← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وأما ما يقال من حكاية الإجماع على عدم حل ذبيحة الكافر؛ فدعوى الإجماع غير مسلمة، وعلى تقدير أن لها وجه صحة؛ فلا بد من حملها على ذبيحة كافر ذبح لغير الله، أو لم يذكر اسم الله تعالى. وأما ذبيحة أهل الذمة؛ فقد دل على حلها القرآن الكريم: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ . ومن قال: إن اللحم لا يتناوله الطعام؛ فقد قصر في البحث، ولم ينظر في كتب اللغة، ولا نظر في الأدلة الشرعية المصرحة بأن النبي ﷺ أكل ذبائح أهل الكتاب؛ كما في أكله ﷺ للشاة التي طبختها يهودية، وجعلت فيها سما، والقصة أشهر من أن تحتاج إلى التنبيه عليها. ولا مستند للقول بتحريم ذبائحهم؛ إلا مجرد الشكوك والأوهام التي يبتلى بها من لم يرسخ قدمه في علم الشرع. فإن قلت: قد يذبحونه لغير الله، أو بغير تسمية، أو على غير الصفة المشروعة في الذبح. قلت: إن صح شيء من هذا (١) ؛ فالكلام في ذبيحته كالكلام في ذبيحة المسلم، إذا وقعت على أحد هذه الوجوه، وليس النزاع إلا في مجرد كون كفر الكتابي مانعا؛ لا كونه أخذ بشرط معتبر. انتهى.

стр. 1157

(٤ - باب الضيافة) ( [حكم الضيافة في الإسلام] :) (يجب على من وجد ما يقري به من نزل من الضيوف أن يفعل ذلك، وحد الضيافة إلى ثلاثة أيام، وما كان وراء ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى يحرجه، وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه؛ كان للضيف أن يأخذ من ماله بقدر قراه) ؛ لحديث عقبة بن عامر في " الصحيحين " قال: قلت: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا؛ فما ترى؟ قال: " إن نزلتم بقوم؛ فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ". وفيهما من حديث أبي شريح الخزاعي، عن رسول الله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه جائزته "، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: " يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه "؛ أي: يضيق صدره. وأخرج أحمد (١) ، وأبو داود، من حديث المقدام: أنه سمع النبي ﷺ يقول: " ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما؛ كان

стр. 1158

دينا له عليه؛ إن شاء اقتضاه؛ وإن شاء تركه "، وإسناده صحيح. وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، من حديث أبي هريرة نحوه، وإسناده صحيح. وفي الباب أحاديث. وقد ذهب الجمهور إلى أن الضيافة مندوبة لا واجبة، واستدلوا بقوله: " فليكرم ضيفه جائزته "؛ قالوا: والجائزة هي العطية والصلة، وأصلها الندب. ولا يخفى أن هذا اللفظ لا ينافي الوجوب، وأدلة الباب مقتضية لذلك؛ لأن التغريم لا يكون للإخلال بأمر مندوب، وكذلك قوله: " واجبة "؛ فإنه نص في محل النزاع، وكذلك قوله: " فما كان وراء ذلك فهو صدقة ". قال في " المسوى ": " وفي قوله: " جائزته " قولان: أحدهما: يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له، ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل؛ وإن شاء ترك. والثاني: أن جائزته أن يعطيه ما يجوز به مسافر يوما وليلة (١) ". ( [تحريم أكل طعام الغير بدون إذنه] :) (ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه) ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم

стр. 1159

بينكم بالباطل﴾ ، وكل ما دل على تحريم مال الغير دل على ذلك؛ لأنه مال. وإنما خص منه ما ورد فيه دليل يخصه؛ كالضيف إذا حرمه من يجب عليه ضيافته؛ كما مر. ( [أمثلة على أكل مال الغير] :) (ومن ذلك: حلب ماشيته، وأخذ ثمرته وزرعه لا يجوز إلا بإذنه؛ إلا أن يكون محتاجا إلى ذلك؛ فليناد صاحب الإبل، أو الحائط، فإن أجابه؛ وإلا فليشرب، وليأكل غير متخذ خبنة (١)) ؛ للأدلة العامة والخاصة. أما العامة؛ فظاهر كالآية الكريمة، وحديث خطبة الوداع، ونحو ذلك. وأما الأدلة الخاصة فمثل: حديث ابن عمر في " الصحيحين ": أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه؛ أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فينتثل (٢) طعامه؟ وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه ". وأخرج أحمد من حديث عمير مولى آبي اللحم، قال: " أقبلت مع سادتي نريد الهجرة، حتى إذا دنونا من المدينة، قال: فدخلوا وخلفوني في ظهرهم، فأصابتني مجاعة شديدة، قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة،

