(١٠ - باب الرهن)
( [دليل مشروعية الرهن] :)
(يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه) .
الرهن جائز بالإجماع؛ وقد نطق به الكتاب العزيز، وتقييده بالسفر خرج مخرج الغالب، كما ذهب إليه الجمهور.
وقال مجاهد والضحاك والظاهرية: لا يشرع إلا في السفر.
وقد رهن النبي ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيرا لأهله؛ كما أخرجه البخاري، وغيره من حديث أنس، وهو في " الصحيحين " من حديث عائشة، وأخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عباس، وصححه الترمذي، وصاحب " الاقتراح ".
وفي ذلك دليل على مشروعية الرهن في الحضر؛ كما قال الجمهور.
( [ينتفع بالمرهون إذا كان دابة تركب أو بهيمة تحلب] :)
(والظهر يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون) ؛ لما أخرجه البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة ".
стр. 1017
وللحديث ألفاظ.
والمراد: أن المرتهن ينتفع بالرهن وينفق عليه، وقد ذهب إلى ذلك أحمد وإسحاق والليث والحسن وغيرهم.
قال ابن القيم:
" وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى، وهو الصواب ".
وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء؛ بل الفوائد للراهن والمؤن عليه، قالوا: والحديث ورد على خلاف القياس.
ويجاب بأن هذا القياس فاسد الاعتبار، مبني على شفا جرف هار، ولا يصح الاحتجاج به؛ لما ورد من النهي عن أن تحلب ماشية الرجل بغير إذنه - كما في " البخاري " وغيره -؛ لأن العام لا يرد به الخاص؛ بل يبنى عليه.
وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين ":
" وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا يصلح للراهنين غيره، وما عداه ففساده ظاهر.
فإن الراهن قد يغيب، ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشق عليه؛ أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن إثبات غيبة الراهن.
وإثبات أن قدر النفقة عليه قدر حلبه وركوبه، وطلبه منه الحكم له بذلك
стр. 1018
في هذا؛ من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة، فشرع الشارع الحكيم القيم بمصالح العباد.
وللمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره - وعليه نفقته -، وهذا محض القياس لو لم تأت به السنة الصحيحة ". انتهى.
ثم أطال في تخريج هذا القياس إلى ما لا يسعه هذا القرطاس.
( [لا يستحق المرتهن الرهن إذا لم يفكه الراهن] :)
(ولا يغلق (١) الرهن بما فيه) ؛ لحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال:
" لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه ".
أخرجه الشافعي (٢) والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن حبان في
стр. 1019
" صحيحه "، وحسن الدارقطني إسناده.
وقال الحافظ ابن حجر في " بلوغ المرام ": أن رجاله ثقات؛ إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله.
وأخرجه ابن ماجه من طريق أخرى (١) ، والرفع زيادة، وقد خرجت من مخرج مقبول.
والمراد بالغلاق هنا: استحقاق المرتهن له؛ حيث لم يفكه الراهن في الوقت المشروط.
وروى عبد الرزاق عن معمر؛ أنه فسر غلاق الرهن؛ بما إذا قال الرجل: إن لم آتك بمالك فالرهن لك، قال: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من رب الرهن؛ له غنمه وعليه غرمه.
وقد روي أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن؛ إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب، فأبطله الشارع.
والغنم والغرم - هنا - هو أعم مما تقدم؛ من أن الظهر يركب بنفقة المرهون، واللبن يشرب.
قال في " الحجة البالغة ":
" ومبنى الرهن على الاستيثاق، وهو بالقبض؛ فلذلك اشترط فيه.
ولا اختلاف عندي بين حديث: " لا يغلق الرهن "؛ وحديث: " الظهر
стр. 1020
يركب " ... الخ؛ لأن الأول هو الوظيفة.
لكن إذا امتنع الراهن من النفقة عليه، وخيف الهلاك، وأحياه المرتهن؛ فعند ذلك ينتفع به بقدر ما يراه الناس عدلا ". انتهى.
قلت: وعليه أهل العلم.
قال محمد: وبهذا نأخذ.
وتفسير قوله: " لا يغلق الرهن ": أن الرجل كان يرهن الرهن - أي: المرهون عند الرجل -؛ فيقول: إن جئتك بمالك إلى كذا وكذا؛ وإلا فالرهن لك بمالك، قال رسول الله ﷺ : " لا يغلق الرهن، ولا يكون للمرتهن بماله "، وكذلك نقول، وهو قول أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس.
وفي " شرح السنة ":
" معناه لا يستغلق بحيث لا يعود إلى الراهن، بل متى أدى الحق المرهون به؛ افتك وعاد إلى الراهن.
وروى الشافعي هذا الحديث مع زيادة، ولفظه: " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه ".
قال الشافعي: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه.
وفيه دليل على أنه إذا هلك في يد المرتهن؛ يكون من ضمان الراهن، ولا يسقط بهلاكه شيء من حق المرتهن، وعليه الشافعي.
стр. 1021
وقال أبو حنيفة: قيمته إن كانت قدر الحق؛ يسقط بهلاكه الحق، وإن كانت أقل من الحق؛ يسقط بقدره، وإن كان أكثر من الحق؛ يسقط الحق.
