Полный текст (318 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
١٠٩- العباس بن العباس بن غالب الهمداني
يكنى أبا الفضل. كان ﵀ من جلة الطلبة ونبهائهم, أديبا حسبيا كاتبا شاعرا مطبوعا. كان من أصحاب أبي عمرو بن سالم. وبينه وبينه مكاتبات ومحاضرات. قال فيه أبو عمرو: هو الكاتب الأديب الحسيب. من شعره ﵀ يخاطب أهل سبتة حرسهم الله في شأن القصة التي كتب فيها أبو عبد الله بن نجيب المتقدم الذكر في باب محمد, فقال أبو الفضل في ذلك: (كامل)
حي الكرام بني الكرام بسبتة ... واستقصر التسليم وهو عميم
أولئك القوم الذين أحبهم ... باح القريض بما الفؤاد كتوم
قوم يبرون القصي على النوى ... فإذا دنا فأخ لهم وحميم
لهم المآثر ليس يحصى عدها ... عاد, وقد كثرت فقيل نجوم
سلكوا سبيل المجد واضحة كما ... وضح النهار فمجدهم معلوم
طابت فروعهم بطيب محاتد ... ولد كوالده أعز كريم
قد هذبوا أخلاقهم في مهدهم ... ثم استراحوا والحلوم حلوم
يكفيك معرفة لهم سيماهم ... والفضل في سيماهم مرسوم
بأبي رجال تحتويهم سبتة ... كرموا فما فيهم, بعيد لئيم
أثنى على القوم اللسان فإن أمت ... تثني العظام وإنها لرميم
إن الغريب إذا أقام بأرضهم ... فكأنه في الأقربين مقيم
حفظوا وصية ربهم في جارهم ... فمحله التبجيل والتعظيم
يقضون حق الجار وهو يغيظهم ... جهلا, فكيف بمن لديه علوم
حملوا أبا حسن على أقرابهم ... لعلومه ورعى الكريم كريم
واستنقذوه من نوائب دهره ... فيما نما وعزا إليه نميم
تالله ما جهلوا أمانته ولا ... خذل الإله العلم وهو عليم
стр. 212
يا أهل سبتة أنتم (أهل) العلى ... سدتم وسادكم هناك زعيم
وإذا عياض كان رأس جماعة ... فالمجد عام والثناء صميم
من ذا يشق غباره في سؤدد ... إن الذي يسعى له, محروم
ورث المعالي عن أبيه وابتنى ... ومن المعالي حادث وقديم
حاشا لمجد قدمته جدوده ... إلا البقاء, وغيره مهدوم
إيه, عياض عن العلاء فإنما ... شرح العلاء حديثك المنظوم
ما كان يعرف سؤدد لولاكم ... فلتسألن به فأنت عليم
أحيى عياضا في ثراه أبوكم ... فمضى فأحيى الكل منك عظيم
أشبهت جدك في اسمه وجلاله ... فافخر, فغيرك بالفخار مليم
ما ضر مدحكم بما قد قاله ... في مدح غيرك شاعر وحكيم
"ظلموا عياضا وهو يحلم عنهم ... والظلم بين العالمين قديم"
"جعلوا مكان الراء عينا في اسمه ... كي يكتموه وإنه معلوم"
"لولاه ما فاحت أباطح سبتة ... والروض حول فنائها معدوم"
يا أيها الرجل الحسيب, نداء من ... يهوى لقاءك, والزمان ظلوم
لولا عوائق والقضاء لزرتكم ... وقضيت حقكم, وذاك أروم
أنت المجلي سبقا لقضا العلى ... وأنا المصلي. سر ذا مفهوم
إن لم يكن نسب القرابة بيننا ... نسب المعالي بيننا محتوم
فأتم رعياً للعلى بلقاكم ... كيف اللقاء وحبله مصروم
خذها إليك غريبة وافتكم ... شوقا, ومثلك بالغريب فهيم
وليبق مجدك في الزمان مخلدا ... يحميه سعد دائم ونعيم
стр. 213
ثم السلام عليكم ما غردت ... ورقاء في فنن, وهب نسيم
وله يمدح السيد أبا إسحاق ابن أمير المؤمنين, ويذكر خصومة كانت بينه وبين الوزير أبي الحكم بن جزي, قريبه, أيام مقامه باغرناطة: (بسيط)
لكل هم على رغم العدا فرج ... طوبى لمن يكن في صدره حرج
قد فرج الله همي وانقضى أربي ... فكل وجه من الآمال مبتهج
بالسيد الماجد الأعلى بلغت منى ... كم صافحت مهجتي مما بها مهج
يممته في خصام عز مطلبه ... لما تحكم فيه المطل واللجج
حصلته عند ترحيبي علي أملي ... وقارع بابه يوما كمن يلج
فكنت أفصح من قس بن ساعدة ... في مقطع الحق وانقادت لي الحجج
لولاه لم يلتفتني من أخاصمه ... ولم تلن شدة, خضخاضها لجج
بالأمس أخبط بالعشواء في ظلم ... وللمظالم وجه كله سمج
فاليوم لي بصر تسعى به قدمي ... حتى يراه الهدى, والحق منبلج
سار المليك الرضى من عدله سيرا ... هي الصواب فلا أمت ولا عوج
أثواب سيرته مهدية, وكفى ... أن الهداة على منواله نسج
يا أهل غرناطة في أرضكم جسد ... مركب, فيه روح القدس ممتزج
ملك تقل له الدنيا فيغرقكم ... بزينة لم تكن في السر تختلج
ركائب الملك في المقدار تحظى له ... ولم يصبهن تأويب ولا دلج
هذي المعالي أنوف حفها شمم ... لكنها, عرفها المستنشق الأرج
هذي المكارم أعمار يعاش بها ... في كل آونة, والناس قد درجوا
ملآن من كل فضل قد أحاط به ... كما أحاط بلحظ فاتر غنج
стр. 214
أيامه سرر, أكنافه وزر ... أفعاله غرر, آثارها سرج
رحابه في الندى تمتد أرحبها ... وفي الحروب له الحرمات تنفرج
يغشى الحروب ولا يخشى منيته ... كأنه بالمنايا فارح بهج
حسامه وشل من لمح رونقه ... تجري الدماء به كأنها خلج
فهل سمعتم بسيف قبل منصله ... في خلس لحظته يفرى به الودج
ثبت الحجى, لفظه في كل مشكلة ... فكل أمر بهيم عنده بلج
إذا تفرقت الآراء في سبب ... بالعقل يجمعها طرا فتزدوج
له عزائم لو مرت على سبج ... لا بيض حتى تساوى العاج والسبج
كاد الحمام بأن يلقى مسالمه ... خوفا, كما تفعل الأرواح والمهج
يا سائلي عن أبي إسحاق من ملك ... ذكرى محاسنه ساعتها حجج
في مثل سيدنا الأعلى جرى مثل ... حدث عن البحر, واستغرق ولا حرج
نجل الخلائف من قيس الذين رقوا ... مراتبا, منتهى العليا لها درج
من معشر نهجوا من هديهم سببا ... أبقت لهم مفخرا, يا نعم ما نهجوا
بعد النبي وأصحاب النبي, هم ... خير الورى, وسواهم زائد همج
مولاي عبدكم القن الذي سكنت ... أرجاؤه بعدما قد عمها الهزج
إن الخصام حروب ضرمت شعلا ... وما استثار بها نقع ولا هرج
ما زلت مستطلعا (حكما) أسر به ... عند الخصام وما يزال يبتهج
أطلعتم من سمائنا أهلتها ... فإن أقمارها تبدو وتنبلج
بدأتم بدءة أرجو خواتمها ... سيفتح الباب وهو (اليوم) مرتتج
ومهجتي منكم صك مواقعه ... كالماء بين ضلوع كلها وهج
صك إذا لحظته المقلة انقشعت ... عني سحاب العدى واستدرك الفرج
стр. 215
به سأملك أملاكي على ثقة ... ويرجع الحق ضخما وهو مندمج
وصار من ينكر الأملاك يثبتها ... بحجة دخلوا فيها, وكم خرجوا
أمضوا شهادتهم من أجل صحتها ... وطالما ضربوا فيها وقد مرجوا
صك كريم به الدنيا قد ابتهجت ... في مقلتي, وأحبائي قد ابتهجوا
ذكر الشهود وقاضيهم وطالبهم ... في نظم تلك السطور الغر مندمج
قد ضمنت بي إيصاء وتكرمة ... فما لهم عن طريق الحق منعرج
أمنية إن حبا نفسي القضاء بها ... قضى السقام, وجاء البر والفرج
قال الفقيه أبو عمرو بن سالم: وجلسنا يوماً مع أبي الفضل في موضع مع جملة من أصحاب, وشرطنا عليه أن لا ينشد من شعره شيئاً, وكان ذلك على وجه المداعبة. قال أبو عمرو: فأنشد من شعره. فما زنا نعرض له ونقول له: قد سبقت إلى هذا حتى اغتاظ من ذلك وقال:
جفوتني يا أبا عمرو برأيك في ... شعري, ومنه جميع الدر ينتظم
تعمداً كان هذا القول منك فتب ... وارجع إلى الحق, أين الفضل والكرم
من قال شبه مقال عبت أنت به ... قد استوت عنده الأنوار والظلم
قال: فلما رأيته أظهر تبرمه وشكايته, قلت ولم أقصد إلا نكايته:
عباس شعرك يا هذا قد اتفقت ... على ركاكته مذ كانت الأمم
ما زلت تنشدنيه كل آونة ... حتى حسدت, لعمري, من به صمم
هلا نخلت فلا تجعله مبتذلا ... أين المروءة والآداب والهمم
قال: فضحك ﵀, وذهب ما كان به من غيظ يجده.
