← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ومن زعم أنه يجوز الحلف على الظن؛ فهو مطالب بدليل صالح لتخصيص ذلك. ولا نسلم صدق اسم الاعتقاد على الظن؛ بل هو أخص منه، ولو سلم دخوله تحته بالمعنى العام؛ فلا نسلم أن الاعتقاد الذي يكون مطابقته صدقا هو ذلك العام، ولو سلمنا أنه العام؛ فلا نسلم أن كل صدق بهذا المعنى يجوز الحلف عليه؛ بل الذي يجوز الحلف عليه؛ هو نوع من أنواع الصدق خاص، وهو ما كان معلوما؛ لا ما كان مظنونا. ومن زعم غير هذا فعليه الدليل. ( [معنى اللغو في اليمين، وبيان حكمه] :) (ولا مؤاخذة باللغو) : لقوله - تعالى -: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ . وفي " البخاري " (١) عن عائشة، أنها قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ في قول الرجل: لا والله، بلى والله. وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، وجماعة من التابعين. وأخرج أبو داود (٢) عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " هو كلام

стр. 1087

الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله ". وأخرجه أيضا البيهقي، وابن حبان. وصحح الدارقطني الوقف؛ قال أبو داود: رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا. وذهبت الحنفية إلى أن لغو اليمين: أن يحلف على الشيء يظنه، ثم يظهر خلافه، وبه قال جماعة. وقيل: أن يحلف وهو غضبان. والخلاف في ذلك طويل، وتفسير الصحابة الآية الكريمة مقدم على تفسير غيرهم. قلت: الأيمان ثلاثة أقسام: لغو لا كفارة فيها، ومنعقدة تجب فيها الكفارة إن حنث، وغموس اختلفوا في كفارتها. قالت عائشة: لغو اليمين؛ قول الإنسان: لا والله. وقال مالك: أحسن ما سمعت في هذا: أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك؛ فهو اللغو. وذهب الشافعي في تفسير اللغو إلى قول عائشة.

стр. 1088

وأبو حنيفة إلى ما حسنه مالك. أقول: الأولى أن يقال: إن اللغو لما وقعت في كتاب الله مقابلة للمعقودة - وقد تقرر أن تعقيد اليمين قصدها، والمراد عقد القلب بها؛ كما صرح به صاحب " الكشاف " -؛ فاللغو: هي ما لم يقصد؛ كقول الرجل: لا والله، وبلى والله؛ في محاوراته من غير قصد لليمين؛ سواء كان في حال اليمين أم لا. فلو لم يرد في اللغو إلا وقوعها في القرآن مقابلة للمعقودة؛ لكان القول بأنها ما ذكرناه متعينا، فكيف وقد فسرت عائشة اللغو المذكورة في القرآن بما قلنا؟ ! ( [من حق المسلم على المسلم إبرار قسمه] :) (ومن حق المسلم على المسلم إبرار قسمه) : لما ثبت في " الصحيحين " من أمره ﷺ بذلك؛ كما في حديث البراء (١) ، وغيره. وأخرج أحمد من حديث أبي الزاهرية، عن عائشة: أن امرأة أهدت إليها تمرا، فأكلت بعضه، وبقي بعضه، فقالت: أقسمت عليك؛ إلا أكلت بقيته، فقال رسول الله ﷺ : " أبريها؛ فإن الإثم على المحنث "؛ ورجاله رجال الصحيح (٢) . ( [بيان كفارة اليمين في كتاب الله] :) (وكفارة اليمين هي ما ذكره الله في كتابه العزيز) ؛ وهو قوله - تعالى -: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك

стр. 1089

كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ . قلت: ذهب ابن عمر إلى أن ﴿أو﴾ ههنا للتقسيم؛ لا للتخيير، وتعقبه عامة أهل العلم بالقياس الجلي على فدية الحلق في الإحرام، فقالوا: يتخير الرجل بين: أن يطعم عشرة من المساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة؛ فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام. وأما قدر الإطعام والكسوة؛ فكان ابن عمر يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين؛ لكل مسكين مد من حنطة - مختصر (١) -. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين؛ أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر، ورأوا ذلك مجزئا عنهم. قال مالك: " أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة: أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا ثوبا، وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين، درعا وخمارا، وذلك أدنى ما يجزئ كلا في صلاته ". قلت: على هذا الشافعي في الإطعام، وقال في الكسوة أولا مثل ما قال مالك، ثم رجع، وقال: " إن اختار الكسوة؛ فعليه لكل مسكين ثوب واحد من قميص، أو سراويل، أو مقنعة، أو إزار؛ يصلح لكبير أو صغير؛ لصحة إطلاق الكسوة على كل ذلك سواء ". وقال أبو حنيفة: " الإعتاق والإطعام كما مر في الظهار، وأما الكسوة؛ فلكل واحد ثوب يستر عامة بدنه؛ فلا يجوز السراويل والإزار، ونحوهما ".

