← Тараджим

Тараджим · id 9271

مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار

ابن خميس

Полный текст (318 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مثل السفينة إلا أن (راكبها) ... جمع, ومجلوبه ما مثله جلبوا وكتب إلى أبي محمد ابن أبي العباس المذكور: [كامل] يا من إذا عد الأفاضل في الورى ... فهو الذي يثني عليه الخنصر يا من هو العين الذي كل الورى ... في كل مشكلة ألمت, يبصر يا سالكاً سنن ابن ثورٍ جملة ... فلأنت في كرم السجية أشهر حزت المآثر يا وحيد زمانه ... فبك السراة على الحقيقة يفخر لا زلت ترفل في ثياب محاسنٍ ... وشذا الثناء يذاع منك وينشر وله في شمعة خضراء: [سريع] خضراء تحكي الغصن في شكلها ... بين اعتدال (دائم) واخضرار يقول إذا أبصرها مبصر ... نور ذاك الغصن أم فيه نار تبكي لما حل بها أو لأن ... شتت شمل الليل ضوء النهار وله أيضاً في شمعة: [منسرح] واقفة ليلها على قدم ... لم يعرها في وقوفها فتر تنفق للناس نفسها كرماً ... حتى لقد مسها به ضر فينقضي الليل مظهراً (حزناً) ... مما عراها ويطلع الفجر وشعره ﵀ كثير, وأدبه مشهور. ومنهم: ٥٦- موسى بن محمد المشعلاني يكنى أبا شهاب. من الأدباء النبهاء. (كان) شاعراً وأديباً بارعاً. نقلت من خط

стр. 142

خالي قال: نقلت من خط ابن سالم, أنشدني أبو بكر ابن أبي غالب, قال: أنشدني أبو شهاب لنفسه: حمدت الله أن كنت المعافى ... وخصك بالعمى عيناً وقلبا فعينك ليس تبصر عين شيء ... وقلبك يبصر الأشياء قلبا ومن شعره: [كامل] مما أضر بنا (لدى) ترحالنا ... طين على ظهر الطريق يبيس فكأن آثار الركائب فوقه ... خط تقادم في الكتاب دريس وكأنما الطرق المدوسة حوله ... طرر المصاحف أخلقتها السوس ومنهم: ٥٧- مقدم بن معافى بن حسن بن زياد المالقي يكنى أبا الحسن, من علية مالقة ونبهائهم ومعدود في حلية حسبائهم, قال فيه أصبغ في كتابه: مقدم في النباهة كاسمه, وأصيل جرى على سنن الانقباض ورسمه لم يقف في أبواب الملوك ممتدحاً, ولا أورى زناداً ماله بالشعر مقتدحاً. وكان أبو الحسن هذا بليغاً كاتباً أديباً شاعراً. ومن شعره ﵀ يرثي عبد الملك بن منذر البلوطي: [طويل] عليك أبا مروان يوم النوى كدت ... أموت, ولو أني أموت لروحت وفيك اتخذت الحزن خدناً وصاحباً ... وأنواع ترجيع الحنين تعلمت

стр. 143

عشية مات الصبر واحتضر العزا ... وغيض بماء العين في جفنها السحت وجاء رسول البين فينا, فقال إذ ... رآني لأشياع له: ذا تخيرت فشد على أطواق ثوبي كفه ... وأسلمني من بعد أنسي وجردت إلى عصبةٍ لم يرحموا سوء مرفقي ... كأني بدين الله ربي كذبت وأذن فينا للرحيل مؤذن ... فقال: أجيبوا البين قد حضر الوقت فهان علي الموت حين سمعته ... ووكل بي منهم رفيق فما زدت أقاد ولا أدري أقتل يراد بي ... أم السجن, فاستسلمت للحين وانقدت فقيدك في قيد الحديد كأنني ... أسير بدار الحرب, أو من به غرت وطبقت في السجنٍ إذا الليل جنه ... تجلت نجوم الليل بدراً وكبرت وظلمة سجني في سواد مصائبي ... كمشي نهارٍ مر ساعته الست مصاب أبي مروان أفني تجلدي ... فصبرت مقطوع الحبال ومنبت تجرع كأس الموت دوني ليته ... يؤخر عن ذاك المقام وقدمت به كنت ألتذ الحياة وإن غدا ... صريع المنايا ما أبالي متى مت فقدت بفقدي شخصه كل راحةٍ ... وكل سرورٍ يوم ودع ودعت وعوضت من أنسي به الحزن والأسى ... ومن جمع شملي بالتفرق عوضت سأبكي عليه ما بقيت, فإن أمت ... سيبكيه من بعدي رثاثي الذي قلت وإن لم أجد دمعاً بكيت له دماً ... وإن لم أطق كتمان ما حل بي, بحت وإن غلب الوجد المبرح والأسى ... وضعت على قلبي يدي وتأوهت إذا اشتد بي كربي وضاقت مذاهبي ... ولم أستطع صبراً على كبدي صحت تطاول بي ليلي وبدري آفل ... فلا البدر يبدو لي ولا أنا أصبحت أقول لمن بالذل والسجن عابني ... رويداً, فإن حال الزمان فما حلت وإن كان وشك البين أخلق جدتي ... فحزني جديد ليس يخلق ما شئت وإن كان صرف الدهر غير ظاهري ... فإني الذي تدرونه ما تغيرت

стр. 144

وإن كانت الأيام أعدمنني المنى ... وغيرن من حالي, فإني الذي كنت وليس بعيبٍ أن سجنت لريبةٍ ... ولا سيبهم أهلي لأني أشركت ولا قتلونا واستحقوا دماءنا ... بحق, ولو بالحق كان لأذعنت ولا أوثقونا بالحديد وعطلوا ... دياري من أهلي لأني أجرمت وهي طويلة. ومن شعره ﵀ يرثي من مات في البحر: [طويل] هوى حيث تهوي الشمس عيناً حمية ... من البحر فالتمت عليه غرائبه خلا أنها درت شروقاً, ومذ هوى ... بلجته ما أطلعته مغاربه هل الدر إلا بالبحار مقره ... فلا غرو أن يسترجع الشيء واهبه هوى الطود بالرمس الوجيب كأنه ... من الأرض (قد) ضاقت عليه سباسبه لذلك كان البحر ملحاً لأنه ... هو الدمع تذريه عليه نوادبه وقد كنت أستسقي لمن هلك الحيا ... فمن بعده, لا جاد بالدمع ساكنه ولا سح وكاف الغمام ببقعةٍ ... ولا نثرت در الغمام سحائبه وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بمثل الذي كانت تفيض مواهبه وما كان إلا البحر إن فاض جوده ... ولكنه كانت عذاباً مشاربه فيا بحر إن واريته, إن مجده ... بأفق العمالي طالعات كواكبه وشعره ﵀ كثير. مات سنة ثلاث وأربعمائة, ودفن بحضين جبل فاره. ومنهم: ٥٨- منصور بن الخير بن يملى المقرئ بمالقة. (توفي) في سنة ست وعشرين وخمسمائة, ذكر ذلك أحمد ابن الباذش في فهرسته, وذكر أنه توفي على سن يزيد فيها, ونسبه إلى الكذب

стр. 145

والدعوى في القراءة ودخول الأقطار و (رواية) الحديث (بها) . وهذا الذي ذكره ابن الباذش أمر لم يعرف به الشيخ المذكور, بل من جملة المحدثين المقرئين الموصوفين بالعدالة. وقد رحل إليه من غرناطة الحافظ أبو عبد الله النميرية, وتلا عليه القرآن, وآثره على ابن الباذش ولم يتهمه في شيء من روايته. ولا يشك (في) أن النميري أتم معرفة بعلم الحديث وأحسن نقداً له من ابن الباذش, وقد روى النميري جماعة من الجلة, كالأستاذ الكبير أبي القاسم بن دحمان, فلم يصفه من ذلك, بل كان يصدر به في أشياخه ويعظمه. وقد روى الأستاذ الأجل أبو محمد القرطبي السبع عن ابن دحمان عن أبي علي منصور المذكور, وكان أعرف الناس بهذا الفن, فلم يطعن عليه ولا أتهمه. وقد أشار الأستاذ أبو محمد القرطبي إلى ذلك في إجازته المنظومة فقال بعد تقديم صدرٍ منها: [طويل] وأشياخ منصور بن يملى جماعة ... ولابن شريحٍ فيهم المنصب العالي تلا السبع بالكافي عليهم محصلاً ... وحسبك بالكافي مفسر إشكال وحاز ابن يملى بالمعدل رفعة ... وما مثل موسى بن الحسين لرحال ونال بلقيا الطابري بمكةٍ ... أبي معشرٍ ما شاء من درك آمال ومنها: روى عنه تلخيص المثاني رواية ... وعرضاً فلا تحفل بقيلٍ ولا قال وإنما قال الأستاذ ﵀ في هذا البيت: "فلا تحفل بقبل ولا قال", لتكذيب ابن الباذش لأبي علي في روايته عن الطبري. ولا أدري ما حمله على

