ونوابهم في هذا الأمر، وصنعوا صنيع من لا يخشى تبعة في الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة!
مع أن من كان منهم يأخذ مقررا من بيت المال؛ لا يستحق على القسمة شيئا من الأجرة؛ لأنه قد صار مستغرق المنافع، فكما أنه لا يأخذ أجرة على قضائه؛ كذلك لا يأخذ أجرة على القسمة؛ لأن الكل من مصالح المسلمين؛ التي أخذ نصيبا من بيت المال في مقابلة القيام بها بحسب طاقته.
( [كسب الحجام مكروه وأجرة الكاهن والزانية حرام] :)
(وقد ورد النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن) ؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب.
أخرجه أحمد (١) برجال الصحيح.
وأخرجه أيضا الطبراني في " الأوسط ".
ومثله من حديث رافع بن خديج عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وهو أيضا في " صحيح مسلم " (٢) .
وفي " الصحيحين "، وغيرهما، عن أبي مسعود البدري، قال: نهى النبي
стр. 982
صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن.
(وعسب الفحل) ، وقد تقدم الكلام على ثمن الكلب، وعلى عسب الفحل في البيع.
والمراد بمهر البغي: ما تأخذه الزانية على الزنا، والمراد بحلوان الكاهن: عطية الكاهن لأجل كهانته، والحلوان بضم الحاء المهملة: مصدر حلوته إذا أعطيته.
وقد استدل بما تقدم بعض أهل الحديث، فقال: إنه يحرم كسب الحجام، وقد ورد في معنى ما تقدم أحاديث، وفي بعضها التصريح (١) بأنه خبيث وأنه سحت.
وذهب الجمهور إلى أنه حلال لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ احتجم؛ حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه (٢) .
وفيهما أيضا من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم؛ وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه (٣) .
والأولى الجمع بين الأحاديث؛ بأن كسب الحجام مكروه غير حرام؛ إرشادا منه ﷺ إلى معالي الأمور، ويؤيد ذلك حديث محيصة بن مسعود - عند أحمد،
стр. 983
وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات (٤) -: أنه كان له غلام حجام، فزجره النبي ﷺ عن كسبه، فقال له: ألا أطعمه أيتاما لي؟ قال: " لا "، قال: أفلا أتصدق به؟ قال: " لا "، فرخص له أن يعلفه ناضحه.
فلو كان حراما بحتا؛ لم يرخص له أن يعلفه ناضحه، ويستفاد منه أن إعطاءه ﷺ الحجام لا يستلزم أن يأكله أهله، حتى لا تتعارض الأحاديث، فقد يكون مكروها لهم، ويكون وصفه بالسحت والخبث مبالغة في التنفير.
وقد يمكن الجمع؛ بأن المنع عن مثل ما منع منه محيصة، والإذن بمثل ما أذن له ورخص له فيه (١) .
стр. 984
( [نهى ﷺ عن أجر المؤذن] :)
(وأجر المؤذن) ؛ لحديث عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال لعثمان بن أبي العاص: " واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا "، وفي لفظ: " لا تتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا "، والحديث في " الصحيح " (١) .
( [نهي النبي ﷺ عن قفيز الطحان] :)
(وقفيز الطحان) ؛ لحديث أبي سعيد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن قفيز الطحان.
أخرجه الدارقطني، والبيهقي؛ وفي إسناده هشام أبو كليب (٢) ؛ قيل: لا يعرف، وقد أورده ابن حبان في " الثقات "، ووثقه مغلطاي.
وقفيز الطحان: هو أن يطحن الطعام بجزء منه.
وقيل: المنهي عنه طحن الصبرة (٣) - لا يعلم قدرها - بجزء منها.
стр. 985
( [جواز الاستئجار على تلاوة القرآن] :)
(ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن (١)) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري، وغيره (٢) : أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ، أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق، فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا؟ ﴿حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله﴾ أخذ على كتاب الله أجرا! فقال رسول الله ﷺ : " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ".
وفي لفظ من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: " أصبتم؛ اقتسموا واضربوا لي معكم سهما "، وضحك النبي ﷺ ، والحديث في " الصحيحين " بألفاظ.
وفي حديث خارجة بن الصلت، عن عمه؛ في رقية المجنون بفاتحة الكتاب: أن النبي ﷺ قال: " خذها؛ فلعمري؛ من أكل برقية باطل؛ فقد أكلت برقية حق ".
أخرجه أحمد (٣) ، وأبو داود، والنسائي.
стр. 986
( [عدم جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن] :)
(لا على تعليمه) ، لحديث أبي بن كعب، قال: علمت رجلا القرآن، فأهدى لي قوسا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ؟ فقال: " إن أخذتها أخذت قوسا من نار "؛ فرددتها.
أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وقد أعل بالانقطاع، وتعقب، وأعل أيضا بجهالة بعض رواته، وتعقب (١) .