وعند الشافعي: دوام القبض ليس بشرط في الرهن، فيستعمل الدابة المرهونة بالنهار، وترد إلى المرتهن بالليل، ولا يسافر عليها.
ولم يجوزه أبو حنيفة ".
أقول: الحق أن الرهن إذا تلف في يد المرتهن - بدون جنايته ولا تفريطه -؛ فهو غير مضمون عليه.
وإن كان بجنايته أو تفريطه؛ ضمنه للجناية عليه، أو التفريط؛ لا لكونه مستحقا حبسه؛ فإن الحبس للرهن بمجرده ليس بسبب للضمان.
والمدارك الشرعية واضحة المنار.
стр. 1022
(١١ - باب الوديعة والعارية)
( [دليل مشروعية العارية] :)
أقول: العارية من مكارم الأخلاق ومحاسن الطاعات وأفضل الصلات؛ لأنها إباحة المالك لمنافع ملكه لمن له إليه حاجة، ولا ريب أن هذا الفعل داخل تحت نصوص الكتاب والسنة؛ فإن فيهما من الترغيب في ذلك ما لا يحيط به الحصر، ومن جملة ذلك قوله - تعالى -: ﴿وتعانوا على البر والتقوى﴾ ، وقوله: ﴿ويمنعون الماعون﴾ .
والحاصل: أن العارية - في لسان العرب والشرع - هي: إباحة المنافع بلا عوض، فما وجد فيه هذا المعنى كان من العارية؛ وما لا فلا.
( [تأدية الأمانة إلى صاحبها واجب] :)
(تجب على الوديع (١) والمستعير تأدية الأمانة إلى من ائتمنه، ولا يخون من خانه) : لقوله - تعالى -: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ ، ولقوله ﷺ : " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك "؛ أخرجه أبو داود، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه -
стр. 1023
من حديث أبي هريرة، وفي إسناده طلق بن غنام، عن شريك (١) .
وقد استشهد له الحاكم بحديث أبي التياح، عن أنس، وفي إسناده أيوب بن سويد، وهو مختلف فيه، وقد تفرد به؛ كما قال الطبراني.
وأخرجه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " من حديث أبي بن كعب، وفي إسناده من لا يعرف.
وأخرجه أيضا الدارقطني (٢) عنه.
وأخرجه البيهقي، والطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف.
وأخرجه الدارقطني، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم من حديث أنس.
وأخرجه أحمد، وأبو داود، والبيهقي عن رجل من الصحابة؛ وفي إسناده مجهول غير الصحابي.
( [بيان أنه لا ضمان على مؤتمن] :)
(ولا ضمان عليه إذا تلفت) العين المستعارة أو المستودعة (بدون جنايته
стр. 1024
وخيانته) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: " لا ضمان على مؤتمن "؛ أخرجه الدارقطني (١) ؛ وفي إسناده ضعف.
وقد وقع الإجماع على أن الوديع لا يضمن؛ إلا لجناية منه على العين (٢) ؛ لما أخرجه الدارقطني في الحديث السابق من طريق أخرى بلفظ:
" ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا المستودع غير المغل ضمان ".
والمغل: هو الخائن، والجاني خائن.
وأما المستعير؛ فقد ذهب إلى أنه لا يضمن - إلا لجناية أو خيانة -: الحنفية والمالكية، وحكى في " الفتح " عن الجمهور: أن المستعير يضمنها إذا تلفت في يده؛ إلا إذا كان التلف على الوجه المأذون فيه.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم (٣) - وصححه - من حديث الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ، قال: " على اليد
стр. 1025
ما أخذت حتى تؤديه "؛ وفي سماع الحسن عن سمرة مقال مشهور.
وأخرج أحمد، وأبو داود (١) ، والنسائي، والحاكم (٢) من حديث صفوان بن أمية: أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعا، فقال: أغصبا يا محمد؟ ! قال: " بل عارية مضمونة ".
قال الماتن في " حاشية الشفاء ":
" وجميع هذه الأسباب داخلة تحت قوله ﷺ : " على اليد ما أخذت حتى تؤدي "؛ إن كان المراد على اليد ضمان ما أخذت، ولكن الظاهر أن المراد: على اليد حفظ ما أخذت حتى تؤديه، وذلك إنما يكون في الباقي، وليس فيه دليل على ضمان التالف (٣) ".
( [لا يجوز منع الماعون] :)
(ولا يجوز منع الماعون: كالدلو والقدر) ؛ لحديث ابن مسعود، قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية؛ الدلو والقدر.
أخرجه أبو داود (٤) ، وحسنه المنذري.
وروي عن ابن مسعود، وابن عباس: أنهما فسرا قوله - تعالى -:
стр. 1026
﴿ويمنعون الماعون﴾ : أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم؛ من الفأس والدلو والحبل والقدر، وما أشبه ذلك.
وعن عائشة: الماعون: الماء والنار والملح.
وقيل: الماعون: الزكاة.
( [أمثلة على ما لا يجوز منع عاريته] :
(وإطراق الفحل، وحلب المواشي لمن يحتاج ذلك، والحمل عليها في سبيل الله) ؛ لما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر، عن النبي ﷺ ، قال: " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها؛ إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر (١) ، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها "، قلنا: يا رسول الله! وما حقها؟ قال: " إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله ".
والمراد بإطراق فحلها: عاريته من يحتاج أن يطرق به على ماشيته.