стр. 146

تكذيبه, ورحلته إلى المشرق لا تنكر لشهرتها والحمد لله. وتوفي ﵀ بمالقة في شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة. ذكره ابن بشكوال. قال شيخ شيوخنا الفقيه العالم أبو علي الرندي في فهرسته, وقد ذكر أبا علي بن يملى: وقد تكلم في أبي علي هذا, تكلم فيه أبو جعفر بن الباذش وبالغ وأظهر التعسف في أمره. قال: وأخبرني القاضي أبو بكر ابن أبي زمنين عن الشيخ المحدث أبي بكر بن رزق أنه ناظر أبا جعفر بن الباذش في أمر أبي علي حتى أذعن له أبو جعفر, ووقف عند قوله. وقال أبو علي: هذا قد وثقه الأشياخ, منهم أبو بكر بن رزق وغيره, وصححوا روايته. وأخبرني الفقيه العالم أبو القاسم -يعني السهيلي- أنه وقف على إجازة أبي معشر لأبي علي عند بعض أهل مالقة (وفي هذا) تبعيد للتهمة في حق هذا الشيخ والحمد لله. قلت: وذكره ابن بشكوال, وقال: كانت له رحلة إلى المشرق حج فيها, ولقي أبا معشر الطبري. ولقي أبا عبد الله ابن شريح, وأبا الوليد الباجي. قال: وسمعت بعض شيوخنا يضعفه. ومنهم: ٥٩- موسى بن رزق هو الوزير أبو عمران صاحب أبي عبد الله الرصافي. كان ﵀ من النبهاء والأدباء. وكان كريماً مقصوداً عالي الهمة جميل العشرة. وكان طلبة مالقة الجلة كأبي عبد الله الرصافي الأديب, وأبي علي بن كسرى, وأبي بكر الكتندي يجتمعون في منزله, ولا يبرحون عنه ليلاً ولا نهاراً. وكان له بستان يختص بهم لجلوسهم ومناظرتهم. ولهم في ذلك البستان أوصاف عجيبة ومعان مخترعة. ولهم في أبي عمران المذكور أمداح رائعة أذكر الآن طرفاً منها, إذ قد وعد خالي ﵀ فيما مضى من هذا الكتاب بذكر بعضها في باب موسى. فمن ذلك مقطوعات الأديب أبي عبد الله الرصافي يصف بستان أبي عمران المذكور ويمدحه, فقال: [كامل]

стр. 147

ما مثل موضعك ابن رزقٍ موضع ... زهر يرف وجدول يتدفع وكأنما هو من محاجر غادةٍ ... فالحسن ينبت في ثراه وينبع وعشيةٍ لبست رداء شحوبها ... والجو بالغيم الرقيق مقنع بلغت بنا أمد السرور تألفاً ... والليل نحو فراقنا يتطلع فابلل بها رمق الغبوق فقد أتى ... من دون قرص الشمس ما يتوقع سقطت ولم يملك نديمك ردها ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع قلت: وقد جرى الأديب أبو عبد الله بن مرج الكحل هذا المجرى فصنع قطعة ينحو فيها نحو أبي عبد الله الرصافي, وهي: [كامل] طفل المساء وللنسيم تضوع ... والأنس ينظم شملنا ويجمع والزهر يضحك عن بكاء غمامةٍ ... ريعت لشيم سيوف برقٍ تلمع والنهر من طرب يصفق موجه ... والغصن يرقص والحمامة تسجع فانعم أبا عمران واله بروضةٍ ... حسن المصيف بها وطاب المربع يا شادن البان الذي دون النقا ... حيث التقى وادي الحمى والأجرع إن غاب نور الشمس لسنا نتقي ... بسناك ليل تفرقٍ يتطلع الشمس يغرب نورها ولربما ... كسفت, ونورك كل حينٍ يسطع أفلت فناب سناك عن إشراقها ... وجلا من الظلماء ما يتوقع فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ... (فوددت يا موسى لو أنك يوشع) ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم, قال: أنشدني صاحبنا الفقيه أبو علي بن

стр. 148

كسرى مما ارتجل أبو عبد الله الرصافي بحضرة أبي بكر الكتندي الكاتب ﵀ في صنوبرة قد صنعت من نحاس, وثقبت جوانبها وركبت في وسط مستدير (يديره) ماء في بستان أبي عمران المذكور فقال فيها أبو عبد الله الرصافي رحمه (الله) هذه الأبيات: [متقارب] وروض جلا صدأ العين به ... أزيرق يطفو على مشربه صنوبرة ركبت ساقها ... إليه فخاضت حشا مذنبه فشبهتها وأنابيبها ... (بها) الماء قد جد في مسكبه بأرقم كعك من شخصه ... وأفراخه يتعلقن به وله فيها أيضاً: [بسيط] لم أنس ما راق عيني من صنوبرةٍ ... لها مع الماء حال غير محلول تعب فيها لجينها فتنفخه ... أعطافها مثل أشطار الخلاخيل وله فيها أيضاً: [مخلع البسيط] وجدولٍ كاللجين سائل ... صافي الحشا أزرق الغلائل عليه شكل صنوبري ... يفتل من مائه حلائل ولأبي بكر الكتندي فيها: [طويل] صنوبرة لم يوجد الكون مثلها ... حلي بساتينٍ وريق مذانب

стр. 149

حوت ذائباً من طعمها فوق عادةٍ ... فسالت ينابيعاً على كل جانب يضاهي الثريا شكلها واجتماعها ... لو أن الثريا (قد حكتها) بذائب قلت: ولم أقف للفقيه أبي عمران المذكور على شعر. غير أن الفقيه أبا عمرو بن سالم قال فيه: كان من الأدباء. وتوفي رحمه الله

стр. 150

حرف الصاد ومنهم: ٦٠- صالح بن علي بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن مسلمة الأنصاري يكنى أبا التقي, ويعرف بابن المعلم. كان ﵀ من أهل الطلب البارع والمعرفة والاجتهاد يتصرف في فنون من النحو والآداب وغير ذلك. وكان نبيهاً ذكياً يميل إلى طريق الرواية أخذ عن شيوخ جلة, كالأستاذ أبي محمد القرطبي, وأبي علي الرندي, وأبي محمد بن حوط الله, وأخته أبي داود, وكأبي الخطاب بن واجب, وجماعة. وكان ﵀ من أهل الأدب لكن لم أقف له على شعر. حدثنا صاحبنا الفقيه الزكي ولد أبي التقي صالح المذكور, قال: كنت في وقت أدرس كتاب الزكاة من الموطأ, فأطلت القراءة ليلة من الليالي حتى غلبني النوم, فكنت أرى والدي ﵀ جالساً معي, فكنا نتحدث في القراءة والطلب, وكنت أقول له: هل عملت قط شعراً, فكان ينشدني: [طويل] وقفت أمام الحي أرصد غفلة ... أساعد طرفي تارة وأناظر فإن غفل الواشون عنا تكلمت ... حواجبناً عما تكن الضمائر قال: وكان يقول لي: هي على سفر من سيبويه مقيدة. قال: فنظرتها فوجدتها كما ذكر. وتوفي ﵀ في يوم الأربعاء ضحوة الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وستمائة.

стр. 151

ومنهم: ٦١-صالح بن جابر بن صالح بن حضرم الغساني يكنى أبا التقي. كان ﵀ من طلبة مالقة وأدبائها, ذكياً ينظم الأشعار المعربة والهزلية ويصنع الأزجال والموشحات الرائقة. وكان له في صنعة النجوم باع مديد. وله فيها تواليف عجيبة بين منثور ومنظوم. وكان ﵀ فاضل الطبع, حسن الحال, لوذعياً متواضعاً. قال الفقيه أبو عمرو بن سالم: كتبت على منزل أبي التقي صالح اسمي, فجاء وقرأه, فكتب إلي: [كامل] ألفيت خطك سيدي بالباب ... ففهمت منه تهمم الأحباب وعلمت أنك إنما وافيتني ... لترى بأني من ذوي الألباب فجاوبه أبو عمرو بن سالم: [كامل] كتب المتيم خطه بالباب ... لتعده من جملة الأحباب وتشرفاً بجلالكم وخلالكم ... يا مولعاً بلباب كل لباب ومن شعره يستدعي مربي: [وافر] بعثت إليك يا خلي إناء ... وقد وافى بوقت الظهر فيء فوجه فيه شيئاً ليس عندي ... سواه وليس عندك منه شيء ومن شعره: [كامل] قد جاء للحانوت بعدك صالح ... فإذا بها قد زال عنها أنسها ورأى مكانك حين غبت كأنه ... أفق السماء إذا توارت شمسها ومن شعره في القسي: [وافر]