وله شاهد عند الطبراني من حديث الطفيل بن عمرو الدوسي، قال: أقرأني أبي بن كعب القرآن، فأهديت إليه قوسا، فغدا إلى النبي ﷺ ؛ وقد تقلدها، فقال له النبي ﷺ : " تقلدها من جهنم ".
وعلى هذا يحمل حديث عبد الرحمن بن شبل، عن النبي ﷺ ، قال: " اقرؤوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به "؛ أخرجه أحمد (٢) برجال الصحيح.
وأخرجه أيضا البزار، وله شواهد (٣) .
стр. 987
وحديث عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: " اقرؤوا القرآن، واسألوا الله به؛ فإن من بعدكم قوما يقرؤون القرآن يسألون الناس به "؛ أخرجه أحمد، والترمذي - وحسنه -.
وفي الباب أحاديث.
ووجه المنع من أخذ الأجرة على تعليمه: أن ذلك من تبليغ الأحكام الشرعية؛ وهو واجب، وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، وأصحابه، وأبو حنيفة، وبه قال عطاء، والضحاك، والزهري، وإسحاق، وعبد الله بن شقيق.
هذا؛ وقد مال الماتن في " حاشية الشفاء " إلى أن الجمع مقدم على الترجيح؛ قال:
" لأن حديث: " أحق ما أخذتم عليه أجرا القرآن " عام يصدق على التعليم، وأخذ الأجرة على التلاوة لمن طلب من القارئ ذلك، وأخذ الأجرة على الرقية، وأخذ ما يدفع إلى القارئ من العطاء لأجل كونه قارئا، ونحو ذلك؛ فيخص من هذا العموم تعليم المكلف، ويبقى ما عداه داخلا تحت العموم، وبعض أفراد العام فيه أدلة خاصة تدل على جوازه؛ كما دل العام على ذلك.
فمن تلك الأفراد: " أخذ الأجرة على الرقية، وتعليم المرأة في مقابلة مهرها؛ فهكذا ينبغي تحرير الكلام في المقام.
والمصير إلى الترجيح من ضيق العطن، ولا سيما لما لا مدخل له فيما نحن بصدده؛ كما زعمه المصنف، والمقبلي.
стр. 988
وبهذا تعلم أن ما ساقه في أدلة القائلين بجواز أخذ الأجرة على التعليم من حديث الرقية؛ لا دلالة فيه على المطلوب ".
( [جواز كراء العين مدة معلومة بأجرة معلومة] :)
(و) يجوز (أن يكري العين مدة معلومة بأجرة معلومة) ؛ لما ورد من إكراء الأراضي في عصره ﷺ ، كحديث رافع بن خديج في " الصحيحين "، قال: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالورق فلم ينهنا.
وفي لفظ مسلم، وغيره: فأما شيء معلوم مضمون؛ فلا بأس به.
وسائر الأعيان لها حكم الأرض.
وفي " شرح السنة ":
" ذهب عامة أهل العلم إلى جواز كراء الأرض بالدراهم والدنانير وغيرها من صنوف الأموال؛ سواء كان مما تنبت الأرض أولا تنبت؛ إذا كان معلوما بالعيان أو بالوصف، كما يجوز إجارة غير الأراضي من العبيد والدواب وغيرها، وجملته: أن ما جاز بيعه جاز أن يجعل أجرة ".
قال محمد: لا بأس بكراء الأرض بالذهب والورق، وبالحنطة كيلا معلوما؛ وضربا معلوما، ما لم يشترط ذلك مما يخرج منها، فإن اشترط مما يخرج منها كيلا معلوما؛ فلا خير فيه، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 989
( [جواز كراء الأرض بأجرة معلومة] :)
(ومن ذلك الأرض لا بشطر ما يخرج منها) ؛ لأن أحاديث: أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من تمر أو زرع - وإن كانت ثابتة في " الصحيحين " وغيرهما -؛ فهي منسوخة بمثل حديث رافع - المتقدم -، (١) وما ورد في معناه.
وفي المسألة مذاهب متنوعة، وأدلة مختلفة، واجتهادات مضطربة، قد أوضحها الماتن في " شرح المنتقى "، وفي رسالة مستقلة، وذكرتها في " مسك الختام ".
ومن أصرح أحاديث النهي: حديث جابر - عند مسلم وغيره -، قال: كنا نخابر (٢) على عهد رسول الله ﷺ ، فنصيب من القصري (٣) ومن كذا ومن كذا، فقال النبي ﷺ : " من كانت له أرض؛ فليزرعها أو ليحرثها أخاه؛ وإلا فليدعها ".
стр. 990
وفي حديث سعد بن أبي وقاص: أنه نهاهم أن يكروا بذلك، وقال: " أكروا بالذهب والفضة "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، ورجاله ثقات (١) .
وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة نحو حديث جابر.
