← Акыда

Акыда · id 9277

الإخنائية أو الرد على الإخنائي ت العنزي

ابن تيمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم وتعظيم أقدارهم وجاههم عند الله، وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم حصل مطلوبه إما بشفاعتهم له وإما لمجرد عظم قدرهم عند الله يعطي سؤله إذا دعاهم. وأما أن يقول: يفيض على الداعي من جهتهم ما يطلب من غير علم منهم ولا قصد كشعاع الشمس الذي يظهر في الماء وبواسطة الماء يظهر في الحائط وأن كانت الشمس لا تدري بذلك، فهذا قول طائفة من المتفلسفة المنتسبين إلى الملل، وقد ذكره صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وغيره كما بسط الكلام على ذلك في موضع آخر.

стр. 72

ومعلوم أن زيارة القبور بهذا القصد وعلى هذا الوجه ليست من شريعة الإسلام، بل من دين المشركين والمعطلين. والرسول لم يشرع مثل هذا لأمته ولا فعله أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، بل النصوص المستفيضة عن النبي ﷺ تنهى عما قد يفضي إلى هذا، فكيف إلى هذا، فإنه ﷺ لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد يحذر ما فعلوا وقال (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وخص بيته بأن قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا) وفي رواية (بيتي عيدًا)، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فإذا كان قد حرم أن

стр. 73

تتخذ مسجدًا يعبد الله فيها لئلا يفضي إلى دعائه، فكيف إذا كان المقصود بالزيارة هو دعاء صاحب القبر؟ وذلك هو المقصود بالسفر إلى قبره. وقد قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر / بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٨٠)]. والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله. والمشركون بالقبور توجد فيهم الأنواع الثلاثة، قال الله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ الآية [سورة يونس: (١٨)]، وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [سورة الزمر: (٣)]، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً -إلى قوله- محذورًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦ - ٥٧)] وقوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض -إلى قوله- وهو العلي الكبير﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)]، حتى إن الملائكة إذا قضى الأمر صعقوا

стр. 74

ولا يعلمون ما قضاه حتى يفزع عن قلوبهم أي يزول عنها الفزع، حينئذ يعلمون ما قضاه وما قاله، فكيف يشفعون عنده ابتداء؟ قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الآية [سورة الأنبياء: (٢٨)]، وقال: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئًا﴾ الآية [سورة النجم: (٢٦)]، وكذلك من ظن أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق فهذا الظن ليس هو دين أحد من المسلمين، ولم يقل [أحد من المسلمين] إن السفر إلى المسجد النبوي أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي ﷺ قد شرع السفر إليهما فقال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا). فكيف بما دون ذلك من القبور والآثار؟ لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب، بل السلف والقدماء على تحريم ذلك، والمتأخرون متنازعون: فأحد القولين أن ذلك جائز لا فضيلة فيه، والآخر أنه ينهى عنه. وعلى هذا القول دلت سنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة وسلف الأمة، فإنه قد ثبت عنه أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهذه صيغة خبر معناه النهي. ولكن من قال ليست نهيًا

стр. 75

[بل هي نفي للفضيلة] وهذا الاحتمال وإن كان باطلاً فإنما يقدح في رواية أبي هريرة. والحديث في الصحيحين من رواية [أبي هريرة ومن رواية أبي] سعيد / الخدري. ولفظ حديث أبي سعيد: عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول عليه ما لم أسمع؟ سمعته يقول (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)، وسمعته يقول: (لا تسافر المرأة يومًا من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها). ولفظ أبي سعيد هذا هو الثابت في الصحاح صريح في النهي، وهو صريح في أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. وتبين بذلك أن من قال أن السفر إلى غيرها جائز أو غير مكروه فهو مخطىء. والله أعلم.

стр. 76

وإذا كان ذلك ليس بواجب ولا مستحب بل هو منهي عنه لم يكن من حقوقهم التي أوجبها الله ولا دعا عباده إليها، فأي معاداة وأي معاندة لمن نهى عن شيء ليس من حقوقهم ولا مما أوجبوه ولا دعوا إليه؟ بل هو ناه عما نهوا عنه آمر بما أمروا به مطيع لهم متبع لهم قصده متابعتهم، فكيف يكون مع متابعتهم قصدًا وقولاً وعملاً معاديًا ومعاندًا؟ ولو قدر أنه متأول مخطئ فكيف إذا كان قد ذكر قولي علماء المسلمين الذين نهوا والذين أباحوا وحجة كل قول؟ والسلف على النهي، وكلام علماء المسلمين مالك وغيره موجود في كتب كثيرة، فكفى بقاض مالكي جهلاً وضلالاً [أن يقول بكفر من قال بقول إمامه وأصحابه، بل كفى بمن قال ذلك جهلاً وضلالاً] سواء كان مالكيًّا أو غير مالكي مع عظم قدر مالك بإجماع أهل الإسلام الخاص منهم والعام، بل لم يكن في وقته مثله. وقد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة)، قال غير واحد: كانوا يرونه مالك بن أنس.