стр. 1090

قال مالك: " فأما التوكيد؛ فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد، يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين؛ كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا؛ يحلف بذلك مرارا ثلاثا، أو أكثر من ذلك، قال: فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين ". أقول: الذي في القرآن الكريم؛ إطعام عشرة مساكين، ومعناه الحقيقي أن يجعل لهم طعاما يأكلونه مرة واحدة؛ من غير تقدير بمقدار معين، ولا على صفة معينة؛ من اجتماعهم، أو كونه في وقت مخصوص؛ بل ما يصدق عليه مسمى إطعام العشرة - لغة -. ولا ريب أنه يقال لمن أطعم عشرة - ليلا أو نهارا، مجتمعين أو مفترقين -: إنه مطعم لذلك القدر. فما وقع الجزم به من اعتبار إطعام العشرة مرتين؛ لا وجه له. وأما الظن من حديث كفارة الظهار (١) فغير ظاهر؛ فإنه وقع الاختلاف الطويل العريض في مقدار العرق (٢) من التمر، أو المكتل، وهل الإعانة منه ﷺ فقط؟ أو منه ومن المرأة؟

стр. 1091

ثم هو مهجور الظاهر؛ فإنه أمر أوس بن الصامت أن ينفقه على نفسه؛ كما ثبت في " الصحيح " (١) . [انتهى المجلد الثاني من كتاب " التعليقات الرضية على الروضة الندية "، ويتلوه: المجلد الثالث - منه -، وأوله: ١٢ - كتاب النذر]

стр. 1092

(الكتاب الثاني عشر: كتاب النذر)

стр. 1093

(١٢ - كتاب النذر) ( [متى يصح النذر ؟] :) (إنما يصح إذا ابتغي به وجه الله، فلا بد أن يكون قربة، ولا نذر في معصية الله) ؛ لأنه قد ورد النهي عن النذر؛ كما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن النذر، وقال: " إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من مال البخيل ". وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة نحوه. ثم ورد الإذن بالنذر في الطاعة، والنهي عنه في المعصية؛ كما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه "؛ وعلى ذلك يحمل قوله - تعالى -: ﴿يوفون بالنذر﴾ . وقد أخرج الطبري بسند صحيح، عن قتادة في قوله - تعالى -: ﴿يوفون بالنذر﴾ ، قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والعمرة، وما افترض عليهم، فسماهم الله أبرارا. وورد بلفظ الحصر: أنه لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله؛ كما أخرجه

стр. 1094

أحمد (١) ، وأبو داود، وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: " لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله ". وأخرج مسلم (٢) ، وغيره من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من نذر نذرا في معصية؛ فكفارته كفارة يمين ". وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، من حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين " (٣) ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ( [من أنواع نذر المعصية] :) (١ - [عدم التسوية بين الأولاد في العطاء] :) (ومن النذر في المعصية ما فيه مخالفة للتسوية بين الأولاد) ؛ لما قدمنا في كتاب الهدايا.

стр. 1095

(٢ - [المفاضلة بين الورثة خلافا للشرع] :) (أو مفاضلة بين الورثة مخالفة لما شرعه الله - تعالى -) ؛ لأن المخالفة لذلك معصية ولا نذر في معصية، كما تقدم. (٣ - [النذر على القبور] :) (ومنه النذر على القبور) ؛ لكون ذلك ليس من النذر في الطاعة، ولا من النذر الذي يبتغى به وجه الله - تعالى -؛ بل قد يكون من النذر في المعصية؛ إذا كان يتسبب عنه اعتقاد باطل في صاحب القبر؛ كما يتفق ذلك كثيرا. وقد أخرج أبو داود (١) بإسناد صالح عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني القسمة؛ فكل مالي في رتاج الكعبة (٢) ، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفّر عن يمينك [وكلم أخاك؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يمين عليك ولا نذر] (٣) ، ولا تنذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك ".