والمراد بمنحتها: أن يعطي المحتاج لينتفع بحلبها ثم يردها.
وأما الحمل عليها في سبيل الله؛ فإذا طلب ذلك من لا ماشية له من صاحب المواشي التي فيها زيادة على حاجته.
стр. 1027
(١٢ - باب الغصب)
( [الأدلة على تحريم الغصب] :)
(يأثم الغاصب) ؛ لأنه أكل مال غيره بالباطل، أو استولى عليه عدوانا، وقد قال الله - تعالى -: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ، وقال ﷺ : " لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه ".
أخرجه الدارقطني (١) من طرق عن أنس مرفوعا؛ وفي أسانيدها ضعف.
وأخرجه أحمد (٢) ، والدارقطني من حديث أبي حرة الرقاشي، عن عمه؛ وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان؛ وهو متكلم عليه.
وأخرجه الحاكم (٣) من حديث ابن عباس.
стр. 1028
وأخرجه الدارقطني عنه من طريق أخرى.
وأخرجه البيهقي (١) ، وابن حبان، والحاكم في " صحيحيهما " من حديث أبي حميد الساعدي.
وقد أخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، والترمذي - وحسنه - من حديث السائب بن يزيد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
" لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا، ولا لاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه ".
وحديث: " إنما أموالكم ودماؤكم عليكم حرام "؛ وهو ثابت في " الصحيحين "، وغيرهما.
وهو مجمع على تحريم الغصب عند كافة المسلمين، ومجمع على وجوب رد المغصوب إذا كان باقيا، وعلى تسليم عوضه إن كان تالفا.
( [ماذا يجب على الغاصب ؟] :)
(ويجب عليه رد ما أخذ، ولا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه) ؛ كما تقدم دليله.
( [بيان حكم من زرع أو غرس في أرض غيره بالقوة] :)
(وليس لعرق ظالم حق، ومن زرع في أرض قوم بغير إذنهم؛ فليس له من
стр. 1029
الزرع شيء، ومن غرس في أرض غيره غرسا رفعه) ؛ لحديث رافع بن خديج، أن النبي ﷺ قال: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم؛ فليس له من الزرع شيء، وله نفقته (١) ".
أخرجه أحمد (٢) ، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والبيهقي، والطبراني، وابن أبي شيبة، والطيالسي، وأبو يعلى، وحسنه البخاري (٣) .
وأخرج أبو داود، والدارقطني (٤) من حديث عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ قال: " من أحيا أرضا فهي له، وليس لعرق ظالم حق ".
قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم (٥) ".
стр. 1030
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والنسائي، وأخرجه البخاري تعليقا من حديث سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : " من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق " (١) .
أقول: الحق الحقيق بالقبول: أن الزرع لمالك الأرض، وعليه للغاصب ما أنفقه على الزرع (٢) ؛ كما ثبت ذلك عند أهل " السنن "، ولفظه في رواية:
أنه ﷺ أتى بني حارثة، فرأى زرعا في أرض ظهير، فقال: " ما أحسن زرع ظهير ﴿" قيل: ليس لظهير، قال: " أليست أرض ظهير؟﴾ "، قالوا: بلى، ولكنه زرع (٣) فلان، قال: " فخذوا زرعكم، وردوا عليه النفقة " ... الحديث (٤) .
( [الانتفاع بالمغصوب حرام] :)
(ولا يحل الانتفاع بالمغصوب) ؛ لما تقدم من الأدلة القاضية بأنه لا يحل مال الغير - لا عينا ولا انتفاعا -، وقد ورد في غصب الأرض - التي لا ثمرة لغصبها إلا الانتفاع بها بالزرع ونحوه - أحاديث:
стр. 1031
منها: عن عائشة في " الصحيحين " وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: " من ظلم شبرا من الأرض؛ طوقه الله من سبع أرضين ".
وفيهما أيضا من حديث سعيد بن زيد نحوه.
وفي " البخاري " وغيره من حديث ابن عمر نحوه أيضا.
وفي " مسلم " من حديث أبي هريرة نحوه أيضا.
( [إذا أتلف المغصوب فعلى الغاصب قيمته أو مثله] :)
(ومن أتلفه فعليه مثله أو قيمته) ؛ لحديث عائشة: أنها لما كسرت إناء صفية الذي أهدت فيه للنبي ﷺ ؛ فقال لها: " إناء كإناء؛ وطعام كطعام ".
أخرجه أحمد، وأبو داود (١) ، والنسائي، وحسنه الحافظ في " الفتح ".
وأخرج البخاري، وغيره من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها؛ فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال: " كلوا "، ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسورة.
ولفظ الترمذي؛ قال: أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إليه طعاما في
стр. 1032
قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال النبي ﷺ : " طعام بطعام وإناء بإناء ".
وقد استدل بذلك من قال: إن القيمي يضمن بمثله، ولا يضمن بالقيمة؛ إلا عند عدم المثل، وهو الشافعي والكوفيون.
وقال مالك: إن القيمي يضمن بقيمته مطلقا.
قيل: لا خلاف في أن المثلي يضمن بمثله، ولكنه قد ورد في حديث المصراة - الثابت في " الصحيح " - ردها وصاعا من تمر.
واللبن مثلي.
والبحث مستوفى في مواطنه.