стр. 77

فلو كان ما قاله هو وأصحابه مما خالفهم فيه بقية الأئمة لم يكن ذلك من مسائل التكفير ولا من معاداة الأنبياء ومعاندتهم. فكيف والذي قاله مالك [بن أنس] هو قول سائر الأئمة كما يدل عليه كلامهم وأصحابهم ومسائلهم، والذين خالفوه غايتهم أن قالوا إن السفر جائز. ولو قدر أن بعضهم قالوا: هو مستحب فليس / فيهم من يجعل أصحاب ذلك القول ممن تنقص الأنبياء أو عاداهم أو عاندهم، بل قائل هذا من أجهل الناس. وهو في هذه المقالة بالنصارى أشبه منه بالمسلمين. وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق -وهو من أجل علماء المسلمين، ومن أجل من قلد قضاء القضاة، حتى كان المتولي لذلك وحده في جميع بلاد بني العباس في خلافة المعتضد- ذكر في كتابه المبسوط ما تقدم ذكره في باب إتيان مسجد قباء للصلاة فيه، لما ذكر محمد بن مسلمة: أن من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه، قال: إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء، لأن إعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي ﷺ في نذر ولا غيره.

стр. 78

قال: وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد) الحديث. وذكر فيه عن مالك أنه قال فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه قال: فإني أكره له ذلك لقوله ﷺ : (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا). وتقدم أن في المدونة وسائر الكتب ما يوافق ذلك. قال في المدونة: ومن قال: لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيهما أصلاً، إلا أن ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول إلى مسجد الرسول أو مسجد إيليا، وإن لم ينو الصلاة فليأتهما راكبًا ولا هدي عليه، وكأنه لما سماهما قال: لله علي أن أصلي فيهما. ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته. فقد تبين أنه إن نوى الصلاة في المسجدين وفى بنذره، وكذلك إن سمى المسجدين فإن المسجد إنما يؤتى للصلاة، وأما إذا نذر إتيان نفس البلد فليس عليه أن يأتيه، وهذا متناول إتيانه لزيارة قبر النبي ﷺ وقبور الشهداء وأهل البقيع وإتيان مسجد

стр. 79

قباء كما يتناول النهي عن السفر إلى بيت المقدس لزيارة القبور / والآثار التي هناك من آثار الأنبياء، وإتيان المسجد لغير الصلاة كالتمسح بالصخرة وتقبيلها أو إتيانه للوقوف عشية عرفة والطواف بالصخرة أو لغير ذلك مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة، ومما هو عبادة للقريب ولا يسافر لأجله، كزيارة قبور المسلمين للدعاء لهم والاستغفار فإن هذا مستحب لمن خرج إلى المقبرة [من البلد] ولمن اجتاز به ولا يشرع السفر لذلك، فمالك وغيره نهوا عن السفر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجدين، سواء كان المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال أو لما هو مشروع للقريب ولا يشرع السفر لأجله، وكذلك مذهب مالك أنه لا يسافر إلى المدينة لشيء من ذلك بل هذا السفر منهي عنه والسفر المنهي عنه عنده لا تقصر فيه الصلاة لكن بعض أصحابه وهو محمد بن مسلمة استثنى مسجد قباء، وابن عبد البر جعل السفر مباحًا إلى غير الثلاثة المساجد ولا يلزم بالنذر لأنه ليس بقربة كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. وأما جمهور أصحاب مالك فعلى قوله في أن السفر لغير المساجد الثلاثة محرم لا يجوز أن يفعل، ولو نذره فلا يستحب عند أحد منهم. وقال القاضي عياض: لا يباح السفر لغير المساجد الثلاثة لا لناذر ولا لمتطوع. وقال أبو الوليد الباجي قبله في السفر إلى مسجد قباء: إنه منهي عنه.

стр. 80

قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في الفروق: فرق بين مسألتين، يلزم نذر المشي إلى البيت الحرام، ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله. قال: والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله طاعة تلزمه والمدينة وبيت المقدس الصلاة في مسجديهما فقط، فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه. ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه أن يأتي. فقد صرح بأن المدينة وبيت المقدس لا طاعة في المشي إليهما، إنما الطاعة الصلاة في مسجديهما فقط، وأنه لو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه ذلك بناء على أنه ليس بطاعة. فتبين أن من أتى مسجد / الرسول لغير الصلاة أنه ليس بطاعة ولا يلزم بالنذر. وتبين أن السفر إليه وإتيانه لأجل القبر ليس بطاعة كما ذكر ذلك مالك وسائر أصحابه. ولا يرد على هذا الاعتكاف فإن المعتكف عنده لا بد أن يصلي، وكذلك من دخله لتعلم العلم أو تعليمه فإنه يصلي فيه أولاًً. والمقصود أن هذه المسألة مذكورة في المختصرات، ذكرها أبو القاسم ابن الجلاب في التفريع قال: ومن قال علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فإن أراد الصلاة في مسجديهما لزمه إتيانهما راكبًا والصلاة فيهما، وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه. ولو قال لله علي المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس لزمه إتيانهما راكبًا والصلاة فيهما. وإن نذر السفر إلى مسجد سوى المسجد الحرام أو

стр. 81

مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس فإن كان قريبًا لا يحتاج إلى راحلة مضى إليه وصلى فيه، وإن كان بعيدًا لا ينال إلا براحلة صلى في مكانه ولا شيء عليه. وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المساجد بين القريب والبعيد ذكره قبله محمد بن المواز في الموازية وغيره قال: أما السفر إلى المدينتين مدينة الرسول ﷺ وبيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين فإنه لا يستحب عند أحد منهم، بل جمهورهم نهوا عنه وحرموه موافقة لمالك، لنهي النبي ﷺ أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وقد ذكر ذلك ابن بشير في تنبيهه والقيرواني في تقريبه وغيرهما من أصحاب مالك. فهذا نص مالك الإمام وأصحابه على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في مسجدها ولو أنه لزيارة أهل البقيع وشهداء أحد وزيارة قبر النبي ﷺ فإنه لا يأتيها ولا يوف بنذره، بل السفر لذلك منهي عنه لقوله: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)، بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي ﷺ وليس بزيارة لقبره أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ومسجد قباء.

