وأعتده (١) في سبيل الله ".
( [للواقف أن يجعل غلات الموقوف لمن شاء] :)
(وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة) ؛ لقوله ﷺ لعمر في الحديث السابق: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها "، فإطلاق الصدقة يشعر بأن للواقف أن يتصدق بها كيف شاء؛ فيما فيه قربة.
وقد فعل عمر ذلك، فتصدق بها على الفقراء وذوي القربى والرقاب والضعيف وابن السبيل؛ كما تقدم.
والحاصل: أن الوقف الذي جاءت به الشريعة - ورغب فيه رسول الله ﷺ وفعله أصحابه -؛ هو الذي يُتقرب به إلى الله ، حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها، فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة؛ لأن ذلك خلاف موضوع الوقف المشروع؛ لكن القربة توجد في كل ما أثبت فيه الشرع أجرا لفاعله؛ كائنا ما كان.
فمن وقف - مثلا - على إطعام نوع من أنواع الحيوانات المحترمة؛ كان وقفه صحيحا؛ لأنه قد ثبت في السنة الصحيحة: " أن في كل كبد رطبة أجرا ".
ومثل هذا: لو وقف على من يخرج القذارة من المسجد، أو يرفع ما يؤذي المسلمين في طريقهم؛ كان ذلك وقفا صحيحا؛ لورود الأدلة الدالة على
стр. 1052
ثبوت الأجر لفاعل ذلك.
فقس على هذا غيره مما هو مساو له في ثبوت الأجر لفاعله، وما هو آكد منه في استحقاق الثواب.
( [جواز الأكل من وقفه وأن يجعل نفسه عليه] :)
(وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف) ؛ لما تقدم في وقف عمر الذي قرره النبي ﷺ .
(وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين) ؛ لما تقدم في حديث عثمان من قوله ﷺ : " فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين ".
( [بطلان وقف من أراد مضارة لوارثه] :)
(ومن وقف شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا) ؛ لأن ذلك مما لم يأذن به الله - سبحانه -؛ بل لم يأذن إلا بما كان صدقة جارية ينتفع بها صاحبها؛ لا بما كان إثما جاريا وعقابا مستمرا.
وقد نهى الله - تعالى - عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا، ونهى عنه النبي ﷺ عموما؛ كحديث: " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " - وقد تقدم -، وخصوصا؛ كما في ضرار الجار، وضرار الوصية، ونحوهما.
والحاصل: أن الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة فرائض الله : فهي باطلة من أصلها؛ لا تنعقد بحال.
وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا
стр. 1053
لم يرد التقرب إلى الله - تعالى -؛ بل أراد المخالفة لأحكام الله ، والمعاندة لما شرعه لعباده، وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني، فليكن هذا منك على ذُكر؛ فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة ﴿
وهكذا وقف من لا يحمله على الوقف؛ إلا محبة بقاء المال في ذريته وعدم خروجه عن أملاكهم، فيقفه على ذريته؛ فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله ؛ وهو انتقال الملك بالميراث، وتفويض الوارث في ميراثه يتصرف فيه كيف يشاء، وليس أمر غنى الورثة أو فقرهم إلى هذا الواقف؛ بل هو إلى الله .
وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا؛ بحسب اختلاف الأشخاص.
فعلى الناظر أن يمعن النظر في الأسباب المقتضية لذلك.
ومن هذا النادر: أن يقف على من تمسك بالصلاح من ذريته، أو اشتغل بطلب العلم؛ فإن هذا الوقف ربما يكون المقصد فيه خالصا، والقربة متحققة، والأعمال بالنيات، ولكن تفويض الأمر إلى ما حكم الله به بين عباده وارتضاه لهم؛ أولى وأحق.
( [بيان حكم المال الموقوف الذي يوضع في مكان لا يستفاد منه] :)
(ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد (١) لا ينتفع به أحد؛ جاز صرفه في
стр. 1054
أهل الحاجات ومصالح المسلمين، ومن ذلك ما يوضع في الكعبة وفي مسجده ﷺ ) ؛ لحديث عائشة - في " صحيح مسلم " وغيره -، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر -؛ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ".
فهذا يدل على جواز إنفاق ما في الكعبة إذا زال المانع، وهو حداثة عهد الناس بالكفر، وقد زال ذلك، واستقر أمر الإسلام، وثبت قدمه في أيام الصحابة؛ فضلا عن زمان من بعدهم.
وإذا كان هذا هو الحكم في الأموال التي في الكعبة؛ فالأموال التي في غيرها من المساجد أولى بذلك؛ بفحوى الخطاب.
فمن وقف على مسجده ﷺ ، أو على الكعبة، أو على سائر المساجد شيئا يبقى فيها لا ينتفع به أحد؛ فهو ليس بمتقرب ولا واقف ولا متصدق؛ بل كانز يدخل تحت قوله - تعالى -: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ الآية.
ولا يعارض هذا ما روى أحمد، والبخاري، عن أبي وائل، قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، فقال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ ﴿قلت: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرآن يُقتدى بهما "﴾
لأن هذا - من عمر ومن شيبة بن عثمان بن طلحة - اقتداء بما وقع من
стр. 1055
النبي ﷺ وأبي بكر؛ وقد أبان حديث عائشة السبب الذي لأجله ترك ﷺ ذلك.