стр. 1033
(١٣ - باب العتق)
( [أحادث ترغب في العتق] :)
الترغيب في العتق قد ثبت عنه ﷺ في الأحاديث الصحيحة؛ كحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، عن النبي ﷺ : " من أعتق رقبة مسلمة؛ أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار؛ حتى فرجه بفرجه ".
وأخرج الترمذي (١) - وصححه - من حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة عن النبي ﷺ ، قال: " أيما امرئ مسلم أعتق أمرأ مسلما؛ كان فكاكه من النار؛ يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امريء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين؛ كانتا فكاكه من النار؛ يجزي كل عضو منهما عضوا منه ".
وفي لفظ (٢) :
" أيما امرأة مسلمة؛ أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار؛ يجزي كل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها "؛ وإسناده صحيح.
стр. 1034
وفي الباب أحاديث.
( [بيان أن أفضل الرقاب أنفسها عند أهلها] :)
(أفضل الرقاب أنفسها) ؛ لما في " الصحيحين " من حديث أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: " الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله "، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: " أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا ".
( [جواز العتق بشرط الخدمة] :)
(ويجوز العتق بشرط الخدمة ونحوها) ؛ لحديث سفينة أبي عبد الرحمن، قال: أعتقتني أم سلمة، وشرطت علي أن أخدم النبي ﷺ ما عاش.
أخرجه أحمد (١) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال: لا بأس بإسناده.
وأخرجه الحاكم، وفي إسناده سعيد بن جهمان أبو حفص الأسلمي، وقد وثقه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه.
ووجه الحجة من هذا: أن النبي ﷺ لا
стр. 1035
يخفى عليه مثل ذلك.
وقد قيل: إن تعليق العتق بشرط الخدمة يصح إجماعا.
( [الأدلة الدالة على أن من ملك رحمه عتق عليه] :)
(ومن ملك رحمه عتق عليه) ؛ لحديث سمرة - عند أحمد (١) ، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه -، أن النبي ﷺ قال: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر ".
ولفظ أحمد: " فهو عتيق "؛ وهو من رواية الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه مقال مشهور، وقال علي بن المديني: هو حديث منكر، وقال البخاري: لا يصح.
وأخرج النسائي، والترمذي، والحاكم من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من ملك ذا رحم محرم فهو حر "، وهو من رواية ضمرة، عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عنه؛ قال النسائي: حديث منكر، ولا نعلم أحدا رواه عن سفيان غير ضمرة، وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث.
стр. 1036
لكنه قد وثقه يحيى بن معين وغيره، وحديثه في " الصحيحين "، وقد صحح حديثه - هذا - ابن حزم، وعبد الحق، وابن القطان.
وأخرج أبو داود، والنسائي عن عمر بن الخطاب موقوفا مثل حديث سمرة؛ وهو من رواية قتادة عنه؛ ولم يسمع منه.
أقول: الحاصل أن جميع الأخبار الواردة في عتق ذي الرحم لا تخلو عن مقال، ولكنها تنتهض بمجموعها للاستدلال.
ولا يعارضها حديث أبي هريرة - الآتي - عند مسلم.
وقد ذهب إلى أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه: أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد.
وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات، ولا يعتق عليه غيرهم من قرابته، وزاد مالك: الإخوة.
ولا ينافي ما ذكرناه حديث أبي هريرة - عند مسلم وغيره - قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يجزي ولد عن والده؛ إلا أن يجده مملوكا؛ فيشتريه فيعتقه ":
لأن إيقاع العتق تأكيدا لا ينافي وقوعه بالملك.
وزاد في " حاشية الشفاء ": " لأن الإعتاق ههنا - وإن كان ظاهرا في الإنشاء بعد الشراء -؛ فهو لا يستلزم أن الشراء بنفسه لا يكون سببا ". انتهى.
стр. 1037
وقد تمسك بحديث أبي هريرة: الظاهرية، فقالوا: لا يعتق أحد على أحد (١)
( [بيان كفارة من أهان مملوكه] :)
(ومن مثّل (٢) بمملوكه فعليه أن يعتقه) ؛ لحديث ابن عمر - عند مسلم، وغيره - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من لطم مملوكه أو ضربه؛ فكفارته أن يعتقه ".
وفي " مسلم " أيضا؛ عن سويد بن مقرن، قال: كنا - بني مقرن - على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادم واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: " أعتقوها "، وفي رواية (٣) : " إذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها ".
وفي " مسلم " أيضا من حديث أبي مسعود البدري، قال: كنت أضرب غلاما بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي ... إلى أن قال: فإذا رسول الله ﷺ يقول: " إن الله أقدر منك على هذا الغلام "، وفيه: قلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، فقال: " لو لم تفعل للفحتك النار - أو لمستك النار - ".
стр. 1038
(وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم) ؛ لحديث عمرو بن شعيب؛ عن أبيه، عن جده؛ في المملوك الذي جب سيده مذاكيره، فقال النبي ﷺ : " علي بالرجل "، فلم يقدر عليه، فقال النبي ﷺ : " اذهب؛ فأنت حر "؛ أخرجه أبو داود (١) ، وابن ماجه، وقد أخرجه أحمد؛ وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجال أحمد ثقات، وأخرجه أيضا الطبراني.