وفي " الحجة البالغة ":
" اختلف الرواة في حديث رافع اختلافا فاحشا، وكان زيادة وجوه التابعين يتعاملون بالمزارعة، ويدل على الجواز حديث معاملة أهل خيبر.
وأحاديث النهي عنها محمولة على الإجارة بما على الماذيانات، أو قطعة معينة، وهو قول رافع (٢) ، أو على التنزيه والإرشاد، وهو قول ابن عباس (٣) ،
стр. 991
أو على مصلحة خاصة بذلك الوقت من جهة كثرة مناقشتهم في هذه المعاملة حينئذ، وهو قول زيد - رضي الله تعالى عنه -، والله - تعالى - أعلم ".
" والمزارعة: أن يكون الأرض والبذر لواحد، والعمل والبقر من الآخر، والمخابرة: أن يكون الأرض لواحد، والبذر والبقر والعمل من الآخر، ونوع آخر يكون العمل من أحدهما والباقي من الآخر ". انتهى.
( [بيان أن من أفسد ما استؤجر عليه أو تلف ما استأجره ضمن] :)
(ومن أفسد ما استؤجر عليه، أو أتلف ما استأجره ضمن) ؛ لمثل حديث (١) : " على اليد ما أخذت حتى تؤديه ".
أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححه -، وهو من حديث الحسن عن سمرة؛ وفي سماعه منه كلام مشهور.
والمراد: أن على اليد ضمان ما أخذت حتى تؤديه.
وأخرج أبو داود (٢) ، والنسائي، وابن ماجه، والبزار من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، قال:
стр. 992
" من تطبب ولم يعلم منه طب؛ فهو ضامن ".
وقد أخرجه النسائي مسندا منقطعا.
ويؤيده حديث عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي، قال: قال رسول الله ﷺ :
" أيما طبيب تطبب على قوم؛ لا يعرف له تطبب قبل ذلك، فأعنت (١) ؛ فهو ضامن "؛ أخرجه أبو داود.
فالمتطبب إنما ضمن؛ لكونه أقدم على بدن المريض غير عالم بما يعلم به أهل هذه الصناعة، فكان ضامنا.
وهكذا من استؤجر على عمل معين، فأقدم على العمل فيها غير عالم بالصناعة، وأفسدها لتعاطيه؛ ضمن.
وهكذا من استأجر دابة ليركب عليها إلى مكان، فسار بها سيرا غير معتاد، فهلكت، أو ترك علفها، فماتت؛ فإنه ضامن.
стр. 993
(٨ - باب الإحياء والإقطاع)
( [من أحيا أرضا ميتة فهي له] :)
(من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره؛ فهو أحق بها، وتكون ملكا له) ؛ لحديث جابر، أن النبي ﷺ قال: " من أحيا أرضا ميتة فهي له ".
أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، وصححه الترمذي.
وفي لفظ: " من أحاط حائطا على أرض؛ فهي له "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، والبيهقي، وصححه ابن الجارود من حديث الحسن، عن سمرة؛ مرفوعا:
" من أحاط حائطا على أرض فهي له " (١) .
وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والنسائي من
стр. 994
حديث سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ :
" من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق (١) ظالم حق " (٢) .
وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ :
" من عمر أرضا ليست لأحد؛ فهو أحق بها ".
وأخرج أبو داود من حديث أسمر بن مضرس، قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فقال: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم؛ فهو له "؛ فخرج الناس يتعادون يتخاطون؛ أي: يجعلون في الأرض خطوطا علامة لما سبقوا إليه.
وصححه الضياء في " المختارة " (٣) .
في " شرح السنة ":
" من أحيا مواتا - لم يجر عليه ملك أحد في الإسلام - يملكه، وإن لم يأذن السلطان؛ وبه قال الشافعي.
وذهب بعضهم إلى أنه يحتاج إلى إذن السلطان، وهو قول أبي حنيفة، وخالفه صاحباه.
стр. 995
وقوله: " ليس لعرق ظالم حق "؛ هو أن يغتصب أرض الغير، فيغرس فيها أو يزرع؛ فلا حق له، ويقلع غراسه وزرعه ".
وفي " المنهاج ":
" ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبل - أي: وقف -، أو فقيه إلى مدرسة، أو صوفي إلى (خانقاه) ؛ لم يزعج منه، ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه ". انتهى.
في " الحجة البالغة ":
" الأرض كلها بمنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على أبناء السبيل، وهم شركاء فيه، فيقدم الأسبق فالأسبق.
ومعنى الملك في حق الآدمي: كونه أحق بالانتفاع من غيره ". انتهى.
( [الأدلة على جواز إقطاع الإمام بعض رعيته لمصلحة] :)
(ويجوز للإمام أن يقطع من في إقطاعه مصلحة شيئا من الأرض الميتة أو المعادن أو المياه) ؛ لما في " الصحيحين " من حديث أسماء بنت أبي بكر: من أنها كانت تنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ .
وأخرج أحمد، وأبو داود، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر (١) فرسه، وأجرى الفرس حتى قام (٢) ، ثم
стр. 996
رمى بسوطه فقال: " أقطعوه حيث بلغ السوط "؛ وفي إسناده عبد الله بن عمر ابن حفص؛ وفيه مقال خفيف (١) .
وأقطع النبي ﷺ وائل بن حجر أرضا بحضرموت؛ كما أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن حبان، والبيهقي، والطبراني، والمنذري (٢) ؛ بإسناد حسن، وصححه الترمذي.
وأخرج أحمد (٣) من حديث عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عوف قال: أقطعيني النبي ﷺ ، وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا.
وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس، قال: دعا النبي ﷺ الأنصار ليقطع لهم البحرين، فقالوا: يا رسول الله ﴿إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي ﷺ ، فقال: " إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني ".
وأخرج أحمد (٤) ، وأبو داود من حديث ابن عباس قال: أقطع النبي ﷺ
стр. 997
بلال بن الحرث المزني معادن القبلية جلسيّها وغوريّها (١) ".
وأخرجاه أيضا من حديث عمرو بن عوف المزني.
وأخرج الترمذي، وأبو داود، والنسائي - وصححه ابن حبان، وحسنه (٢) الترمذي - من حديث أبيض بن حمال: أنه وفد إلى النبي ﷺ ؛ استقطعه الملح، فقطع له، فلما أن ولى؛ قال رجل من المجلس: أتدري ما أقطعت له؟ إنما أقطعته الماء العد (٣) ، قال: فانتزعه منه.
وفي الباب غير ذلك.
قال في " المنهاج ": " المعدن الظاهر - وهو ما يخرج بلا علاج -؛ لا يُملك بالإحياء، ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع.
والمعدن الباطن - وهو ما لا يخرج إلا بعلاج؛ كذهب وفضة وحديد ونحاس -؛ لا يُملك بالحفر والعمل؛ في الأظهر ".
قال المحلي: " والثاني يُملك بذلك، وللسلطان إقطاعه على الملك، وكذا على عدمه في الأظهر، ولا يقطع إلا قدرا يتأتى في العمل عليه ".
стр. 998
قال في " الحجة البالغة ":
" ولا شك أن المعدن الظاهر الذي لا يحتاج إلى كثير عمل: إقطاعه لواحد من المسلمين؛ إضرار بهم وتضييق عليهم ". انتهى.
стр. 999
(٩ - باب الشركة)
( [بيان أن الناس شركاء في الماء والنار والكلإ] :)
(الناس شركاء في الماء والنار والكلإ) ؛ لحديث أبي خداش (١) ، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ :
" المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلإ والنار " (٢) .
أخرجه أحمد، وأبو داود.
وقد رواه أبو نعيم في " الصحابة " في ترجمة أبي خداش (١) ، ولم يذكر الرجل، وقد سئل أبو حاتم عنه؟ فقال: أبو خداش لم يدرك النبي ﷺ ، قال ابن حجر: رجاله ثقات.
وقد أخرج الحديث ابن ماجه (٣) عن ابن عباس، وفي إسناده عبد الله ابن خداش، وهو متروك، وقد صححه ابن السكن.
стр. 1000
وأخرج ابن ماجه أيضا من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " لا يُمنع الماء والنار والكلأ " (١) ؛ قال ابن حجر: إسناده صحيح.
وأخرج الخطيب من حديث عمر نحو ما في الباب، وزاد: " والملح "، وفيه عبد الحكيم بن ميسرة.
ورواه الطبراني بسند حسن، عن زيد بن جبير، عن ابن عمر.
وله عنده طريق أخرى.
وأخرجه أبو داود من حديث بهيسة، عن أبيها.
وأخرجه ابن ماجه من حديث عائشة، أنها قالت: يا رسول الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: " الملح والماء والنار "، وإسناده ضعيف.
وأخرجه الطبراني، عن أنس بلفظ: " خصلتان لا يحل منعهما: الماء والنار " (٢) .
وأخرجه العقيلي في " الضعفاء " من حديث عبد الله بن سرجس.
وأحاديث الباب تنتهض بمجموعها.
وقد خصص الحديث بما وقع من الإجماع على أن الماء المحرز في الجرار ملك.
стр. 1001
قال في " الحجة ":
" يتأكد استحباب المواساة في هذه فيما كان مملوكا.
وما ليس بمملوك أمره ظاهر ". انتهى.
( [بيان توزيع الماء بين المستحقين] :)
وإذا تشاجر المستحقون للماء كان الأحق به الأعلى فالأعلى، يمسكه إلى الكعبين، ثم يرسله إلى من تحته) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قضى في سيل مهزور (١) : أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل؛ أخرجه أبو داود (٢) ، وابن ماجه.
قال ابن حجر في " الفتح ": " وإسناده حسن ".
وأخرجه الحاكم في " المستدرك ". من حديث عائشة، وصححه الحاكم، وأعله الدارقطني بالوقف.
وأخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث ثعلبة بن مالك.
وأخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " من حديث أبي حاتم القرظي، عن أبيه، عن جده.
وأخرج ابن ماجه، والبيهقي، والطبراني من حديث عبادة: أن النبي ﷺ
стр. 1002
قضى في شرب النخل من السيل: أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء.
وأحاديث الباب صالحة للاحتجاج بها.
قال في " المنهاج ":
" والمياه المباحة - من الأودية والعيون والسيول والأمطار -؛ يستوي الناس فيها، فإن أراد الناس سقي أرضهم منها فضاق؛ سقى الأعلى فالأعلى، وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين.
وقال محمد: بهذا نأخذ؛ لأنه كان كذلك الصلح بينهم، ولكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيولهم وأنهارهم وشربهم ".
( [لا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ] :)
(ولا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما عن النبي ﷺ قال: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ ".
وفي لفظ مسلم: " لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ ".
وفي لفظ للبخاري: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ ".
وفي الباب أحاديث.
стр. 1003
وفي لفظ لأحمد: " ولا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه "، وهو أن يتغلب رجل على عين أو واد؛ فلا يدع أحدا يسقي منه ماشية إلا بالأجر؛ فإنه يفضي إلى بيع الكلإ المباح؛ يعني: يصير المرعى من ذلك بإزاء مال، وهذا باطل؛ لأن الماء والكلأ مباحان.
وقيل: يحرم بيع الماء الفاضل عن حاجته لمن أراد الشرب أو سقي الدواب.
وأما ماء البئر؛ فلا يُمنع من أراد شربه أو سقي بهائمه؛ كما في " الموطإ " من حديث عمرة بنت عبد الرحمن، أن رسول الله ﷺ قال: " لا يمنع نقع بئر "؛ أي: فضل مائها.
قلت: وعليه أهل العلم.
في " المنهاج ":
" وحافر بئر بموات للارتفاق أولى بمائها حتى يرتحل.
والمحفورة - أي في أرض موات للتملك، أو في ملك يتملك ماءها في الأصح، وسواء ملكه أم لا -: لا يلزمه بذل ما فضل عن حاجته لزرع، ويجب لماشية.
قال المحلي: في المحفورة للارتفاق - وقبل ارتحاله -؛ ليس له منع ما فضل عنه عن محتاج إليه للشرب؛ إذا استسقى بدلو نفسه، ولا منع مواشيه، وله منع غيره لسقي الزرع.
стр. 1004
قال محمد: وبهذا نأخذ؛ أيما رجل كانت له بئر؛ فليس له أن يمنع الناس منها؛ أن يستقوا منها بشفاههم.
أما لزرعهم ونخلهم؛ فله أن يمنع ذلك، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ".
( [يصح للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي دواب المسلمين] :)
(وللإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة) ؛ لحديث ابن عمر عند أحمد (١) ، وابن حبان: أن النبي ﷺ حمى النقيع (٢) للخيل؛ خيل المسلمين.
وأخرج أحمد (٣) ، وأبو داود، والحاكم من حديث الصعب بن جثامة (٤) ؛ وزاد: " لا حمى إلا لله ورسوله ".
стр. 1005
وهذه الزيادة في " صحيح البخاري "؛ (١) وفيه (٢) : أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى شرف (٣) والربذة.
قلت: وعليه الشافعي.
في " المنهاج ":
" والأظهر أن للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي نعم جزية، وصدقة وضالة، وضعيف من النجعة، ولا يحمي لغير ذلك ". انتهى.
لأن الحمى تضييق على الناس، وظلم عليهم، وإضرار لهم.
( [جواز الاشتراك في النقود والتجارات] :)
(ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات، ويقسم الربح على ما تراضيا عليه) ؛ لحديث السائب بن أبي السائب، أنه قال للنبي ﷺ : كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك؛ لا تداريني (٤) ولا تماريني.
стр. 1006
أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم - وصححه (١) -.
وفي لفظ لأبي داود، وابن ماجه: أن السائب المخزومي كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخي وشريكي؛ لا تداري ولا تماري.
وله طرق غير هذه.
وأخرج البخاري عن أبي المنهال: أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ النبي ﷺ ، فأمرهما أن " ما كان يدا بيده فخذوه، وما كان نسيئة فردوه ".
وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن ابن مسعود قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء؛ وفيه انقطاع (٢) .
وأخرج أحمد (٣) ، وأبو داود، عن رويفع بن ثابت، قال: إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو (٤) أخيه؛ على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح (٥) .
стр. 1007
وأخرجه الدارقطني، والبيهقي.
( [جواز المضاربة ما لم تشتمل على حرام] :)
(وتجوز المضاربة) ، وهو في لغة أهل المدينة: القراض، والضرب بمعنى السفر، والمضاربة المعاملة على السفر، وأيضا الضرب بمعنى الشركة، والمضاربة المعاملة على الشركة.