أقول: وفي " حاشية الشفاء ":
" وأما أموال المساجد؛ فإن كانت كالأموال التي يقفها الواقفون عليها؛ ليحصل من غلاتها ما يحتاج إليه من عمارة ونحوها، وما يقوم بمن يحييها بالصلاة والتلاوة وتدريس العلوم؛ فلا شك أن هذا من أعظم القرب، ولا يحل لمسلم أن يأخذ منه شيئا.
وإن كان ذلك من الأمور التي لمجرد الزخرفة - التي هي من علامات القيامة، أو للمباهاة والمكاثرة -؛ فهو من إضاعة المال؛ بل من وضعه في معاصي الله؛ فيكون أخذه وصرفه في مصالح المسلمين من باب القيام بواجبين:
أحدهما: النهي عن المنكر.
والثاني: توقي إضاعة المال المنهي عنها بالدليل الصحيح.
وأما وضع الحلي في الكعبة، والدراهم والدنانير والجواهر النفيسة؛ فلا أستبعد أن يكون فاعله من الكانزين الذين قال الله فيهم: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ ، ولا أرى على من أخذها - ليصرفها في مصالح المؤمنين؛ أو يدفع بها مفاسدهم بأسا، ولم يرد - ما يدل على المنع ". انتهى.
стр. 1056
وقد أوضح الماتن الكلام فيها في " شرح المنتقى "، فليراجع.
( [تحريم الوقف على القبور لتزيينها أو زخرفتها] :)
(والوقف على القبور - لرفع سمكها، أو تزيينها، أو فعل ما يجلب على زائرها فتنة - باطل) ؛ لأن رفعها قد ورد النهي عنه؛ كما في حديث علي: أنه أمره ﷺ أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه، ولا تمثالا إلا طمسه.
وهو في " مسلم " وغيره.
وكذلك تزيينها، وأشد من ذلك ما يجلب الفتنة على زائرها؛ كوضع الستور الفائقة، والأحجار النفيسة، ونحو ذلك؛ فإن هذا مما يوجب أن يعظم صاحب ذلك القبر في صدر زائره من العوام، فيعتقد فيه ما لا يجوز.
وهكذا إذا وقف للنحر عند القبور ونحوه مما فيه مخالفة لما جاء عن الشارع.
أما إذا وقف على إطعام من يفد إلى ذلك القبر، أو نحو ذلك؛ فهذا هو وقف على الوافد لا على القبر (١) ، وما صنع الواقف بوقفه على القبر إلا ما يعرضه للإثم؛ فقد يكون ذلك سببا للاعتقادات الفاسدة.
وبالجملة: فالوقف على القبور مفسدة عظيمة ومنكر كبير؛ إلا أن يقف على القبر - مثلا - لإصلاح ما انهدم من عمارته؛ التي لا إشراف فيها ولا رفع ولا تزيين
стр. 1057
فقد يكون لهذا وجه صحة؛ وإن كان غير القبر أحوج إلى ذلك؛ كما قال الصديق - رضي الله تعالى عنه -: الحي أولى بالجديد من الأكفان؛ أو كما قال.
стр. 1058
(١٥ - باب الهدايا)
( [فائدة الهدية] :)
جمع هدية؛ قال في " الحجة البالغة ":
" إنما يبتغى بها إقامة الألفة فيما بين الناس، ولا يتم هذا المقصود إلا بأن يرد إليه مثله؛ فإن الهدية تحبب المهدي إلى المهدى له؛ من غير عكس.
وأيضا؛ فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، ولمن أعطى الطول على من أخذ، فإن عجز فليشكره، وليظهر نعمته؛ فإن الثناء أول اعتداد بنعمته وإضمار لمحبته، وأنه يفعل في إيراث الحب ما تفعل الهدية، ومن كتم فقد خالف عليه ما أراده، وناقض مصلحة الائتلاف، وغمط حقه.
ومن أظهر ما ليس في الحقيقة؛ فلذلك كذب ". انتهى.
( [دليل مشروعية الهدية] :)
(يشرع قبولها ومكافأة فاعلها) ؛ لحديث أبي هريرة - عند البخاري -، عن النبي ﷺ ، قال: " لو دعيت إلى كراع (١) أو ذراع؛ لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع؛ لقبلت ".
стр. 1059
وأخرج أحمد، والترمذي - وصححه - نحوه من حديث أنس.
وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم الخزاعية، قالت: قلت يا رسول الله ﴿تكره رد اللطف؟ قال: " ما أقبحه﴾ لو أهدي إلي كراع لقبلته " (١) .
وأخرج أحمد (٢) برجال الصحيح؛ من حديث خالد بن عدي، أن النبي ﷺ قال:
" من جاءه من أخيه معروف - من غير إشراف ولا مسألة -؛ فليقبله ولا يرده؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليه ".
وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها.
والأحاديث في قبول الهدية والمكافأة عليها كثيرة، وذلك معلوم منه ﷺ .
( [جواز تبادل الهدايا بين المسلم والكافر] :)
(وتجوز بين المسلم والكافر) : لأن النبي ﷺ كان يقبل هدايا الكفار، ويهدي لهم، كما أخرجه أحمد (٣) ، والترمذي، والبزار من حديث علي،
стр. 1060
قال: أهدى كسرى لرسول الله ﷺ ؛ فقبل منه، وأهدى له قيصر؛ فقبل منه، وأهدت له الملوك؛ فقبل منها.
وأخرج أبو داود (١) من حديث بلال: أنه أهدى إلى النبي ﷺ عظيم فدك.
وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن أكيدر دومة أهدى لرسول الله ﷺ جبة سندس.