стр. 152

نظرت إلى القسي فقلت مهلاً ... سؤال لا تمل الأذن سمعه أرى من أم منكم رمي سهمٍ ... ليوقعه بمن قد رام قمعه يوري بالرجوع إلى وراءٍ ... ويسرع للمواجه أي سرعه فقلت: مهٍ, ألست أخا حروبٍ ... ألم تسمع بأن الحرب خدعه ومن شعره يذم أبناء الزمان: [كامل] عجباً لأبناء الزمان وحالهم ... ما منهم للدهر غير مساعد إن جاد, جاد جميعهم وتسارعوا ... لمراده وقتال كل معاند وإذا رأوه سطا على من قد سطا ... صانوه واتبعوا سبيل الذائد وشعره ﵀ كثير وموجود بأيدي الناس. وسأذكر من شعره في باب عيسى في مكاتبة بينه وبين أبي الأصبغ بن عياش. ومنهم: ٦٢- صفوان بن إدريس يكنى أبا البحر. أصله من مدينة مرسية. واجتاز على مالقة, وأقام بها مدة, وأخذ عنه بها من شعره كثير. ثم انتقل إلى مراكش فأقام بهامدة. وهذا المذكور من فحول شعراء الأندلس, وأدبائها شاعر مفلق وكاتب بارع, تضرب ببراعة كتبه الأمثال. وله رسائل عجيبة ومقامات غريبة, وأشعار رائقة. نقلت من خط أبي عمرو بن سالم قال: أنشدني أبو البحر صفوان لنفسه بمالقة عند توجهه إلى الحضرة من شعره: [كامل] يا حسنة والحسن بعض صفاته ... والسحر مقصور على حركاته

стр. 153

بدر لو أن البدر قيل له اقترح ... أملاً, لقال: أكون من هالاته عبث بقلب محبه لحظاته ... يا رب لا تعتب على لحظاته ركب المآثم في انتهاب نفوسنا ... فالله يجعلني من حسناته يعطي ارتياح الحسن غصناً أملدا ... حمل الصباح فكان من زهراته والخال ينقط في صحيفته خده ... ما خط حبر الصدغ من نوناته وإذا هلال الأفق قابل خده ... أبصرته كالشكل في مرآته ما زلت أخطب للزمان وصاله ... حتى دنا, والبعد من عاداته فغفرت ذنب الدهر فيه لليلةٍ ... سترت على ما كان من زلاته غفل الزمان فنلت منها بدره ... يا ليته لو دام في غفلاته ضاجعته والليل يذكي تحته ... نارين من نفسي ومن وجناته بتنا نشعشع والعفاف نديمنا ... خمرين من غزلي ومن كلماته وضممته ضم البخيل لماله ... أحنوا عليه من جميع جهاته أوثقته في ساعدي لأنه ... ظبي خشيت عليه من فلتاته والقلب يدعو أن يصير ساعداً ... ليفوز بالآمال في ضماته حتى إذا هم الكرى بجفونه ... وامتد في عضدي طوع سنانه عزم الغرام علي في تقبيله ... فنهضت أبدي الطوع من عزماته وأبى عفافي أن يقبل ثغره ... والقلب مطوي على جمراته

стр. 154

فاعجب لملتهب الجوانج غلة ... يشكو الظما والماء في لهواته له يخاطب أبا عبد الله بن مرج الكحل المتقدم الذكر, فقال: [طويل] سأنفث والمصدور لا شك نافث ... وأسمع إن أصغت إلي الحوادث وكم وقفت لي بالمعاتب مثلها ... على حين لا شيء على الصبر باعت فهل سحر هاروتٍ, يقي (لملمةٍ) ... فروعي مميت, والتوهم باحث خليلي من سكان بابل حدثا ... فإن الخليل للخليل محادث هل السحر باقٍ مثل ما قد عهدته ... أم اتفقت بعدي أمور حوادث وما عند هاروتٍ وماروت فنظرا ... أعلمهما في ذلك الغار لابث وإلا فشعر قد أعارته عينها ... فإن ابن مرج الكحل بالسحر نافث أما والذي أعطاه في الشعر غاية ... أماني ابن حجر عن مداها روائث وقال أليس الحسن ذلك طبعة ... وأنك فيه من محل لماكث لقد راع سربي أن عناني بقوله ... تغير لي فيمن تغير حارث فمن بعد هذا القول لست بجانح ... إلى مكسبٍ إذا مكسبي هو حارث ومنها: ووجهتها غراء عل قرينه ... يصيخ, وبي فك القديم الكثاكث كأن بياض الطرس سامٍ كرامة ... وأسوده حامٍ, فمن هو يافث ومنها: وفي حرم الإخلاص ودك عندنا ... وقد منعت عنا هناك الروافث وسوق ودادي نفقت كاسد الوفا ... وقد كسدت فيها المساعي الرثائث متى رمت بي نصراً تجبك ثلاثة ... لساني وودي والسريجي ثالث

стр. 155

وكتب إليه ابن مرج الكحل بقصيدة أولها: [طويل] أعادتك من ذكر الأحبة أشجان ... فقلبك خفاق ودمعك هتان تحن على شحط المزار إليهم ... ومن دون لقياهم قفار وبلدان خليلي ما في الأرض صفو مودةٍ ... إذا لم يكن يصفي المودة صفوان رماني بزورٍ وهو بالحق عالم ... وكل كلام الشر زور وبهتان نطقت فأفحمت العراق بلاغة ... وأخرست ما تحوي السراة خراسان ولو سمعت سمعا عكاظ بلاغتي ... لما جرر الأذيال في الدهر سحبان ولو كنت في جيل الأوائل لم يكن ... ليذكر بالإحسان في الشعر حسان فجاوبه الفقيه أبو بحر صفوان بقصيدة منها: [طويل] سل البان عنهم كيف بعدهم البان ... أشاقوه إذا ساروا, وراعوه إذ بانوا ألم يتعاط دون بانٍ قضيبه ... فتلك القدود الهيف في العين إخوان فما بالها لم تدن شوقاً إليهم ... ولم تنقدح فيها من الوجد نيران ومنها: إليه فلا انجرت ذيول ظلالها ... ولا أشبت منها المعاطف أغصان فإن حكموا أن القدود ذوابل ... فشاهدهم أن النواظر خرصان وإن أجمعوا أن الخدود أزاهر ... فحجتهم أن المعاطف أفنان خليلي عوجا وانظرا وتبينا ... ولا تكسلا, لن يبلغ المجد كسلان أهدي الذي تهدي الرياح سلامهم ... فإني أرى للريح عرفاً له شان لعلهم قد أودعوها شذاهم ليرتاع ... مشتاق ويهتز هيمان وإلا فقولا أنتما قول منصفٍ ... أطبع نسيم الريح روح وريحان أقول لقلبي حين أشعر غدرهم ... ثكلت, أترضى أن تخون كما خانوا ولا غرو أني كنت للعهد حافظاً ... وكلهم عند الشدائد خوان

стр. 156

فعن حكمةٍ ما يخزن النار مالك ... ويخزن دار الخلد والفوز رضوان ولا كابن مرج الكحل علق مضنةٍ ... تشد عليها للشدائد أيمان وما راعني من وده, غير أنه ... يغيره قوم كدهري ألوان أقول لما أصاخ لقولهم: ... أمن نفحات الريح يهتز ثهلان ومنها: لعمري وما عمري بحلفة فاجرٍ ... ولكنها بر وصدق وأيمان لقد علمتني كيف تصفو مودتي ... "أعادتك من ذكر الأحبة أشجان" صدقت, إذا لم يصف صفوان وده ... فليس بصافي الود في الناس إنسان هل النون في صفوان إلا مزيدة ... من الصفو والإخلاص يستبن صفوان شهدت يقيناً أن فكرت آية ... يؤيدها من معجزاتك برهان فلا تجعلني من بني الدهر إنهم ... لنعلي على أني تسامحت عبدان ولا كل من يدعى فتى هو مالك ... ولا كل من فوق البسيطة سعدان ألست الذي ارتج العراق لذكره ... كما ارتج إذ لآقت جيادي صنعان وكم كلفت مصر بنشر مآثري ... وقامت على ساقٍ لذكري بغدان لي الكلم العذب الذي (لو) بذلته ... لطالبه ما استعمل الماء صديان من الكلم الرطب الذي لو أبحته ... لزيف: عقيان وبهرج مرجان كلام إذا أرسلته قال بعضهم ... لبعضٍ: أعني الآن عمري لقمان ومنها: وإني لماضي المضربين وحاملي ... جبان ولكن في (المجامع) سحبان جردت حساماً في يد الدهر لو درى ... لساد به, لكنما الجهل حرمان ولو أن إنساني يسر مودتي ... لما انطبقت من فوقه لي أجفان