قال أبو عمرو ﵀: ودخل يوماً أبو الفضل في مجلس ابن خروف, فوجد فيه ظبياً وسيماً, قرطبي الدار, فقال فيه مرتجلا:
يا أبا حسن صبرا على ما أصابك ... فإنا بما جئنا, جنينا مصابك
стр. 216
وجدنا غزالا في المجالس قاعدا ... فلما رآنا قام يبغي عذابك
وما كان إلا البدر زرناك فاختفى ... فقلنا متى يا بدر كنا سحابك
فقال ابن خروف:
أيا من ألم على غرة ... نفيت الغرير فنومي غرار
وفيك خلال خدا شية ... رآها الغزال فولى فرار
قال أبو عمرو: وحضر أبو الفضل معنا في مجلس تذاكرنا فيه حديث أبي الحس بن حريق, وأنه يملي في حين واحد شعرا وموضحا ورسالة, فقال أبو الفضل: أنا أفعل ذلك, فطالبته في الوقت, ففعل, وأنجز ما قال. ومما حفظته من ذلك قوله:
يا من به يعنى الكئيب المولع ... قلبي عليك مفطر ومصدع
لو كنت ترحمني وتشفق عاطفا ... ما سال من عيني تلك الأدمع
لو ذقت ما ألقاه من ألم الهوى ... أوسعتني وصلا, ومثلك يوسع
ولو أنني ألقي إليك مشفعا ... لبعته يلقاكم إلى وصال يمنع
فلئن حكمت عليك لي, فلربما ... أجد السبيل إلى وصال يمنع
إيه محمد إنني لك حامد ... وشهيد نفسي أنني لك أخشع
فاعص الوشاة مع العواذل إنها ... جاءت بقول كاذب لا يسمع
стр. 217
وكتب إليه الأستاذ أبو محمد القرطبي (وكان قد باع بعض كتبه) :
نبئت عباسا توزع كتبه ... نهبا وأصبح عن سواها معزلا
فعجبت من بطل يبيع سلاحه ... عمدا ويصبح في الكتيبة أعزلا
فكتب أبو الفضل إليه:
يا موئلي ولقد تخذتك موئلا ... أقصر (فإنك) غير متهم القلى
بعت الدواوين الأصول لكي أرى ... بأصول أشجار شريت ممولا
وله يصف فتى أزرق العينين, ولبس ثوبا أخضر:
له مقل كصافي الماء زرق ... وخضرة برده وجمال غره
صفات جمعت للأنس فيه ... فحسن, ثم ماء, ثم خضرة
وله في فتى أحول:
يقولون في نجل المظفر عيبه ... به حو باد, فجاوبت مفحما
رأى من رمى سهما يكسر طرفه ... فأصبح يحكيه ليرسل أسهما
وله في صبي محا أبيات شعره بريقه, فقال ارتجالا:
قالوا محا شعرك المحبوب بالشنب ... فكان مني جواب بارع الأدب
لم يقصد المحو للأبيات عن أدب ... وإنما كان ذاك المحو عن سبب
رأى المداد شبيه المسك دون شذى ... فرده عاطراً, واحتال بالشنب
ونقلت من خط شيخنا الأديب أبي عمرو بن سالم, قال: أنشدنا العباس في شطرنج:
أيا صاحبي والشكل يألف شكله ... وكل لما يهواه غاد ورائح
هلم نجيل الفكر فيما يزيده ... توقد ذهن والذكاء يسامح
стр. 218
بجيشين من حام وسام وها هنا ... رخاخ وفرزان وجرد سوابح
تكبرن عن حمل السلاح إلى الوغى ... فأرماحها ألبابنا والقرائح
ومنهم:
١١٠- عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش ابن عباد بن عمرو بن أسلم
انب عمر بن عطاف بن نعيم. هو الأمير المعتضد بالله ابن القاضي أبي القاسم ابن عباد. أقام بمالقة مدة في أيام يحيى بن حمود أمير المؤمنين, وذلك أن القاسم بن حمود لما خرج إلى قرطبة بلغه أن أهل إشبيلية قد خاطبوا يحيى بن حمود, فعزم القاسم على الخروج إليهم, وأن يعطي دورهم للجند ويأخذ أموالهم. وكان بعض إخوان القاضي حاضرا, فأعلمه بذلك. فقرأ القاضي الكتاب على أهل إشبيلية, فقال: ما ترون. فذهب أحد أعيانهم وأتى بتخت عظيم فيه ثياب, وبمال كثير, وقال: عندي كذا وكذا من قمح وشعير وزيت أذب به عن مالي ونفسي. فأجمع أهل البلد معه على ذلك, واجتمع مال كثير, فثقف عند أمناء. ثم أمر بالمنادي: من أراد العطاء والراتب فليأت. فاجتمع الجند, وغلق العبيد أبواب القص, فخرق الباب الكبير منه ودخل عليهم, فأمنوا, وأخرج العامل, ووجه عيال القاسم له إلى قرطبة. فنظر في الخروج إليهم. وخاطب أهل إشبيلية يحيى إلى مالقة, ووصل إليهم, وقال لهم: تعطوني البلد, فقالوا له: نعم, لكن على أن لا تدخل إلينا. خذ الجباية والسكة والخطبة. فقطع ثمارهم واغتاظ عليهم. فلما لم يقدر معهم على أمر, صالحهم على ذلك, وطلب منهم رهانا. فأعطاه القاضي ولده عبادا. فكان عنده بمالقة, فلعب في بعض الأيام مع ابن يحيى على الصهريج, فدفع ابن يحيى, فمات في الصهريج. فأرادت أمه قتله, فأبى يحيى, وصرفه لأبيه, بعد أن كان يحيى قد قدم القاضي على عمل إشبيلية. فهذا كان سبب دخول عباد المتقدم الذكر إلى مالقة.
стр. 219
وفي خلال ذلك ظهر هشام الدعي على ما يأتي ذكره في بابه, فحجبه إسماعيل أخو عباد, إلى أن قتل إسماعيل. فانتقلت الحجابة لعباد أخيه. ثم مات أبوه القاضي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. وولي عباد المذكور, وتسمى بالمعتضد بالله المنصور بفضل الله. ودبر المملكة, ونظر في قتل البرابر وأخذ الثأر منهم. فلما كان في سنة ثمان وأربعين خرج يتصيد, وقيل كان به سكر حتى وصل رندة, وفيها أبو نور النفري, ومعاذ بن أبي قرة, فأكرماه, وقالا له: ما جاء بك, فقال: أريد تطهير أولادي, أن ترسلوا عن الحجاب يشرفون بالحضور بأنفسهم ونسائهم في أحسن زي, ليكون لي بذلك شرف في الأندلس. فاجتمع الحجاب وأعلموا بذلك, وأخذوا في الشرب, فأظهر المعتضد السكر. فقال الحجاب: جاء الكبش للجزار. فقال معاذ وأبو نور: والله لا كان هذا أبدا. ففهم المعتضد كلامهم, فأمر بصلات, فدفعها إليهم, ثم انصرف عنهم. فمضوا إليه في أحسن زي مع نسائهم, فلما دخلوا عليه, أنزل أبا نور ومعاذا أحسن نزل, وسائر الحجاب أخذ سلاحهم. واختلف الناس في موتهم. فأصح ذلك أنه أدخلهم الحمام على معنى الإكرام, وأمر ببنائه عليهم, فبقوا فيه حتى ماتوا, وقيل: سجنهم فيه ليلا, والله أعلم أي ذلك كان. وكان المعتضد شديد البأس كثير الحزم صاحب رأي وتدبير. وكان إذا أشكل عليه أمر دخل حنيته, ورد وجهه ورأسه إلى الحائط فيدير ما يراه سدادا, ويأمر بإنفاذه, فيكون من أبدع ما يختار وأصوب ما يدبر. فكان لذلك يسمى أسد الحنية. وكان يقول الشعر.
فمن شعره يخاطب صهره بدانية: (بسيط)
صهري أبا الجيش هل يقضى اللقاء لنا ... فيشتفي منك طرف أنت ناظره
شط المزار بنا والدار دانية ... فيا حبذا اللفظ لو صحت زواجره
ومن مستحسن شعره قصيدته المشهورة التي أولها: (طويل)
стр. 220
أنام وما قلبي عن الجد نائم ... وإن فؤادي بالمعالي لهائم
وتوفي ﵀ من ذباح. وقيل: إن الحكيم ابن النقاش أعان في أمره مع القدر, وسبق الأجل. وذلك سنة إحدى وستين وأربعمائة. ذكره ابن حمادة في تاريخه.