وأخرج أبو داود (٢) من حديثه: أن ملك الروم أهدى إلى النبي ﷺ مستقة (٣) سندس؛ فلبسها.
وفيهما أيضا من حديث علي: أن أكيدر دومة الجندل (٤) أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير، فأعطاه عليا، فقال: " شققه خمرا بين الفواطم (٥) ".
وأخرج البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر، قال: أتتني أمي راغبة
стр. 1061
في عهد قريش وهي مشركة، فسألت النبي ﷺ أصلها؟ قال: " نعم "، قال ابن عيينة (١) : فأنزل الله فيها: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ .
وقد أخرج أحمد، والطبراني من حديث أم سلمة: أن النبي ﷺ قال لها: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة؛ فإن ردت إلي فهي لك "؛ وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي؛ وثقه يحيى ابن معين وغيره، وضعفه جماعة (٢) .
والأحاديث في قبوله ﷺ لهدايا الكفار كثيرة جدا.
وأما ما أخرجه أحمد (٣) ، وأبو داود، والترمذي، وابن خزيمة - وصححاه - من حديث عياض بن حمار: أنه أهدى للنبي ﷺ هدية، أو ناقة، فقال النبي ﷺ : " أسلمت؟ ". قال: لا، قال: " إني قد نهيت عن زبد المشركين ".
стр. 1062
وأخرج موسى بن عقبة في " المغازي " عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أن عامر بن مالك - الذي يقال له: ملاعب الأسنة - قدم على النبي ﷺ وأهدى له؛ فقال: " إني لا أقبل هدية مشرك " (١) .
قال في " الفتح " (٢) : " رجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل، قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا ".
وقيل: إنما رد ذلك إليهم لقصد الإغاظة؛ أو لئلا يميل إليهم، ولا يجوز الميل إلى المشركين.
وأما قبوله لهدية من تقدم ذكره؛ فهو لكونهم قد صاروا من أهل الكتاب.
وقيل: إن الرد في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه.
ويمكن أن يكون النهي لمجرد الكراهة التي لا تنافي الجواز؛ جمعا بين الأدلة.
وزبد المشركين: هو بفتح الزاي، وسكون الموحدة، بعدها دال مهملة.
قال في " الفتح ": " هو الرفد ". انتهى.
( [الرجوع بالهدية حرام] :)
(ويحرم الرجوع فيها) ؛ لكون الهدية هي هبة - لغة وشرعا -، وقد ورد
стр. 1063
في ذلك حديث ابن عباس - عند البخاري، وغيره -، أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه "؛ وهو في " مسلم " أيضا.
وفي لفظ للبخاري: " ليس لنا مثل السوء ".
وأخرج أحمد (١) ، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم - من حديث ابن عمر، وابن عباس، رفعاه إلى النبي ﷺ ، قال:
" لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها؛ كمثل الكلب؛ أكل حتى إذا شبع قاء، ثم رجع في قيئه ".
وقد دل قوله: " لا يحل " على تحريم الرجوع من غير نظر إلى التمثيل الذي وقع الخلاف فيه؛ هل يدل على الكراهة أو التحريم؟ !
وقد ذهب إلى التحريم جمهور العلماء؛ إلا هبة الوالد لولده؛ كذا قال في " الفتح ".
( [تجب التسوية بالهدايا بين الأولاد] :)
(وتجب التسوية بين الأولاد) ؛ لحديث جابر - عند مسلم وغيره -، قال: قالت امرأة بشير: انحل ابني غلاما وأشهد لي رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال: " له
стр. 1064
إخوة؟ "، قال: نعم، قال: " فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ "، قال: لا، قال: " فليس يصلح هذا؛ وإني لا أشهد إلا على حق ".
وفي لفظ لأحمد من حديث النعمان بن بشير: " لا تشهدني على جور؛ إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم " (١) .
وفي " الصحيحين " من حديثه: أن النبي ﷺ قال له: " أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ "، فقال: لا، فقال: " فأرجعه ".
وفي لفظ لمسلم من حديثه: " اتقوا الله واعدلوا في أولادكم "، فرجع أبي في تلك الصدقة.
وكذا في " البخاري "؛ ولكنه بلفظ: " العطية ".
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديثه، قال: قال ﷺ : " اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم ".
وأخرج الطبراني، والبيهقي (٢) ، وسعيد بن منصور من حديث ابن عباس؛ بلفظ: " سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء "، وفي إسناده سعيد بن يوسف؛ وفيه ضعف، وقد حسن في " الفتح " إسناده.
стр. 1065
وهذه الأحاديث تدل على وجوب التسوية، وأن التفضيل باطل جور يجب على فاعله استرجاعه، وبه قال طاوس، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وبعض المالكية.
وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فقط، وأجابوا عن الأحاديث بما لا ينبغي الالتفات إليه.
والحاصل: أن النبي ﷺ قد أمر بالتسوية بين الأولاد، وقد تولى الله - سبحانه - كيفية ذلك في محكم كتابه، وسمى التفضيل جورا، فمن زعم أنه يجوز التفضيل لسبب من الأسباب - كالبر ونحوه -؛ فعليه الدليل، ولا ينفعه المجيء بما هو أعم من هذا الحديث المقتضي للأمر بالتسوية.
والمقام محتمل للتطويل والبسط، وقد جمع الماتن ﵀ فيه رسالة مستقلة، وذكر في " شرح المنتقى " ما أجاب به القائلون بعدم وجوب التسوية، وهي وجوه عشرة، وأجاب عن كل واحد منها.