стр. 1160

فقالوا: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها، قال: فدخلت حائطا، فقطعت منه قنوين، فأتاني صاحب الحائط، وأتى بي رسول الله ﷺ ، وأخبره خبري، وعلي ثوبان، فقال لي: " أيهما أفضل؟ "، فأشرت إلى أحدهما، فقال: " خذه وأعط صاحب الحائط الآخر "، فخلى سبيلي "، وفي إسناده ابن لهيعة (١) . وله طريق أخرى عند أحمد، وفي إسنادها أيضا أبو بكر بن يزيد بن المهاجر؛ غير معروف الحال. وقد أعل هذا الحديث بأن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق عن محمد ابن زيد، وهو ضعيف (٢) . وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، من حديث ابن عمر، قال: سئل

стр. 1161

رسول الله ﷺ عن الرجل يدخل الحائط؟ فقال: " يأكل غير متخذ خبنة ". وأخرج أبو داود، والترمذي، - وصححه - من حديث سمرة: أن النبي ﷺ قال: " إذا أتى أحدكم على ماشية؛ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذنه، فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب، ولا يحمل "، وهو من سماع الحسن عن سمرة، وفيه مقال معروف. وأخرج أحمد، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أتى أحدكم حائطا، فأراد أن يأكل؛ فليناد صاحب الحائط ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر أحدكم بإبل؛ فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد: يا صاحب الإبل ﴿أو: يا راعي الغنم﴾ فإن أجابه وإلا فليشرب ". وأخرج الترمذي، وأبو داود، من حديث رافع، قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني، فذهبوا بي إلى رسول الله ﷺ فقال: " يا رافع ﴿لم ترمي نخلهم؟ "، قال: قلت يا رسول الله﴾ الجوع. قال: " لا ترم؛ وكل ما وقع؛ أشبعك الله وأرواك " (١) . وأخرج أبو داود، والنسائي، من حديث شرحبيل بن عباد في قصة مثل قصة رافع، وفيها: فقال رسول الله ﷺ لصاحب الحائط: " ما علّمت إذ كان جاهلا، ولا أطعمت إذ كان جائعا؟ ! " (٢) .

стр. 1162

والمراد بالخبنة: ما يحمله الإنسان في حضنه؛ وهي: بضم الخاء المعجمة، وسكون الباء الموحدة، وبعدها نون. ويمكن الجمع بين الأحاديث: بأن تغريم النبي ﷺ لآبي اللحم لعدم المناداة منه، ولو فرضنا عدم صحة الجمع بهذا؛ كانت أحاديث الإذن عند الحاجة مع المناداة أرجح.

стр. 1163

(٥ - باب آداب الأكل) فقد علّم النبي ﷺ آدابا يتأدبون بها في الطعام؛ كما ستأتي. (١ - [التسمية] :) (تُشرع للآكل التسمية) ؛ لحديث عائشة عند أحمد (١) ، وأبي داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي - وصححه - قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: بسم الله؛ فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله على أوله وآخره ". وأخرج مسلم، وغيره من حديث جابر: سمع النبي ﷺ يقول: " إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله؛ قال الشيطان:

стр. 1164

أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر الله عند طعامه؛ قال: أدركتم المبيت والعشاء ". وأخرج مسلم، وغيره من حديث حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الشيطان ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه "؛ الحديث. وأخرج الترمذي (١) ، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل طعاما في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : " أما إنه لو سمى لكفى لكم "، وقال: حسن صحيح. وفي الباب أحاديث. قلت: وعليه أهل العلم. قال النووي: الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (٢) ، فإن قال: بسم الله. حصلت السنة. (٢ - [الأكل باليمين] :) (والأكل باليمين) ؛ لحديث ابن عمر عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ قال: " لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل

стр. 1165

بشماله، ويشرب بشماله. قلت: وعليه أهل العلم. (٣ - [الأكل من حافتي الطعام] :) (ومن حافتي الطعام لا من وسطه) ؛ لحديث ابن عباس عند أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه: أن النبي ﷺ قال: " البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه ". وأخرجه أبو داود (١) بلفظ: " إذا أكل أحدكم طعاما؛ فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها؛ فإن البركة تنزل من أعلاها ". (٤ - [الأكل مما يليه] :) (ومما يليه) ؛ لحديث عمر بن أبي سلمة في " الصحيحين "، وغيرهما قال: كنت غلاما في حجر النبي ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: " يا غلام! سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك ". (٥ - [لعق الأصابع والصحفة] :) (ويلعق أصابعه والصحفة) ؛ لحديث أنس عند مسلم، وغيره: أن النبي

стр. 1166

صلى الله عليه وسلم كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث، وقال: " إذا وقعت لقمة أحدكم؛ فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان "، وأمرنا أن نسلت (١) القصعة، وقال: " إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ". وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها (٢) ". وأخرج مسلم من حديث جابر: أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: " إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ". قال في " الحجة البالغة ": " وقد اتفق لنا أنه زارنا ذات يوم رجل من أصحابنا، فقربنا إليه شيئا، فبينا يأكل؛ إذ سقطت كسرة من يده، وتدهدهت في الأرض، فجعل يتبعها، وجعلت تتباعد عنه، حتى تعجب الحاضرون بعض العجب، وكابد هو في تتبعها بعض الجهد، ثم إنه أخذها فأكلها، فلما كان بعد أيام تخبط الشيطان إنسانا (٣) ، وتكلم على لسانه، فكان فيما تكلم: إني مررت بفلان وهو يأكل، فأعجبني ذلك الطعام، فلم يطعمني منه شيئا، فخطفته من يده، فنازعني حتى أخذه مني.

стр. 1167

وبينا يأكل أهل بيتنا أصول الجزر؛ إذ تدهده بعضها، فوثب إليه إنسان فأخذه وأكله، فأصابه وجع في صدره ومعدته، ثم تخبطه الشيطان، فأخبر على لسانه أنه كان أخذ ذلك المتدهده. وقد قرع أسماعنا شيء كثير من هذا النوع، حتى علمنا أن هذه الأحاديث ليست من باب إرادة المجاز، وإنما أريد به حقيقتها، فمن العلم الذي أعطاه الله نبيه ﷺ حال الملائكة والشياطين، وانتشارهم في الأرض ". انتهى. (٦ - [الحمد عند الفراغ] :) (والحمد عند الفراغ والدعاء) ؛ لحديث أبي أمامة عند البخاري، وغيره: أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: " الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه؛ غير مكفي (١) ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ". وأخرج أحمد، وأبو داود (٢) ، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، والبخاري في " التاريخ " من حديث أبي سعيد، قال: كان النبي ﷺ إذا أكل وشرب قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه - (٣) من حديث معاذ بن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1168

" من أكل طعاما، فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه ". وأخرج أبو داود (١) من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم ﴿بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه. وإذا سُقي لبنا؛ فليقل: اللهم﴾ بارك لنا فيه وزدنا منه؛ فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن ". وأخرجه الترمذي بنحوه وحسنه، ولكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف. وقد رواه عن محمد بن حرملة. قال أبو حاتم: بصري لا أعرفه! (٧ - [أن يستوي جالسا] :) (ولا يأكل متكئا) ؛ لحديث أبي ححيفة عند البخاري، وغيره، قال: قال رسول الله ﷺ : " أما أنا فلا آكل متكئا ". قلت: لأن النبي ﷺ بُعث في العرب، وعاداتهم

стр. 1169

أوسط العادات، ولم يكونوا يتكلفون تكلف العجم، والأخذ بها أحسن، ولا أحسن لأصحاب الملة من أن يتبعوا سيرة إمامها في كل نقير وقطمير. وما أكل رسول الله ﷺ على خوان (١) ، ولا في سكرجة (١) ، ولا خبز له مرقق، ولا رأى شاة سميطا (٢) بعينه قط، وما رأى منخلا - كانوا يأكلون الشعير غير منخول -.