اتفق أهل العلم على جواز المضاربة، ولا تجوز إلا على الدراهم والدنانير، وهو أن يعطي شيئا منها لرجل ليعمل ويتجر، فما يحصل من الربح يكون بينهما مناصفة، أو أثلاثا؛ على ما يتشارطان.
(ما لم تشتمل على ما لا يحل) ؛ لما روي عن حكيم بن حزام: أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به: أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئا من ذلك؛ فقد ضمنت مالي.
وقد قيل: إنه لم يصح في المضاربة شيء عن النبي ﷺ ، وإنما فعلها الصحابة: منهم حكيم المذكور، ومنهم علي كما رواه عبد الرزاق، ومنهم ابن مسعود كما رواه الشافعي، ومنهم العباس كما رواه البيهقي، ومنهم جابر كما رواه البيهقي أيضا، ومنهم أبو موسى وابن عمر كما رواه في " الموطإ "، والشافعي، والدارقطني، ومنهم عمر كما رواه الشافعي، ومنهم عثمان كما رواه البيهقي.
وقد روي في ذلك من المرفوع ما أخرجه ابن ماجه من حديث صهيب،
стр. 1008
قال: قال رسول الله ﷺ :
" ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع "؛ ولكن في إسناده مجهولان.
أقول: قد صرح جماعة من الحفاظ بأنه لم يثبت في هذا الباب - أعني: المضاربة - شيء مرفوع إلى رسول الله ﷺ ؛ بل جميع ما فيه آثار عن الصحابة، وقد وقع إجماع من بعدهم على جواز هذه المعاملة؛ كما حكى ذلك غير واحد.
وصرح الحافظ ابن حجر بأنها كانت ثابتة في عصر النبوة، فقال:
" والذي نقطع به؛ أنها كانت ثابتة في عصر النبي ﷺ ؛ يعلم بها وأقرها، ولولا ذلك لما جازت البتة ". انتهى.
ولا يخفاك أن عدم الجواز الذي ذكره - على فرض عدم ثبوتها في أيام النبوة - مبني على أن الأصل عدم جواز كل معاملة لم يثبت فيها دليل، وهو غير مسلم؛ بل الأصل الجواز؛ ما لم تكن على وجه يستلزم ما لا يحل شرعا.
وعندي أن المضاربة داخلة تحت قول الله: ﴿وأحل الله البيع﴾ ، وتحت قوله - تعالى -: ﴿تجارة عن تراض﴾ ؛ بل كل ما دل على جواز البيع، وعلى جواز الإجارة، وعلى جواز الوكالة؛ دل عليها.
وبيان ذلك: ان المالك للنقد إذا دفعه إلى آخر، ووكله بالشراء له بنقده
стр. 1009
ما رآه، ووكله أيضا ببيعه، وجعل له أجرة على تولي البيع وتولي الشراء، وهي ما سماه له من الربح؛ فجواز البيع والشراء داخل تحت أدلة البيع والشراء، وجواز التوكيل بهما داخل تحت أدلة الوكالة، وجواز جعل جزء من الربح للوكيل داخل تحت أدلة الإجارة؛ فعرفت بهذا أن القراض غير خال من دليل يدل عليه العموم؛ بل الذي لم يثبت هو الدليل الذي يدل عليه بخصوصه، فلا وجه لما قاله الحافظ ابن حجر: أنها لو لم تثبت هذه المعاملة بخصوصها في عصر النبوة لما جازت البتة (١) .
واعلم أن هذه الأسامي التي وقعت في كتب الفروع - لأنواع من الشركة كالمفاوضة (٢) والعنان والوجوه والأبدان - لم تكن أسماء شرعية ولا لغوية؛ بل اصطلاحات حادثة متجددة، ولا مانع للرجلين أن يخلطا ماليهما ويتجرا؛ كما هو معنى المفاوضة المصطلح عليها؛ لأن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء؛ ما لم يستلزم ذلك التصرف محرما مما ورد الشرع بتحريمه.
стр. 1010
وإنما الشأن في اشتراط استواء المالين وكونهما نقدا واشتراط العقد، فهذا لم يرد ما يدل على اعتباره؛ بل مجرد التراضي بجمع المالين والاتجار بهما كاف، وكذلك لا مانع من أن يشترك الرجلان في شراء شيء؛ بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب منه بقدر نصيبه من الثمن؛ كما هو معنى شركة العنان اصطلاحا، وقد كانت هذه الشركة ثابتة في أيام النبوة، ودخل فيها جماعة من الصحابة، فكانوا يشتركون في شراء شيء من الأشياء، ويدفع كل واحد منهم نصيبا من قيمته، ويتولى الشراء أحدهما أو كلاهما.
وأما اشتراط العقد والخلط؛ فلم يرد ما يدل على اعتباره.
وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الآخر أن يستدين له مالا، ويتجر فيه؛ ويشتركا في الربح؛ كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحا، ولكن لا وجه لما ذكروه من الشروط.
وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الآخر في أن يعمل عنه عملا استؤجر عليه؛ كما هو معنى شركة الأبدان اصطلاحا، ولا معنى لاشتراط شروط في ذلك.
والحاصل: أن جميع هذه الأنواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي؛ لأن ما كان منها من التصرف في الملك؛ فمناطه التراضي، ولا يتحتم اعتبار غيره، وما كان منها من باب الوكالة أو الإجارة؛ فيكفي فيه ما يكفي فيهما.
فما هذه الأنواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها؟ ﴿وأي دليل عقل أو نقل ألجأهم إلى ذلك؟﴾ فإن الأمر أيسر من هذا التهويل والتطويل؛ لأن
стр. 1011
حاصل ما يستفاد من شركة المفاوضة والعنان والوجوه: أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شيء وبيعه، ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن، وهذا شيء واحد واضح المعنى، يفهمه العامي فضلا عن العالم، ويفتي بجوازه المقصر فضلا عن الكامل، وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن أو يختلف، وأعم من أن يكون المدفوع نقدا أو عرضا، وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل واحد منهما أو بعضه، وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما.
وهب أنهم جعلوا لكل قسم من هذه الأقسام - التي هي في الأصل شيء واحد - اسما يخصه؛ فلا مشاحة في الاصطلاحات؛ لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات، وتكلفهم لتلك الشروط، وتطويل المسافة على طالب العلم، وإتعابه بتدوين ما لا طائل تحته؟ ﴿
وأنت لو سألت حراثا أو بقالا عن جواز الاشتراك في شراء الشيء وفي ربحه؛ لم يصعب عليه أن يقول: نعم.
ولو قلت له: هل يجوز العنان أو الوجوه أو الأبدان؛ لحار في فهم معاني هذه الألفاظ﴾
بل قد شاهدنا كثيرا من المتبحرين في علم الفروع؛ يلتبس عليه كثير من تفاصيل هذه الأنواع، ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها من بعض، اللهم! إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه؛ فربما يسهل عليه ما يهتدي به إلى ذلك.
стр. 1012
وليس المجتهد من وسع دائرة الآراء العاطلة عن الدليل، وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل؛ فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد؛ بل المجتهد من قرر الصواب وأبطل الباطل، وفحص في كل مسألة عن وجوه الدلائل، ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين، فالحق لا يعرف بالرجال.
ولهذا المقصد؛ سلكنا في هذه الأبحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صفى فهمه عن التعصبات، وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات، والله المستعان.
( [بيان عرض الطريق إذا اختلف الشركاء] )
(وإذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: " إذا اختلفتم في الطريق؛ فاجعلوه سبعة أذرع ".
وأخرج معناه عبد الله بن أحمد في " المسند " (١) ، والطبراني من حديث عبادة بن الصامت.
وأخرجه أيضا عبد الرزاق من حديث ابن عباس (٢) .
وأخرجه أيضا ابن عدي من حديث أنس.
стр. 1013
( [النهي عن منع الجار جاره أن يغرز خشبة في جداره] :)
(ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: " لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره ".
وروى نحوه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي عن جماعة من الصحابة.
( [بيان أنه لا ضرر ولا ضرار بين الشركاء] :)
(ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء) ؛ لحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار؛ وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره، وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع ".
أخرجه أحمد (١) ، وابن ماجه، والبيهقي، والطبراني، وعبد الرزاق.
قال ابن كثير:
" أما حديث: " لا ضرر ولا ضرار "؛ فرواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت (٢) ، وروي من حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وهو حديث مشهور ". انتهى.
стр. 1014
فحديث ابن عباس هو المذكور في الباب، وحديث عبادة أخرجه أيضا البيهقي، وحديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه (١) ، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي.
وقد رواه - من حديث ثعلبة بن مالك القرظي -: الطبراني في " الكبير "، وأبو نعيم.
( [بيان عقوبة من ضار شريكه] :)
(ومن ضار شريكه كان للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره) ؛ لحديث سمرة بن جندب: أنه كانت له عضد (٢) من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الرجل ويشق عليه، فطلب إليه أن يناقله؛ فأبى، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: " فهبه لي؛ ولك كذا وكذا "؛ أمر أرغبه فيه، فأبى، فقال: " أنت مضار "؛ فقال رسول الله ﷺ للأنصاري: " اذهب فاقلع نخله ".
стр. 1015
وهو من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه (١) ، عن سمرة، ولم يسمع منه.
وقد روى المحب الطبري في " أحاديث الأحكام " عن واسع بن حبان، قال: كان لأبي لبابة عذق (٢) في حائط رجل، فكلمه ... ثم ذكر نحو قصة سمرة.
стр. 1016
(١٠ - باب الرهن)
( [دليل مشروعية الرهن] :)
(يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه) .