стр. 1096

وأخرج مالك (١) والبيهقي بسند صحيح - وصححه ابن السكن -، عن عائشة: أنها سئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة؛ إن كلم ذا قرابة؟ فقالت: يكفر عن اليمين. وإذا كان هذا في الكعبة؛ فغيرها من المشاهد والقبور بالأولى. قلت: اختلف أهل العلم في النذر إذا خرج مخرج اليمين؛ مثل أن يقول: إن كلمت فلانا فلله علي عتق رقبة، أو: إن دخلت الدار فلله علي أن أصوم، أو أصلي، فهذا نذر أخرج مخرج اليمين؛ لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل؛ كالحالف يقصد بيمينه منع نفسه عن الفعل، فأصح قولي الشافعي: أنه بمنزلة اليمين؛ عليه الكفارة إن حنث (٢) ، والمشهور من مذهب أبي حنيفة: أن عليه الوفاء بما سمى الرتاج الباب، وجعل ماله في رتاج الكعبة؛ معناه: جعله لها، كنى عنها بالباب؛ لأنه يدخل إليها منه ". (٤ - [النذر على المساجد لتزخرف] :) (وعلى ما لم يأذن به الله) ؛ كالنذر على المساجد لتزخرف، أو على أهل المعاصي ليستعينوا بذلك على معاصيهم؛ فإن ذلك من النذر في المعصية، وأقل الأحوال: أن يكون النذر على ما لم يأذن به الله خارجا عن النذر، الذي أذن الله به، وهو النذر في الطاعة، وما ابتغي به وجه الله.

стр. 1097

فيشمل هذا كل نذر على مباح، أو مكروه، أو محرم. ( [لا يجب النذر في فعل لم يشرعه الله] :) (ومن أوجب على نفسه فعلا لم يشرعه الله؛ لم يجب عليه) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري، وغيره قال: بينا النبي ﷺ يخطب؛ إذ هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد ولا يستظل، ولا يتكلم وأن يصوم، فقال النبي ﷺ : " مروه ليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه ". وأخرج أحمد (١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - نحوه -؛ فيمن نذر أن لا يزال في الشمس حتى يفرغ النبي ﷺ من خطبته، فقال له النبي ﷺ : " إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله ". قلت: وعلى هذا أهل العلم. ( [لا يجب النذر على الإنسان فيما لا يطيقه] :) (وكذلك إن كان) النذر (مما شرعه الله وهو لا يطيقه) ؛ لم يجب عليه الوفاء به؛ لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ رأى شيخا يهادى (٢) بين ابنيه، فقال: " ما هذا؟ ! ". قالوا: نذر أن يمشي، قال: " إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني "، وأمره أن يركب.

стр. 1098

زاد النسائي في رواية: " نذر أن يمشي إلى بيت الله ". وأخرج أبو داود بإسناد صحيح (١) عن النبي ﷺ قال: " من نذر نذرا لم يسمه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لم يطقه؛ فكفارته كفارة يمين ". وأخرجه أيضا ابن ماجه، وزاد: " من نذر نذرا أطاقه فليف به ". ومن ذلك: أمره ﷺ لمن نذر أن يمشي إلى الكعبة بالركوب؛ كما في " الصحيحين " من حديث عقبة بن عامر. وفي " مسند أحمد "، و " سنن أبي داود " من حديث ابن عباس. وفي " مسند أحمد " من حديث عقبة بن عامر. قلت: ذهب أبو حنيفة والشافعي - في أصح قوليه - إلى أن عليه دم شاة. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب إلا على وجه الاحتياط - لحديث أنس - في مثل هذه الصورة، ولم يذكر هديا ولا قضاء. ( [تجب كفارة اليمين على من نذر في معصية، أو نذر فيما لا يطيقه] :) (ومن نذر نذرا لم يسمه، أو كان معصية، أو لا يطيقه؛ فعليه كفارة

стр. 1099

يمين) ؛ لحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه، والترمذي - وصححه (١) ، قال: قال رسول الله ﷺ : " كفارة النذر إذا لم يسمه كفارة يمين ". وهو في " صحيح مسلم " دون قوله: " إذا لم يسمه ". وقد تقدم حديث ابن عباس - قريبا - فيمن نذر نذرا لم يسمه. وأخرج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: " من نذر نذرا في معصية؛ فكفارته كفارة يمين "، كذا نسبه صاحب " المنتقى " إلى مسلم (٢) ؛ وفيه نظر. وهو عند أبي داود، وابن ماجه، وأحمد. وأخرج أحمد، وأهل " السنن ": أن النبي ﷺ قال: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين "، وفي إسناده مقال (٣) .