ومنهم:
١١١- عبادة بن عبد الله بن محمد بن عبادة بن ماء السماء
ابن أفلح بن الحسين بن سعيد بن قيس بن عبادة الأنصاري الخزرجي -كذا ذكر اتصال نسبه ابن بشكوال قال: كذا نسبه ابن الفرضي في كتاب طبقات الشعراء له- المالقي, يكنى أبا بكر. هو الأديب الشاعر المشهور, فحل من فحول الشعراء, وعلم من أعلام الأدباء. آدابه مشهورة, ومحاسنه مذكورة. وله موشحات رائقة تضرب بها الأمثال. ذكره أصبغ في كتابه, وبه بدأه فقال فيه: شهاب معارف, وظل أدب وارف, وقدوة إجماع, ونزهة قلوب وأسماع. إن جد لم تفاتحه وقارا, وإن هزل خلته يعاطيك عقارا. سحب أذيال مجونه, وانتسك بين صفا اللهو وحجونه. واخترع التوشيح في بث برحائه وشجونه, فإن طريقة التوشيح في الأندلس كانت غير مرقومة البرود, ولا منظومة العقود. فأقام منآدها, وقوم مائلها وميادها, واشتهر بها اشتهارا غلب على ذاته, وذهب بكثير من حسناته. بيد أنه ما خلع برد الشباب القشيب, ولا وضح بليل لمته صبح المشيب, حتى أقصر باطله, وأسمعته عذاله وعواذله, وعريت منه أفراس الصبا ورواحله.
ومن شعره, وذكر ابن أبي العباس أنه أول شعر قاله في صبيان يرمون على الشارة: (طويل)
وما راعني إلا سهام رواشق ... إلى هدف ينحوه كل يدي ظبي
стр. 221
أقاموه كي يرموا إليه فلم يكن ... لهم غرض حاشا فؤادي في الرمي
ذكر أصبغ في كتابه أن أبا بكر عبادة كان يمدح القائد أبا موسى والد ابن بقية, فسافر أبو موسى, وشاع أنه قد مات. ثم إنه قدم مالقة, فأنشده قائما بين يديه: (وافر)
نعي زاد فيه الدهر صبحا ... فأصبح بعد بؤساه نعيما
وما شككت في هذا لأني ... رأيت الشمس تغرب والنجوما
قال: فوهبه عليها مائة مثقال حكمية.
واجتاز على حصن قرطبة فنزل عند الفقيه أبي سفيان بن حجر, فأخرج له أقداحا بزبد وعسل, فأكلته بالليل الكلاب, فقال في ذلك: (منسرح)
ما من سبيل الوفاء والعهد ... أن تطلقوا كلبكم على زبدي
لو شبع الكلب في كفالتكم ... لم يتتبع مخالي الرفد
عليكم أرش ما جنى ولكم ... نسخ ملام القبيح بالحمد
وله من قصيدة غير منقوطة يمدح بها أبا عمرو بن سعيد بن حزم: (طويل)
عطاؤك سمح ما لإدراكه مدى ... ولو عدد الرمل المركم عددا
وصارمك المسلول سلم مسلما ... ودمر أعداء وألحد ملحدا
ومن شعره في محبرة آبنوس: (منسرح)
مطوية في الخطوب كالحنش ... كأنما أطرقت على نهش
تمزج أريا بسمها فمتى ... تحط أسير الردى بها يعش
ترضع أبناءها مجاجتها ... في ريها لا تدر في العطش
مكرمة لم تهن على أحد ... تنزل عند الملوك في الفرش
زنجية فضضت كواكبها ... فهي تباهي كواكب الغبش
стр. 222
وله في جارية نأت عنه: (منسرح)
ما مر يوم علي لم أرك ... إلا وجدت الضمير صورك
وما مبيتي وأنت لست معي ... إلا مبيت القطاة في الشرك
يا لعبة أولعت بسفك دمي ... غضي بفضل النقاب محجرك
أما أنا فالبعاد غيرني ... وأنت خوف الرقيب غيرك
وله يصف راقصة: (منسرح)
يعجبني أن تقوم قداما ... تفتل قبل الجفون أكماما
كأنها في اعتدالها ألف ... ترجع عند انعطافها لاما
وله فيها: (منسرح)
تتابع الدست لا تخالفه ... في رفعها تارة وفي الخفض
وتلتوي ثم تستوي فترى ... غصنا مرعا منها على الأرض
لو وطئت مقلة برقصتها ... لم تمتنع خفة من الغمض
وله فيها أيضاً: (منسرح)
راقصة لا تحس وطأتها ... كأنها في الخفوف كالطيف
تنقل أقدامها على عجل ... كأنما رقصها على سيف
وله وقد وجه الأمراء بنو حمود وراءه في يوم أنس, وأحد فتيانهم يرقص, فطلبوا منه وصفه, فقال ارتجالا: (كامل)
стр. 223
ومنوع الحركات يلعب بالنهى ... لبس المحاسن عند خلع لباسه
متأود كالغصن عند كثيبه ... متلاعب كالظبي عند كناسه
بالعقل يلعب مدبرا أو مقبلا ... كالدهر يلعب كيف شاء بناسه
ويضم للقدمين منه رأسه ... كالسيف ضم ذبابه لرياسه
ثم قال فيه للحين: (طويل)
ألا رب ظبي قد تثنى قوامه ... فأخجل في حالاته الغصن الرطبا
إذا يستوي أو ينثني, وهو لاعب, ... فطورا ترى سيفا وطورا ترى قلبا
وله في الياسمين: (مخلع البسيط)
انظر إلى عرش ياسمين ... لم يرد الورد, وهو وارد
كأنه عدة ولونا ... أكف صب بلا سواعد
وله من قصيدة يمدح بها علي بن حمود: (طويل)
يؤرقني الليل الذي أنت نائمه ... فتجهل ما ألقى وطرفك عالمه
أفي الهودج المرقوم (وجه) طوى الحشا ... على الحزن واشي الحسن (فيه) وراقمه
أظلما رأوا تقليده الدر أم نووا ... بتلك اللئالي أنهن تمائمه
وله في أترجة أهداها له محبوبه: (مخلع البسيط)
أترجة إن أتتك برا ... لا تقبلنها وإن بررتا
стр. 224
لا تهد أترجة فإني ... رأيت مقلوبها هجرتا
وزاد في المهدي له أترجة: (كامل)
أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
خاف التلون إذ أتته لأنها ... صنفان, باطنها خلاف الظاهر
وله يصف نارا تبدو في الظلام, ثم يخمدها الريح: (طويل)
وقفت على عليا الجذوع ذؤابة ... لأنظر في نار على البعد توقد
تقوم بطول الريح ثم يخونها ... هبوب الصبا عند الصباح فتفقد
فشبهتها في الحالتين كقارئ ... إذا اعترضته سجدة ظل يسجد
وشعره ﵀ كثير, وأدبه شهير.
توفي ﵀ في جمادى الأولى سنة تسع عشرة وأربعمائة, ودفن بربض الندامى بمالقة.
ومنهم:
١١٢- عتيق بن علي بن خلف الأموي المربيطيري
يكنى أبا بكر, ويعرف بالحاج عتيق. كان ﵀ من جلة العلماء وعليتهم, فاضلا ورعا, زاهدا مقرئا للقرآن عارفا بإقرائه, كثير العبرة, منقبضا عن الناس مشتغلا بما يعنيه. وكان حاجا نفعه الله. وأخذ ﵀ عن شيوخ جلة كأبي الحسن المكناسي, لقيه بمكة, وأبي الطاهر السلفي, وابن عوف, وأبي بكر يحيى بن مفرج المالقي, وأبي الحسن بن هذيل, وابن سعادة, وأبي زيد السهيلي,
стр. 225
وابن الفخار, وأبي بكر بن الجد, وأبي عبد الله بن زرقون وغيرهم. ونسبه ﵀ على ما ذكره بعض الشيوخ: عتيق بن علي بن خلف بن أحمد بن عمر بن سعيد بن الأيمن بن عمر بن يحيى بن سعيد بن الأيمن بن عمرو بن يحيى بن وليد بن محمد بن (عبيد بن) عمر المرواني. وعمر هذا من ولد عبد الرحمن بن معاوية. قال الفقيه الأجل المحدث أبو عبد الله بن سعيد: قيد لي عبد الرحمن بن معاوية. قال الفقيه الأجل المحدث أبو عبد الله بن سعيد: قيد لي هذا النسب ابنه, ووقفت الشيخ عليه. وذكره صاحب الخبر المتقدم, فقال فيه: حج ورحل, وكان فاضلا. وربما (كان) يقرئ القرآن ولا يأخذ عليه أجره. وتوفي ﵀ في الحادي والعشرين من رجب الفرد سنة ثنتي عشر وستمائة.
ومنهم:
١١٣- عبد المحسن بن علي بن عبد الله الأنصاري
يعرف بابن أبي خرص. كان ﵀ من طلبة مالقة ونبهائها, ذكيا فطنا لوذعيا. وكان جميل الصورة. ولأدباء مالقة فيه أشعار. وللفقيه أبي عبد الله الجوني مقامات سماها بالمقامات المحسنية, وجمع فيها ما للشعراء فيه من الأبيات, وتضمين اسمه في آخر كل بيت منها. ووصفه فيها (فقال) : فتى يحسد البدر سناه, وتستظرفه القلوب وتتمناه. سهام جفونه أنفد من السهام, وأمضى من الحسام, تدع الصحيح يكابد الحمام, وتترك الفصيح يكني عن الخمصة بالأوهام. قد جمع إلى بهاء المنظر الرائق, وانتهاء الحسن الفائق, أدبا بارعا, وظرفا بالثناء فارعا. يجامل من لاقاه برورا وإكراما, ويظهر سرورا وابتساما.