وقد حكى في " البحر " عن علي، والشافعية، والحنفية: أنه لا يُعتق العبد بمجرد المثلة، بل يؤمر السيد بالعتق؛ فإن تمرد؛ فالحاكم.
وقال مالك والليث وداود والأوزاعي: بل يعتق بمجردها.
قال النووي في " شرح مسلم ": " إنه أجمع العلماء على أن ذلك العتق ليس واجبا، وإنما هو مندوب؛ رجاء الكفارة وإزالة إثم اللطم.
وذكر من أدلتهم: إذنه ﷺ بأن يستخدموها كما تقدم.
ودعوى الإجماع غير صحيحة، وإذنه ﷺ بالاستخدام لا يدل على عدم الوجوب؛ بل الأمر قد دل على الوجوب، والإذن بالاستخدام دل على كونه وجوبا متراخيا إلى وقت الاستغناء عنها ". انتهى (٢) .
стр. 1039
( [بيان حكم من أعتق عبدا له فيه شركاء] :)
(ومن أعتق شركا له في عبد؛ ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم؛ وإلا عتق نصيبه فقط واستُسعي العبد) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: " من أعتق شركا له في عبد؛ وكان له مال يبلغ ثمن العبد؛ قوم عليه العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد؛ وإلا فقد عتق عليه ما عتق "، زاد الدارقطني: " ورقّ ما بقي " (١) .
وأخرج أحمد (٢) ، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي المليح، عن أبيه: أن رجلا من قومه أعتق شقصا له من مملوك، فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فجعل خلاصه عليه في ماله، وقال: " ليس لله شريك ".
وفي " الصحيحين " أيضا من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " من أعتق شقيصا من مملوك؛ فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال؛ قُوّم المملوك قيمة عدل؛ ثم استُسعي في نصيب الذي لم يعتق؛ غير مشقوق عليه ".
ولا تنافي بين هذا وبين حديث ابن عمر؛ بل الجمع ممكن؛ وهو أن من
стр. 1040
أعتق شركا له في عبد ولا مال له؛ لم يعتق إلا نصيبه، ويبقى نصيب شريكه مملوكا، فإن اختار العبد أن يستسعي لما بقي استُسعي؛ وإلا كان بعضه حرا وبعضه عبدا.
وأخرج أحمد (١) من حديث إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده، قال: كان لهم غلام - يقال له: طهمان أو ذكوان -، فأعتق جده نصفه، فجاء العبد إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : " تعتق في عتقك، وترق في رقك "؛ قال: فكان يخدم سيده حتى مات؛ ورجاله ثقات.
وأخرجه الطبراني.
قال في " المسوى ": " قلت: عليه الشافعي: أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره، وهو موسر بقيمة نصيب الشريك؛ يعتق عليه، ويكون ولاؤه كله للمعتق، وإن كان معسرا عتق نصيبه، ونصيب الشريك رقيق لا يكلف إعتاقه، ولا يستسعى العبد في فكه.
قوله: " فأعطى شركاءه حصصهم "؛ يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه لا يعتق نصيب الشريك بنفس اللفظ ما لم يؤد إليه قيمته، وقال به الشافعي في القديم.
стр. 1041
وثانيهما: أنه يعتق كله عليه بنفس الإعتاق، ولا يتوقف على أداء القيمة، وذلك لأن إعطاء القيمة والعتق حكمان لمن أعتق شركا له في عبد؛ يردان عليه جميعا، وقال به الشافعي في الجديد.
وقال أبو حنيفة: إن كان المعتق موسرا فالذي لم يعتق بالخيار؛ إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه، فإذا أدى عتق، فكان الولاء بينها، وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه، ثم شريكه بعد ما ضمن رجع على العبد استسعاه، فإذا أداه عتق؛ وولاؤه كله له.
وقال صاحباه: لا يعتق نصيب الشريك بنفس الإعتاق؛ بل يُستسعى العبد، فإذا أدى قيمة النصف الآخر عتق كله، والولاء بينهما، ومأخذ قولهم حديث أبي هريرة مرفوعا: " من أعتق شقيصا في عبد؛ عتق كله إن كان له مال؛ وإلا يُستسعى غير مشقوق عليه "؛ رواه الشيخان.
قوله: " غير مشقوق عليه "؛ أي: لا يستغلى عليه في الثمن، وتأويل هذا الحديث على قول الشافعي: إن معنى " يستسعى ": يستخدم لسيده الذي لم يعتق إن كان معسرا، ومعنى " غير مشقوق عليه ": أنه لا يحمل من الخدمة فوق ما يلزمه؛ إنما يطالبه بقدر ما له فيه من الرق ". انتهى.
( [بيان أن الولاء لمن أعتق] :)
(ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق) : لحديث عائشة في " الصحيحين "، وغيرهما: أنها جاءت إليها بريرة تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت بريرة ذلك لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن
стр. 1042
تحتسب عليك فلتفعل؛ ويكون لنا ولاؤك؛ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ؟ فقال لها رسول الله ﷺ : " ابتاعي فأعتقي؛ فإنما الولاء لمن أعتق "، ثم قام فقال: " ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى؟ ! من اشترط شرطا ليس في كتاب الله؛ فليس له، وإن شرط مئة مرة، شرط الله أحق وأوثق ".
وللحديث طرق وألفاظ.