стр. 157

وكتب ﵀ عن أحد الناس يستعطف أحد أهل الدنيا: أما بعد, أدام الله مدة الشيخ أبي فلان, وأبقاه عماداً وجنة ونصرة, وعاطفاً على من استجار به من ساعة العسرة. ولا زال منتصراً للمظلوم, دافعاً في صدر الظلوم, راعياً حق الأدب الذي أضاعه الزمان وأهمله, منتهضاً منه ما قعد به الدهر فأخمله, فإنما يرجى للعظيمة العظيم, ويدخر للشدائد من حقه التوقير والتعظيم, وإلى الله يلجأ اللهفان, وبسفينة نوح يستجير من كنفه الطوفان. وأنا بالله ثم بك من زمانٍ عطل أدبي, وأردت أن أقول به فأقعد بي. وكلما أشرت إلى أن أبرأ, نهب, وإن جنحت إلى أن أخمد, ألهب, وأنشد وقد جاء بالتعنيف وذهب: الضب والنون قد يرجى اتفاقهما ... وليس يرجى التقاء اللب والذهب فبقيت لا أدري هل انطباعي قصر من طباعي, أم براعتي أخملت يراعتي, أم فصاحتي عمرت, بالخمول ساحتي, أم سحر أدبي إلى الهوان أدى بي, أم إطنابي قصر أطنابي. كما لا شك أن إشعاري جعلت اتصال أشعاري, ورسائلي قطعت وسائلي, وشوارد أمثالي أبت أن يسود أمثالي. فهلا بناتي عناني, ولم تكن مذهباتي مذهباتي, وخطابي. أستغفر الله لا أشكو ولا أدع, رغم أنف الأشم وشموخ الأجداع. فأقسم بمآثرك التي خلدتها حجولاً للزمان وغرراً, ونسقتها في جيد الوجود درراً, ثميناً في غير إغلاق, لولا أن الله تعالى يقول: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) , لوأدت بنات فكري بغير ذنب, ونفضت يدي من الأدب عن الصاحب بالجنب, وبرئت من الأدب وأربابه, وأتيت الزمان من بابه. ولكن بقي أعزك الله في الفضيلة فضلك, وهذا الهدف سيقرطسه إن شاء الله نصلك. وها أنا قد وقفت بين يدي علاك أخاصم دهري, وأباحثه لأية علةٍ فتق كمائم الخمول عن زهري, أم كان أراد أن لا يجمع بي الحسنيين, ولا يطابق في المنظر والمخبر بين

стр. 158

المغنين. فعلى (هذا) من يحسن في جميع الجهات ويجعل, من ذا الذي يعطى الكمال فيكمل. وإن كان إنما حط درجتي ظلماً وهضماً, وعبث بجاهي فشرط نظماً فكفى بك حكماً من أهله, يضرب على يديه جهله ونشله. يا أبا سليمان, اخبر الزمان, واحكم في قضاياه حكم سليمان, واقض بيني وبين زماني بالواجب الأحق, وإنما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق, ومثلك نهض بمن ألقى إليه يد الاستسلام, نهضة عمر بن الخطاب ﵁ لشهرة الإسلام. وإليكها تختال كما تفعل كل ذات ذيل, وتستجير بك من زمان ضل في اهتضامها ضلال هذيل ولا غرو أن تجيرها, فالفضيلة خامسة طبائعك, وإسعاف مؤملك عنوان صنائعك. وكم لها من أخية, تصغيرها على حد التكثير كما قالوا بريق ودويهية, والمشار بهما إلى الأمر. والله تعالى يخلد ذكر مجدك في بطون الأوراق, يتهاداه العراق من الشام والشام من العراق, والسلام كما اعتمره الزمان بالأشواق, وطير الثناء يروح ومجدك سخي بالعشي والإشراق, والسلام. وكتبه ﵀ كثير مشهور.

стр. 159

حرف العين ومنهم: ٦٣- عامر بن معاوية بن عبد السلام بن زياد ابن عبد الرحمن بن زهر ابن ناشرة بن لوذان اللخمي, يكنى أبا معاوية, من قرطبة. (وأصله) من رية ولاه المنذر قضاء الجماعة بقرطبة من إشارة الفقيه بقي بن مخلد. وكان لعامر رحلة سمع فيها من سحنون بالقيروان, ومن أصبغ بن أبي الفرج بمصر, ومن غيرهما. وكان من أهل الرواية فاضلاً ورعاً, إلا أنه كان يذكر عنه غفلة. وروى أن محمد بن غالب الصفار, تكرر عليه طويلاً, فكان يقول له كل مرة يأتيه: من أنت رحمك الله, فيتسمى له, ويعرف عنده. فإذا عاد لم يزده لديه إلا جهلاً, واستدعى معرفته. وقال أحمد بن خالد: سمعت من القاضي أبي معاوية في بعض مجالسه, حدثناً ذكر فيه يافث بن نوح, فقال: هو بالتاء بنقطتين, فأنكرناه, فقال: امضوه فقد قلت لابن بكير: يافت بالتاء نقول؟ قال: نعم, من غدوة إلى الليل. وحكي أن الحبيب بن زياد عاتب بقي بن مخلد في تركه الإشارة على الأمير به للقضاء. فقال له بقي: لا تلمني, فلنفسي احتمدت, فأشرت بمن هو عندي منك أفضل, والغيب الله, فسكت عنه الحبيب. ولم يزل قاضياً أيام المنذر. ثم اشتهر أمر ولاية الأمير عبد الله, فعزله وولى النضر بن سلمة. ويحكى أن عامراً لقي ابن حفصون قبل ثورته, فرآه ابن حفصون وقبل يده, فقال له عامر: اتق الله في الناس إذا ملكت رقابهم. فمن هناك, زعموا, قوي طمع ابن حفصون, والله أعلم. وتوفي عامر ﵀ سنة سبع

стр. 160

وسبعين ومائتين بعد ثلاث. سنين (من ثورة ابن حفصون) . ذكر ابن الفرضي بعض قصته. وذكر سائرها غيره. ومنهم: ٦٤- عبد الله بن محمد (بن عيسى الأنصاري المالقي) (ومنهم) : ٦٥- عبد الله بن أحمد بن عمر القيسي يعرف بالوحيدي) .... ستهم. وقد رفعت أمره, إلى الذي أطال في هذا العمل عمره. إنه يقضي بالحق, ويمضي حكمه على جميع الخلق, لا إله إلا هو, والسلام. وتوفي ﵀ بمالقة ودفن بمسجد حكمه من داخل سور مالقة المنسوب إليه, وصلى عليه ابن حمدين وابن حسون. وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسمائة. ومولده سنة ست وخمسين وأربعمائة. وكان قد كف بصره نفعه الله. ذكر ذلك ابن بشكوال. ومنهم: ٦٦- عبد الله بن علي ابن أبي العباس يكنى أبا محمد. كان ﵀ من جلة الأدباء وعلية الفصحاء الخطباء, معدوداً في الرؤساء من أهل مالقة الحسباء. مرتبته في المعارف مشهورة, وآدابه مدونة في مسطورة. وكان جليل المقدار, عالي الهمة, رفيع القدر. كتب للسيد أبي يعقوب وعن أبي محمد عبد المومن, وجملة من السادات. وكان معظماً عندهم, مقرباً لديهم يباهون به في مجالسهم, ويشاورونه في أمورهم. وصفه أخوه أبو العباس في كتابه فقال: فقيه ماهر, وأديب خطيب شاعر, نادرة عصره, وجمال

стр. 161

مصره. استشرفت إلى خطبة الرائفة, وآدابه الفائقة متون المنابر, ونطقت ببراعة وجزالة خطباته ألسنة الأقلام وأفواه المحابر. وكان منذ نشأ بعين الجلالة منظوراً, وفي ديوان أشغال السادة مذكوراً. تفرد بتقييد العلم وتفرغ له, وحمله عن الرجال الجلة الكملة, وطار ذكره في الآفاق ورأى في دنياه (ما) أمله. وكان مع هذه المفاخر شاعراً مطبوعاً. ومن شعره ﵀ يمدح أمير المؤمنين عبد المومن بن علي: [كامل] طاوع فطوع يمينك المقدور ... واسلم فأنت الناصر المنصور واضرب بسيفك حيث شئت من العدى ... إن القضاء حسابك المسطور وردت لكم بشرى النبي فصرحت ... أعجاز تصديق به وصدور ومنها: وأعدتم الدين الحنيف لبدءه ... فكأن خيركم له تصدير سائل عن الأعراب معرفة الظبا ... يخبرك منها شاهد وخبير ومنها: جلبوا الجياد الجرد كي تحميهم ... فغدت بهم للحين وهي قبور أهديتم سمر الرماح رسالة ... وأتاهم بالمرهفات نذير فكأن هامهم غمود للظبا ... عند اللقاء وللسهام ضبير ومنها: كانوا بجنة طاعةٍ فغدت لهم ... من محرز التضييع وهي سعير عاطاهم حبل الغرور فأصبحوا ... صرعى وسلك نظامهم منثور وغدا وخطار القناة لهامه ... جسم وناشرة السنان سرير فمقامه يذكي تباريح العدى ... وعنانه لمسيئهم تحذير