انشد لأبي عمرو بن سالم, وذكر أنه بها على أبي الحسين بن زعرور من عبد المحسن: (كامل)
قسما بمجد أبي الحسين وحسنه ... ما في الملاح شبيه عبد المحسن
стр. 226
هو ملك حسن قد رضينا حكمه ... دون البرية فليسئ أو يحسن
قد صير الإحسان فينا سيرة ... لولاه ما حسنت محاسن محسن
فأجابه أبو الحسين بن زعرور: (كامل)
يا مادحي بكلامه المستحسن ... هلا اجتزيت بمدح عبد المحسن
ذاك الذي مهما أشار مسلما ... أزرت أنامله بنور السوسن
وإذا تكلم أو تبسم ضاحكا ... خرست محاسنه جميع الألسن
يا ليته والله يكلأ حسنه ... لو ذا دعني بعض ضر مسني
فكفى به أن قلت في أوصافه: ... لولاه ما حسنت محاسن محسن
وللفقيه أبي محمد البرجي فيه: (كامل)
من أين يطمع عاذلي في سلوتي ... وأليم حب معذبي قد مسني
وبمهجتي وسنان, رونق خده ... ورد يفتح فوق غصن السوسن
إن قلت بدر فوق غصن لم تصب ... فالبدر مثل كماله لم يحسن
لما تشابه وصفه وصفاته ... هتفت بنظم حلاه عرب الألسن
حاز الصيانة والبراعة والعلى ... والحسن والإحسان عبد المحسن
ولأبي العباس الموري فيه: (كامل)
بأبي غزال أهيف في خده ... ورد جني في غلالة سوسن
قد رحل في رتب المعالي منزلا ... ما ليس يبلغه مديح الألسن
فتكت لواحظه بقلب متيم ... ما باله لمتيم لم يحسن
خط الجمال على جميل صفاته: ... كل المحاسن حاز عبد المحسن
أشكو إليه لعله يرثي لما ... قد نالني منه وما قد مسني
стр. 227
ولأبي عبد الله الشلبي فيه: (كامل)
أحسن فدتك النفس, عبد المحسن ... فالضر من وجدي بكم قد مسني
وامنن علي بلثم صفحتك التي ... رقمت أسرة حسنها بالسوسن
وأجب نداء متيم صب بكم ... دنف شج يدعوك عبد المحسن
قسماً بحسن صفاتك الغر التي ... حارت لها في الوصف كل الألسن
لا زلت منقادا بحبل هواكم ... ما دمت حيا فلتسيء أو تحسن
وللفقيه أبي جعفر النيار فيه:
بأبي غزال جل عن غزلانكم ... في وصفه قصرت جميع الألسن
حكمته في مهجتي فله بها ... ما شاء مني فليسيء أو يحسن
فرمت سهام جفونه قلب امرئ ... قد رام يقطف وردة من سوسن
كم شف جسمي حبه, وتعففي ... يأبى شكاية كل ضر مسني
وبهت حتى أنطقتني حكمة ... ما في الملاح شبيه عبد المحسن
ظبي يريك الحسن في روض الهوى ... وردا تفتح في أزاهر سوسن
مازال يرشف لحظة من مهجتي ... ما ضمنت صفحاته قد مسني
ويريك سمطي لؤلؤ في خاتم ... من فيه يقسم أنه لم يحسن
دعت النجوم صفاته لمديحها ... فغدت تمر على جميع الألسن
وللفقيه أبي بكر مجير فيه:
стр. 228
أشكو لذي الإحسان عبد المحسن ... فلعله يرثى لما قد مسني
إني شغفت بدله ودلاله ... وبحسن منظره وإن لم يحسن
ظبي غرير الحسن طرز خده ... بالجلنار وغض نور السوسن
ريم حوى طرفاً وحسناً جامعاً ... نطقت ما يجزي جميع الألسن
فعساه يرحم لوعتي وصبابتي ... ويسير بالإحسان عبد المحسن
وللفقيه أبي عبد الله ن راشد فيه:
وبديع حسن راق حتى قصرت ... عن وصف بعض منه كل الألسن
غصن زهاه للسوالف سوسن ... وكذبت جل سوالفاً عن سوسن
يهوى نكالي, فهو طوع زمانه ... إن لم يسيء في فعله لم يحسن
من لي بمن قد مسني مس الجوى ... في حبه, فيزيل ما قد مسني
لو قيل من ملك القلوب بحسنه ... هتف الجميع بذكر عبد المحسن
وللفقيه أبي التقى صالح فيه:
نفسي الفداء لكل نفس شفها ... ما شفني من حب عبد المحسن
جبلت على استحسان ما يلقاه من ... نصب, ورب معذب مستحسن
ما إن يسيء لها بأمر موجع ... إلى وقالت: زد وأوف وأحسن
فأنا الذي أرضى به حكما وقد ... أحكمت قول محسن بل محسن
لا يدعي في حبه من لم يقل ... في فعله حسنا وإن لم يحسن
ولشيخنا الفقيه العالم أبي محمد الباهلي فيه:
البدر يقسم بالطلاق ثلاثة ... أن لا يضاهي حسن عبد المحسن
стр. 229
واستوثقت شمس النهار بضوئها ... سنة متى عرضت لمنظره السني
وتشوفت أزهار سوسن خده ... فتمزقت أجزاء رطب السوسن
واستعجمت آياته وصفاته ... كيما يترجمها فصاح الألسن
ورأيت إحسانا وحسن شبيبة ... فرأيت من حسن الشبيبة محسن
وللفقيه أبي جعفر بن موسى فيه:
بأبي بديع الحسن طرز خده ... برقوم ورد في غلائل سوسن
حازت محاسنه الجمال فقصرت ... عن وصف أيسرها طوال الألسن
يا باكيا حال المتيم إذ رأى ... ضررا من أجل صدوده قد مسني
هل في البرية خلق إلا عبده ... فهو المخير فليسيء أو يحسن
حيث انتهى في الحالتين شدوته ... ما في الملاح شبيه عبد المحسن
وللفقيه أبي الحسن الحضرمي فيه:
من لي بمن سحر الأنام بحسنه ... في وصفه قصرت جميع الألسن
ظبي غرير أهيف في خده ... ورد جني في أزاهر سوسن
قد عاد كل الحسن عند كماله ... فغدا بديع الحسن عبد المحسن
فالبدر يحسده بحسن كماله ... والشمس مثل جماله لم تحسن
أشكو إليه صبابتي وأبثها ... فلعله يرثي لما قد مسني
وللفقيه عبد الله الجوني فيه:
يا قرة العين مهلا إنني ... قد جاز حبي فيك وصف الألسن
جرعتني غصص الصبابة والهوى ... فأزل بفضلك ضر ما قد مسني
بدر يلوح على قضيب ناعم ... وكأن سالفتيه غصن السوسن
стр. 230
كملت محاسنه وتم جماله ... فلأجل ذا سموه عبد المحسن
قسما بحسن صفاته وبمجده ... لا زال في قلبي وإن لم يحسن
ولما كملت أشعار الطلبة فيه, قال فيهم أبو عمرو بن سالم ﵀:
أحسنتم في مدح عبد المحسن ... وأجدتم فيه وإن لم يحسن
هل أنتم إلا عبيد جماله ... فلتخضعوا لبهاء منظره السني
يكفيه أن بهرت محاسنه الورى ... وزرت بأقوال الفصيح المحسن
وكان عبد المحسن هذا كريم النفس عالي الهمة جميل العشرة. ومات حديث السن. ورجع في آخر عمره إلى الزهد, فكان يحسن إلى الفقراء ويتفقد المساكين وأهل البتات, ويحسن إليهم, ويعطيهم العطاء الكثير. ومات على خير عمله, نفعه الله.
ومنهم:
١١٤- عد الجليل بن محمد بن سليمان الأنصاري
من أهل رية. كان من جلة بيوتها. كان جده صاحب لواء الإمام عبد الرحمن ابن معاوية أول دخوله الأندلس. وولي عبد الجليل الأمانة برية. ذكره الرازي في كتاب الاستيعاب.