стр. 1170

(الكتاب الرابع عشر: كتاب الأشربة)

стр. 1171

(١٤ - كتاب الأشربة) ( [كل مسكر خمر وكل مسكر حرام] :) (كل مسكر حرام) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام "، فيشمل ذلك جميع أنواع الخمر؛ من الشجرتين وغيرهما، فيتناوله قوله - تعالى -: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية. وفي لفظ لمسلم: " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ". وفي " الصحيحين " من حديث عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع؟ وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال ﷺ : " كل شراب أسكر فهو حرام ". وفيهما نحوه من حديث أبي موسى. وفي الباب أحاديث. قال في " الحجة البالغة ": " وقد استفاض عن النبي ﷺ وأصحابه أحاديث كثيرة؛ من طرق لا تحصى، وعبارات مختلفة، فقال: " الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة ".

стр. 1172

وكذلك اتفقت جميع الملل والنحل على قبحه بالمرة. وليس الأمر كما يظنه من لا بصيرة له؛ من أنه حسن بالنظر إلى الحكمة العملية؛ لما فيه من تقوية الطبيعة! فإن هذا الظن من باب اشتباه الحكمة الطبية بالحكمة العملية. والحق أنهما متغايرتان، وقد نزل تحريم الخمر؛ وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل. ( [مم يكون الخمر ؟] :) والخمر: ما خامر العقل. وقال: لقد حرمت الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا: البسر والتمر، وكسروا دنان الفضيخ (١) حين نزلت، وهو يقتضيه قوانين التشريع؛ فإنه لا معنى لخصوصية العنب، وإنما المؤثر في التحريم كونه مزيلا يدعو قليله إلى كثيره، فيجب به القول. ولا يجوز لأحد اليوم أن يذهب إلى تحليل ما اتخذ من غير العنب، واستعمل أقل من حد الإسكار. نعم؛ كان ناس من الصحابة والتابعين لم يبلغهم الحديث في أول الأمر، فكانوا معذورين؛ ولما استفاض الحديث، وظهر الأمر كرابعة النهار، وصح حديث: " ليشربن ناس من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها "؛ لم يبق عذر، أعاذنا الله - تعالى - والمسلمين من ذلك ". انتهى.

стр. 1173

وتمام هذا البحث في " مسك الختام "، فليرجع إليه. ( [ما أسكر كثيره فقليله حرام] :) (وما أسكر كثيره فقليله حرام) ، لحديث عائشة عند أحمد، وأبي داود، والترمذي وحسنه، وابن حبان، والدارقطني - وأعله بالوقف -، قالت: قال رسول الله ﷺ : " كل مسكر حرام؛ وما أسكر الفرق (١) منه؛ فملء الكف منه حرام "، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا عمرو بن سالم الأنصاري مولاهم المدني؛ قال المنذري: لم أر أحدا قال فيه كلاما، وقال الحاكم: هو معروف بكنيته؛ يعني: أبا عثمان (٢) . وأخرج أحمد (٣) ، وابن ماجه، والدارقطني - وصححه -، من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ، قال: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". وأخرجه أبو داود (٤) ، والترمذي - وحسنه -، وقال ابن حجر: رجاله ثقات -، من حديث جابر.

стр. 1174

وأخرجه أيضا أحمد (١) ، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وفي الباب أحاديث. قال في " المسوى ": " وعليه الشافعي، وأبو حنيفة؛ إلا أن الشافعي يقول: كل ما خامر العقل فهو خمر، قليله وكثيره حرام، يجب منه الحد؛ سواء كان من عنب، أو تمر، أو عسل، أو غير ذلك؛ وسواء كان نيئا أو مطبوخا. وفي مذهب أبي حنيفة: النيء من ماء العنب إذا اشتد هو الخمر، والمسكر من فضيخ التمر حرام؛ يحد منه دون سائر المسكرات ". انتهى. ( [ما هي الآنية التي يجوز الانتباذ بها ؟] :) (ويجوز الانتباذ في جميع الآنية) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم (٢) ، فاشربوا في كل وعاء؛ غير أن لا تشربوا مسكرا ". وفي لفظ لمسلم - أيضا -، وغيره: " نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفا لا

стр. 1175

يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام ". وفي الباب أحاديث مصرحة بنسخ ما قد كان وقع منه ﷺ ؛ من النهي عن الانتباذ في الدباء، والنقير، والمزفت، والحنتم (١) ، ونحوها؛ كما هو مذكور في الأحاديث المروية في " الصحيحين "، وغيرهما. ذهب قوم إلى بقاء الحظر فيها، وبه قال مالك وأحمد. ( [حكم انتباذ جنسين مختلطين] :) (ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما عن النبي ﷺ : أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا. وفيهما من حديث أبي قتادة نحوه. ولمسلم نحوه من حديث أبي سعيد. وله - أيضا - نحوه من حديث أبي هريرة. وفي الباب أحاديث. ووجه النهي عن انتباذ الخليطين؛ أن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط، فيظن المنتبذ أنه لم يبلغ حد الإسكار وقد بلغه.

