مرج الكحل لنفسه يهجو: [طويل]
стр. 107
دع ابن حريقٍ يزدهي بكلامه ... فإن رحاه دون طحنٍ يجعجع
وهل شعره إلا كبارق ومضه ... خلي من المعنى, ولكن يفرقع
ومن شعره أيضاُ: [رمل]
ذهب الحرص (على) الوعد الذي ... سد عن إنجازه كل طريق
طال فيه المطل حتى إنني ... قد تمثلت بشعر ابن حريق
ومن شعره يهجو مؤذناً: [وافر]
ألا قل لابن بغل لا يؤذن ... فينجس ذكر خالقه بفيه
إذا ما كان في فمه كنيف ... فكيف يحل ذكر الله فيه
ومن شعره في أحد الولاة: [طويل]
وكنت أظن الحب بالضد للقلى ... ولم أعتقد أن الولاية ضده
فلا تطلبوا من عند والٍ محبة ... ألا رب والٍ قد تغير وده
فإن شئتم حداً لسكر معربدٍ ... فلا تضربوه, فالولاية خده
ومن شعره مما أنشدنيه خالي: [مخلع البسيط]
لا تطلبوا الود عند وال ... في تركه للأذى كفايه
رب ضعيف, أذاه خافٍ ... يبدي مع القوة الإذايه
ما كان في النفس من خبايا ... تخرجه الخمر والولايه
ومن شعره: [كامل]
стр. 108
تسليط أعدائي علي لنعمة ... ولقد سررت فإنه تمحيص
وقد كنت أحسب أنه لي نقمة ... لو أنني وحدي به مخصوص
ومن شعره: [مجتث]
اصبر على الظلم تكف ... وتؤت أجراً موفى
من كان غارس شيءٍ ... فلينتظر منه قطفا
ومن شعره يصف عشية أنس (بنهر القبداق) : [كامل]
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثر
ولتغتبقها راحة ذهبية ... من راحتي أحوى المدامع أحور
وعشيةٍ قد كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد تعذر
نلنا بها آمالنا في روضةٍ ... تهدي لناشقها شميم العنبر
والدهر من ندم يسفه رأيه ... فيما صفا منه بغير تكدر
والورق تشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميص أصفر
والروض بين مفضضٍ ومذهبٍ ... والزهر بين مدرهم ومدنر
والنهر مرقوم الأباطح والربى ... بمصندلٍ من زهره ومعصفر
كأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساطٍ أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحةٍ كالجوهر
وكأنه, وجهاته محفوفة ... بالآس والنعمان, خد معذر
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشعر من لم يشعر
стр. 109
ما اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
ومن شعره ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم: [كامل]
يا نظرة أودت بحسن شبابي ... وقضى علي نعيمها بعذاب
ما كنت أحسب نظرة من بصرة ... تقضي على مشتاقها بعقاب
يا شادناً عيناه تفعل بالنهى ... ما تفعل الصهباء بالألباب
لو ذقت ما ذوقت من ألم الهوى ... لعلمت قدر الشوق للأحباب
إني لأعجب من عتاب عواذلي ... جهلاً عليك وما يفيد عتابي
قلبي يرى أن لا سلو من الهوى ... رضي الذي يلقي من الأوصاب
يا عاذلي ماذا تضرك شقوتي ... القلب قلبي والعذاب عذابي
ومن شعره يمدح الكاتب ابن عياش: [طويل]
سرى الطيف من أسماء والنجم راكد ... ولا جفن إلا وهو في الحي راقد
شفى ألما لما ألم بمضجعي ... وبات يدانيني وكانت تباعد
ألم على رغم الرقيب ودوننا ... على عدوان الدهر بيد فدافد
ومنها:
سقى عهدها عهد السحاب ولم يكن ... على العهد لولا (أن تبقى) المعاهد
معاهد تذكي حرقة الكبد التي ... تكابد من آلامها ما تكابد
كأن بها الغدران زرقٌ نواضر ... بها الطل كحل والغصون مراود
أعلل بالآمال نفساً عليلة ... تكدر للآمال منها موارد
ومنها:
إليكم بإيلام الملام فمسمعي ... كقلب ابن عياش, وتلك حقائد
стр. 110
إمام البرايا في بلاغته التي ... يقر لها بالعجز من هو جاحد
ومنها:
ومن عجبي أن ترحل الشمس دائماً ... ومثلي في مثل الجزيرة قاعد
إذا لم يلائمني مكان ألفته ... فكل مكانٍ مثله لي فاقد
ولست كقوم أضمرتهم بلادهم ... أولئك موتى والبلاد ملاحد
ولو لم يكن أصلي ... وحاشاه
ماجداً
كفى الفرع مني أنه اليوم ماجد
ومنها:
وقال حسودي أين إرثك منهم ... فقلت لهم: مال الأكارم نافد
إذا لم يفدك المال حمداً مؤبداً ... فيا ليت شعري ما تكون الفوائد
(ومن شعره) : [وافر]
رأوا بالجزع برقاً فاستهاموا ... ونام العاذلون ولم يناموا
وعندي من معاطفها حديث ... يخبر أن ريقتها مدام
وفي أجفانها السكرى دليل ... وما ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعي ... إذا عرضت لمقلتي الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروق ... وأطربني إذا غنت حمام
ومن شعره يخاطب صفوان بن إدريس (ويعتب عليه) : [طويل]
سقى سدرة الوادي الساحب الغوائث ... وإن غيرت منه السيول العوائث
следующие страницы →