وأوضحت المقام أيضا في كتابي: " دليل الطالب على أرجح المطالب "، فليراجع.
قال ابن القيم - في حديث نعمان بن بشير المتقدم -:
" هذا الحديث هو من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه، وقامت به السماوات والأرض، وأثبتت عليه الشريعة، فهو أشد موافقة للقرآن من كل قياس على وجه الأرض، وهو محكم الدلالة غاية الإحكام، فرد بالمتشابه من قوله: " كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين "، فكونه أحق به
стр. 1066
يقتضي جواز تصرفه فيه كما يشاء، وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب.
ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم، والقياس لا يقاوم هذا المحكم المبين غاية البيان ". انتهى.
وفي " شرح السنة ": " ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن تفضيل بعض الأولاد على بعض في النحل مكروه، ولو فعل نفذ.
وقد فضل أبو بكر عائشة بجداد (١) عشرين وسقا؛ نحلها إياه دون سائر أولاده.
وفي الحديث دليل على أن الوالد إذا وهب لولده شيئا؛ جاز له الرجوع فيه، وكذلك الأمهات والأجداد.
وأما غير الوالدين؛ فلا رجوع لهم فيما وهبوا وسلموا؛ لقول النبي ﷺ : " العائد في هبته كالعائد في قيئه ".
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا رجوع له فيما وهب لولده ".
( [متى يحرم قبول الهدايا ومتى يكره ردها ؟] :)
(والرد لغير مانع شرعي مكروه) ؛ لما قدمنا في أول البحث من الأدلة، فإن كان ثم مانع شرعي من قبول الهدية؛ لم يحل قبولها، وذلك كالهدايا
стр. 1067
لأهل الولايات؛ توصلا إلى أن يميلوا مع المهدي؛ فإن ذلك رشوة، وستأتي الأدلة الدالة على تحريمها.
وقد ورد في هدايا الأمراء ما يفيد أنها لا تحل، وسيأتي الكلام على طرق حديث هدايا الأمراء في (كتاب القضاء) .
والعلة أنها تؤول إلى الرشوة: إما في الحكم؛ أو في شيء مما يجب قيام الأمراء به.
ومن ذلك: الهدية إلى من يعلم المهدي القرآن، وقد تقدم الدليل على ذلك في الإجارات.
وهكذا حلوان الكاهن، ومهر البغي، ونحوهما.
ومن ذلك: الهدية لمن يقضي للمهدي حاجة؛ لحديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، قال: " من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها؛ فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ".
أخرجه أبو داود (١) من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأموي - مولاهم - الشامي؛ وفيه مقال.
وبالجملة: فكل مانع شرعي - قام الدليل على ما نعيته من قبول الهدايا -؛ له حكم ما ذكرناه.
стр. 1068
(١٦ - باب الهبات)
( [متى تكون الهبة بحكم الهدية ؟] :)
(إن كانت بغير عوض؛ فلها حكم الهدية في جميع ما سلف) ؛ لكون الهدية هبة لغة وشرعا، والفرق بينهما إنما هو اصطلاح جديد.
فإذا كانت الهبة بغير عوض؛ كانت المكافأة عليها مشروعة، وتجوز للكافر ومنه، ولا يحل الرجوع فيها.
وتجب التسوية بين الأولاد، ويكره الرد بغير مانع شرعي.
( [متى تكون الهبة بيعا] :)
(وإن كانت بعوض؛ فهي بيع، ولها حكمه) ؛ لأن المعتبر في التبايع إنما هو التراضي والتعاوض، وهما حاصلان في الهبة بعوض؛ إذا كان ذلك واقعا عند التواهب، وأما إذا كان في الموهوب له مكافأة - غير مرادة للواهب عند الهبة - فهي كالهدية.
وبالجملة؛ فتنطبق - على الهبة بغير عوض - الأدلة المتقدمة في الهدية، وتنطبق - على الهبة بعوض - الأدلة المتقدمة في البيع، وقد تقدمت؛ فلا حاجة إلى إيرادها ههنا.
стр. 1069
( [ما هي العمرى ؟] :)
(والعمرى) : بضم العين المهملة، وسكون الميم مع القصر - عند الأكثر -؛ وهي مأخوذة من العمر، وهو الحياة؛ سميت بذلك؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار، ويقول له: أعمرتك إياها؛ أي: أبحتها لك مدة عمرك وحياتك، فقيل لها: عمرى؛ لذلك.
( [ما هي الرقبى ؟] :)
(والرقبى) : بوزن العمرى: مأخوذة من المراقبة؛ لأن كل واحد منهما يرقب الآخر؛ متى يموت لترجع إليه؟ وكذا ورثته يقومون مقامه، هذا أصلهما لغة.
( [بيان أن العمرى والرقبى يوجبان الملك للمعمَر والمرقب ولعقبه أبدا] :)
(توجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه من بعده؛ لا رجوع فيهما) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما عن النبي ﷺ قال: " العمرى ميراث لأهلها - أو قال: جائزة - ".
وفيهما من حديث جابر، قال: قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له.
وفي لفظ لمسلم: " فمن أُعمر عمرى فهي للذي أعمر حيا وميتا ولعقبه ".
стр. 1070
وفي لفظ لأحمد (١) ، ومسلم (٢) ، وأبي داود: إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ ؛ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها.