стр. 1100

وأخرج أبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " من نذر نذرا لم يطقه؛ فكفارته كفارة يمين ". وهكذا أمر ﷺ المرأة التي نذرت أن تمشي - وهي لا تطيق - بأن تكفر؛ كما أخرجه أحمد، وأبو داود. ( [يجب الوفاء بالنذر المباح] :) أقول: النذر بالمباح يصدق عليه مسمى النذر، فيدخل تحت العمومات المتضمنة للأمر بالوفاء به. ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود (١) : أن المرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت إذا انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: " أوفي بنذرك ". وضرب الدف إذا لم يكن مباحا فهو إما مكروه، أو أشد من المكروه؛ ولا يكون قربة أبدا، فإن كان مباحا؛ فهو دليل على وجوب الوفاء بالمباح، وإن كان مكروها؛ فالإذن بالوفاء به يدل على الوفاء بالمباح بالأولى (٢) .

стр. 1101

وكذلك إيجاب الكفارة على من نذر نذرا لم يسمه يدل على وجوب الكفارة بالأولى في المباح. فالحاصل: أن النذر بالمباح لا يخرج عن أحد القسمين: إما وجوب الوفاء به؛ أو وجوب الكفارة مع عدم الوفاء. ولا ينافي ذلك ما ثبت عنه ﷺ من الإذن لمن نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية غير مختمرة؛ بأن تختمر وتركب؛ لأنه ﷺ أمرها مع ذلك بصيام ثلاثة أيام. وفي رواية: أنه أمرها بأن تهدي بدنة. ومثل ذلك حديث الشيخ الذي نذر أن يمشي، فقال ﷺ : " إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه "؛ فإنه لا يعارض ما قدمنا - لوجهين -: الأول: أن عدم التصريح بوجوب الكفارة عليه لا ينافي الأحاديث المصرحة بوجوبها. والثاني: أنه رآه يضعف عن ذلك؛ كما في الرواية: أنه رآه يهادى بين ابنيه، ولهذا قال: " إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه ".

стр. 1102

ومحل النزاع من نذر بمباح مقدور له من غير تعذيب لنفسه، ثم تعذيب النفس إن كان من قبيل المعصية، فقد ثبت أن في نذر المعصية كفارة يمين، وإن كان لكونه يلحق بغير المقدور، فقد ثبت أن من نذر فيما لا يملك؛ فعليه كفارة يمين، وما ليس بمقدور للإنسان داخل فيما لا يملكه. وقد أخرج أبو داود حديثا، وفيه: " ومن نذر نذرا لا يطيقه؛ فكفارته كفارة يمين ". والحاصل: أن النذر إن كان بطاعة مقدورة وجب الوفاء به؛ سواء كانت تلك الطاعة واجبة أو مندوبة، وإن كان بغير طاعة فهو: إما من المباح؛ أو الحرام؛ أو المكروه، فإن كان من المباح فقد تقدم، وإن كان من الحرام؛ فقد ثبت وجوب الكفارة فيه مع المنع من الوفاء به، وإن كان مكروها؛ فهو إما أن يكون لاحقا بالحرام أو بالمباح. إن كان الأول وجبت الكفارة، ولم يجز الوفاء به. وإن كان الثاني فقد تقدم. هذا خلاصة الكلام في أنواع النذر، ولا دليل بيد من لم يوجب الوفاء، ولا الكفارة في المندوب والمباح: ( [يلزم المشرك الوفاء إذا نذر بطاعة ثم أسلم] :) (ومن نذر بقربة وهو مشرك، ثم أسلم؛ لزمه الوفاء) ؛ لحديث عمر في " الصحيحين " وغيرهما: أنه قال: قلت: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية

стр. 1103

أن أعتكف في المسجد الحرام، فقال: " أوف بنذرك ". وأخرج أحمد (١) ، وابن ماجه عن ميمونة بنت كردم (٢) : أن أباها سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أنحر ببوانة (٣) ، فقال: " أبها وثن أو طاغية؟ ". قال: لا، قال: " أوف بنذرك "، ورجال إسناده رجال الصحيح. وأخرج أبو داود نحوه من حديث ثابت بن الضحاك، وإسناده صحيح. ( [ماذا على من نذر كل ماله ؟] :) (ولا ينفذ النذر إلا من الثلث) ؛ لحديث كعب بن مالك في " الصحيحين ":

стр. 1104

أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : " أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك ". وفي لفظ لأبي داود (١) : إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: " لا " قلت: فنصفه؟ قال: " لا "، قلت: فثلثه؟ قال: " نعم ". وفي إسناده محمد بن إسحاق. وفي لفظ لأبي داود أنه قال له: " يجزي عنك الثلث ". وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب

стр. 1105

الله عليه قال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال: " يجزي عنك الثلث ". قلت: وهو قول أهل العلم في الجملة. ولو حلف الرجل بصدقة ماله، أو قال: مالي في سبيل الله. فقال قوم: عليه كفارة يمين، وهو من نذر اللجاج، وعليه الشافعي. وقال مالك: يخرج ثلث ماله، لحديث أبي لبابة المذكور. وقال أبو حنيفة: ينصرف ذلك إلى كل ما يجب فيه الزكاة من عينه من المال؛ دون ما لا زكاة فيه من العقار والدواب ونحوها. ( [وفاء الولد بنذر أبيه بعد موته مجزئ] :) (وإذا مات الناذر بقربة، ففعلها عنه ولده؛ أجزأه ذلك) ؛ لحديث ابن عباس: أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ : أن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؛ فقال رسول الله ﷺ : " اقضه عنها "، أخرجه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح. وأصل القصة في " الصحيحين ". وفي " البخاري ": " أن ابن عمر أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء ثم ماتت، أن تصلي عنها ". وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس نحو ذلك بإسناد صحيح.

стр. 1106

وقد روي عنهما خلاف ذلك. قلت: هو القول القديم للشافعي: إن من فاته شيء من رمضان، وتمكن من قضاءه، ثم مات ولم يقض، وكذا النذر والكفارة؛ تدارك عنه وليه؛ إما بالصوم عنه؛ أو الإطعام من تركته. قال النووي: القديم ههنا أظهر. وقال محمد: ما كان من نذر، أو صدقة، أو حج قضاها الولي أجزأ ذلك إن شاء الله - تعالى -، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.

стр. 1107

(الكتاب الثالث عشر: كتاب الأطعمة)

стр. 1108

(١٣ - كتاب الأطعمة) (١ - باب المحرمات من الأطعمة) ( [الأصل في الأشياء: الحل. والحرام: ما حرمه الله ورسوله] :) (الأصل في كل شيء الحل، ولا يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله، وما سكتا عنه فهو عفو) ؛ لمثل قوله - تعالى -: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية؛ فإن النكرة في سياق النفي تدل على العموم، ولمثل حديث سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم "، أخرجه ابن ماجه، والترمذي، وفي إسناد ابن ماجه سيف بن هارون (١) البرجمي، وهو ضعيف (٢) .

стр. 1109

وفي " الصحيحين " من حديث سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ قال: " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما؛ من سأل عن شيء لم يحرم على الناس؛ فحرم من أجل مسألته ". وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". وأخرجه البزار وقال: سنده صالح، والحاكم (١) - وصححه - من حديث أبي الدرداء، ورفعه بلفظ: " ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا "، وتلا: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ . وأخرج الدارقطني (٢) من حديث أبي ثعلبة رفعه: " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت

стр. 1110

عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ". وفي الكتاب والسنة مما يتقرر به هذا الأصل الكثير الطيب، فيتوجه الاقتصار في رفع الحل على ما ورد فيه دليل يخصه، ومن التخصيص قوله - تعالى - في آخر تلك الآية: ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ ، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى آخر الآية. ( [المحرمات من الأطعمة في كتاب الله] :) (فيحرم ما في الكتاب العزيز) : (١ -[الميتة] :) وهو قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ ؛ أي: ما مات حتف أنفه. (٢ - [الدم المسفوح] :) ﴿والدم﴾ ، وهو المسفوح؛ صرح بذلك في الآية؛ والمفسر قاض على المبهم، وهذا مما ينقض به قول القائل: المبهم على إبهامه، والمفسر على تفسيره؛ فإنهم اتفقوا في هذه الآية على التقييد. (٣ -[لحم خنزير] :) ﴿ولحم الخنزير﴾ ، وكل شيء من الخنزير حرام، وتخصيص اللحم بالذكر؛ لأنه يقصد في العادة، والخنزير حيوان مسخ بصورته قوم. ولم يزل نوح ومن بعده من الأنبياء يحرمون الخنزير، ويأمرون بالتبعد

стр. 1111

عنه؛ إلى تنزل عيسى ﵇ فيقتله، ويشبه أن الخنزير كان يأكله قوم فنطقت الشرائع بالنهي عنه، وهجر أمره أشد ما يكون. (٤ - [كل حيوان لم يذكر اسم الله عند ذبحه] :) ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ؛ أي: ذكر اسم غير الله عند ذبحه. (٥ - [المنخنقة] :) ﴿والمنخنقة﴾ : هي التي تختنق فتموت. (٦ - [الموقوذة] :) ﴿والموقوذة﴾ : هي المقتولة بالعصا. (٧ - [المتردية] :) ﴿والمتردية﴾ : هي التي تتردى من مكان عال فتموت. (٨ - [النطيحة] :) ﴿والنطيحة﴾ : هي التي تنطحها أخرى فتموت. (٩ - [ما أكل السبع] :) ﴿وما أكل السبع﴾ : يريد: ما بقي مما أكل السبع؛ لأنه ضبط المذبوح الطيب بما قصد إزهاق الروح باستعمال المحدد في حلقه، أو لبته، فجرّ ذلك إلى تحريم الأشياء.