стр. 1176

قال النووي: " ومذهب الجمهور: أن النهي في ذلك للتنزيه لا للتحريم، وإنما يحرم إذا صار مسكرا، ولا تخفى علامته. وقال بعض المالكية: هو للتحريم ". وقد ورد ما يدل على منع انتباذ جنسين؛ سواء كان مما ذكر في الأحاديث السابقة أم لا، وهو ما أخرجه النسائي، وأحمد، من حديث أنس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين شيئين فيُنبذا؛ يبغي أحدهما على صاحبه "، ورجال إسناده ثقات (١) . قال في " المسوى ": " اختلف أهل العلم؛ فذهب جماعة إلى تحريمه؛ وإن لم يكن الشراب المتخذ منه مسكرا لظاهر الحديث، وبه قال مالك وأحمد. وقال الأكثرون: هو حرام إذا كان مشتدا ومسكرا؛ إذ المعنى فيه الإسكار، وإنما خص ذكره؛ لأنه كان من عادتهم اتخاذ النبيذ المسكر بذلك. وقال الليث: إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعا؛ لأن أحدهما يشد صاحبه ". ( [حكم تخليل الخمر] :) (ويحرم تخليل الخمر) ؛ لحديث أنس عند أحمد، وأبي داود، والترمذي

стр. 1177

وصححه: أن النبي ﷺ سئل عن الخمر يتخذ خلا؟ فقال: " لا ". وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، من حديثه - أيضا -: أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا؟ فقال: " أهرقها "، قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: " لا ". وقد عزاه المنذري في " مختصر السنن " إلى مسلم. وله حديث ثالث نحوه أخرجه الدارقطني. وأخرج أحمد من حديث أبي سعيد نحوه. قال ابن القيم: " وفي الباب عن أبي الزبير وجابر، وصح ذلك عن عمر بن الخطاب، ولا نعلم له في الصحابة مخالفا، ولم يزل أهل المدينة ينكرون ذلك. قال الحاكم: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحيري يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمت المدينة أيام مالك، فتقدمت إلى قاض، فقلت: عندك خل خمر؟ فقال: سبحان الله! في حرم رسول الله ﷺ ؟ قال: ثم قدمت بعد موت مالك، فذكرت ذلك لهم، فلم ينكر علي أحد. وأما ما روي عن علي من اصطناعه الخمر، وعن عائشة: أنه لا بأس به؛ فهو خل الخمر إذا تخللت بنفسها لا باتخاذها ". اه.

стр. 1178

وفي " الحجة البالغة ": " سئل عن الخمر يتخذ خلا؟ قال: " لا "، قيل: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: " إنه ليس بدواء، ولكنه داء ". أقول: لما كان الناس مولعين بالخمر، وكانوا يتحيلون لها حيلا؛ لم تتم المصلحة إلا بالنهي عنها على كل حال؛ لئلا يبقى عذر لأحد ولا حيلة ". انتهى. ( [جواز شرب العصير والنبيذ قبل تخمره] :) (ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه) ؛ لحديث أبي هريرة عند أبي داود (١) ، والنسائي، وابن ماجه، قال: علمت أن النبي ﷺ كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء، ثم أتيته به، فإذا هو ينش (٢) فقال: " اضرب بهذا الحائط؛ فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ". وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير، قال: اشربه ما لم يأخذه شيطانه؟ قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: في ثلاث.