ولكن قد قيل: إن ذلك من كلام أبي سلمة مدرج (٣) في حديث جابر؛ فلا تقوم بهذه الرواية الحجة، ولا تصلح لتقييد الأحاديث المطلقة؛ كالحديثين المتقدمين.
وحديث زيد بن ثابت - عند أحمد (٤) ، وأبي داود، وابن ماجه، وابن
стр. 1071
حبان - قال: قال رسول الله ﷺ : " من أعمر عمرى؛ فهي لمعمره حياته ومماته، لا ترقبوا؛ من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث ".
وأخرج أحمد، والنسائي (١) من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تعمروا ولا ترقبوا؛ فمن أعمر شيئا أو أرقبه؛ فهو له حياته ومماته "؛ ورجال إسناده ثقات.
وورد في محل النزاع ما أخرجه النسائي (٢) من حديث جابر بلفظ: أن النبي ﷺ قضى بالعمرى - أن يهب الرجل - الرجل ولعقبه - الهبة، ويستثني إن حدث بك حدث ولعقبك؛ فهي إلي وإلى عقبي -؛ أنها لمن أعطاها ولعقبه.
وهكذا ما أخرجه أحمد من حديث جابر: أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخيل حياتها، فماتت، فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء، قال: فأبى، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقسمها بينهم ميراثا؛ ورجاله رجال الصحيح (٣) .
وقد أخرجه - أيضا - أبو داود.
стр. 1072
فهذا وما قبله؛ يفيد أنها تكون للوارث وإن لم يذكر؛ بل ذكر الموروث؛ بل وإن استثنى وقال: إن حدث بك حدث فهي إلي؛ فإن ذلك لا يفيد، بل يكون للمعمر والمرقب ولورثته من بعده.
وقد ذهب إلى هذا جماعة من الشافعية.
وذهب الجمهور إلى أنه إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإذا مت رجعت إلي؛ فهي عاريّة مؤقتة، ترجع إلى المعمر عند موت المعمر، وتمسكوا برواية جابر المتقدمة.
وقد قدمنا ما قيل فيها من الإدراج (١) .
ثم اعلم أن الهبة تصح بمجرد الإيجاب، ولا تفتقر إلى قبول، ولكنها تبطل بالرد، ومن زعم أنها لا تتم إلا بالقبول احتاج إلى الدليل.
ولا حجة لمن اشترط القبض في الهبة (٢) ، ومن كان له صبر على الفاقة وقلة ذات اليد، فلا بأس بالتصدق بأكثر ماله أو بكله، ومن كان يتكفف الناس إذا احتاج؛ لم يحل له أن يتصدق بجميع ماله ولا بأكثره، وهذا هو وجه الجمع بين الأحاديث الدالة على أن مجاوزة الثلث غير مشروعة، وبين
стр. 1073
الأدلة التي دلت على مشروعية التصدق بزيادة على الثلث.
وأما رجوع الوالد في هبة الولد؛ فيستدل على ذلك بما أخرجه أهل السنن، وصححه الترمذي من حديث ابن عمر، وابن عباس قالا: قال النبي ﷺ :
" لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده ".
وظاهر الحديث تحريم الرجوع في الهبة مطلقا؛ إلا ما تقدم تخصيصه؛ إلا أن يصح ما أخرجه الحاكم (١) من حديث الحسن، عن سمرة - مرفوعا - بلفظ: " إذا كانت الهبة لذي رحم محرم، لم يرجع "؛ ورواه الدارقطني (٢) من حديث ابن عباس؛ قال ابن الجوزي: وهما ضعيفان، وقال الحافظ: في إسناد الثاني ضعف.
فإذا انتهضا للاحتجاج؛ كانا مخصصين لذي الرحم من العموم، وكذلك إذا صح حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حزم (٣) مرفوعا بلفظ: " الواهب أحق
стр. 1074
بهبته ما لم يثب فيها (٤) ".
وأخرج الطبراني في " الكبير " عن ابن عباس مرفوعا: " من وهب هبة؛ فهو أحق بها حتى يثاب عليها " (٥) ، وقد ضعف حديث أبي هريرة: ابن الجوزي، وصححه الحاكم (٦) من قول عمر.
فإن صح الحديثان أو أحدهما؛ كانا مخصصين للهبة التي لم يثب عليها، فيجوز الرجوع فيها.
وأما حديث " الصحيحين " بلفظ: " العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه ".
وزاد البخاري: " ليس لنا مثل السوء "، وثبت بلفظ: " لا يحل " كما في حديث ابن عمر، وابن عباس، والرواية التي فيها: " كالكلب يعود في قيئه "؛ ليست إلا المبالغة في الزجر.
وليس المراد بالحديث إلا تمثيل فعل الراجع في الهبة بالكلب العائد في قيئه، وهذه صورة في غاية الشناعة والفظاعة.
وليس المراد بيان ما يجوز للكلب من الرجوع في قيئه، وليس في الشرع
стр. 1075
ما يدل على ألفاظ مخصوصة، ولا على مجلس، ولا على قبض.
ومن زعم أن في الشريعة ما يدل على شيء من ذلك؛ فهو مطالب بالدليل، والفرق بين الحقوق والأملاك - وجعل كل واحد منهما مختصا بشيء مما تحت يد الثابت عليه -؛ إنما هو مجرد اصطلاح من بعض أهل الفروع.
وإذا عرفت ذلك هان عليك الخطب، ولم تحتج إلى الاشتغال بما في ذلك من التفاريع والتفاصيل.