ومنهم:
١١٥- عبد الله بن عيسى بن حسون المالقي
يكنى أبا مروان. كان قاضي مالقة. قال أبو العباس أصبغ: كان عبيد الله قبلة للأيتام, وغماما للإنعام, ومفخراً يتباهى به النثر والنظام, وتتبارى في طلبه السيوف والأقلام:
أبدا يطوف الشاكرون ببابه ... طوف الحجيج بمشعر ومقام
стр. 231
قال: وكان يحب الجلة والأدباء, ويصطفي العلية والصلحاء, فلا يعني إلا بابتناء مجد, ولا يرتاح إلا لاقتناء حمد. ما أوقد قط بالحضيض ناره, ولا غلق في وجه القاصدين داره. بل كان على من قصد المنن الغر, والأيادي التي ينقشع بها عنهم الضر, وينتعش بها العبد القن والحر, فإليه كان الأجلة يزورون, وبجانبه الأمنع الأحمى يمنعون ويحتمون. ومدحه بمالقة جلة من الشعراء لإحسانه إليهم, وإظهاره أثر العناية عليهم. وللفقيه أبي الحسن بن هارون يمدحه:
أشاقك بالبين الخيال المودع ... فدمعك فياض وقلبك يضرع
وهاجك مغنى أخلقت ربعه الصبا ... فربع الصبا من حسنه يتقطع
وعهدي به الدهر يسمح بالرضى ... وطير التصابي في مراعيه وقع
وسرب الظباء العفر غازلها الهوى ... وما صدها عنا حجاب وبرقع
يمتن ويحيين الرضى, فزماننا ... وإن جل ما يأتين يأس ومطمع
وفيهن حوراء اللواحظ طفلة ... صيود, لألباب المحبين تصرع
وقائلة كم ذا التمادي لدى الصبا ... فقلت: فؤادي بالصبابة مولع
بليت بربات الحجال وقلما ... دعون امرأ إلا يخب ويسرع
حذائي الهوى للبيض والدعج والدمى ... وإن كان لي نحو المكارم منزع
وما العز إلا في نفوس أبية ... وإن كان أحيانا علاها يضيع
وإن غير البدر المنير كسوفه ... فإن سناه بعد ذلك يرجع
ومنها في المدح
لقد كان هذا الدهر أعمى أصم من ... قديم فأضحى من يدين ويسمع
وعاد مضيئا بابن حسون إذا رأى ... له غرة زهراء بالنور تسطع
بدا فرأيت الشمس عالية السنا ... كما غيبت شهب الدجا حين تطلع
جميل المحيا, رائع متوقد ... ذكاء ونبلا, كامل الرأي أروع
له عزة الأملاك مع لين جانب ... وشدة بأس فهو يردي وينفع
стр. 232
حلاوة طبع ترشف النفس ريقها ... ولكنها عند العزائم تقطع
يسل سيوف العزم بالرأي إن دجت ... خطوب, ووجه الحق بالشك أدرع
إذا فخر الأقوام يوما فإنه ... ذرى الراسيات الشم منه تخشع
جواد بما يحوي فلو أن كفه ... سحائب لاستصحى الأنام وأجمعوا
إذا غاض حوض الجود يوما فحوضه ... من النيل ملآن الجوانب مترع
وإن جهلت طرق المكارم والعلى ... فواضح علياه إلى المجد مهيع
وإن عدمت غر المعالي فإنه ... لدى كفه الإحسان والبر أجمع
أبي يرى الدنيا كما شاء لم تزل ... لها فوق أفلاك الدراري موضع
وليس يراها من أجل مراده ... إذا كانت الدنيا تغر وتطمع
وما الدر إلا من قلائد لفظه ... وما السحر إلا ما يشي ويرصع
هنيئاً بما أعطاك ربك إنه ... رآك لعلياء المراتب تسرع
سناؤك مصباح ووجهك مشرق ... وغيثك هطال وربعك ممرع
وعزك فوق النجم حل مناطه ... وأنت من الأفلاك أسنى وأرفع
إذا رحل العافون عنك رأيتهم ... وجودك في ابشارهم يتميع
وبي ظمأ والفضل منك سجية ... لعلي في حوض المسرة أكرع
بقيت على العهد القديم وإنما ... وفاء ودادي منك حصن وأدرع
ودم فوق هضب العز ما لاح شارق ... وفيض الندى من بحر جودك ينبع
قال أصبغ ﵀: فاهتز ابن حسون لهذا المديح هز الحسام, وأفاض عليه مياه النعم الجسام, والآلاء الوسام, رحم الله جميعهم بمنه.
وتوفي ﵀ في يوم الاثنين لأربع خلون لربيع الآخر عام خمسة وخمسمائة. ذكر ذلك ابن الصيرفي في تاريخه.
ومنهم:
стр. 233
١١٦- عزيز بن محمد بن عبد الرحم
يكنى أبا هريرة. فقيه بمالقة وما والاها منذ خمسين عاما, معروف الخير, مشهرو الفضل, لا متراء فضله وتقدمه. وله روايات عن بكر بن حماد من حديث وغيره, وعن علاء بن عيسى وأخطل بن رفدة, وعبد الملك بن حبيب وابن محمد العاملي, وعن ابن بدرون الجزيري. وله أوضاع معروفة, منها كتاب كنه كيفية الإيمان, والرد على أهل الكتاب من الكتاب. وكان بيده كتاب كريم من أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد, أطال الله بقاءه, توسل إليه بطاعته, وتضرع إليه بخالص بصيرته. ونسخة الكتاب: من عبد الرحمن أمير المؤمنين إلى محمد بن قاسم, سلام عليك, فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإن عزيز بن محمد من ساكني مالقة رفع إلى أمير المؤمنين يمن بطاعته وما كان أيام الميل عليه من خالص البصيرة, والحض على جهاد الكفرة المتصدين إلى حصن مبشتر وغيره, وذكر كبر سنه وضعف بدنه وسأل الكتب إليك في حسن الوصاية والحيطة له, وحمله له على ضيعة بقرية شارس, وقرية بلجيلش على ما لم يزل عليه فيها من الجزية. فأجابه أمير المؤمنين فيما سأل, وأسعفه فيما رغب, إذ تحقق عنده ما وصف به نفسه, واستبان لديه فيما سأل, وأسعفه فيما رغب, إذ تحقق عنده ما وصف به نفسه, واستبان لديه جميل مذهبه وحسن طريقته. فأحسن الوصاة به في جميع أسبابه ونفذ له ما عهد إليك به في أمره, واصرف كتاب أمير المؤمنين إليه ليكون ظهيراً بيده, وشرفا لعقبه, إن شاء الله, والله المستعان, والسلام عليك ورحمة الله.
وكتب مغيرة يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة. ذكر قصته صاحب التاريخ.
ومنهم:
١١٧- عروة بن محمد بن عبادة بن ماء السماء
كان فقيها خطيبا فاضلا بمالقة. كتب إليه عبادة يوصيه بالتحفظ من الناس:
لا تطمئن إلى أحد ... وإذا فعلت فلا تعد
стр. 234
واحبس متاعك ما استطع ... ت فإن ذاك من الرشد
واقلل من الإخوان إن ... الأرض نار تتقد
لا تلق إلا حاسدا ... أو شامتا أو منتقد
فارفع أمورك كلها ... للواحد الفرد الصمد
فالناس قد فسدوا فما ... فيهم على من تعتمد
قلت: وجدت هذا الاسم في مدرجة في كتاب ابن أبي العباس بخط الفقيه أبي الطاهر السبتي, ونص كلامه فيه: وكتب عبادة إلى ابن أخيه عروة الخطيب بجامع مالقة. فقلت: لا أدري, أعروة بدل أخيه, فيكون عروة اسم أخي عبادة, أو يكون الكلام قد تم في قوله: ابن أخيه, وكأنه يقول: واسم ولد أخيه عروة. وأغلب ظني أن عروة هو الخطيب, وهو أخو عبادة. واله أعلم بحقيقة ذلك.
ومنهم:
١١٨- عطاء ابن أخت غالب الهمداني
يكنى أبا الحسن, كان فصيحا وجيها حسيا من علية الطلبة مشهورا نبيها أديبا شاعرا, ينشد بين يدي الملوك السادة. دخل يوما عبد الوهاب بن علي على أحد السادات, فقال السيد: فمن يعرف الفقيه؟ فقال عطاء: يا مولاي هو رجل من أهل البادية. فقال عبد الوهاب: نعم, البادية على وجهي بادية, لا أنكر حالي, ولا أعرف بخالي. فأسكت عطاء مفحما. واستقبل السيد أبا محمد عبد الوهاب وقربه. وتوفي ﵀ في حدود الثمانية وستمائة.
ومنهم:
١١٩- علي بن حمود بن ميمون بن حمود
ابن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن حسن بن حسين بن علي بن أبي
стр. 235
طالب بن عبد المطلب. وهنا يلتقي بالنبي ﷺ . وهو أمير المؤمنين أبو الحسن بن حمود الناصر لدين الله. بويع سحرة لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة. وكان علي بن حمود بسبتة, وكان خيران يرغب في المؤيد بالله هشام, فجعل خيران يخاطب الثوار فيه. وكتب فيه إلى مالقة, إلى عامر بن فتوح, وواضح العامري. فخاطبه إلى سبتة ليخرج إليهم ويقدم عليهم ليعرفوا به.؟ فجاز ابن حمود وأتى مالقة, فخرج إليه الوزير ابن عامر ونزل له عن قصبتها, ودعا له بمالقة, فولي العهد. وعقد خيران العامري الولاية باسمه, واجتمعت العساكر عند خيران بألمرية. ثم خرج خيران منها, وخرج علي بن حمود من مالقة, وسارا إلى قرطبة وتقاتلا مع سليمان بن الحكم, فتغلب علي عليه وأخذه أسيرا. وأخرج علي المؤيد من القصر, إذ كان قد أشيع موته وأن سليمان قتله. فشهد الفتيان أنه هو. فقدم علي سليمان, فضرب عنه بيده. وسنذكر ذلك مستوفى عند ذكر هشام الدعي. وقتل علي بن حمود في حمام بقصر قرطبة يوم الأحد لليلتين خلتا لذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة. ذكره ابن الفرضي وغيره.