стр. 82

وهذه الأماكن يستحب لأهل المدينة إتيانها وإن لم يقدموا من سفر اقتداء بالنبي ﷺ حيث كان يخرج إلى القبور يدعو لهم، وكان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا. وأما ما يظن أنه زيارة لقبره -مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء- فهذا لا يستحب لأهل المدينة بل ينهون عنه، لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان -الخلفاء الراشدين وغيرهم- كانوا يدخلون إلى مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك، والقبر / عند جدار المسجد ولم يكونوا يذهبون إليه ولا يقفون عنده، فإذا كان السفر لما شرع لأهل المدينة في غير المساجد منهيًّا عنه فالنهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره وليس زيارة أولى وأحرى. وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء، ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره، لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي [﵃]، فإنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد: أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين ماتا، وعثمان إلى أن حصر، وعلي صلى فيه مدة مقامه بالمدينة إلى أن خرج إلى العراق.

стр. 83

وكان الناس يقدمون [عليهم] من الأمصار يصلون معهم. ومعلوم أنه لو كان مستحبًّا لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك، ولو فعلوه لكثر وظهر واشتهر، لكن مالك وغيره خصوا سن ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر. قال القاضي عياض: قال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف للقبر. وإنما ذلك للغرباء، وقال فيه أيضًا: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة / أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يُصلحُ آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.

стр. 84

وإنما اشتهر هذا عن ابن عمر أنه إذا قدم من سفر أتى القبر فقال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت) وممن رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي ﷺ قال: حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: كان إذا قدم من سفر أتى المسجد ثم أتى القبر فقال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه). فإن قيل مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر، وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النهي عن السفر لأجل القبر فإنهم خصوا الغرباء المسافرين بقصد القبر فيكون لهم في المسألة روايتان. قيل: ليس الأمر كذلك، بل هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في المسجد أن يقفوا بالقبر ويسلموا، كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء [وأن يزوروا] أهل البقيع وشهداء

стр. 85

أحد، وهم لو قصدوا السفر لأجل أهل البقيع والشهداء أو لموضع غير مسجد الرسول ﷺ كان ذلك منهيًّا عنه عندهم، لكن إذا سافروا لأجل المسجد والصلاة فيه أتوا القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل البقيع ومسجد قباء ضمنًا وتبعًا، كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة، فلو سافر إلى بلد لتجارة أو طلب علم أو نحو ذلك كان يأتي مسجده ويزور قبره وإن كان لم يسافر لأجل ذلك، وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون أهل المدينة، [فأهل المدينة] يفعلون ذلك عند السفر فيحصل مقصودهم، والغرباء إنما يقيمون بالمدينة أيامًا. وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله ﷺ وفي المسجد الحرام، فإنهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه. وأما أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل. قال مالك: التنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت. وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد وأهل البلد يصلون فيه دائمًا الفرض فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أيها الناس، أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، وقال ﷺ في النساء (لا تمنعوا [إماء الله مساجد الله]، وبيوتهن خير لهن).

стр. 86

وأما الغرباء فلا يمكنهم أن يصلوا الفرض فيه دائمًا، لأن الفرائض لها أوقات محدودة فيستكثروا من التنفل فيه، وكذلك المسجد الحرام. ولهذا استحبوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضلوه على الصلاة. قال ابن القاسم: الطواف [بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة. وذلك لأن الغرباء لا يمكنهم الطواف] كل وقت بخلاف أهل البلد فإنه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات. وإذا خرجوا من البلد ثم رجعوا اعتمروا، ولهذا قال ابن عباس: يا أهل مكة، لا عمرة عليكم، [إنما عمرتكم الطواف بالبيت. وقد نص أحمد على مثل / [ما قال ابن عباس] مع قوله بوجوب العمرة على غيرهم في المشهور عنه. ومن أصحابه من جعل الفرق رواية ثالثة، ومنهم من تأولها. ولكن المنصوص عنه الفرق كقول ابن عباس، ولكن الأثر المنقول عن ابن عمر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر، ليس فيه أنه كان يفعل ذلك عند إرادة السفر. وقد يستحب للقادم من السفر ما لا يستحب لغيره، فإن النبي ﷺ (كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين)، ولم ينقل عنه ﷺ أنه كان