قال ابن القيم ﵀:
" قال شيخنا: الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي ﷺ باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط، ولا إباحة له، ولكن عقوبة لمشترطه؛ إذ أبى أن يبيع جارية للعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله - تعالى - وشرعه، فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل؛ ليظهر به حكم الله ورسوله في أن الشروط الباطلة لا تغير شرعه، وأن من شرط ما يخالف دينه؛ لم يجبر أن يوفي له بشرطه.
ولا يبطل من البيع به؛ وإن عرف فساد الشرط، وشرطه إلغاء اشتراطه ولم يعتبر، والله تعالى أعلم ".
قلت: وعليه أهل العلم: أن من أعتق عبدا يثبت له عليه الولاء ويرثه به، ولا يثبت الولاء بالحلف والموالاة، وبأن يسلم رجل على يدي رجل؛ لأن النبي ﷺ أضاف الولاء إلى المعتق ب (الألف واللام) ، فأوجب ذلك قطعه عن غيره، كما يقال: الدار لزيد، فيه إيجاب الملك فيها لزيد وقطعها عن غيره، وعليه الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بعقد المولاة.
стр. 1043
( [جواز بيع المدبر للحاجة] :)
(ويجوز التدبير، فيعتق بموت مالكه، وإذا احتاج المالك جاز له بيعه) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما: أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ ، فقال: " من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه.
وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر - مرفوعا وموقوفا - بلفظ: " المدبر من الثلث ".
ورواه الدارقطني مرفوعا بلفظ: " المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث "، وفي إسناده عبيدة بن حسان (١) ، وهو منكر الحديث.
وقد ذهب إلى جواز بيع المدبر للحاجة: الشافعي، وأهل الحديث، ونقله البيهقي في " المعرفة " عن أكثر الفقهاء.
وحكى النووي عن الجمهور: أنه لا يجوز بيع المدبر مطلقا، وبه قال أبو حنيفة، وتعقبه الشافعي بما روي عن جابر، وتقدم.
وأجيب باحتمال أن يكون تدبيره مقيدا بشرط أو زمان.
ورد بأن اسم التدبير إذا أطلق؛ فيفهم منه التدبير المطلق لا غير.
واتفقوا على جواز وطء المدبرة.
ومن أجاز بيعه قال: يباع في الجناية.
أقول: قد دل الحديث على جواز البيع للحاجة، وليس فيه دلالة على
стр. 1044
عدم جوازه مع عدمها، ولم يرد ما يدل على ذلك إلا ما لا يحتج بمثله.
فالقائل بالجواز واقف في موقف المنع، وعلى مدعي عدمه بيان المانع، فإن قال المانع: العتق؛ قلنا: الناجز، وأما المشروط بشرط لم يقع؛ فممنوع كونه مانعا.
( [بيان جواز مكاتبة المملوك على مال يؤديه] :)
(ويجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه) ؛ لقوله - تعالى - ﴿فكاتبوهم﴾ الآية.
وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية، فقرر ذلك الإسلام، ولا أعرف خلافا في مشروعيتها.
قلت: وعليه أبو حنيفة.
وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في العبد - بدلالة الكتاب - الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمتنع من كتابته إذا كان هكذا.
( [متى يصير المكاتب حرا ؟] :)
(فيصير عند الوفاء حرا، ويعتق منه بقدر ما سلم) ؛ لحديث ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: " يودى (١) المكاتب بحصة ما أدى دية الحر، وما بقي دية العبد "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي (٢) .
وأخرج أحمد، وأبو داود، نحوه من حديث علي (٢) .
стр. 1045
وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وذهب آخرون إلى أن حكم المكاتب حكم العبد حتى يوفي مال الكتابة.
واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: " أيما عبد كوتب بمئة أوقية، فأداها إلا عشر أوقيات؛ فهو رقيق "؛ رواه أحمد (١) ، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححه -.
وفي لفظ لأبي داود: " المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم ".
ولا يعارض هذا ما تقدم.
فالجمع ممكن؛ بحمل هذا على ما لا يمكن تبعضه من الأحكام، وفي حديث أم سلمة: أن النبي ﷺ قال: " إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي؛ فلتحتجب منه "، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - (٢) .
فأثبت له ههنا حكم الحر؛ لأن العبد يجوز له أن ينظر إلى مولاته؛ لقوله - تعالى -: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ .
قال في " المسوى ":
" المكاتب عبد ما بقي عليه شيء، وعليه أكثر أهل العلم، فلا يرث من
стр. 1046
قريبه شيئا، وإذا أصاب حدا ضرب حد العبد ".
( [بيان مصير المكاتب إذا عجز عن تسليم المال] :)
(وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة عاد في الرق) ؛ لكون المالك لم يعتقه إلا بعوض، وإذا لم يحصل العوض لم يحصل العتق، وقد اشترت عائشة بريرة بعد أن كاتبها أهلها؛ كما تقدم.
( [يحرم بيع الأمة التي ولدت له] :)
(ومن استولد أمته لم يحل له بيعها) ؛ لحديث ابن عباس، عن النبي ﷺ : " من وطئ أمته فولدت له؛ فهي معتقة عن دبر منه ".
أخرجه أحمد (١) ، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وفي إسناده الحسين ابن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف.
وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس، قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: " أعتقها ولدها " (٢) .