стр. 1179

وأخرج مسلم، وغيره من حديث ابن عباس: أنه كان يُنقع للنبي ﷺ الزبيب، فيشربه اليوم، والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقي الخادم أو يهراق. قال أبو داود: ومعنى يسقي الخادم: يبادر به الفساد. ( [ما هي مدة الانتباذ ؟] :) (ومظنة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام) ؛ لحديث ابن عباس المذكور. وقد أخرج مسلم، وغيره من حديث عائشة: " أنها كانت تنتبذ لرسول الله ﷺ غدوة، فإذا كان من العشي فتعشى شرب على عشائه، وإن فضل شيء صبته أو أفرغته، ثم تنتبذ له بالليل، فإذا أصبح تغدى فشرب على غدائه، قالت: نغسل السقاء غدوة وعشية "، وهو لا ينافي حديث ابن عباس - المتقدم - أنه كان يشربه اليوم، والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة؛ لأن الثلاث مشتملة على زيادة غير منافية، والكل في " الصحيح ". ( [آداب الشرب] :) (١ - [أن يتنفس ثلاثا] :) (وآداب الشرب أن يكون ثلاثة أنفاس) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين ": أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا. وفي لفظ لمسلم: أنه كان يتنفس في الشراب ثلاثا، ويقول: " إنه أروى وأمرأ " (١) ، والمراد أنه كان يتنفس بين كل شربتين في غير الإناء.

стр. 1180

(٢ - [أن لا يتنفس في الإناء] :) وأما التنفس في الإناء فمنهي عنه؛ لحديث أبي قتادة في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ". وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - (١) ، من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه. وأخرج أحمد، والترمذي (٢) - وصححه -، من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال الرجل: القذاة أراها في الشراب، فقال: " أرقها "، فقال: إني لا أروى من نفس واحد، قال: " فأبِن؟ القدح إذاً عن فيك "، قلت: وعلى هذا أهل العلم. والنهي عن التنفس فيه، من أجل ما يخاف أن يبرز شيء من ريقه أو مخاطه فيقع في الماء. وقد تكون النكهة من بعض من يشرب متغيرة، فتتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطفه. ثم إنه من فعل الدواب، إذا كرعت في الأواني كرعت، ثم تنفست فيها، ثم عادت فشربت، فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه.

стр. 1181

والنفخ فيه يكون لأحد معنيين: فإن كان من حرارة الشراب؛ فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى؛ فليمطه بأصبع أو خلال، وإن تعذر فليرقها؛ كما جاء في الحديث. (٣ - [أن يشرب باليمين] :) (وباليمين) ؛ لما تقدم في آداب الأكل. (٤ - [أن يشرب قاعدا] :) (ومن قعود) ؛ لأن الشرب قاعدا من الهيئات الفاضلة، وأقرب لجموم النفس والري، وأن تصرف الطبيعة الماء في محله؛ لحديث أبي سعيد عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائما. وأخرج مسلم أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسي فليستقئ " (١) . ولا يعارض هذا حديث ابن عباس في " الصحيحين ": أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم قائما، ولا ما أخرج البخاري، وغيره من حديث علي: أنه شرب وهو قائم، ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن رسول الله ﷺ صنع مثل ما صنعت، ولا ما أخرجه أحمد (٢) ، وابن ماجه، والترمذي

стр. 1182

- وصححه - من حديث ابن عمر، قال: " كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام " (١) ؛ لأنه يمكن الجمع بأن الكراهة للتنزيه؛ وإن كان قوله: " فمن نسي فليستقئ " يشعر بعدم الجواز في حق من قصد مخالفة السنة (٢) ؛ على أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة، ويخصص القول الشامل له وللأمة، فيكون الفعل خاصا به؛ كما تقرر في الأصول. قلت: وعليه أكثر أهل العلم؛ رأوا نهي النبي ﷺ عن الشرب قائما نهي أدب وإرفاق؛ ليكون تناوله على سكون وطمأنينة، فيكون أبعد من أن يكون منه فساد في المعدة؛ كالكباد وغيره. (٥ - [أن يشرب الأيمن فالأيمن] :) (وتقديم الأيمن فالأيمن) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ أُتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، وقال: " الأيمن فالأيمن ". وفيهما من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ أتي بشراب فشرب منه، وعن يمنيه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: " أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ "، فقال الغلام: والله يا رسول الله! لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله؛ أي: وضعه رسول الله ﷺ في يده. قال في " الحجة البالغة ":