стр. 87

يودعه. وكذلك طواف القدوم الذي يطوفه القادم إلى مكة يستحب فيه الرمل أولاًً لأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوا ذلك في عمرتهم وفي حجة الوداع، ولا يستحب ذلك لأهل مكة لأنه لا قدوم عليهم. وكذلك الاضطباع يستحب فيه عند الجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: ليس بسنة، فما نقل عن ابن عمر من تخصيصه الوقوف عند القبر والسلام بما إذا قدم من سفر هو -والله أعلم- لكون ذلك تحية مجيئه إذا قدم من السفر، كما أن طواف القدوم يسمى طواف التحية وفيه الرمل والاضطباع، وليس ذلك مشروعًا لأهل مكة، وكذلك طواف الوداع لا يشرع لأهل مكة، إذ لا وداع في حقهم. فتفريقهم بين الغرباء وبين المقيمين له نظير في الشرع، لكن أصل استحبابهم ما استحبوه من فعل ابن عمر. وقد احتج أحمد وغيره مع ذلك بقول النبي ﷺ : (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ رواه أبو داود وغيره وهو على شرط مسلم، وفي [رواته أبو] صخر حميد بن زياد وهو مختلف فيه، ضعفه ابن معين ووافقه النسائي، ومرة وثقه ووافقه أحمد. فمالك وأحمد وغيرهما احتجوا بفعل ابن عمر. وقد احتج أحمد وأبو داود وابن حبيب وغيرهم بحديث أبي هريرة هذا. وفي هذا نزاع مذكور في غير هذا الموضع. والمقصود هنا بيان قول مالك وغيره من أهل العلم، وأنهم لم يتناقضوا حيث منعوا من السفر إلى غير المساجد الثلاثة وأنه لا يسافر إلى المدينة إلى غير المسجد لا

стр. 88

للقبر ولا غيره وأن السفر إلى غير الثلاثة منهي عنه وإن كان قد نذره فإن قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة) إذا كان متناولاًًًًً بالإجماع السفر إلى سائر المساجد مع أنها أحب البقاع إلى الله سبحانه فالسفر إلى / المقابر أولى بالنهي أو بعدم الفضيلة. وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أوغيرهم لم يوف بنذره. وقال مالك والأكثرون لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية. ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع بل يستحب الوفاء. وقيل يجب على قولين للشافعي، والوجوب مذهب [مالك وأحمد، ونفي الوجوب] مذهب أبي حنيفة. فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه

стр. 89

السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه، والسفر إليها لغير مسجده كالسفر لأجل مسجد قباء أو لزيارة القبور التي فيها قبر الرسول ﷺ وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين. وظهر أنه إذا نهى عن السفر إلى ما يستحب لأهل المدينة إتيانه بلا سفر -كزيارة مسجد قباء وشهداء أحد والبقيع- فالنهي عما يكره لأهل المدينة إتيانه أولى وأحرى. والله سبحانه خص رسوله بما خصه به تفضيلاًًً له وتكريمًا لما يجب من حقه على كل مسلم في كل موضع، فإن الله أوجب الإيمان به [ومحبته وموالاته ونصره وطاعته واتباعه] على كل أحد في كل مكان، وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان، ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان، ومن ذكر فضائله ومناقبه وما يعرف به قدر نعمة الله به على أهل الأرض، وأن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ إليهم، وأنه هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه، إلى غير ذلك من حقوقه المبسوطة في غير هذا الموضع. وكل هذه مشروعة في جميع البقاع ليس منها شيء يختص بالقبر ولا بما هو قريب من القبر، ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق [أفضل عند القبر] من قيامهم بها في بلادهم، بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان. ومن قام بها عند القبر وفتر عن القيام بها في بلده -كما يوجد في بعض الناس: / يوجد من محبته وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده

стр. 90

وطريقه- فهذه حالة منقوصة غير محمودة، وصاحبها مبخوس الحظ ناقص النصيب، وهو ناقص الدين والإيمان، إما بترك واجب يأثم بتركه وإما بترك مستحب تنقص درجته بتركه، بخلاف مَنْ منّ الله عليه فجعل محبته وثناءه وتعظيمه ودعاءه للرسول ﷺ في بلده مثل ما إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم، فهذه هي الحالة المحمودة المشروعة، وهي حال الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، ولا يعرف عن أحد منهم أنه كان يزيد حبه وتعظيمه ودعاؤه وثناؤه عند القبر. ولهذا لم يكونوا يأتونه لأن قيامهم بما يجب من حقوق الرسول في جميع الأمكنة سواء. وقد نهى عن تخصيص القبر بذلك وأن يتخذوه عيدًا ومسجدًا لأنه مظنة أن يتخذ وثنًا ويفضي إلى الشرك ومظنة أن ينقص قيامهم بحقه في سائر البقاع إذا خصوا تلك البقعة بمزيد القيام، كما أن المشاعر لما خصت بالعبادات فالمؤمن تجد إيمانه فيها أعظم من إيمانه في غيرها. والرسول ﷺ حقه في جميع البقاع سواء، ولكن تتنوع حقوقه بحسب الأحوال، ولهذا إذا اعتبرت أحوال الناس كان من يعظم الميت عند قبره مقصرًا في حقوقه التي أمر بها في سائر البقاع بحسب ما زاد عند القبر. وهذا أمر مطرد معروف من جميع أحوال الناس. ولما كان السابقون الأولون أقوم بحقوقه في جميع المواضع كانوا أبعد الناس عن تخصيص القبر بشيء، والخلفاء الراشدون ونحوهم لما كانوا أقوم بحقوقه من غيرهم لم يفعلوا ما فعله ابن عمر ونحوه، فأبوه عمر كان أقوم بحقه ﷺ منه، وكان ينهى

стр. 91

أن يقصد الصلاة في موضع صلى فيه، خلاف ما فعله ابنه عبد الله -مع فضله ودينه-[﵃ أجمعين]. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا أن قول القائل: ـ[من حرم السفر إلى زيارة قبره وسائر القبور فقد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد.]ـ يستلزم أن يكون كذلك إمامه مالك، بل وإمام غيره من المسلمين، فإنه من أجل أئمة المسلمين، وهو أحد أئمتنا الكبار، فإن جميع أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة أئمة لنا ﵃ أجمعين. فإنه قد صرح في هذا الباب بما يبطل قول هذا الجاهل أكثر من تصريح غيره. الوجه الثاني من الجواب: أن قول القائل: ـ[إنّ النّاهي عن السفر لزيارة القبور -قبور الأنبياء وغيرهم- قد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد.]ـ إنما يتوجه إذا كانت زيارة القبور التي جاءت بها الشريعة هي من باب خضوع الزائر للمزور وذله له وتواضعه له واستسلامه وانقياده لعظمة قدر المزرو وجاهه عند الله وقربه إليه. فإذا كان المقصود بالزيارة مثل هذا كان النهي عن ذلك تنقيصًا لهم وغضًّا من أقدارهم كالذي يزور معظمًا في الدين أو الدنيا زيارة خاصع له متواضع له متبرك به.