стр. 1076
(الكتاب الحادي عشر: كتاب الأيمان)
стр. 1077
(١١ - كتاب الأيمان)
( [ما تنعقد به اليمين] :)
(الحلف إنما يكون باسم) من أسماء (الله تعالى) ؛ وهو ظاهر، (أو صفة له) من صفات ذاته؛ لحلفه ﷺ ب " مقلب القلوب "؛ كما في حديث ابن عمر في " صحيح البخاري "، وغيره، وقال: كان أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: " لا ومقلب القلوب ".
وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال في زيد بن حارثة: " وأيم الله؛ إن كان لخليقا للإمارة ".
وهكذا ثبت عنه ﷺ الحلف بقوله: " والذي نفسي بيده "، وهو في " الصحيح "
وحكى النبي ﷺ ، عن جبرئيل ﵇، أنه قال: " وعزتك؛ لا يسمع بها أحد إلا دخلها "؛ يعني: الجنة، وهو في " الصحيح " أيضا.
والأحاديث في هذا كثيرة جدا.
( [الحلف بغير الله وصفاته: حرام] :)
(ويحرم بغير ذلك) ؛ أي: بغير اسم الله - تعالى - وصفاته؛ فإن أهل
стр. 1078
الجاهلية كانوا يعتقدون في أناس أن أسماءهم مباركة معظمة، وكانوا يعتقدون أن الحلف بأسمائهم على الكذب يستوجب حرما في ماله وأهله، فلا يقدمون على ذلك.
ولذلك كانوا يستحلفون الخصوم بأسماء الشركاء بزعمهم، فنهوا عن ذلك؛ كما في حديث ابن عمر - عند مسلم، وغيره -: أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه، فقال: " إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا؛ فليحلف بالله أو ليصمت ".
وفي لفظ: " ومن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله ".
وفي حديث أبي هريرة - عند أبي داود (١) والنسائي، وابن حبان، والبيهقي -، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون ".
وأخرج أبو داود (٢) ، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه -، عن النبي ﷺ : " من حلف بغير الله فقد كفر "، وفي لفظ: " فقد أشرك ".
стр. 1079
وهو عند أحمد من هذا الوجه.
وفي لفظ للترمذي، والحاكم: " فقد كفر وأشرك ".
وفي الباب أحاديث.
قال في " الحجة البالغة ":
" وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد، ولا أقول بذلك، وإنما المراد عندي اليمين المنعقدة، واليمين الغموس باسم غير الله - تعالى - على اعتقاد ما ذكرنا ".
وقال في " المسوى ":
" قال الشافعي: من حلف بغير الله؛ فهو يمين مكروهة، وأخشى أن يكون معصية.
فإن قيل: أليس قد أقسم الله ببعض مخلوقاته فقال: ﴿والسماء ذات البروج﴾ ، ﴿والشمس وضحاها﴾ ؟ ﴿أليس أن النبي ﷺ قال في حديث الأعرابي؟﴾ : " أفلح - وأبيه - إن صدق "؟ !
فالجواب يكون بوجهين:
أحدهما: أن فيه إضمارا معناه: ورب السماء، ورب الشمس، ورب أبيه، ونحو ذلك حيثما وقع.
وثانيهما - وهو الأصح -: أن النهي إنما وقع عما كان على قصد التعظيم للمحلوف باسمه، كالحلف بالله يقصد بذكره التعظيم؛ دون ما كانت العرب تستعمله؛ تؤكد به كلامها؛ من غير ذلك التعظيم.
стр. 1080
أقول: الحلف باسم غير الله - تعالى - على اعتقاد تعظيمه - بحيث يكون الحنث مع ذكر اسمه موجبا عنده للعقوبة في الدنيا والآخرة -: شرك.
وبغير هذا التعظيم: مكروه لأجل المشابهة؛ مثل ما ذكروا من التفصيل في النهي عن القول ب (مطرنا بنوء كذا وكذا) ". انتهى.
وفي حديث " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " من حلف باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا الله "، ولا ريب أن الإنسان إنما يحلف بما هو عظيم عنده، ولهذا أمر رسول الله ﷺ الحالف أن يحلف بالله أو يصمت.
فمن حلف باللات والعزى؛ كان معظما لهما، ومن عظمهما كفر، ومن كفر لم يرجع إلى الإسلام إلا بكلمة الإسلام؛ وهي: لا إله إلا الله.
( [لا حنث على من حلف واستثنى] :)
(ومن حلف فقال: إن شاء الله؛ فقد استثنى، ولا حنث عليه) ؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من حلف فقال: إن شاء الله؛ لم يحنث "؛ أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، وابن حبان.
ولفظ ابن ماجه: " فله ثنياه ".
ولفظ النسائي: " فقد استثنى ".
وأخرجه الحاكم (١) ، وقد صححه ابن حبان.
стр. 1081
وأخرج أبو داود، عن عكرمة: أن النبي ﷺ قال: " والله لأغزون قريشا "، ثم قال: " إن شاء الله "، ثم قال: " والله لأغزون قريشا "، ثم قال: " إن شاء الله "، ثم قال: والله لأغزون قريشا "، ثم سكت، ثم قال: " إن شاء الله "، ثم لم يغزهم.
قال أبو داود: إنه قد أسنده غير واحد عن ابن عباس (١) ، وقد رواه البيهقي موصولا ومرسلا.
ويؤيد أحاديث الباب ما في " الصحيحين ": " أن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة " ... الحديث؛ وفيه: فقال النبي ﷺ : " لو قال: إن شاء الله؛ لم يحنث ".
وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.
وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك، فقال: " أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله؛ يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا ".
وفي " الموطإ " عن ابن عمر: من قال: والله، ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه؛ لم يحنث.
قال مالك: أحسن ما سمعت في الثنيا: أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه، وما كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت؛ فإذا سكت وقطع كلامه؛ فلا ثنيا له.
стр. 1082
قلت: وعلى هذا أهل العلم؛ أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين؛ فلا حنث عليه.
أقول: ثم اعلم أن اعتبار الأعراف في الأيمان لا بد منه؛ فإن الحالف عند حلفه من شيء - أو على شيء - لا يخطر بباله غير العرف الذي غلب عليه في محاوراته، فلو فرض أن عرفه فيما حلف عليه مخالف لاسمه اللغوي أو الشرعي؛ كان العرف مقدما:
أما إذا كان ممن لا يعرف الشرع أو اللغة فظاهر، وأما إذا كان ممن يعرفها فكذلك أيضا؛ لأن خطور المعنى العرفي أسبق من خطور غيره بالبال؛ إلا أن يقول: أردت ذلك؛ فإنه يقبل منه؛ إن كان لا يتعلق بالمعنى العرفي حق للغير.
( [يكفر عن يمينه من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه] :)
(ومن حلف على شيء؛ فرأى غيره خيرا منه؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه) ؛ لما ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث عبد الرحمن ابن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا حلفت على يمين؛ فرأيت غيرها خيرا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك ".
وفي لفظ: " فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير ".
وفي لفظ للنسائي، وأبي داود (١) : " فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير ".
стр. 1083
وأخرج مسلم، وغيره من حديث عدي بن حاتم، ومن حديث أبي هريرة نحوه.
وفي " الصحيحين " من حديث أبي موسى: " لا أحلف على يمين؛ فأرى غيرها خيرا منها؛ إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني ".
وفي الباب أحاديث.
قلت: قال الله - تعالى -: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ ، واختلفوا في وجه الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة:
فقال أبو حنيفة: قوله - تعالى - مخصوص بما إذا كان المحلوف عليه معصية؛ إذ من المعلوم أن الله - تعالى - لا يأمر بمعصية؛ فمن حلف على معصية - كترك الكلام مع أبيه -؛ حنث وكفّر.
стр. 1084
وقال الشافعي: مخصوص بما إذا حلف على معصية، أو حلف على ترك مندوب، أو فعل مكروه؛ لقوله - تعالى -: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا﴾ ؛ أي: مانعا لكم عن البر.
قوله ﷺ : " فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير "؛ فقال أبو حنيفة:
لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، فمعناه: فليقصد أداء الكفارة كقوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ .
وقال الشافعي: يجوز تقديمها على الحنث [إن لم] (١) يكفر بالصوم (٢) ، وعلى قياس هذا؛ كل حق مالي تعلق بشيئين يجوز تقديمه على الشيئين؛ كالزكاة إذا تم النصاب ولم يتم الحول ".
( [لا يأثم بالحنث من أكره على اليمين] :)
(ومن أُكره على اليمين؛ فهي غير لازمة، ولا يأثم بالحنث فيها) ؛ لكون فعل المكره كلا فعل، وقد رفع الله - تعالى - الخطاب به في التكلم بكلمة الكفر، فقال - تعالى -: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ ، ولحديث: " رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٣) .
стр. 1085
وهو حديث فيه مقال طويل (١) .
وتكليف الحالف بيمينه التي أكره عليها؛ من تكليف ما لا يطاق، وهو باطل بالأدلة العقلية والنقلية.
( [من علم كذب يمينه فهي غموس] :)
(واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها) ؛ لحديث ابن عمر، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ فذكر الحديث، وفيه: " اليمين الغموس "، وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: " التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب "؛ أخرجه البخاري.
قال مالك: " وعقد اليمين: أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير، ثم يبيعه بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه، ونحو هذا؛ فهذا الذي يكفر صاحبه عن يمينه، وليس في اللغو كفارة.
وأما الذي يحلف على الشيء - وهو يعلم أنه آثم -، ويحلف على الكذب - وهو يعلم -؛ ليرضي به أحدا، أو ليعتذر به إلى معتذر له، أو ليقطع به مالا؛ فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة ".
قلت: الغموس هي الحلف على ما يعلم بطلانه؛ لا على ما يظن صدقه؛ فإنه خارج عن الأقسام الثلاثة، والحلف على الظن لا يجوز؛ لأن الله - سبحانه - قد نهى عن اتباع الظن - والعمل به - نهيا عاما مخصصا بأمور؛ ليس الحلف منها.
стр. 1086
ومن زعم أنه يجوز الحلف على الظن؛ فهو مطالب بدليل صالح لتخصيص ذلك.
ولا نسلم صدق اسم الاعتقاد على الظن؛ بل هو أخص منه، ولو سلم دخوله تحته بالمعنى العام؛ فلا نسلم أن الاعتقاد الذي يكون مطابقته صدقا هو ذلك العام، ولو سلمنا أنه العام؛ فلا نسلم أن كل صدق بهذا المعنى يجوز الحلف عليه؛ بل الذي يجوز الحلف عليه؛ هو نوع من أنواع الصدق خاص، وهو ما كان معلوما؛ لا ما كان مظنونا.