стр. 1112

﴿إلا ما ذكيتم﴾ ؛ أي: ما أدركتم من هذه الأشياء وفيه حياة مستقرة فذبحتموه. أما ما صار إلى حالة المذبوح؛ فهو في حكم الميتة. (١٠ - [ما ذبح على النصب] :) ﴿وما ذبح على النصب﴾ : قيل: مفرد كعنق، وقيل: جمع نصاب، وهو الشيء المنصوب من حجر ونحوه؛ أمارة للطاغوت. والجمع بينه وبين ما أهل لغير الله به يدل على الفرق بينهما. وذلك لأن المذبوح عند النصب قصد به تعظيم الطاغوت دلالة؛ وإن لم يتلفظ باسمه؛ فهو بمنزلة ما أهل لغير الله به. ﴿وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق﴾ ، إلى قوله: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ . قلت: قد اتفق المسلمون على ذلك في الجملة؛ وإن كان لهم في التفاصيل اختلاف. (١١ - [كل ذي ناب من السباع] :) (وكل ذي ناب من السباع) ؛ لخروج طبيعتها من الاعتدال، وبشكاسة أخلاقها، وقسوة قلوبها؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني عند مسلم، ومالك، وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام "، وفي

стр. 1113

الباب أحاديث في " الصحيحين "، وغيرهما. والمراد بالناب: السن الذي خلف الرباعية؛ جمعه: أنياب، وكل ذي ناب يتقوى به ويصاد، وقال في " النهاية ": " هو ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا؛ كالأسد والذئب والنمر ونحوها ". قال في " القاموس ": " السبع - بضم الباء -: المفترس من الحيوان ". انتهى. وأراد بذي ناب: ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم؛ مثل: الذئب والأسد والكلب والفهد والنمر، وعلى هذا أهل العلم. إلا أن الشافعي ذهب إلى إباحة الضبع والثعلب. وقال أبو حنيفة: هما حرامان كسائر السباع. أقول: قد قيل: إنه لا ناب للضبع، وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس؛ كذا قال ابن رسلان في " شرح السنن ". وعلى تسليم أن لها نابا؛ فيخصصها (١) من حديث كل ذي ناب؛ حديث جابر؛ فإنه قيل له: الضبع صيد؟ قال: نعم، فقال له السائل: آكلها؟ قال: نعم، فقال له: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم؛ أخرجه أبو داود (٢) ، وابن

стр. 1114

ماجه، والنسائي، والترمذي - وصححه -. وصححه أيضا البخاري، وابن حبان، وابن خزيمة، والبيهقي. ولا يعارض هذا الحديث الصحيح ما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة ابن جزء قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع؟ فقال: " أو يأكل الضبع أحد؟ ﴿". وفي رواية: " ومن يأكل الضبع؟﴾ "؛ لأن في إسناده عبد الكريم أبا أمية، وهو متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف (١) . (١٢ - [كل ذي مخلب من الطير] :) (وكل ذي مخلب من الطير) ؛ لحديث ابن عباس عند مسلم، وغيره، قال: " نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير ".

стр. 1115

والمخلب: بكسر الميم، وفتح اللام؛ قال أهل اللغة: المراد به ما هو في الطير بمنزلة الظفر للإنسان، ويباح منه الحمام والعصفور؛ لأنهما من المستطاب. (١٣ - [الحمر الإنسية] :) (و) من ذلك (الحمر الإنسية) ، وكان كثير من أهل الطباع السليمة من العرب يحرمونه، ويشبه الشياطين، وهو يرى الشيطان فينهق، وهو قوله ﷺ : " إذا سمعتم نهيق الحمار؛ فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنه رأى شيطانا " (١) ، ويضرب به المثل في الحمق والهوان. وقد حرمه من العرب أذكاهم فطرة، وأطيبهم نفسا؛ كما في حديث البراء بن عازب في " الصحيحين "، وغيرهما: أنه ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية. وفيهما من حديث ابن عمر، وأبي ثعلبة الخشني نحوه. وفي الباب غير ذلك، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. قلت: وأما الحمار الوحشي فاتفقوا على إباحته؛ كذا في " المسوى "، وأهدي له ﷺ الحمار الوحشي فأكله (٢) ؛ كذا في " الحجة البالغة ".