стр. 92

فإذا قيل له: هذا لا ينبغي زيارته أمكن أن يقال هذا تنقص لقدره وخفض من منزلته، والزيارة التي جاءت بها الشريعة ذكرها الأئمة من قول النبي ﷺ وفعله ليست من هذا النوع بل مقصودها الدعاء للميت كالصلاة على جنازته. وقد يكون الزائر فيها أعظم قدرًا من المزور كما كان النبي ﷺ أعظم قدرًا من كل من زار قبره كأهل البقيع وشهداء أحد وأمه. وقد يكون الزائر دون المزور كما في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية). وفي حديث عائشة في الصحيح (ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين). وفي حديث آخر: (اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم). فالدعاء الذي أمر به بعد السلام من جنس الدعاء في صلاة الجنازة، وفي صلاة الجنازة قد يكون المصلي أفضل من الميت كما كان النبي ﷺ أفضل / من

стр. 93

الذين صلوا عليهم. وكذلك السابقون من أصحابه أفضل ممن صلوا عليهم من غيرهم. وقد يكون المصلى عليه أفضل كالنبي ﷺ لما مات وصلى عليه المسلمون أفذاذًا وهو أفضل من كل من صلى عليه. وكذلك أبو بكر وعمر صلى عليهما المسلمون وهما أفضل ممن صلى عليهما. وأما الرسول ﷺ فقبره أجل وأعظم من أن يزار كما تزار قبور سائر المؤمنين، فإن أولئك إذا حصل الزائر عند قبورهم وشاهد القبر فإنه يحصل له من الرغبة في الدعاء للميت والترحم عليه والمحبة والمودة ما قد يكون أعظم مما لو كان غائبًا. ولهذا شرعت الصلاة على قبره. واختلف العلماء: هل تشرع على القبر مطلقًا؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد، مع اتفاقهم على أنه لا يصلى على قبر النبي ﷺ . وذلك لعظم قدره وحقه، لا لنقص ذلك. فإن الناس مأمورون أن يحبوه ويعظموه ويذكروه ويذكروا ما من الله به عليه وما من به عليهم بسببه ويصلوا عليه ويسلموا عليه في

стр. 94

كل مكان، وأن لا يفعلوا ذلك عند قبره أعظم مما يفعلونه في سائر البقاع، فإنه يفضي إلى نقص ذلك في سائر البقاع إذا خص قبره بما لا يوجد عند قبر غيره. ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون أحد عند قبره في كل وقت، ولو كان مما يوصل إليه، فكيف إذا كان محجوبًا؟ / فتخصيص قبره بصلاة عليه أو سلام أو دعاء أو ثناء يقتضي هضم ذلك ونقصه في سائر البقاع، فينقص إيمانهم به وتوسلهم بالإيمان به، ويفوتهم حظ عظيم من كرامة الله لهم بقيامهم بحقه مع أن ذلك ذريعة إلى الشرك، فكان في تخصيص قبره بما يخص به قبر غيره مفسدة وفوات مصلحة. ولهذا جاءت سنته بأن لا يزار قبره كما تزار القبور لعظم قدره وحقه كما بينا. وأما من زار قبره أو قبر غيره ليشرك به ويدعوه من دون الله فهذا حرام كله، وهو مع كونه شركًا بالله فهو ترك لما يجب من حقه ﷺ ، وطلب منه ما ليس إليه بل إلى الله، وأين من يطيعه ويعينه على ما أمره الله به ويقوم بما يجب عليه من حقه ممن / يقصر في حقه وطاعته وإعانته، ويقصر في عبادة الله وتوحيده ودعائه، ويكلف المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الخالق ، فيؤذيه بذلك، ويؤذي الله بالشرك به؟ وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له ندًّا وشريكًا وهو يعافيهم ويرزقهم)، وقد قال تعالى:

стр. 95

﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [سورة الأحزاب: (٥٦)]، فهذا حقه ﷺ . قال تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ الآية [سورة الأحزاب: (٥٧)]. وأهل البدع والجهل يفعلون ما هو من جنس الأذى لله ورسوله، ويدعون ما أمر الله به من حقوقه وهم يظنون أنهم يعظمونه، كما يفعله النصارى بالمسيح، فيضلهم الشيطان كما أضل النصارى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، والذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويحجون إليها ليدعوهم ويسألوهم أو ليعبدوهم ويدعوهم من دون الله هم مشركون، وهم إذا قالوا نحن نحبهم فهم إن كانوا صادقين هم يحبونهم مع الله، لا يحبونهم لله، كمحبة أهل الشرك للأنداد. قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، والحب لله أن يكون الله هو المحبوب لذاته ويحب أنبياءه لأنه يحبهم، وعلامة محبتهم متابعتهم، كما قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [سورة آل عمران: (٣١)]، فمن اتبع الرسول فهو الذي يحبه الله، وأما من قال أنه يحبه -وإن غلا فيه وأشرك به- إذا لم يتبعه فإن الله لا يحبه، بل إذا خالفه أبغضه بحسب ذلك ﴿ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون﴾ [سورة الأحقاف: (١٩)]، ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [سورة فصلت: (٤٦)]، فالزيارة للقبور التي شرعها الرسول هي من جنس الصلاة على الجنائز، سواء كان الداعي فاضلاً أو مفضولاً. فليس المقصود بها الخضوع للميت والتواضع له كما يقصد بتصديق الأنبياء وطاعتهم، ولا شرعت لكون المزرو ذا