стр. 162

وكأنه فوق العوالي خاطب ... يومي لمصرعه بها ويشير ومنها: وكأنه مسعوداً على ضد اسمه ... وضباره في قده مجبور من لا تدانيه النجوم جلالة ... من لا يحيط بوصفه التعبير من لا توازيه الجبال سكينة ... أضحى شبام دونها وثبير ملك عليه مسحة لمليكه ... يرتد عنها الطرف وهو حسير وإذا أدار بكفه سمر القنا ... هشت إليه من العداة نحور هو حجة الله التي ببيانها ... نطق الكتاب وأنبأ التفسير فاهنأ أمير المؤمنين فإنما ... أيدي القضاء بما تشاء تدور وكتب ﵀ إلى أبي جعفر بن ملحان مشرف مالقة على لسان أبي الحجاج بن مطرف, يذكر أب بينه ذماماً, وكان قد ضيق عليه في ماله, فاستعطفه له عندما سأله أبو الحجاج ذلك, فكتب له على الفور, وهو هذا: [بسيط] لو كنت أعلم فوق الشكر منزلة ... أعلى من الشكر عند الله في الثمن إذن منحتكها مني مهذبة ... حذواً على حذو ما أوليت من منن أنا أدام الله أمركم, وأضفى على كافتنا ستركم, أعتد بكم اعتداد الرمح بالنصل, وأعتمد بشرف خلالكم اعتماد الفرع بالأصل. فإن درت من روضي كمامة, جادتها من سمائكم غمامة, فسحبت عليها معاطف الذيول, ونبهت جفنها من سنة الذبون, أو عاص أخلاب البوارق, وأخياف الطوارق, ولوى بزخره الناهل؛ أشرقت لي أنوار هداتكم, وأقمار علاكم, (فأضاءت لي) أعلام المجاهل. ولما نفح نسيم اعتلاكم, وسنح لبرق إجمالكم من إسفار الآمال, وإيثار الاقتبال, ومطاوعة التهمهم والاهتبال, (واحتاج إليكم في) الطب, (لتكونوا) ملاذا وثقة

стр. 163

يغير بكم على عقد الكرب؛ قصد محلكم الكريم عمر الله بالمسرات أكنافه, وعم بالمبرات والبركات أسماعه وأخلافه, يجيل في منزلكم فاتر قداحة, ويعيد عند علاكم واري اقتداحه, ويخيم بالاستخبار مبادئ افتتاحه. وماذا أقول ونور جلالكم عرض فحمت, وبرق إجمالكم أو مض فشمت, واستثار حالي فيما يقرب آمالي, بحسب ما تحققنه من طولكم, وعلمته والذي يستمسك معظمكم بأسبابه, ويستمنح الوفر من بابه, ضويعة بذكوان رشا رزقها بعيد, ووعدها وعيد, وعمرتها من جهلة البادية الذين يعيثون في الأموال عيث السباع, ويعادون ضيفها بمباينة الطباع. ومتى لم يكن لنا عليهم في الكرامة شفوف, ومن بر الولاة رأي معروف, تحامونا كما يتحامى الأجرب, ونبذونا نبذ النواة فلا تدانى ولا تقرب. ومن جملتها هذان الحجران اللذان ضربت عليهما العطلة رواقاً, وعقدت بينهما وبين الكساد حلفاً واتفاقاً, فلا يرجوان إنفاقاً, ولا يعدمان خيبة وإخفاقاً. وكأنما بث الدهر عليهما رقيباً, وابتغى قابض الخراج على نازلتهما تعقيباً. فإن سلك بينهما وجار, وألم بساحتيهما جار, نظر المكاس بفرط الإضاعة, ومزجي البضاعة, إلى طالع تلك الساعة وقال لي السمع والطاعة, الآن طرق الاستعمال, وانثالت الأموال, وفي يدي وضعت الجبايات والأعوال. ومنها في قول المكاس بفرط الإضاعة, ومزجي البضاعة, إلى طالع تلك الساعة, وقال لي السمع والطاعة, الآن طرق الاستعمال, وانثالت الأموال, وفي يدي وضعت الجبايات والأعوال. ومنها في قول المكاس: ما أحال جيش الفقر ما وقد, وانقطع الورد الذي يغشى أمله ورقد, عاد آفل عمره إلى الطلوع, واشتمل بثوب الاستكانة والخضوع, وأنشد: "فضح التطبع شيمة المطبوع". ومع وضعي هذه الأمور في غاية العرفان, وتغييضي منهم على قذى الأجفان, أحمل جوارهم على حيف, وأمنح من مواصلة إفادتهم بمسرى طيف, وأعدهم لطارقٍ وضيف. وهذه

стр. 164

الرحى التي رفعت إلى طولكم منارها, وشببت على علم نارهم, هي لرجل من إخواني, وخواص زماني. وقد جعل الله (على) أياديكم زمام صلاحها, ومطالع صباحها. فإن عاقتها موانع الأقدار, وتعذر -وحاشاكم- أمركم بتوقيف فلكها المدار, غرب من أفق الأمل ما طلع, وانحط عند أهل الجهة ما أعلاه إجمالكم من قدر الجلة ورفع, وإن قصرت على أخي مثواها, ونالت النفوس من لمحات علائكم ونفحات اعتلائكم هواها, وانفسح فيما منح بطولكم المجال, وأروت من بركم السجال, منحتم الفضل جسيماً, وزدتم أنفسكم الحسنى تتميماً, وواصلتم صباحاً منها على العهد الأحسن مقيماً, إن شاء الله, والسلام. ومن شعره ﵀ يرثي ابنه لأبي الحكم بن حسون: [كامل] سلم (أخي) لوقيعة الأرزاء ... والبس لمرزئها جميل عزاء واركض جيادك فالمجرة مسلك ... ومعاشر لك أنجم الجوزاء وارفع لواءك فالثريا جنة ... ومن السماك أحبه للقاء ولك الإمارة يستدل بسعدها ... ولك المنى في مطالع السعداء ولك المعالي تستدري حوافلاً ... ما حالفت لمواهب النعماء ولك العوالي الخاضبات عواملاً ... في صدر كل عجاجةٍ تيهاء ولك السيوف المشرفية دأبها ... في الحرب ضرب جماجم الأعداء وأرى عياناً في العزاء تأسياً ... بأئمةٍ للهدي والخلفاء متهادياً ما بين طرفٍ خاشع ... من رحمةٍ تبدي وبين دعاء فهمت تسعر وجنة, مطرودة ... عن عبرة وكآبة حمراء تهمي فتغرق صفحة في لمحة ... وجداً, وتغرق مقلة في الماء

стр. 165

يهفو إذا اهتزت أراكة أيكةٍ ... خفاقة حنيف على ورقاء فيطل يسجع نادياً فتخاً, له ... نوح الحمام ورنة المكاء واها لدوح معالم هصر الردى ... منه المعاطف فانثنى لسماء ولوى بزهرة عزةٍ قد حليت ... لباتها بقلائد الأسداء أودت فأسلمها إلى دار البلى ... من كان يسندها إلى الأحشاء لم تغن عنها الخافقات ولا الظبا ... وفخار كل طمرة جرداء يا فادح الغلب الذي فل الحيا ... ورمى حصاة القلب بالأرداء أنى طرقت مها الملوك ولم تتر ... وسلبت در الكأس لليسراء وطلعت في إبان أروع ماجدٍ ... يجلو الخطوب بغرة غراء (فترى جموع) المعتفين ببابه ... يسعون بين غمامةٍ وطفاء متقسم ما بين روضٍ ناعمٍ ... يندى وبين غمامةٍ وطفاء أرجت بذكراه النوادي فانتشت ... أنفاسها عن روضةٍ غناء طلق الجبين إذا تجهم حادث ... سفرت مطالعه عن السراء وعلاه, لولا بارق من أفقه ... شمنا سناه بمظلم الأرزاء ما لاح وجه الصبر أسوة منقدٍ ... فيها ولا عزى بحسن عزاء فسقى ثراها من سلالة ماجدٍ ... وذق يجود بديمةٍ وطفاء وغمامةٍ مسح الصبا أعطافها ... تستضحك الأنواء للأنواء ولما وردت هذه القصيدة على ابن حسون وقعت منه موقعاً عظيماً, فوقع للفقيه أبي محمد المذكور: وصل لله (درك) رثاؤك الأثير الخطير الذي يروق سناه, ويرق لفظه ومعناه. ولسنا نشك في صفاء ودك, وإبراز ندك, إذ نحن على مثل ذلك مودة وحباً, وأكثر