وأخرجه أيضا الدارقطني، وفي إسناده الحسين بن عبد الله، وهو ضعيف؛ كما تقدم.
وأخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عباس أيضا: " أم الولد
стр. 1047
حرة؛ وإن كان سقطا "، وإسناده ضعيف (١) .
وأخرج البيهقي من حديث ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن رسول الله ﷺ قال لأم إبراهيم: " أعتقك ولدك "؛ وهو معضل.
وقال ابن حزم: صح هذا بسند رواته ثقات عن ابن عباس.
وأخرج الدارقطني (٢) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقا ل: " لا يُبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها السيد ما دام حيا، وإذا مات فهي حرة ".
وقد أخرجه مالك في " الموطإ "، والدارقطني أيضا من قول ابن عمر (٣) ، وأخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا.
وهذه الأحاديث - وإن كان في أسانيدها ما تقدم -؛ فهي تنتهض للاحتجاج بها، وقد أخذ بها الجمهور.
وذهب من عداهم إلى الجواز، وتمسكوا بحديث جابر، قال: كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا على عهد رسول الله ﷺ
стр. 1048
- وأبي بكر، فلما كان عمر؛ نهانا فانتهينا "، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي (١) .
وأخرجه أيضا أحمد، وابن حبان والحاكم.
وليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك.
والخلاف في المسألة - بين الصحابة فمن بعدهم - معروف مشهور.
( [تعتق الأمة بموت الذي استولدها] :)
(وعتقت بموته) ؛ أي: سيدها الذي استولدها؛ لقوله في الحديث المتقدم: " فهي معتقة عن دبر منه "؛ أي: في دبر حياته.
(أو بتخييره) ؛ أي: تخيير مستولدها (٢) (لعتقها) ؛ لأن إيقاع العتق يوجب عتق من لم يوجب لعتقه سبب.
فمن قد وجد له سبب عتقه أولى بذلك، ولا سيما بعد قوله ﷺ : " أعتقها ولدها "؛ فإنه يدل على أنه قد وقع العتق بالولادة، ولكن بقي للسيد حق يوجب عليها بعض ما يجب على المملوك حتى يموت، فإذا نجز العتق؛ فقد رضي بإسقاط ذلك الحق.
стр. 1049
(١٤ - باب الوقف)
( [تعريف الوقف] :)
قال في " الحجة البالغة ":
" وهو من التبرعات، كان أهل الجاهلية لا يعرفونه، فاستنبطه النبي ﷺ لمصالح لا توجد في سائر الصدقات؛ فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالا كثيرا ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، وتجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء وابن السبيل، يُصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله على ملك الواقف ". انتهى.
( [الأدلة على مشروعية الوقف] :)
(من حبّس ملكه في سبيل الله صار محبّسا) ؛ قد ذهب إلى مشروعيتة الوقف ولزومه جمهور العلماء.
قال الترمذي: " لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين ".
وجاء عن شريح أنه أنكره.
стр. 1050
وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه؛ إلا زفر.
وقد حكى الطحاوي عن أبي يوسف، أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة - يعني: الدليل -؛ لقال به.
وقال القرطبي: راد الوقف مخالف للإجماع، فلا يلتفت إليه.
ومما يدل على صحته ولزومه؛ حديث أبي هريرة - عند مسلم، وغيره -، أن النبي ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله؛ إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ".
وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عمر: أن عمر أصاب أرضا بخيبر، فقال: يا رسول الله! أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه؛ فما تأمرني؟ فقال: " إن شئت حبّست أصلها، وتصدقت بها "، فتصدق بها عمر - على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث - في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضعيف وابن السبيل؛ لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم؛ غير متمول.
وأخرج النسائي، والترمذي - وحسنه -، والبخاري - تعليقا - من حديث عثمان: أن النبي ﷺ قدم المدينة؛ وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: " من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين؛ بخير له منها في الجنة؟ "، فاشتريتها من صلب مالي.
وفي " الصحيحين ": أن النبي ﷺ قال: " أما خالد؛ فقد حبس أدرعه
стр. 1051
وأعتده (١) في سبيل الله ".
( [للواقف أن يجعل غلات الموقوف لمن شاء] :)
(وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة) ؛ لقوله ﷺ لعمر في الحديث السابق: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها "، فإطلاق الصدقة يشعر بأن للواقف أن يتصدق بها كيف شاء؛ فيما فيه قربة.
وقد فعل عمر ذلك، فتصدق بها على الفقراء وذوي القربى والرقاب والضعيف وابن السبيل؛ كما تقدم.
والحاصل: أن الوقف الذي جاءت به الشريعة - ورغب فيه رسول الله ﷺ وفعله أصحابه -؛ هو الذي يُتقرب به إلى الله ، حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها، فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة؛ لأن ذلك خلاف موضوع الوقف المشروع؛ لكن القربة توجد في كل ما أثبت فيه الشرع أجرا لفاعله؛ كائنا ما كان.
فمن وقف - مثلا - على إطعام نوع من أنواع الحيوانات المحترمة؛ كان وقفه صحيحا؛ لأنه قد ثبت في السنة الصحيحة: " أن في كل كبد رطبة أجرا ".