стр. 96

جاه [عند الله] ومنزلة، بل هي مشروعة في حق كل مؤمن. وجائز أيضًا زيارة قبر الكافر لتذكر الموت. ولكن شاع لفظ الزيارة في المعنى الأول / عند كثير من المتأخرين، ولم يكن هذا معروفًا في السلف. وما صاروا يفهمون من إطلاق اللفظ بزيارة قبور الأنبياء والصالحين إلا أنها زيارة لقبورهم لعظم قدرهم وجاههم وعلو منزلتهم عند الله، كما تزور النصارى قبور من يعظمونه، وكما يتوجهون إلى صورته المصورة ويتشفعون به. ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركته يرزقون وينصرون، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه. ويقولون عمن يعظمونه: إنه خفير البلد الفلاني، كما يقولون: السيدة نفيسة خفيرة مصر والقاهرة، وفلان وفلان خفراء دمشق أو غيرها، وفلان خفير حران أو غيرها، وفلان وفلان خفراء بغداد أو غيرها، ويظنون أن البلاء يندفع عن هذه المدائن والقرى بمن عندهم من قبور الصالحين أو الأنبياء، ثم قد يكون في البلد من قبور الصحابة

стр. 97

والتابعين من هو أفضل من ذلك الذي جعلوه خفيرًا، كما أن فيهم من الصحابة والتابعين وغيرهم من هو أفضل من نفيسة بكثير. وبدمشق من الصحابة والتابعين من هو أفضل من بعض من يجعلونه خفيرًا أو يقصدون الدعاء عند قبره كأربعة في باب الصغير وكرسلان التركماني وغيرهم. وقد نزل عدو كافر بالبلد فتمثل له الشيطان بصورة ذلك الخفير وأنه يضربه بعكازه أو غيره ويقول ارحل من عندي فيرحل ذلك الملك الكافر لما رآه، فيظن أولئك أن نفس الشيخ الميت أو سره أتاه فدفع عنه. وفي المدفونين بالبلد من هو أفضل من ذلك بكثير. وهذا مما لم يكن معروفًا على عهد الصحابة والتابعين، ولكن حدث بعدهم. ومن أقدم ما روي في ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول سمعت أحمد بن

стр. 98

العباس يقول: خرجت من بغداد هربت منها، فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة فقال لي: من أين خرجت؟ فقلت: من بغداد، هربت منها لما رأيت فيها من الفساد، خفت أن يخسف بأهلها. فقال: ارجع ولا تخف فإن فيها قبور أربعة / من أولياء الله هم حصن لها من جميع البلايا. قلت: من هم؟ قال: الإمام أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي، وبشر بن الحارث الحافي، ومنصور بن عمار الواعظ. فرجعت ولم أخرج. وهذا الشخص الذي قال هذا هو مجهول لا يعرف، وقد يكون جنيًّا وقد يكون إنسيًّا. فإن الجن كثيرًا ما يتصورون في صورة الإنس ويقول أحدهم لمن ينفرد به في البرية: أنا النبي فلان، أو الشيخ فلان، أو الخضر. ومثل هذا كثير معروف تطول حكاية آحاده فإنها لا تحصى لكثرتها.

стр. 99

وهؤلاء قد يظنون أن وجود النبي ﷺ مقبورًا بينهم مثل وجوده في حياته، والله تعالى يقول: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [سورة الأنفال: (٣٣)] وهذا غلط عظيم. فقد روى الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابن نمير عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ (أنزل الله أمانين لأمتي: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [سورة الأنفال: (٣٣)]، فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار).

стр. 100

فقد بين ﷺ أن الأمان بوجوده هو في حياته، وأنه بعد موته لم يبق إلا الاستغفار، ليس في وجود القبر أمان. وكذلك في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). ومما يوضح الأمر في ذلك أنه من المعلوم أن بيت المقدس وما حوله من قبور الأنبياء ما هو أكثر من غيره، فإنه قد قيل: إن بني إسرائيل بعث فيهم ألف نبي، ومع هذا فقد قال الله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين -إلى قوله- عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا﴾ [سورة الإسراء: (٤ - ٨)]، فقد بين الله أنهم إذا غلوا وأفسدوا عاقبهم الله بذنوبهم وسلط عليهم العدو الذي جاس خلال الديار ودخل / المسجد وقتل فيهم من لا يحصي عدده إلا الله، ولم يخفرهم أحد من قبور الأنبياء التي كانت هناك. وإنما الناس يجزون بأعمالهم، والله تعالى هو الذي يرزقهم وينصرهم، لا رازق غيره ولا ناصر إلا هو قال تعالى: ﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن﴾ الآيتين [سورة الملك: (٢٠ - ٢١)]، فليس للعباد من دون الله لا رازق ولا ناصر. وقد قال تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة﴾ الآية [سورة الإسراء: (٥٨)]، فأخبر أنه لا بد لكل قرية من هلاك، أو عذاب شديد بدون الهلاك، وذلك بذنوبهم بعد إرسال