стр. 1183

" أراد بذلك قطع المنازعة، فإنه لو كانت السنة تقديم الأفضل؛ ربما لم يكن الفضل مسلّما بينهم، وربما يجدون في أنفسهم من تقديم غيرهم حاجة ". اه (٦ - [الساقي آخر القوم شربا] :) (ويكون الساقي آخرهم شربا) ؛ لحديث أبي قتادة عند ابن ماجه، وأبي داود، والترمذي - وصححه - وقال المنذري: رجال إسناده ثقات -، عن النبي ﷺ قال: " ساقي القوم آخرهم شربا ". وقد أخرجه أيضا مسلم بلفظ: قلت: لا أشرب حتى يشرب رسول الله ﷺ فقال: " إن الساقي آخرهم شربا ". (٧، ٨ - [التسمية على الشرب، والحمد في آخره] :) (ويسمي في أوله، ويحمد في آخره) ؛ لحديث ابن عباس عند الترمذي (١) قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا الله إذا أنتم شربتم، واحمدوا الله إذا أنتم رفعتم ". وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي،

стр. 1184

والبخاري في " التاريخ " من حديث أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ إذا أكل وشرب قال: " الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين ". ( [حكم التنفس في السقاء، والنفخ فيه والشرب من فمه] :) (ويكره التنفس في السقاء، والنفخ فيه) ؛ وقد تقدمت أدلة ذلك في الشرب ثلاثة أنفاس. (والشرب من فمه) لأنه إذا ثنى فم القربة فشرب منه؛ فإن الماء يتدفق وينصب في حلقه دفعة، وهو يورث الكباد، ويضر بالمعدة، ولا يتميز عنده في دفق الماء وانصبابه القذاة ونحوها. ودليله حديث أبي سعيد في " الصحيحين " قال: نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية؛ أن يشرب من أفواهها (١) . وفي رواية لهما: " واختناثها: أن يقلب رأسها ثم يشرب منه ". وفي " البخاري " من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب من في السقاء.

стр. 1185

وزاد أحمد: قال أيوب: فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية. وزاد في " الحجة البالغة ": " فدخلت في جوفه ". وفي " البخاري "، وغيره من حديث ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من في السقاء. وهذا لا يعارضه ما رواه ابن ماجة (١) ، والترمذي - وصححه -، من حديث كبشة، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، فشرب من في قربة معلقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته ". وأخرج أحمد (٢) ، وابن شاهين، والترمذي في " الشمائل "، والطبراني، والطحاوي، من حديث أم سليم نحوه. وأخرج أبو داود (٣) ، والترمذي من حديث عبد الله بن بسر نحوه - أيضا -؛ لأن فعله ﷺ قد يكون لبيان الجواز، فتحمل أحاديث النهي على الكراهة لا على التحريم.

стр. 1186

وقد يكون ما فعله ﷺ لعذر، فتحمل أحاديث النهي على عدم العذر. وقد جزم ابن حزم بالتحريم (١) . وروي عن أحمد أن أحاديث النهي ناسخة. ( [حكم المائع إذا وقعت فيه نجاسة] :) (وإذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات؛ لم يحل شربه، وإن كان جامدا ألقيت وما حولها) ؛ لحديث ميمونة عند البخاري، وغيره: أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت؟ فقال: " ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم ". وأخرج أبو داود (٢) والنسائي - في لفظ لهما من هذا الحديث -: أنه ﷺ سئل عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: " إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه "، وصححه ابن حبان. وأخرج أحمد، وأبو داود (٣) ، والترمذي من حديث أبي هريرة، قال:

стр. 1187

سئل رسول الله ﷺ عن فأرة وقعت في سمن فماتت؟ فقال: " إن كان جامدا فخذوها وما حولها، ثم كلوا ما بقي، وإن كان مائعا فلا تقربوه ". وقد أخرجه أيضا النسائي. وحكم غير الفأرة - مما هو مثلها في النجاسة والاستقذار - حكمها إذا وقع في سمن أو نحوه. قلت: وعليه أهل العلم؛ ومعناه عندهم: إذا كان جامدا؛ فإن كان مائعا تنجس كله، فلا يجوز أكله بالاتفاق، وجوز أبو حنيفة بيعه، ولم يجوزه الشافعي. ( [حكم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة] :) (ويحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة) ؛ لحديث حذيفة في " الصحيحين "، وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ". وفيهما - أيضا - من حديث أم سلمة: أن النبي ﷺ قال: " إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ".