قلت: وعنده صارت العنبرة التي وجدت في بعض السواحل, فسويت على شكل موسدة. بل كانت عند الحسن بن قنون العلوي, كان يتوسدها, فبلغ الحكم أمرها, فسألها منه, فكانت بينهما على ذلك حروب. ثم ظهر الحكم عليه وأخذ العنبرة. ثم صرف الدهر تصاريفه وظهر بنو حمود, وهم بنو عم الحسن, ودخلوا قرطبة فوجدوا العنبرة. وأظن أن أول من وجدها هو علي المذكور. ومنه بقيت عند بني حمود بمالقة, والله أعلم.
ومنهم:
стр. 236
١٢٠- علي بن عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن محمد بن القاسم ابن حمود العلوي
يكنى أبا الحسن ويعرف بالشريف. كان ﵀ من الطلبة النبهاء والأدباء, من أهل الحسب والمعرفة. نقلت من خط خالي رحمة الله عليه, قال: نقلت من خط أبي عمرو بن سالم: أنشدنا صاحبنا الشريف الحسي الأديب أبو الحسن علي بن حمود العلوي هذه الأبيات لنفسه, وأمر أن تكتب على قبره, وهي هذه:
لهفي أرى الحال مني غير صالحة ... وقد مضى وتولى صالح العمر
هبني عصيتك يا مولاي في صغري ... جهلا, فما العذر في العصيان في الكبر
لئن عفوت, فأفضال ومكرمة ... وإن تعاقب, فإني بالعقاب حر
قال أبو عمرو: وأنشدنا الشريف لنفسه أيضاً:
لا تأسفن لأمر ... قد غاب عنك وفاتا
فجائز أن تراه ... ما لم يقل عنك: ماتا
قال أبو عمرو: ووقفت معه. يعني الشريف. ومعنا صاحنا أبو الحسن بن حكيم على قبر الفقيه أبي عبد الله الرصافي, فترحمنا عليه وذكرنا أخباره, فارتجل أبو الحسن الشريف هذه الأبيات, وذلك يوم الجمعة الخامس من رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة بجبانة مالقة حرسها الله تعالي:
سقى قبر من أضحى لدينا به الفخر ... وكان لنا منه النباهة والقدر
صوائب مزن ينثني النبت حوله ... فيبصر فيه النور قد زف والزهر
ففيك, أيا قبر, الرصانة والحجا ... وشتى المعالي الغر, والنظم والنثر
نبكي الرصافي الذي كان ذكره ... يطيب به في كل آونة نشر
стр. 237
عيون لأحباب أقاموا بقبره ... ومالهم إلا التأسف والذكر
وقد غشيتهم للتذكر روعة ... فألوانهم صفر وأدمعهم حمر
عليك أبا عبد الإله تحية ... مروحة حتى يجمعنا الحشر
وقال أبو الحسن الشريف في ذلك اليوم ارتجالا: (طويل)
إلى كم أثني اللهو (عني) جانبي ... واخدع نفسي بالأماني الكواذب
فقلت:
وأترك ما قد أوجب الله حقه ... وأعنى بحق للهوى غير واجب
فقال الشريف:
وإني عن الدنيا ... وإن شئت
ذاهب
أأبصرت فيها عائشا غير ذاهب
قال أبو عمرو: فقلت أنا:
فهب لي بحق المصطفى منك توبة ... نصوحا ووفقني لأسنى المذاهب
ومنهم:
١٢١- علي بن عيسى المري
أصله من ألمرية, واجتاز على مالقة, وأقام بها مدة. وكان من أهل العلم والمعرفة. أخذ عنه الأستاذ أبو زيد السهيلي وهو معدود في شيوخه. هكذا وجدت بخط شيخ شيوخنا الفقيه العالم المرحوم أبي محمد القرطبي. ولا أعرفه بغير ذلك.
ومنهم:
١٢٢- علي بن محمد بن علي بن عسكر الأنصاري
يكنى أبا الحسن, هو خال خالي رحمة الله عليهما. كان ﵀ من الطلبة النبهاء. ذكيا فطنا عارفا محققا. كان عارفا بصنعة النحو محققا فيها, ذاكرا للغات حافظا للآداب عارفا بطريق الرواية على حداثة سنه. وكان قد قعد للإقراء بمالقة,
стр. 238
أخذ عن الحافظ أبي عبد الله بن الفجار وعن الإمام أبي عبد الله بن زرقون, وعن جماعة. وكان ﵀ كاتبا أديبا بليغا. وفيما بلغني من شعره: (طويل)
خليلي إن القلب في أبحر الهوى ... يراغي بها طول المدى ونراغ
فهل ساحل للوصل يلجأ عنده ... غريق له الماء الأجاج مساغ
يبرح بي أن الفؤاد موكل ... بذي غنج, منه الجمال يصاغ
أهيم وأهمي دمع عيني صبابة ... وهيهات ما لي للوصال بلاغ
أمرغ وجهي في التراب لعله ... يرق وما يغني لديه مراغ
يصرف قلبي في يديه فما يرى ... لقلبي
وإن طال الزمان
فراغ
ومن شعره: (كامل)
شمس الضحى طلعت أم الصبح انبرى ... أم شمأل جاءت تتساقط عنبرا
هذا نسيم الريح أقبل جاثيا ... يستاق طيبا من (حدائق) عبقرا
ومنهم:
١٢٣-علي بن عبد الغني الكفيف, ويعرف بالحصري
يكنى أبا الحسن, من أهل سبية. ورد علينا مالقة وأقام بها. وكان من جملة الأدباء وفحول الشعراء. كانت مجالس الملوك تبتهج بأشعاره. وكان مقربا لديهم, معظما عندهم. نقلت من خط الفقيه الأديب أبي عمرو بن سالم ما نصه: لما أتى الحصري ﵀ من عند بني هود, تقدم في البحر إلى طنجة, وكان قد ترك امرأته بمالقة, فهال عليهم البحر, فقال: (متقارب)
إماء شقين وعبد شقي ... وكل إليك شكى ما لقي
شكونا إليك رياحا ته ... ب وبحرا يعب عسى أن تقي
فكنت المسلم فيما مضى ... فجد بالسلامة فيما بقي
قال: فكأنما كان ثوب كشط عنه. فلما نزل في البر, قال: (خفيف)
стр. 239
رب سهل على فتاتي فتاتي ... لترى هل سلا فتاها, فتاها
علمته جفونها أي سحر ... ما تلاها عن حبها قد تلاهى
وله أيضاً: (متقارب)
دخلت الجزيرة يا سيدي ... كأني أدخلت بردانيه
فإن شئت عيشا بلا ذلة ... فحق المودة سردانيه
وله أيضاً: (سريع)
لا تخف الشيخ كخوف الفتى ... فذو الصبا أفظع من ذي الشيب
ما أصعب الحصرم إن رمته ... أكلا, وما أهون أكل الرطب
ومن شعره يمدح المقتدر بن هود: (وافر)
كذا تفيض أبكار البلاد ... ولا نقد سوى البيض الحداد
ولا أقبلت إلا بعد ما قد ... شفيت الثغر من بعد إلا عادى
وكان مرام دانية عزيزا ... فهان على المسومة الجياد
أطلتهم سماء علاك أرضا ... وكانوا خيرة السبع الشداد
وهي طويلة. ومن شعره: (بسيط)
هي الظبا, و (هي) عند الناس أحداق ... كما يقال لقتلاهن عشاق
والسر فيهن أن يسكبن كل دم ... ولا تبين عن الأجساد أعناق
يا راكبا طبقا في الحب عن طبق ... أقصر عتابك إن الحب أطباق
ومما كتب به إلى يوسف بن نغرالة: (بسيط)
بئس الحديث حديثا جاءني بيسا ... إني ذكرت بسوء حزب باديسا
وافى ومنكره حس بلا حسن ... إذا عققت أبى في يد إبليسا
وجئت قبل ارتداد الطرف يحملني ... مني إليه كأني عرش بلقيسا
стр. 240
وله أيضاً:
انظر إلى كتب واقرأ ترى عجبا ... خط ابن مقلة في ترسيل ...
وشعره ﵀ كثير متداول بيد الناس. وفيما ذكرته كفاية.
وللأديب الحصري وقد دخل عليه ابنه عبد العزيز, فاعتنقه وضمه وهو ابن تسع سنين أو دونها, وقال يسمعه:
عبد العزيز بني ... كلاه بالحفظ ربه
فقال الفتى:
تقول لي النفس كله ... واشربه مما تحبه
ومات هذا الفتى منزوفا, سال دمه حتى مات.
ولأبيه فيه من كلامه في قطعة:
مات من لو عاش عشرا ... لروى العشرين وورى
ومنهم:
١٢٤- علي بن الحسين بن عبد الله الكلبي
يكنى أبا الحسن, وهو أخو الأمير الأجل أبي الحكم بن حسون. وقد ذكر خالي ﵀ وصوله إلى مالقة من المنكب عند قصة أخيه أبي الحكم. وقتل أبو الحسن المذكور بجوفي الجامع بمالقة, وأخذ رأسه وحمل, وذلك في عام ثمانية وأربعين وخمسمائة.