стр. 166

منه دفعاً عن الكريم ودباً. والله يمتع بمكانك, ويبقيك واسطة في جيد زمانك, بمنه وفضله, والسلام مني ورحمة الله وبركاته. وشعره ﵀, وكتبه ومكانه من العلم بحيث لا يخفى, فلا معنى للإطالة فيه. ذكر أخوه أصبغ وفاته فقال: وتوفي أبو محمد رحمة الله عليه وغفرانه, وروحه وريحانه, وهلال سماء الفتوة وقاد, وصباح اقتباله صقيل الصفحات والأبراد, في ليلة الثالث من رجب الفرد (عام) اثنين وستين وخمسمائة. ومنهم: ٦٧- عبد الله بن الرية المالقي يكنى أبا محمد. وصفه أبو العباس بن أصبغ فقال: شاعر مجيد, وعقد يزهى به الجيد. حل من زهر العلوم محل السنان من العامل, والزبرقان من المغازل, وتمت به غرر المحامد, (فقام) مقام الصلة بالعائد. قال الفقيه أبو العباس بن أصبغ: مرت جارية يوماً على فتى من فتيان مالقة ونبهائها, فسألها متى يكون اللقاء, فوعدته بأن تصل عنده في المغرب, فوصلت إلي في الموعد, فصادفت أباه قد وصل من سفر, فحار الفتى وخجل منها. ثم إنه تخلف الجارية في غرفةٍ على باب الدار. قال أصبغ: ما بها أنيس إلا البق والفأر. فجلست الجارية فيها وهي قد دهشت واستطير عقلها, وبقي الفتى مفكرا باكياً من سببها, لا يقدر على الانصراف عن والده. ثم احتال إلى أن وصل إليها. فلما كان في الصباح خرجت الجارية تبكي, وقلبها يضطرب مما دهاها. فاعتذر إليها الفتى, فلم تجبه. فاتصل خبرها بالفقيه أبي

стр. 167

محمد بن الرية فوصف الأمر على ما وقع, وكان الفتى يعرف بأبي الدرداء. (فقال) : [سريع] مر أبو الدرداء يوماً على ... جاريةٍ ماجنةٍ شاطره فراعه منظرها إذا بدت ... كالشمس في طلعتها الزاهره قال لها سيدتي أنفذت ... مقاتلي ألحاظك الساحره عساك يا سيدتي أن ترى ... من ها هنا وقت (المسا) سائره تلقى فتى أي فتى في الورى ... مهذباً, أردانه عاطره وعنده راح ونقل وما ... يحتاج من أسبابه ياسره فغرها أن أبصرت طلعة ... باهية زاهية فاتره جاء بها الفتى إلى غرفةٍ ... مظلمةٍ, أرسمها داثره حصيرها من عهد عادٍ, وقد ... تداولته الأمم الغابره ليس سوى البق بها مؤنس ... حنت لمن يدخلها فاغره فباتت المرأة في محنةٍ ... عريانة الجسم بلا ساتره جيعانة للفعل مشتاقة, ... ناعية باكية ساهره تراقب الليل متى ينجلي ... وليلها في الطول كالآخره حتى إذا الصبح بدا سافراً ... قامت إلى منزلها ذاعره قال لها: هل لك من عودةٍ ... أو هل ترين ها هنا خاطره فأنشدته وهي مما بها ... من حزنها في بردها عاثره: "إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره" ومن شعره ﵀: [طويل] درى شجر, للطير فيها تشاجر ... كأن سقيط الطل منها جواهر

стр. 168

كأن القراري, والبلابل حولها ... قيان وأوراق الغصون ستائر شربنا على هذا الترنم قهوة ... كأن على حافاتها الدر دائر ومن شعره: [طويل] بني هاشم حيوا بأخلاق هاشم ... ولا تفضحونا في العلى والمكارم أرى ألف بانٍ لا يقوم بهادمٍ ... فكيف ببانٍ, خلفه ألف هادم ومن شعره: [سريعٍ] تقصد أهل الفضل بين الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها كالطير لا يسجن من بينها ... إلا التي تحسن أصواتها ومن شعره يصف أترجاً: [منسرح] يا حبذا يومنا ونحن على ... رؤوسنا نعقد الأكاليلا في جنةٍ دالت في مقاطفها ... ثمارها الدانيات تذليلا كأن أترجها تميد به ... أغصانه بحسن منه محمولا سلاسل من زبرجدٍ حملت ... من ذهبٍ أصفر ٍ قناديلا وله يصفها: [منسرح] يشي (بما) للصبوح أترج ... حوى من الطيب ما حوى الدرج أنبته في قضيبه شجر ... مشوك في النبات معوج إن ترج يوماً قطافه منعت ... رماحه أن تنال ما ترجو كل مصدغ تحته ذهب ... وكل غصن من فوقه زج جرده واقرن به مشعشعة ... يلف مضاهيك النار والثلج

стр. 169

ومن شعره يهجو: [سريع] لو عمي اللؤم وأطلقته ... لما عدا دور بني مسلمه أو طعنوا بالرمح من يومهم ... لما جرى من دمهم محجمه وله أيضاً يهجو: [بسيط] حلت برية (من) ذي العرش داهية ... ما مثلها عبرة في سالف الزمن قاضٍ يحد الصهبا ويشربها ... يا ليت دولته في الناس لم تكن وله ﵀: [طويل] لعمرك ما الإنسان إلا بدينه ... فلا تترك التقوى اتكالاً على الحسب فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وشعره ﵀ كثير. ومنهم: ٦٨- عبد الله بن محمد بن علي بن عبيد الله الحجري يكنى أبا محمد. أصله من قنجاير, قرية من أحواز ألمرية, من أهل البيوتات والأعيان بها وذوي اليسار. وتطوف في بلاد الأندلس, ثم عاد إلى ألمرية, فولي إمامة الجامع والخطبة بها, ودعي إلى القضاء, فامتنع. ثم لما كانت كائنة العدو بألمرية. خرج إلى مرسية, فاستدعي لولايات ومراتب, فأبى ذلك وزهد فيه, والتزم الخمول, فضاقت حاله بها. فخرج إلى مالقة فلم تقله. فخرج إلى مدينة فاس فأقام بها مدة. ثم انتقل إلى سبته فاستوطنها. وكان ﵀ فاضلاً ورعاً مقيداً متقناً. قال شيخ شيوخنا الأستاذ أبو علي الرندي: لقيت الفقيه أبا محمد المتقدم الذكر بمالقة سنة اثنتين وستين وخمسمائة.

стр. 170

وروى الفقيه أبو محمد عن جلة الأعلام, كابن موهب, وابن العربي, وابن إحدى عشرة وأبي محمد السلمي, والحمامي الشاعر, وأبي الطاهر السلفي, والمازري, وكأبي الحسن بن مغيث, وأبي جعفر البطروجي, وغيرهم. ووجدت بخط الأستاذ أبي علي الرندي ما نصه: حدثنا الشيخ الثقة الفاضل أبو محمد بن عبيد الله الحجري, عن القاضي أبي قال: أنشدني يعني أبا الحجاج الضرير, قال: أنشدني أبو بكر المرادي لنفسه في إثبات القدر: [بسيط] علمي بقبح المعاصي حين أركبها ... يقضي بأني محمول على القدر كلفت فعلاً ولم أقدر عليه ولم ... أكن لأفعل أفعالاً بلا قدر وكان في عدل ربي أن يعذبني ... فلم أشاركه في نفع ولا ضرر إن شاء عذبني ربي أو شاء نعمني ... أو شاء صورني في أقبح الصور فيا رب عفوك عن ذنبٍ قضيت به ... عدلاً علي, فهب لي صفح مقتدر قال الأستاذ أبو علي: في ظاهر هذه الأبيات القول بالجبر. وقال أيضاً: في غير هذه الرواية, في الأبيات, بعد البيت الأول بيتاً, وهو: لو كنت أملك نفسي أو أدبرها ... ما كنت أطرحها في لجة الغرر وكان مولد الفقيه أبي محمد المتقدم الذكر بألمرية عام ثلاثة وخمسمائة. وتوفي ﵀ في صفر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. ومنهم: ٦٩- عبد الله فائز بن عبد الرحمن العكي شيخ جليل القدر من أهل الفضل والورع والتفنن في العلوم. أخذ عن أبي عبد