الرهن جائز بالإجماع؛ وقد نطق به الكتاب العزيز، وتقييده بالسفر خرج مخرج الغالب، كما ذهب إليه الجمهور.
وقال مجاهد والضحاك والظاهرية: لا يشرع إلا في السفر.
وقد رهن النبي ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيرا لأهله؛ كما أخرجه البخاري، وغيره من حديث أنس، وهو في " الصحيحين " من حديث عائشة، وأخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عباس، وصححه الترمذي، وصاحب " الاقتراح ".
وفي ذلك دليل على مشروعية الرهن في الحضر؛ كما قال الجمهور.
( [ينتفع بالمرهون إذا كان دابة تركب أو بهيمة تحلب] :)
(والظهر يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون) ؛ لما أخرجه البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة ".
стр. 1017
وللحديث ألفاظ.
والمراد: أن المرتهن ينتفع بالرهن وينفق عليه، وقد ذهب إلى ذلك أحمد وإسحاق والليث والحسن وغيرهم.
قال ابن القيم:
" وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى، وهو الصواب ".
وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء؛ بل الفوائد للراهن والمؤن عليه، قالوا: والحديث ورد على خلاف القياس.
ويجاب بأن هذا القياس فاسد الاعتبار، مبني على شفا جرف هار، ولا يصح الاحتجاج به؛ لما ورد من النهي عن أن تحلب ماشية الرجل بغير إذنه - كما في " البخاري " وغيره -؛ لأن العام لا يرد به الخاص؛ بل يبنى عليه.
وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين ":
" وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا يصلح للراهنين غيره، وما عداه ففساده ظاهر.
فإن الراهن قد يغيب، ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشق عليه؛ أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن إثبات غيبة الراهن.
وإثبات أن قدر النفقة عليه قدر حلبه وركوبه، وطلبه منه الحكم له بذلك
стр. 1018
في هذا؛ من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة، فشرع الشارع الحكيم القيم بمصالح العباد.
وللمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره - وعليه نفقته -، وهذا محض القياس لو لم تأت به السنة الصحيحة ". انتهى.
ثم أطال في تخريج هذا القياس إلى ما لا يسعه هذا القرطاس.
( [لا يستحق المرتهن الرهن إذا لم يفكه الراهن] :)
(ولا يغلق (١) الرهن بما فيه) ؛ لحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال:
" لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه ".
أخرجه الشافعي (٢) والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن حبان في
стр. 1019
" صحيحه "، وحسن الدارقطني إسناده.
وقال الحافظ ابن حجر في " بلوغ المرام ": أن رجاله ثقات؛ إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله.
وأخرجه ابن ماجه من طريق أخرى (١) ، والرفع زيادة، وقد خرجت من مخرج مقبول.
والمراد بالغلاق هنا: استحقاق المرتهن له؛ حيث لم يفكه الراهن في الوقت المشروط.
وروى عبد الرزاق عن معمر؛ أنه فسر غلاق الرهن؛ بما إذا قال الرجل: إن لم آتك بمالك فالرهن لك، قال: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من رب الرهن؛ له غنمه وعليه غرمه.
وقد روي أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن؛ إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب، فأبطله الشارع.
والغنم والغرم - هنا - هو أعم مما تقدم؛ من أن الظهر يركب بنفقة المرهون، واللبن يشرب.
قال في " الحجة البالغة ":
" ومبنى الرهن على الاستيثاق، وهو بالقبض؛ فلذلك اشترط فيه.
ولا اختلاف عندي بين حديث: " لا يغلق الرهن "؛ وحديث: " الظهر
стр. 1020
يركب " ... الخ؛ لأن الأول هو الوظيفة.
لكن إذا امتنع الراهن من النفقة عليه، وخيف الهلاك، وأحياه المرتهن؛ فعند ذلك ينتفع به بقدر ما يراه الناس عدلا ". انتهى.
قلت: وعليه أهل العلم.
قال محمد: وبهذا نأخذ.
وتفسير قوله: " لا يغلق الرهن ": أن الرجل كان يرهن الرهن - أي: المرهون عند الرجل -؛ فيقول: إن جئتك بمالك إلى كذا وكذا؛ وإلا فالرهن لك بمالك، قال رسول الله ﷺ : " لا يغلق الرهن، ولا يكون للمرتهن بماله "، وكذلك نقول، وهو قول أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس.
وفي " شرح السنة ":
" معناه لا يستغلق بحيث لا يعود إلى الراهن، بل متى أدى الحق المرهون به؛ افتك وعاد إلى الراهن.
وروى الشافعي هذا الحديث مع زيادة، ولفظه: " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه ".
قال الشافعي: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه.
وفيه دليل على أنه إذا هلك في يد المرتهن؛ يكون من ضمان الراهن، ولا يسقط بهلاكه شيء من حق المرتهن، وعليه الشافعي.