قال ابن أبي العباس: كان الأمير أبو الحسن ربد اليدين في الخيرات, سباقا في المكرمات إلى أبعد الغايات, يجمع الفضائل ولا يفرق, ويهب الصنائع العظام ولا يضيق, وتتولى أياديه الحسان على الخاص والعام وتسترفق. وهو ﵀ مشهور الجلالة والحسب, معلوم المكانة في الفضل والنسب. وللشعراء فيه أمداح رائقة. وللفقيه أبي جعفر أحمد بن سيد المالقي يمدحه, وأنشدها إياه في يوم عيد, وهي: (طويل)
стр. 241
ألا أيها الملك العزير لتهنأن ... بعيد, ويهنا العيد أنك عيده
ويهنيك أن النصر حلفك لم تزل ... عليك ترى آياته وبنوده
وأبشر بسعد دائم البشر منغص ... لكل حسود كالجحيم حقوده
ودم سالما للجود تنشر فيئه ... وتبديه أطوارا لنا وتعيده
وله فيه: (وافر)
أيا بشراي بالأوب السعيد ... ويا فرحي بعيد قبل عيد
ويا طرفي تمتع من جمال ... عليه ملاءة السرو التليد
ويا ريي وكنت ظمئت حينا ... لنهلة ذلك البشر البرود
أبا حسن متى تحلل بأرض ... فتحسن للقريب وللبعيد
فلا غيضت مياهك يا معينا ... ولا عيبت خلالك من حسود
وله يمدحه: (كامل)
يا سائلي أين العلاء الأرفع ... ومن ذا الذي أنباؤه تتضوع
ومن ذا الذي يختار كل علية ... وله يشار الفخر باع أوسع
يمم أبا عمر وبحضرته التي ... هي هالة وهو الهلال الأبرع
قوساه أخلاق وأعراق, وإن ... تستقها فهي الزلال الأنجع
يا صاحبي تطارحا عن مجده ... فالدر ينظم عنكما, من يسمع
لولا مآثره لأصبح عاطلا ... جيد الزمان وكان أنفا يقرع
قسما أبا حسن لقد أسديتها ... والود في قسماتها يترصع
فإليكها حسنا بحسن كلما ... مر النسيم بها وفيك نرجع
واسلم سلمت إلى الإمارة والعلى ... في نعمة أرجاؤها تتوسع
وله يمدحه أيضاً: (كامل)
يا أيها الملك الأعز الأمنع ... والسيد الأسنى العلي الأرفع
ومن الذي يمنى يديه غمامة ... تهمي على ما في جداه وتهمع
стр. 242
حياك عني كل روض عاطر ... وسقاك عني سلسبيل يمرع
كم مشهد لك في الملم إذا دجا ... ورأى (الخلائق) أنه لا ينفع
جليت حالكه بأمر مبرم ... وعزيمة كالسيف لا تتضعضع
كن كيف شئت فإنك الملك الذي ... عنه القضاء غدا يدب ويدفع
وكريم سعد في سعود ترتقي ... كالكوكب المشبوب لا يتقنع
أفما رأى المرتاب آية ربه ... بعذاب بحر فوق بر يضرع
فأقم بظل من إلاهك سانح ... واهنأ بصنع, حسن صنع يتبع
إن العدو غدا, وضيق أمره ... والدهر ذو دول, وصدرك أوسع
كيف القيام بشكر ما أوليتني ... من بر إذن, للزيارة يشفع
عظمت بها هممي فصرت منادما ... للفرقدين بحيث لا أتوقع
للبؤس والنعمى خلقت معظما ... كالدهر أحيانا يضر وينفع
فاسلم على مر الليالي فإنما ... أنت المنى والفضل فيك مجمع
واعلم بأني شاكر مستعبد ... بعميم ما تسدي إلي وتصنع
فقد رأيت أن أقتصر على أمداحه بما ذكرت. فقدره مشهور معلوم ﵀.
ومنهم:
١٢٥- علي بن فرحون القيسي
يكنى أبا الحسن, ويعرف باسم والده. وكان ﵀ زاهدا فاضلا ورعا, مع ما كان عليه من الأدب البارع والكتب الحسن. قال الفقيه أبو عمرو بن سالم ﵀: قدم الفقيه أبو الحسن علينا مالقة أعادها الله, في سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وأنشدني لنفسه:
أرى الناس لن يغنوا عن الله ذي العلى ... فعول عليه في الأمور وسلم
وعدهم موتى ولا تعبأن بهم ... وكبر عليهم أربعا ثم سلم
стр. 243
قال أبو عمرو: وأنشدني أبو الحسن من شعره: (بسيط)
العيس تكحل كي يحتد ناظرها ... وعين قلبك بالأنوار تكتحل
النفس ناظرها والقلب إثمدها ... والعين ميل, فنعم العين والكحل
فغذها بحلال واحم ناظرها ... من الحرام, فمنه يحدث السبل
قال أبو عمرو: وحدثني أبو الحسن المذكور أنه كان حضر يوما بمالقة, سنة إحدى وستين وخمسمائة, مع الأديب الكاتب أبي بكر الكتندي عند بعض الأكابر, وبين أيدينا لوح ومحبرة. قال أبو الحسن: فأخذت اللوح والقلم, وكتبت فيه: (كامل)
يا ذا الذي جمع المحاسن كلها
فجاوبه أبو بكر الكتندي, وزاد عليه: =وحوى جميع العالمين أقلها فقلت أنا:
الدهر إن قابلته متبسما
فزاد أبو بكر =أبكيت كثر الحادثات وقلها فقلت أنا:
والسيف يفخر أن تمس رياسه
فقال أبو بكر: =وترد شفرته الصقيلة سلها فقال أبو الحسن: ثم جاء الإذن من الطالب الذي يستكتبه, ونهض ﵀. قال أبو الحسن: فبقيت الأبيات في حفظي على أن دخلت مدينة توزر, فلقيت فيها فتى من أهل بلنسية اسمه محمد الجمحي, ويعرف بابن الشواش, وكان عاقلا أديبا ظريفا, فوقع ذكر الشعراء وأهل البلاغة, فذكرت له الكتندي وما جرى بيني وبينه, فعرفه وأثنى عليه واستحسن الأبيات. فلما كان بالغد أخرج على الأبيات الثلاثة, وقد ذيل عليها أربعة أبيات, وهي هذه: (كامل)
стр. 244
والبحر عن يذكر نوالك غائض ... والأسد تشكو عند سطوك ذلها
والشهب ترجو أن تكون لديكم ... خولا تصرف بعضها أو كلها
والشمس تقتبس السنا من نوركم ... فانظر غليها مفضلا وائذن لها
جلت علاكم أن يحاط بوصفها ... فالذهن يقصر أن ينال محلها
وهو مشهور الأدب ﵀ وغفر له بمنه وكرمه.
ومنهم:
١٢٦- علي بن يحيى الحشمي
يكنى أبا الحسن. ولي مالقة. قال ابن أبي العباس: كان أبو الحسن صاحب شجاعة وإقدام, وفضل على من انقطع إليه وإنعام. اصطفى الأستاذ لنفسه. فقرأ عليه من أشعار العرب ما فيها من الشجاعة, ومن أشعار النسيب ما فيه من الغرابة والبراعة.
وللشعراء فيه أمداح كثيرة. من ذلك قول الأستاذ أبي جعفر ابن سيد فيه: (وافر)
قدمت بطائر اليمن السعيد ... وأوفدت المسرة بالوفود
ثنيت الدهر بساما غلاها ... بعزة مبدئ حمدا معيد
ترقبها طلوعك كل حين ... ترقب صائمين هلال عيد
فرية بالمسرة منك ريا ... تجر ذيول إقبال جديد
تفاخر منك بالندب المفدى ... وتأوي منك للركن الشديد
وكم ثغر مخوف أمنته ... سيوفك والرماح من النهود
وكم وقت قرنت به المنايا ... بطعنة ذابل لدن سديد
وهي أكثر من هذا. وتفي ﵀ ...
ومنهم:
стр. 245
١٢٧- علي بن محمد بن يوسف بن عبد الملك الأنصاري
يكنى أبا الحسن, ويعرف بالوراق. أظنه ليس من مالقة, وإنما قدم عليها. قال الأديب أبو عمرو بن سالم: أنشدنا صاحبنا الفقيه الحاج أبو الحسن الوراق, قال: أنشدني أبو الحسن السيوري, قال: دخلت على أبي الفتوح نصر بن عبد الله الأزهري, عرف بابن قلاقس, وهو محموم, فقال: اسمع ما قلت في الحمى, وأنشدني:
وبغيضة تدنو وما دعيت ... فتبيت بين القلب والكبد
يصبو الفؤاد لبينها فإذا ... ولت بكاها سائر الجسد
ومنهم:
١٢٨- علي بن محمد بن علي بن جميل المعافري
يكنى أبا الحسن, ويعرف بالحاج المالقي, من العلماء الجلة الفضلاء. أخذ ببلده مالقة عن شيوخ جلة, وانتقل في سن الفتوة على بلاد المشرق فقرأ بها, وأخذ عن شيوخها, كأبي الفرج الأصبهاني وابن عساكر وغيرهم. فساد تلك البلاد ورأس. فلما افتتح صلاح الدين بيت المقدس احتاج إلى إمام هنالك وخطيب.. فاجتمع رأي من كان بها من العلماء المشار إليهم على تقديم أبي الحسن المذكور, فكان إماما بالمسجد الأقصى من حينئذ على أن مات, فكانت جنازته هنالك جنازة لم يشهد مثلها. ولقد أخبرت أن النصارى الذين كانوا بالكنيسة هنالك كانوا يتبعونه ويرمون بعض ثيابهم على نعشه, ويناول بعضهم بعضا ويمسحون بها وجوههم تبركا به ﵀.