стр. 171

الله بن سليمان, وأبي الحسين سليمان بن محمد وروى عنه الحافظ أبو عبد الله بن الفخار وغيره. نقلت من خط الفقيه الأستاذ أبي علي الرندي ما نصه: قال الحافظ أبو عبد الله, حدثني ابن فائز, عن الأديب أبي عبد الله محمد بن سليمان, عن خاله أبي محمد بن وليد , عن أبي منصور بن أفلح القيني, عن أبي علي القالي, عن أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن قتيبة, عن أبيه, عن عبد الرحمن الأزدي عن حفص بن عمر, عن الفرات بن السائب, عن ميمون بن مهران, عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: إن رجلاً سأل ربه بينة أن يريه موقع الشيطان من قلب ابن آدم, فرأى فيما يرى النائم جسد رجل معمى, يرى داخله من خارجه, ورأى الشيطان في صورة ضفدع, له خرطوم كخرطوم البعوضة, قد أخذ في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه. فإذا ذكر الله خنس عنه. ومنهم: ٧٠- عبد الله بن محمد بن عبد الله, ويعرف بابن ذمام يكنى أبا محمد. قد تقدم ذكر والده في باب محمد. وكان الفقيه أبو محمد هذا من أهل الأدب والذكاء والفطنة, ذا هيئة جميلة وشارة حسنة. كتب لجملة من السادات كالرشيد ابن أبي يعقوب وأخيه أبي يحيى ابني أمير المؤمنين أبي يعقوب. فكان معظماً عندهم ومقرباً لديهم. (وتوفي ﵀ في رجب سنة ستين وخمسمائة. ومولده سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة) . وكان أبرع الناس خطاً, وأحسن (من) خط في البطاقة, مع الكتب الرائق البليغ والشعر الفائق المطبوع. وكان يكتب بأنواع الخطوط من الريحاني, والمشرقي, وغير ذلك, فلا يدري من يزيد في الحسن على صاحبه. إلا أنه كان ﵀ يصاب في عقلة أحياناً, فربما

стр. 172

استطال بلسانه. وكان ينال من الموحدين, وسجن على (سب) المهدي ﵁. وإنما كان ذلك منه حين يصيبه ذلك الألم ويخرج عن حد التكليف, حتى إنه في جمعةٍ من الجمع حين استوى الخطيب على المنبر, وأخذ يعظم الإمام, قال له: كذبت لعنك الله. فأخذ من حينه وثقف. وبقي مكبلاً في سجن مالقة مدة ونقل إلى مراكش, إلى أن زال عنه ذلك الألم. فكتب يستعطف أمير المؤمنين المنصور ويصف حاله ويسأله فكه من وثاقه. وهذه هي القصيدة التي كتب بها: [طويل] ظهائر لطف الله في سر مقصد ... ويشهد لي عند الأ (مير بمقصدي) ويدري أمير المؤمنين بأنني ... على مذهبٍ الأمر عدلٍ مسدد وإني على حب الإمام وهديه ... ومن بعده من راشد الأمر مرشد وإن يدر لا أبقى بسجني مقيداً ... بأثقل قيدٍ ضيقٍ مؤلم رد وحرمته إن يدر صدق عقيدتي ... لسبق في التسريح يومي على غد ورق لشيخ ذي عيال وصبيةٍ ... وحالٍ ثواها من ثوى ضيعة اليد له في ثقاب السجن عام وأشهر ... تقلص عنه الرفد من كل موفد وضاع, وضاع الأهل والشمل بعده ... وأضحوا عراة في أذى جهد مجهد أيرضى أمير المؤمنين بضرهم ... وضري, وفيه الفضل رحب المقلد أحيف, معاذ الله, بل هو رحمة ... وممدود ظل الله للمتردد وقسطاس عدلٍ يمل الأرض أمنه ... بحكم مفيدٍ من قريب وأبعد سينظر في تفريج همي وكربتي ... مصيباً بنور الله غير مفند ويمضي سراحي طالب الأجر راجياً ... بذلك مذخور النعيم المخلد

стр. 173

وإني على ما يرتضي الأمر والهدى ... ويرضي ولاة الأمر من كل مهتد وإن ذكرت عني أكاذيب مفترٍ ... فسمع الهدى عن سمعها جد مبعد وحاشى لمثلي أن ينيب لفاسدٍ ... من الرأي أو يسعى بخلة مفسد ولي خدمة للأمر في كل صالح ... تشرد عن سعيي عداتي وحسدي وإن طعن الأعداء بي لشكايةٍ ... تثير خبال الذهن, طعن توعد فذلك أمر يقبل الله عذره ... ويرفع لي التكليف حين التعبد وفضل أمير المؤمنين ووعده ... يعيد الردا عذراً على غائل الردى أيا من هو المخصوص بالعدل والتقى ... وبالنصر والتأييد في كل مشهد وبالعلم ثم الحلم والسبق في العلى ... وبالشرف الأبقى القديم المجدد وبالصبر في الهيجاء والفتك في العدى ... إذا عرف الخطي فضل المهند إليك أمير المؤمنين قصيدة ... رفعت بها عن ساحتي رفع مفتد فخذها وأنسها وشفع مديحها ... فمقصودها التسريح لي وهو مقصدي أتتك بأبكار المدائح لم تلج ... على سمع ذي سمع ولا لفظ منشد فلو كنت في نظمي لبيداً وبرقه ... لبلدني التكبيل كل التبلد ولم أدر ماذا أستجيد لأنه ... مقام عظيم القدر سامي التأيد وأمداحه من رام بالنظم حصرها ... كمنهل (قطرٍ رام جمعه) باليد ولا زال في ظل من الملك وافراً ... ولا زال في سعدٍ من السعد مُسعد ودام بنصرٍ للغريب وأهله ... وتنظيم شملٍ في قرارٍ ممهد ومنهم: ٧١- عبد الله بن أحمد بن محمد الحميري يكنى أبا محمد, ويعرف بالاستجي, وهو والد شيخنا ومعلمنا الفقيه الأستاذ العالم أبي عبد الله أبقاه الله. وكان أبو محمد هذا من أهل الفضل والدين والورع, مقرئاً لكتاب الله تعالى قائماً به, عارفاً لطرق روايته وتجويده وإتقانه, جارياً على سنن

стр. 174

السلف الصالح نفعه الله ورحمه. وكان يقرئ بالجامع الكبير بمالقة. (توفي بعد سنة ستمائة) ومنهم: ٧٢- عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري هو الأستاذ العالم الفاضل المحدث أبو (محمد) عبد الله القرطبي , علم من أعلام الديانة والمعارف, وروضة علم ظلها على الجميع وارف. كان ﵀ جليل المقدار, فقيهاً مدركاً محدثاً رواية عارفاً متفنناً, حافظاً من مشاهير الحفاظ ورؤساء المحدثين, مقيداً ثقة فاضلاً ورعاً زاهداً, جميل الهيئة, كثير التواضع, مع وقار عظيم, ونزاهة نفس. مولده ﵀ يوم الاثنين قرب صلاة الظهر الثاني والعشرين من ذي القعدة عام ستة وخمسين وخمسمائة. قعد للأقراء بمالقة وله نحو من عشرين سنة, ثم رحل وأخذ عن شيوخ جلة كالحافظ أبي بكر ابن الجد بإشبيلية, والقاضي الإمام أبي القاسم بن حبيش بمرسية, والمحدث الفاضل أبي محمد بن عبيد الله بسبته والقاضي العالم أبي محمد بن عبد الرحيم بغرناطة. ولازم ببلده جماعة كالأستاذ الكبير أبي محمد بن دحمان, والأستاذ العالم أبي زيد السهيلي, والحافظ أبي عبد الله بن الفخار, وغير هؤلاء. وأجاز له عامةً أعلام أكابر, كأبي مروان بن قزمان, وأبي الحسن بن النعمة, وأبي الحسين بن هذيل وغيرهم. وذكره شيخنا الفقيه المحدث الخطيب أبو القاسم بن الطيلسان أكرمه الله في كتابه المسمى باقتطاف الأنوار واختطاف الأزهار في ذكر أشياخه, فقال في الأستاذ أبي محمد ﵀: الأستاذ المقرئ المحدث المسند الناقد الفاضل التقي العالم السني أبو محمد القرطبي, من أهل مالقة. أصله

стр. 175

من قرطبة, من بيتة كريمة يعرفون ببني عبد الله. قال: وكان من جلة المقرئين وكبار المسندين وجهابذة الأستاذين, ممن جمع الله له العلم والعمل والهدي الصالح والخلق الفاضل. وذكره خالي ﵀ عليه في أشياخه فقال: ومن شيوخي ﵏ الشيخ الفقيه العالم المحدث الفاضل أبو محمد عبد الله بن الحسن القرطبي شيخ المحدثين وإمامهم وعالمهم ومتقنهم. وذكره ابنه صاحبنا الفقيه الأجل الفاضل العارف الأكمل أبو بكر حميد في كتابه المسمى بالرسالة الموسومة, بشكر المنة, في ذكر محاسن خادم السنة, يعني أباه الأستاذ أبا محمد, فإنه جمعه في فضائله وعلمه وجملة أخباره, وهو كتاب نبيل حسن أبدع فيه ما شاء, وأجاد الوصف والإنشاء. ومنهم: ٧٣- عبد الله بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان بن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي وهو الفقيه العالم الحافظ القاضي أبو محمد ﵀. كان إماماً في العلم متقناً مقيداً متفقهاً عارفاً بالأحكام. إماماً في علم الحديث وما يتعلق به من التاريخ والأنساب وأسماء الرجال, عالماً بالأصول, أديباً ماهراً, بديع النظم والنثر, متقدماً في علم النحو, حافظاً للغة, معتنياً بالرواية, كثير التواضع والزهد. ومن شعره ﵀: [وافر] أتدري أنك الخطاء حقاً ... وأنك بالذي تأتي رهين وتغتاب الورى فعلوا وقالوا ... وذاك الظن والإثم المبين ومن شعره: [طويل]