стр. 1116

(١٤ - [الجلالة] :) (و) من ذلك (الجلالة (١) قبل الاستحالة) ؛ لحديث ابن عمر عند أحمد، وأبي داود (٢) ، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها. وأخرج أحمد (٣) ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وصححه الترمذي، وابن دقيق العيد، من حديث ابن عباس: النهي عن أكل الجلالة وشرب لبنها. وأخرج أحمد (٤) ، والنسائي، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحو ذلك. وفي الباب غير ذلك.

стр. 1117

وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، والثوري، والشافعية. وذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة فقط. وظاهر النهي التحريم (١) . والعلة تغير لحمها ولبنها، فإذا زالت العلة - بمنعها عن ذلك حتى يزول الأثر (٢) -؛ فلا وجه للتحريم؛ لأنها حلال بيقين؛ إنما حرمت لمانع؛ وقد زال. قال في " الحجة البالغة ": " الجيفة وما تأثر منها خبيث في جميع الأمم والملل، فإذا تميز الخبيث من غيره ألقي الخبيث وأكل الطيب، وإن لم يكن التميز حرم أكله؛ ودل الحديث على حرمة كل نجس ومتنجس. ونهى ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها؛ لأنها لما شربت أعضاؤها النجاسة وانتشرت في أجزائها؛ كان حكمها حكم النجاسات، أو حكم من يتعيش بالنجاسة ". أقول: الاستحالة مطهرة، والأولى أن يقال في طهارة ما استحال: إن العين التي حكم الشارع بنجاستها لم تبق اسما، ولا صفة، فإن حكمه بنجاسة العذرة مقيد بكونها عذرة، فإذا صارت رمادا فليست بعذرة.

стр. 1118

فمن ادعى بقاء النجاسة مع ذهاب الاسم والصفة؛ فعليه الدليل. (١٥ - [الكلب] :) (و) من ذلك (الكلاب) ، ولا خلاف في ذلك يعتد به. وهو مستخبث، وقد وقع الأمر بقتله عموما وخصوصا، وقد نهى النبي ﷺ عن أكل ثمنه - كما تقدم - وسيأتي -. وتقدم أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. وقد جعله بعضهم داخلا في ذوات الناب من السباع. قال في " الحجة البالغة ": " ويحرم الكلب والسنور؛ لأنهما من السباع، ويأكلان الجيف، والكلب شيطان ". (١٦ - [الهر] :) (و) من ذلك (الهر) ؛ لحديث جابر عند أبي داود، وابن ماجه، والترمذي: أن النبي ﷺ نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها. وفي إسناده عمر بن زيد (١) الصنعاني، وهو ضعيف. لكن يشد من عضده ما ثبت من النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور، وهو في " الصحيح "، وقد تقدم. ولا فرق بين الوحشي والأهلي، وللشافعية وجه في حل الوحشي.

стр. 1119

(١٧ - [كل ما كان مستخبثا] :) (و) من ذلك (ما كان مستخبثا) لقوله - تعالى -: ﴿ويحرم عليهم الخبائث (١) ﴾ . فما استخبثه الناس من الحيوانات - لا لعلة ولا لعدم اعتياد؛ بل لمجرد الاستخباث - فهو حرام. وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر؛ كحشرات الأرض، وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها، ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها، فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة، فتندرج تحت قوله: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ . وقد أخرج أبو داود، عن ملقام بن تلب [، عن أبيه] (٢) ، قال: صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما. وقد قال البيهقي: إن إسناده غير قوي، وقال النسائي: ينبغي أن يكون

стр. 1120

ملقام بن تلب ليس بالمشهور (١) . وهذا الحديث ليس فيه ما يخالف الآية، وغايته عدم سماعه لشيء من النبي ﷺ ، وهو لا يدل على العدم. وقد أخرج ابن عدي، والبيهقي، من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن أكل الرخمة (٢) ؛ وفي إسناده خارجة بن مصعب، وهو ضعيف جدا، فلا ينتهض للاحتجاج به. وأخرج أحمد، وأبو داود، من حديث عيسى بن نميلة الفزاري، عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ؟ فتلا هذه الآية: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ فقال: " خبيثة من الخبائث "، فقال ابن عمر: إن كان قاله رسول الله ﷺ فهو كما قال. وعيسى بن نميلة ضعيف (٣) ، فلا يصلح الحديث لتخصيص القنفذ من