стр. 101

الرسل لهم. قال الله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ذكرى وما كنا ظالمين﴾ [سورة الشعراء: (٢٠٨ - ٢٠٩)]. وكان أهل المدينة النبوية على عهد رسول الله ﷺ وعهد خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان أحسن أهل المدائن حالاًًًًً، ونعمة الله عليهم أعظم النعم، لكونهم كانوا مطيعين لله ورسوله، وكانت الخلفاء تسوسهم سياسة نبوية، فلما تغيروا وقتل بينهم عثمان ﵁ تغير الأمر وحصل لهم من الخوف والذل، ثم أصابهم من السيف ما أصابهم، ورسول الله ﷺ مدفون بالحجرة، وهو قد بلغهم الرسالة وأدى الأمانة، ولم يضمن لهم أنه لوجود قبره أوقبر غيره من الأنبياء والصالحين يندفع البلاء، وإنما يندفع البلاء بطاعة الرسل لا بقبورهم، فمن أطاعهم كان سعيدًا في الدنيا والآخرة، ومن عصاهم استحق ما يستحقه أمثاله وإن كان عنده ما شاء الله من قبورهم. وكانت حفصة أم المؤمنين تتأول فيهم قوله: ﴿وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان﴾ الآية [سورة النحل: (١١٢)]، كما رواه ابن أبي حاتم وغيره من حديث ابن وهب حدثنا ابن شريح عن عبد الكريم بن الحارث سمعه يحدث عن مشرح ابن عاهان عن سليم بن عفير

стр. 102

قال: صحبت حفصة زوج النبي ﷺ وهي خارجة من مكة إلى المدينة، فأخبرت أن عثمان قد قتل، فرجعت حفصة فقالت: ارجعوا بي عن المدينة، فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله: ﴿وضرب الله / مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة﴾ الآية [سورة النحل: (١١٢)]، ولم ترد حفصة [﵂] أن الآية خصت المدينة بالذكر، [بل هذا مثل] ضربه الله لمن كان كذلك. وكان أهل مكة لما كانوا كفارًا كذلك فأصابهم ما أصابهم، فلما قتل عثمان علمت حفصة أن سيصيب أهل المدينة من البلاء ما يناسب حالهم بعد ما كانوا فيه من الأمن والطمأنينة وإتيان رزقهم من كل مكان. فذكرت ذلك على سبيل التمثيل بالمدينة، لا على سبيل الحصر فيها. وأهل بغداد أصابهم ما أصابهم من السيف العام وعندهم قبور ألوف من أولياء الله زيادة على قبور الأربعة، فمل تغن عنهم من الله شيئًا. وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم قد اتخذوها أوثانًا من دون الله، وصاروا يظنون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم، فإنهم كانوا يرجونها ويخافونها ويظنون أنها تنفع وتضر. ولهذا قالوا لهود ﵇ ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ فقال هود: ﴿إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعًا -إلى قوله- إن ربي على صراط مستقيم﴾ [سورة هود: (٥٤ - ٥٦)]، وقد قال تعالى في قصة الخليل: ﴿وحاجه قومه

стр. 103

قال أتحاجوني في الله وقد هدان -إلى قوله- مهتدون﴾ [سورة الأنعام: (٨٠)]، وقال تعالى لخاتم الرسل ﷺ بعد أن خاطب المشركين فقال: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين -إلى قوله- فلا تنظرون﴾ [سورة الأعراف: (١٩٤ - ١٩٥)]، وقال: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه -إلى قوله- قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ [سورة الزمر: (٣٦ - ٣٨)]. وأول ما ظهر الشرك بمكة من عمرو بن لحي سيد خزاعة، وكانت خزاعة ولاة البيت بعد جرهم، وقيل: قريش، فجاء إلى البلقاء فرآهم يعبدون الأصنام. وزعموا أنها تنفعهم، فجلب أصنامًا إلى مكة ونصبها حول الكعبة، قال النبي ﷺ (رأيت عمرو بن لحي وهو يجر قصبه في النار -أي أمعاءه- وهو أول من غير دين إبراهيم ﵇.

стр. 104

وإذا كان كذلك فمعلوم أنه لو نهى عن زيارة القبور مطلقًا كما نهى عن ذلك في أول الإسلام، وكما هو أحد قولي / العلماء لم يكن في ذلك معاداة لأهل القبور ولا معاندة، فكيف إذا كان النهي إنما هو عن السفر لزيارة القبور؟ وهو نهي عام لا يختص به الأنبياء والصالحون، بل كما نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة. فهل يقول عاقل إن هذا من باب الاستهانة بالمساجد والاستخفاف بها، كالذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه؟ بل نهي عن السفر إليها -مع أن إتيانها وعمارتها بالعبادات من أفضل الطاعات- فليس في ذلك نقص لقدرها، وكذلك إذا نهى عن السفر مع جواز زيارتها بلا سفر واستحباب ذلك فإنه لا يكون تنقصًا بأهل القبور بطريق الأولى إذ كان جنس النهي عن زيارتها ليس تنقصًا بهم، بخلاف النهي عن عمارة المساجد وإتيانها للصلاة والذكر والدعاء ... كان من أظلم الناس وكان كافرًا كما قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) الآية [سورة البقرة: (١١٤)]، ولو نهى عن السفر إليها كما نهى النبي ﷺ وأئمة المسلمين وقال: من نذر السفر إليها لا يوف بنذره لم يكن تنقصًا بالقبور التي لو نهى عن زيارتها لم يكن متنقصًا بها فإذا نهى عن السفر إليها لم يكن تنقصًا بها بطريق الأولى والأحرى، وهذا بين لمن تدبره.