стр. 176

أيا طالباً دين النبي محمدٍ ... على حين عم الحق وانتشر العدل لديك كتاب الله والسنن التي ... رواها رسول الله بالعدل, فالعدل هما الحق والبرهان والنور والهدى ... فما لهما عدل, ولا عنهما عدل ودع عنك آراء الرجال فما لمشتر ... يها بدين (الله) صرف ولا عدل ومن شعره: [كامل] لقد استجرنا, فالملامة عدها ... وتجاف عن ذكر الذنوب وعدها وإذا ندمت على أخٍ لا تبدها ... ومتى أمنت على الأمانة أدها وولي ﵀ القضاء بكور كثيرة من الأندلس وغيرها. ولي سبته وإشبيلية وميورقة ومرسية وقطبة وسلا. ثم رجع من رسلا والياً قضاء مرسية, فتوفي بالطريق بمدينة غرناطة ليلة الخميس في نحو ثلث الليل الأول, ودفن يوم الخميس المذكور (الثاني) من شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة. فبقي بها مدفوناً إلى أن نقل منها إلى مالقة, فكان وصوله يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر شعبان من العام المذكور, فدفن على مقربة من مسجد الغبار بجبانة مالقة. ومنهم: ٧٤- عبد الله بن الحسن الأشعري يكنى أبا محمد, ويعرف بابن الروس. من طلبة مالقة. كان أديباً شاعراً له قصائد حفال على ذكر لي, ولم أقف له على شعر. وتوفي ﵀ في نحو عشرين وستمائة. ومنهم: ٧٥- عبد الله بن يحيى المعروف بابن عساكر يكنى أبا محمد, من أهل مالقة وطلبتها النبهاء. أخذ عن الأستاذ العالم أبي

стр. 177

محمد القرطبي وغيره من شيوخ مالقة. ورحل وحج. وكان أديباً كاتباً شاعراً, لم أقف له على شعر. نقلت من خط شيخنا الأديب أبي عمرو بن سالم, قال: أنشدني الفقيه أبو محمد بن عساكر في صفة البحر, ولم يعرف القائل: المشي في البر دون نعلٍ ... تسعين يوماً وتستقل أهون من منزلٍ رفيع ... تحت قلاعٍ عليه ظل فاحذر ظلال القلاع واعلم ... إن ظلال القلاع ذل ليس لرأس عليه حطت ... مرة أو مرتين عقل ومنهم: ٧٦- عبد الله بن رضوان المداتي من أهل مالقة, وكان له ابتداع آلات. وكان مشتغلاً بصنعة الحساب والفرائض ماهراً فيها, عارفاً بفنونها وأنواعها. وكان له ميل إلى الأدب. نقلت من خط أبي عمرو (بن سالم) قال: أنشدني هذه الأبيات الحاج أبو محمد عبد الله بن رضوان المداتي لأبي عمرو بن عامر من وادي آش هذه الأبيات: [كامل] ومهفهفٍ وجناته جناته ... وحماته من قاطفٍٍ لحظاته خطت لنا ألفاً مراقب لحظه ... فوددت أن سواعدي لاماته ثم انبرى يتلو على أستاذه ... فكأن مزماراً حكت لهواته وأنشدني: [كامل] ومهفهف ٍقلق الوشاح يروعه ... جرس السوار, ويشتكي من ضيقه وسنان خط المسك فوق عذاره ... لاما عرفت النون في تعريقه

стр. 178

ما باله في خده من ورده ... لهب وقلبي لاعج بحريقه أضحى عذاب الصب في هجرانه ... لكن شفاء الصب في تعنيقه ومنهم: ٧٧- عبد الله بن حسن البرجي يكنى أبا محمد, كان ﵀ من أدباء مالقة ونبهائها معدوداً في أذكيائها وشعرائها. (وكانت) بينه وبين أبي عمرو (بن سالم) مكاتبات كثيرة. فمن شعره ﵀: [كامل] تاه الجنان بآسه وبورده ... ومعذبي أربى عليه بخده فاستنشقن نسيمه من عرفه ... واهصر قضيب ثماره من قده لكن نكهة ريقةٍ من ثغره ... أندى وأعطر نفحة من رنده من أين للأغصان عطفة لينه ... إن جاء يرفل معجباً في برده أو لاح ما حملت من صيقلٍ ... كلفت أنامله بمرهف هنده سيفيه فاحذر خيفة إن سل ذا ... من لحظه أو سل ذا من غمده من أي سيفٍ شاء يبطش كفه ... وسيوفه ولحاظه من جنده لم يستقلا باله, ما منهما ... إلا وفيه سرائر من عنده وكأن بارع قدره من قده ... وكأن لمحة ظرفه من خده أشقى وأنعم في هواه فأجتني ... ضدين من نعمى رضاه وضده

стр. 179

فتنعمي وتلذذي من قربه ... وتعذبي وتشوقي من بعده هل يا محمد لي لوصلك منهل ... يروي ظماً للعاشقين بورده أودى بعبد الله لحظك, والهوى ... نار تشب على حشاشة كبده فارحم تضرعه إليك وذله ... واستبق بعض دمائه من وجده قال أبو عمرو بن سالم: حضرنا موطناً فيه صاحبنا أبو محمد البرجي وأبو العباس أحمد بن راشد اللخمي, فجاء فتى من أهل الظرف وسألهم قطعة في فتى اسمه رضوان, فقال أبو محمد -يعني البرجي- ارتجالا: [طويل] يناديك يا رضوان عبد متيم ... يحن لمرآك الأنيق فؤاده غريب رماه البين في أرض ريةٍ ... وقد بعدت أوطانه وبلاده وها هو قد زمت ركائب بينه ... فآن لعمري, نأبه, وبعاده فمنوا بتوديع المسافر واسمحوا ... بقبلة (كف) منكم فهو زاده وثنوا بأخرى إن أرتم حياته ... بريق الثنايا كي يتم مراده ولا تسمعوا من قول واشٍ مخببٍ ... يطير شرار النار نحوي زناده وله من رثاءٍ رثى به الأستاذ أبا محمد القرطبي: [طويل] غربت فسيف الدين ليس غرب ... وغبت فلا شرق يضيء ولا غرب لئن أوحشت منك المعاهد والحمى ... فأدمعها من دون واكفها العذب وإن ضاق ربع الأنس والصبر بعدكم ... فإن فناء الحزن بعدكم رحب ولما نعى الناعي بفقدك بكرة ... سكبت عليك (الدمع) لو ينفع السكب وقلت وقد ضاقت علي مذاهبي ... وقلب فوق الجمر من وجده القلب ومنها:

стр. 180

إذا لم تلح شمساً على أفق الهدى ... فلا انهل وسمي ولا انثنت القضب خليلي هبا ساعداني بعبرةٍ ... وقولا لمن بالري ويحكم هبوا نبك العلا والمجد والعلم والتقى ... فمأتم أحزاني نوائحه الصحب فقد سلب الدين الحنيفي روحه ... ففي كل سر من نباهته نهب وقد طمست أنوار سنة أحمدٍ ... وقد خلت الدنيا وقد ظعن الركب مضى الكوكب الوقاد والمرهف الذي ... يصمم في نص الحديث فما ينبو تمنى علاه النيران ونوره ... وقالا بزعم إنه لهما (ترب) (أأسلو) وبحر العلم غيضت مياهه ... ومحيى رسوم الشرع يحجبه الترب عزيز على الإسلام أن يودع الثرى ... مسدده الأهدى وعالمه الندب ومنها: بكى العالم العلوي والسبع حسرة ... أولئك حزب الله ما فوقهم حزب على القرطبي الحبر أستاذنا الذي ... على أهل هذا العصر فضله الرب ولا عتب إن أبدى عليه تجلداً ... ولكن إن أقوى عليه هو العتب فقد كان فيما قد مضى من زمانه ... به تحسن الدنيا ويلتئم الشعب ويجمع سرب الأنس روض جنانه ... فقد جف ذاك الروض وافترق السرب فسحقاً لدنيا خادعتنا بمكرها ... إذا عقدت سلما فمقصدها حرب ركبنا بها السهل الذلول فقادنا ... إلى كل ما في طيه مركب صعب ونغفل عنها والردى يستفزنا ... كفى واعظاً بالموت لو كان لي لب ومنهم:
следующие страницы →