стр. 1121

أدلة الحل العامة. وقد قيل: إن من أسباب التحريم الأمر بقتل الشيء كالخمس؛ الفواسق والوزغ (١) ونحو ذلك، والنهي عن قتله؛ كالنملة والنحلة والهدهد والصرد (٢) والضفدع ونحو ذلك، ولم يأت عن الشارع ما يفيد تحريم أكل ما أمر بقتله، أو نهي عن قتله حتى يكون الأمر والنهي دليلين على ذلك، ولا ملازمة عقلية ولا عرفية، فلا وجه لجعل ذلك أصلا من أصول التحريم. بل إن كان المأمور بقتله أو المنهي عن قتله مما يدخل في الخبائث؛ كان تحريمه بالآية الكريمة، وإن لم يكن من ذلك؛ كان حلالا عملا بما أسلفنا من أصالة الحل، وقيام الأدلة الكلية على ذلك، ولهذا قلنا: ( [الكلام فيما عدا السابق] :) (وما عدا ذلك فهو حلال) ، قال الشافعي: ما لم يرد فيه نص تحريم، ولا تحليل، ولا أمر بقتله، ولا نهي عن قتله؛ فالمرجع فيه إلى العرب من سكان البلاد والقرى دون أجلاف البوادي، فإن استطابته العرب، أو سمته باسم حيوان حلال؛ فهو حلال، وإن استخبثته، أو سمته باسم حيوان حرام؛ فهو حرام. فأما ما أمر الشرع بقتله، أو نهى عن قتله؛ فلا يكون حلالا، فقد قال النبي ﷺ : " خمس يقتلن في الحل والحرم ... " الحديث، وأمر بقتل الوزغ، ونهى عن قتل أربعة من الدواب:

стр. 1122

النملة، والنحلة، والصرد، والهدهد. وبالجملة: فتحل الطيبات، وتحرم الخبائث لقوله - تعالى -: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ ، والطيبات: ما تستطيبه العرب، وتستلذه من غير أن [يكون قد] ورد بتحريمه نص من كتاب أو سنة. قال الماتن في " حاشية الشفاء ": " إن القول بكراهية أكل الأرنب لا مستند له؛ بخلاف الضب؛ فإنه قد ورد النهي عن أكله؛ كما أخرجه أبو داود (١) .

стр. 1123

وثبت في " صحيح مسلم " أنه ﷺ قال: " إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب، ولا أدري لعل هذا منها ". والنهي حقيقة في التحريم، لولا ما ثبت في " الصحيحين " من حديث جماعة من الصحابة: أن النبي ﷺ أذن لهم بأكل الضب، فقال لهم: " كلوه فإنه حلال، ولكن ليس من طعامي "؛ فإن هذا الحديث يصرف النهي عن حقيقته إلى مجازه - وهو الكراهة -. وحديث تردده ﷺ في كونه ممسوخا مؤيد لذلك. وأما أكل التراب؛ فلم يصح في المنع منه شيء؛ لكنه من أسباب العلل الصعبة، التي يتأثر عنها انحلال البنية، وقد نهى الله - سبحانه - عن قتل الأنفس.

стр. 1124

(٢ - باب الصيد) وكان الاصطياد ديدناً للعرب، وسيرة فاشية فيهم؛ حتى كان ذلك أحد المكاسب التي عليها معاشهم، فأباحه النبي ﷺ . ( [ما يجوز الاصطياد به] :) (ما صيد بالسلاح الجارح والجوارح (١) كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه) ؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني في " الصحيحين "، قال: قلت يا رسول الله ﴿إنا بأرض صيد أصيد بقوسي، وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم؛ فما يصلح لي؟ فقال: " ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلّم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل ". ( [يشترط للصيد بالمعراض أن يخزق] :) وفي " الصحيحين "، من حديث عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله﴾ إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن عليّ وأذكر اسم الله؟ قال: " إذا

стр. 1125

أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله؛ فكل ما أمسك عليك "، قلت: وإن قتلن؟ ! قال: " وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها "، قال: قلت: فإني أرمي بالمعراض (١) الصيد فأصيد، قال: " إذا رميت بالمعراض فخزق (٢) فكل، وإن أصابه بعرضه فلا تأكل ". وفي رواية: " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخْذ الكلب ذكاة ". وفي لفظ من حديثه عند أحمد، وأبي داود: قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل ولم يأكل منه شيئا؛ فإنما أمسكه عليك ". وفي " الصحيحين " من حديثه: " فكل مما أمسكن عليك؛ إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ". وفي حديث ابن عباس عند أحمد (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل؛ فإنما أمسكه على نفسه، فإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل؛ إنما أمسكه على صاحبه ".
следующие страницы →