стр. 105

الوجه الثالث: أن يقال: لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية، لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم وطلب الحوائج منهم وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى، ولهذا يقولون: إن من نهى عن ذلك فقد تنقص بهم، فهذا القول مبني على ذلك الاعتقاد والقصد والظن، والنصارى يحجون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل ولأجل من بنيت لأجله، كما يحجون إلى موضع قبر المسيح عندهم، الكنيسة التي يقال إنها بنيت على قبره موضع الصلب بزعمهم. وهم / يبنون الكنائس على من يعظمونه مثل جرجس وغيره فيتخذون المعابد على القبور، وهم ممن لعنهم النبي ﷺ على ذلك تحذيرًا لأمته وقال لأمته: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم، والكنيسة التي بنيت موضع ولادته المسماة ببيت لحم، وكنائس أخر التي يسمونها القمامة.

стр. 106

وكان صاحب الفيل قد بنى كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة إليها، فدخلها بعض العرب وأحدث فيها، فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم الكعبة حتى فعل الله به ما فعل. وكذلك كان بالطائف اللات وكانون يحجون إليها. وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب أنه قد أظل زمان نبي يبعث من العرب وطمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه، وقال له ذلك العالم: إنه من أهل بيت يحجه العرب، فقال: إنا معشر ثقيف فينا بيت يحجه العرب، قال: إنه ليس منكم، إنه من إخوانكم من قريش، وذلك البيت هو بيت اللات المذكور في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [سورة النجم: (١٩ - ٢٠)]، والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما: ﴿لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾

стр. 107

[سورة الزخرف: (٣١)]، وآخر غزوات النبي ﷺ من غزوات القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها، ثم إن أهلها أسلموا وطلبوا من النبي ﷺ أن يمتعهم باللات حولاً، فامتنع من ذلك وهدمها وأمر ببناء المسجد موضعها، واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهذا معروف عند أهل العلم. والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجًّا ويقولون إن بيت اللات يحج كما تحج الكعبة، وكانوا يحجون إلى العزى وكانت عند عرفات، ويحجون إلى مناة الثالثة الأخرى وهي حذو قديد، فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن يحجون إليه، / فاللات بالطائف، والعزى عند مكة، ومناة لأهل المدينة كانوا يهلون لها. وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله. منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله، يقول: هؤلاء أقرب إلى الله مني، فأنا أتوسل بهم، فهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي كما يتوسط خواص

стр. 108

الملك لمن يكون بعيدًا عنه. وقد ينذر لهم أو يأتي بقربان بلا نذر، ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا، وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي. ومنهم يجعل لصاحب القبر نصيبًا من ماله أو بعض ماله، أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتم. ومنهم من يسيب لهم السوائب فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها، كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم، فهذا صنف. وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه أو التعظيم والخضوع له، فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته الممثلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيًّا، ويجدون بذلك أنسًا في قلوبهم وطمأنينة وراحة، كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه، وكما يحصل للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه، لكن ذاك حب وتعظيم ديني فهو أعظم تأثيرًا في النفوس، ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره وإن كان أفضل. وكثير من أتباع المشايخ والأئمة يجد عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء، لا نبينا ولا غيره. وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور، بل سببه ما قام بنفوسهم من حبه وتعظيمه، وإن كان هو لا يستحق

стр. 109

ذلك، بل قد يكون المزور كافرًا مشركًا أو كتابيًّا، والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك. / وهذا كما أن عباد الأوثان الذين جعلوهم أندادًا لله يحبونهم كحب الله يجدون عند الأوثان مثل ذلك. وكذلك عباد العجل، قال الله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ [سورة البقرة: (٩٣)]، أي حب العجل، هذا قول الأكثرين، وموسى حرقه ثم نسفه فإنه كان قدر صار فحمًا. وقيل: بل أشربوا برادته التي كانت في الماء، وأن موسى برده لكونه كان ذهبًا، والأول عليه الجمهور وهو أصح. وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء أن ما عندهم حبًّا لذلك؟ فأجاب السائل: بأن ذلك كقوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)] وقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [سورة البقرة: (٩٣)]. والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم في كتابه وبين أن من الناس من يتخذ إلهه هواه، أي يجعل ما يألهه ويعبده هو ما يهواه، فالذي يهواه ويحبه هو الذي يعبده، ولهذا ينتقل من إله

стр. 110

إلى إله كالذي ينتقل من محبوب إلى محبوب، إذ كان لم يحب بعلم وهدى ما يستحق أن يحب، ولا عبد من يستحق أن يعبد، بل عبد وأحب ما أحبه من غير علم ولا هدى ولا كتاب منزل، قال تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً -إلى قوله- سبيلاً﴾ [سورة الفرقان: (٤٣ - ٤٤)] وقال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ [سورة الجاثية: (٢٣)]. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان. وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رماه وعبد الآخر. وقال الحسن البصري: ذاك المنافق نصب هواه، فما هوى من شيء ركبه. وقال قتادة: أي والله كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى، رواهن ابن أبي حاتم وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ الآية
следующие страницы →