ومنهم:
стр. 246
١٢٩- علي بن عبد الله بن هرون
يكنى أبا الحسن. كان ﵀ من جلة الطلبة بمالقة ونبهائها والمعدود في حلبة أدبائها وشعرائها. وصفه الفقيه أصبغ في كتابه, فقال فيه: سبق العلية الجلة من العلماء, ومشى على ديدن الفضلاء, لأنه كان في عصره أحد الأطواد, وعلم الأمجاد, رسا بما عنده من علم فما تقلقل, وسما بذروته بما توقل. مكنه ابن حسون من نفسه لصفاء وده, وإبراز نده, فآخاه واصطفاه, واقتصر في نوازل أحكامه على هداه, وجعله الفاصل في قضائه.
وكان الفقيه أبو الحسن هذا من الفقهاء المشاهير المبرزين, مع ما كان له من الأدب البارع. ومن شعره, وكتب به إلى ابن عامل بلده: (خفيف)
يا صديقا صفا ضميرا وظنا ... وحكى المكرمات فينا فعنى
مجد كل امرئ لدى النقد لفظ ... وسنا مجدك الممجد معنى
صدئت نفسي الشريفة لما ... غيب اللهو من غنائك عنا
علمت نفسي العزيزة أني ... كل يوم سماعة أتمنى
فإذا ما سمعته قلت زهوا ... مثل هذا الغناء سلى المعنى
لذة النفس في السماع فإن شئ ... ت تفضل على الصديق بغنا
جئت للباب سائلا وقد أعطى ال ... له للمحسنين بالأجر عدنا
ومن شعره يمدح القاضي أبا الحسن عياض بن عياض اليحصبي السبتي: (كامل)
ظلموا عياضا وهو يحلم عنهم ... والظلم بين العالمين قديم
جعلوا مكان الراء عينا في اسمه ... كي يكتموه, وإنه معلوم
стр. 247
لولاه ما فاحت أباطح سبتة ... والروض حول فنائها معدوم
ومن شعره في الخرشف: (طويل)
وأهديت عشرا من بنات قنافذ ... مكللة هاماتها بمباضع
بدا حالك الإعراء مثل جفونهم ... نهارا وليلا تحتهم في المضاجع
فإن مد مولانا بها كف قابض ... فإني منها باسط خد خاضع
وله في الموز: (طويل)
ثلاثة أغلاف على جسد رطب ... مخالفة الألوان , من صنعة الرب
تقيه الردى في ليله ونهاره ... وإن كان كالمسجون فيها بلا ذنب
ومن شعره وقد وقف بالكونكة على وادي مالقة في أثر غمام: (طويل)
ويوم كصحن الخد حسنا قطعته ... برشف رضاب الكأس من كف أغيد
نزلنا به فوق العقيق ودوننا ... جداول ماء سلسبيل مبرد
وقد فوفت برد الرياض يد الحيا ... كحسناء في ثوب جديد مورد
وقد نسمت ريح الصبا فتعانقت ... غصون الربى واستضحكت عن زبرجد
وقد هتفت ورقاء في غصن أيكة ... كما نطقت بالعود ألحان معبد
تبكي على إلف لها بعد فرقة ... وتندب أيام الوصال المجدد
وأعجب منها كيف تبكي وغصنها ... نضير وفرخاها بوكر ممهد
وأترك أن أبكي معاهد وصلهم ... فلا رفعت كأسي لفي إذن يدي
هم أورثوا عيني البكاء وخاطري ... لهيبا كحر النار لم يتبرد
وعهدي بهم والدار تجمع شملها ... وخمري من راح الرضاب المبرد
وكأس مزجناها بدمع عيوننا ... فلاح عليها كالجمان المبدد
شربنا على حسن التذكر والمنى ... لدى الروضة الغناء والمربع الندي
مداما كخد الحب أو كر ضابه ... يلوح بها در على ذوب عسجد
стр. 248
وغيداء غنتنا بلابل حليها ... فجاوبها ورق الحمام المغرد
لها أرج كالعنبر الورد لو بدت ... لأصبت فؤاد العابد المتزهد
تجمعت الأضداد في حسن خلقها ... فجسم رطيب قد حوى قلب جلمد
ولم أنس إذ مرت بنا مثل ظبية ... تهادى على رمل الكثيب بفرند
وألقت قناع الليل فوق سنا الضحى ... كما قد حوت درا حقاق الزبرجد
مرخمة الألفاظ معسولة اللمى ... مفعمة الخلخال فضية اليد
شربت لماها والتثمت لثاثها ... وقبلت جيدا كالحسام المهند
وقالت أراد البدر قلت أو التي ... إذا طلعت لم يبد نجم لمهتد
فتلك التي أودى فؤادي بحبها ... وخالفت فيها قول كل مفند
وشعره كثير, وأدبه مشهور.
ومنهم:
١٣٠- علي بن معمر
يكنى أبا الحسن. كان ﵀ من جلة العلماء المبرزين, فاضلا ورعا زاهدا جليل المقدار, مع ما كان له من الأدب البارع والشعر الرائق. وصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه فقال: تبوأ للعبادة شعبا, وملئ من خوف الله العظيم رعبا, فانفرد ليستعد لسفره, وفقد حتى لم يعد من نفره, فلزم داره, واتخذ التبتل شعاره ودثاره, واعتزل جميع الناس, ولبس بملابس التقوى أصفى لباس.
كتب إليه الفقيه أبو الحسن بن هرون بشعر أوله:
لا ورمان نهده ... وببستان خده
وعقارب صدغه ... قد حمت روض ورده
وضمور بخصره ... واعتدال بقده
ولمى لؤلؤ جرى ... فيه درياق شهده
وامتلاء بردفه ... منحل جسم عبده
стр. 249
وبياض البهار فو ... ق احمرار بورده
لا سرى خاطري لش ... يء ذكر عهده
لو أذاب الفؤاد من ... حر نيران صده
بدل الله بالتوا ... صل من طول بعده
فراجعه أبو الحسن بن معمر: وردتني رقعتك فكلمتني بلسانك, وشافهتني بإحسانك, والله يحرس فيك الفضل, ويشكر ذلك الخلق السهل. وكتب معها بهذا الشعر:
أوه من نقض عهده ... إذ ذوى روض ورده
جل ما قد لقيته ... من هواه وصده
كيف أسلو وأدمعي ... إثره لون خده
أرق العين إذ بدا ... خلبا برق وعده
كنت صبا بقربه ... فرماني ببعده
يا غزالا لحاظه ... والهوى بعض جنده
زد فؤادي صبابة ... قد رضينا بفقده
أين ربع ألفته ... والهوى بعض جنده
انثنى بظله ... بين أحداق زنده
قطع العهد أحور ... ثغره مثل عقده
فاتن كلما بدا ... نفخت روض ورده
ولقد قلت: بانة ... إذ تثنى بقده
خلط الهزل في الهوى ... والتصابي بجده
ومن شعره:
стр. 250
محادثة وألحاظ تشير ... وقلب في جوانحه يطير
وربتما أسلنا الدمع سرا ... فباح لنا بما يخفي الضمير
فيا أملي ويا معنى حياتي ... صغير هواك في قلبي كبير
فيوم لا تلاقيني طويل ... وعام نلتقي فيه قصير
وله يصف سانية:
سانية مبدعة كلها ... وشكلها كالفلك الدائر
أكواسها شهب بدت للورى ... من طالع للأفق أو غابر
وله في الخرشف:
حسن الربيع الطلق حسن قلانس ... بالخرشف المكسو خش فلانس
يحكي النهود البيض حف جميعها ... حدق الرماة مخافة من لامس
وله في الخوخ:
يا حبذا الخوخ إذا ما بدا ... في الأغصن المخضرة الملد
من ذاقه ذاق لمى شادن ... مبسمة أحلى من الشهد
صورة الله لنا فضة ... بيضاء تحكي خلقة النهد
ومن شعره ﵀:
شربنا بذات الطل والروض يبسم ... وقد سجعت ورق الحمام ترنم
وقد زان جيد النور لؤلؤ طله ... كما لاح فوق النجم در منظم
ومن فوقنا خضر القباب كأنها ... أكاليل من فوق المفارق تنظم
وقد قهقهت تلك المياه على الصفا ... كما قهقه الإبريق حين يزمزم
وتنساب فوق الماء ذات تسارع ... كما انساب من بن الأباطح أرقم
أظن الذي بالقلب مني بقلبها ... فمن أجل ذا, العينان بالدمع تسجم
وما ضرها إلا بكاء وزفرة ... لنار لدى أحشائها تتضرم
كلانا مشوق ذارف دمع عبرة ... ودونك قلبي بالقطيعة يكلم
следующие страницы →