ومن زعم غير هذا فعليه الدليل.
( [معنى اللغو في اليمين، وبيان حكمه] :)
(ولا مؤاخذة باللغو) : لقوله - تعالى -: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ .
وفي " البخاري " (١) عن عائشة، أنها قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ في قول الرجل: لا والله، بلى والله.
وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، وجماعة من التابعين.
وأخرج أبو داود (٢) عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " هو كلام
стр. 1087
الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله ".
وأخرجه أيضا البيهقي، وابن حبان.
وصحح الدارقطني الوقف؛ قال أبو داود: رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا.
وذهبت الحنفية إلى أن لغو اليمين: أن يحلف على الشيء يظنه، ثم يظهر خلافه، وبه قال جماعة.
وقيل: أن يحلف وهو غضبان.
والخلاف في ذلك طويل، وتفسير الصحابة الآية الكريمة مقدم على تفسير غيرهم.
قلت: الأيمان ثلاثة أقسام: لغو لا كفارة فيها، ومنعقدة تجب فيها الكفارة إن حنث، وغموس اختلفوا في كفارتها.
قالت عائشة: لغو اليمين؛ قول الإنسان: لا والله.
وقال مالك: أحسن ما سمعت في هذا: أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك؛ فهو اللغو.
وذهب الشافعي في تفسير اللغو إلى قول عائشة.
стр. 1088
وأبو حنيفة إلى ما حسنه مالك.
أقول: الأولى أن يقال: إن اللغو لما وقعت في كتاب الله مقابلة للمعقودة - وقد تقرر أن تعقيد اليمين قصدها، والمراد عقد القلب بها؛ كما صرح به صاحب " الكشاف " -؛ فاللغو: هي ما لم يقصد؛ كقول الرجل: لا والله، وبلى والله؛ في محاوراته من غير قصد لليمين؛ سواء كان في حال اليمين أم لا.
فلو لم يرد في اللغو إلا وقوعها في القرآن مقابلة للمعقودة؛ لكان القول بأنها ما ذكرناه متعينا، فكيف وقد فسرت عائشة اللغو المذكورة في القرآن بما قلنا؟ !
( [من حق المسلم على المسلم إبرار قسمه] :)
(ومن حق المسلم على المسلم إبرار قسمه) : لما ثبت في " الصحيحين " من أمره ﷺ بذلك؛ كما في حديث البراء (١) ، وغيره.
وأخرج أحمد من حديث أبي الزاهرية، عن عائشة: أن امرأة أهدت إليها تمرا، فأكلت بعضه، وبقي بعضه، فقالت: أقسمت عليك؛ إلا أكلت بقيته، فقال رسول الله ﷺ : " أبريها؛ فإن الإثم على المحنث "؛ ورجاله رجال الصحيح (٢) .
( [بيان كفارة اليمين في كتاب الله] :)
(وكفارة اليمين هي ما ذكره الله في كتابه العزيز) ؛ وهو قوله - تعالى -: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك
стр. 1089
كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ .
قلت: ذهب ابن عمر إلى أن ﴿أو﴾ ههنا للتقسيم؛ لا للتخيير، وتعقبه عامة أهل العلم بالقياس الجلي على فدية الحلق في الإحرام، فقالوا: يتخير الرجل بين: أن يطعم عشرة من المساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة؛ فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام.
وأما قدر الإطعام والكسوة؛ فكان ابن عمر يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين؛ لكل مسكين مد من حنطة - مختصر (١) -.
وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين؛ أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر، ورأوا ذلك مجزئا عنهم.
قال مالك: " أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة: أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا ثوبا، وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين، درعا وخمارا، وذلك أدنى ما يجزئ كلا في صلاته ".
قلت: على هذا الشافعي في الإطعام، وقال في الكسوة أولا مثل ما قال مالك، ثم رجع، وقال: " إن اختار الكسوة؛ فعليه لكل مسكين ثوب واحد من قميص، أو سراويل، أو مقنعة، أو إزار؛ يصلح لكبير أو صغير؛ لصحة إطلاق الكسوة على كل ذلك سواء ".
وقال أبو حنيفة: " الإعتاق والإطعام كما مر في الظهار، وأما الكسوة؛ فلكل واحد ثوب يستر عامة بدنه؛ فلا يجوز السراويل والإزار، ونحوهما ".
стр. 1090
قال مالك: " فأما التوكيد؛ فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد، يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين؛ كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا؛ يحلف بذلك مرارا ثلاثا، أو أكثر من ذلك، قال: فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين ".
أقول: الذي في القرآن الكريم؛ إطعام عشرة مساكين، ومعناه الحقيقي أن يجعل لهم طعاما يأكلونه مرة واحدة؛ من غير تقدير بمقدار معين، ولا على صفة معينة؛ من اجتماعهم، أو كونه في وقت مخصوص؛ بل ما يصدق عليه مسمى إطعام العشرة - لغة -.
ولا ريب أنه يقال لمن أطعم عشرة - ليلا أو نهارا، مجتمعين أو مفترقين -: إنه مطعم لذلك القدر.
فما وقع الجزم به من اعتبار إطعام العشرة مرتين؛ لا وجه له.
وأما الظن من حديث كفارة الظهار (١) فغير ظاهر؛ فإنه وقع الاختلاف الطويل العريض في مقدار العرق (٢) من التمر، أو المكتل، وهل الإعانة منه ﷺ فقط؟ أو منه ومن المرأة؟