ومثل هذا: لو وقف على من يخرج القذارة من المسجد، أو يرفع ما يؤذي المسلمين في طريقهم؛ كان ذلك وقفا صحيحا؛ لورود الأدلة الدالة على
стр. 1052
ثبوت الأجر لفاعل ذلك.
فقس على هذا غيره مما هو مساو له في ثبوت الأجر لفاعله، وما هو آكد منه في استحقاق الثواب.
( [جواز الأكل من وقفه وأن يجعل نفسه عليه] :)
(وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف) ؛ لما تقدم في وقف عمر الذي قرره النبي ﷺ .
(وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين) ؛ لما تقدم في حديث عثمان من قوله ﷺ : " فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين ".
( [بطلان وقف من أراد مضارة لوارثه] :)
(ومن وقف شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا) ؛ لأن ذلك مما لم يأذن به الله - سبحانه -؛ بل لم يأذن إلا بما كان صدقة جارية ينتفع بها صاحبها؛ لا بما كان إثما جاريا وعقابا مستمرا.
وقد نهى الله - تعالى - عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا، ونهى عنه النبي ﷺ عموما؛ كحديث: " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " - وقد تقدم -، وخصوصا؛ كما في ضرار الجار، وضرار الوصية، ونحوهما.
والحاصل: أن الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة فرائض الله : فهي باطلة من أصلها؛ لا تنعقد بحال.
وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا
стр. 1053
لم يرد التقرب إلى الله - تعالى -؛ بل أراد المخالفة لأحكام الله ، والمعاندة لما شرعه لعباده، وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني، فليكن هذا منك على ذُكر؛ فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة ﴿
وهكذا وقف من لا يحمله على الوقف؛ إلا محبة بقاء المال في ذريته وعدم خروجه عن أملاكهم، فيقفه على ذريته؛ فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله ؛ وهو انتقال الملك بالميراث، وتفويض الوارث في ميراثه يتصرف فيه كيف يشاء، وليس أمر غنى الورثة أو فقرهم إلى هذا الواقف؛ بل هو إلى الله .
وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا؛ بحسب اختلاف الأشخاص.
فعلى الناظر أن يمعن النظر في الأسباب المقتضية لذلك.
ومن هذا النادر: أن يقف على من تمسك بالصلاح من ذريته، أو اشتغل بطلب العلم؛ فإن هذا الوقف ربما يكون المقصد فيه خالصا، والقربة متحققة، والأعمال بالنيات، ولكن تفويض الأمر إلى ما حكم الله به بين عباده وارتضاه لهم؛ أولى وأحق.
( [بيان حكم المال الموقوف الذي يوضع في مكان لا يستفاد منه] :)
(ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد (١) لا ينتفع به أحد؛ جاز صرفه في
стр. 1054
أهل الحاجات ومصالح المسلمين، ومن ذلك ما يوضع في الكعبة وفي مسجده ﷺ ) ؛ لحديث عائشة - في " صحيح مسلم " وغيره -، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر -؛ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ".
فهذا يدل على جواز إنفاق ما في الكعبة إذا زال المانع، وهو حداثة عهد الناس بالكفر، وقد زال ذلك، واستقر أمر الإسلام، وثبت قدمه في أيام الصحابة؛ فضلا عن زمان من بعدهم.
وإذا كان هذا هو الحكم في الأموال التي في الكعبة؛ فالأموال التي في غيرها من المساجد أولى بذلك؛ بفحوى الخطاب.
فمن وقف على مسجده ﷺ ، أو على الكعبة، أو على سائر المساجد شيئا يبقى فيها لا ينتفع به أحد؛ فهو ليس بمتقرب ولا واقف ولا متصدق؛ بل كانز يدخل تحت قوله - تعالى -: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ الآية.
ولا يعارض هذا ما روى أحمد، والبخاري، عن أبي وائل، قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، فقال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ ﴿قلت: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرآن يُقتدى بهما "﴾
لأن هذا - من عمر ومن شيبة بن عثمان بن طلحة - اقتداء بما وقع من
стр. 1055
النبي ﷺ وأبي بكر؛ وقد أبان حديث عائشة السبب الذي لأجله ترك ﷺ ذلك.
أقول: وفي " حاشية الشفاء ":
" وأما أموال المساجد؛ فإن كانت كالأموال التي يقفها الواقفون عليها؛ ليحصل من غلاتها ما يحتاج إليه من عمارة ونحوها، وما يقوم بمن يحييها بالصلاة والتلاوة وتدريس العلوم؛ فلا شك أن هذا من أعظم القرب، ولا يحل لمسلم أن يأخذ منه شيئا.
وإن كان ذلك من الأمور التي لمجرد الزخرفة - التي هي من علامات القيامة، أو للمباهاة والمكاثرة -؛ فهو من إضاعة المال؛ بل من وضعه في معاصي الله؛ فيكون أخذه وصرفه في مصالح المسلمين من باب القيام بواجبين:
أحدهما: النهي عن المنكر.
والثاني: توقي إضاعة المال المنهي عنها بالدليل الصحيح.
وأما وضع الحلي في الكعبة، والدراهم والدنانير والجواهر النفيسة؛ فلا أستبعد أن يكون فاعله من الكانزين الذين قال الله فيهم: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ ، ولا أرى على من أخذها - ليصرفها في مصالح المؤمنين؛ أو يدفع بها مفاسدهم بأسا، ولم يرد - ما يدل على المنع ". انتهى.