стр. 1188

ولفظ مسلم: " إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة ". وأخرج مسلم من حديث البراء بن عازب، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن الشرب في الفضة؛ فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة. وأخرج أحمد، وابن ماجه من حديث عائشة نحو حديث أم سلمة. قلت: الجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف، وعليه أهل العلم. وفي حكمها الذهب. ورخص الشافعي في تضبيب الإناء بقليل من الفضة عند الحاجة؛ لحديث أنس: أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب (١) سلسلة من فضة. قال الشيخ محيي الدين بن إبراهيم النحاس في " تنبيه الغافلين ": " ومنها استعمال أواني الذهب والفضة للرجال والنساء في الأكل، والشرب، والادهان، والاكتحال، ونحو ذلك. وكذا قال الشيخ شمس الدين ابن القيم وغيره. ولا فرق بين أن تكون الآنية كبيرة؛ كالصحن، والزبدية ونحوهما، أو صغيرة؛ كالمكحلة، والميل، والإبرة، ونحوها. وكما يحرم استعمال أواني الذهب والفضة يحرم اتخاذها لغير استعمال على الرجال، والنساء، ويحرم على الصائغ عملها.

стр. 1189

ومن قدم إليه طعام في آنية ذهب، أو فضة، ولم يستطع الإنكار؛ فطريقه أن يأخذ الطعام من الآنية، ويضعه في وعاء آخر، أو على الخبز، أو في يده الشمال، ثم يأكل منه؛ لأن ذلك ليس بأكل فيها، وكذلك إذا أراد الاكتحال من كحل في مكحلة فضة؛ أفرغ منه في شيء ثم اكتحل منه، والله تعالى أعلم ". اه. ( [حكم استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب] :) أقول: استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب فيها؛ لم يرد ما يدل على المنع منه، ولم يثبت إلا المنع من الأكل والشرب فيها فقط. ومن زعم تحريم غيرهما؛ لم يقبل إلا بدليل؛ لأن الأصل الحل، فلا ينقل عنه إلا بناقل. وأما التحلي بهما؛ فلم يرد ما يمنع من ذلك إلا في الذهب (١) .

стр. 1190

وأما الفضة؛ فلم يرد شيء؛ بل قال ﷺ : " عليكم بالفضة؛ فالعبوا بها كيف شئتم (١) ". هذا خلاصة ما ينبغي القول به في الاستعمال والتحلي، وللماتن - رحمه الله تعالى - أبحاث جليلة المقدار راجحة الأنظار في ذلك، فلتراجع.

стр. 1191

(الكتاب الخامس عشر: كتاب اللباس)

стр. 1192

(١٥ - كتاب اللباس) ( [دليل وجوب ستر العورة في الملإ والخلاء] :) (ستر العورة واجب في الملأ والخلاء) ؛ لحديث حكيم بن حزام، عن أبيه، عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه - (١) ، قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها؟ وما نذر؟ فقال: " احفظ عورتك؛ إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك "، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: " إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها "، فقلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: " فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه " (٢) .

стр. 1193

وقد اختلف أهل العلم في حد العورة، وكذلك اختلفت الأدلة، وقد استوفاها الماتن في " شرح المنتقى ". ( [حكم لباس الحرير للذكور والإناث] :) (ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير) ؛ لحديث عمر في " الصحيحين "، وغيرهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". وفيهما نحوه من حديث أنس. وفيهما - وغيرهما - من حديث ابن عمر: أنه رأى عمر حلة من إستبرق، فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ابتع هذه فتجمل بها للعيد وللوفود، فقال رسول الله ﷺ : " إنما هذه لباس من لا خلاق له ". وأخرج أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه من حديث أبي موسى: أن النبي ﷺ قال: " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها "، وفي إسناده سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، قال أبو حاتم: إنه لم يلقه. وقد صححه (١) أيضا ابن حزم. وروي من حديث علي عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، قال: أخذ النبي ﷺ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله

стр. 1194

في شماله، ثم قال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي "، زاد ابن ماجه: " حل لإناثهم "، وهو حديث حسن. وأخرج البيهقي بإسناد حسن نحوه. وأخرج البزار من حديث عمرو بن جرير البجلي (١) نحوه أيضا، وفي إسناده قيس بن أبي حازم. وفي الباب أحاديث. وقد ذكر المهدي في " البحر " أنه مجمع على تحريم الحرير للرجال، وقال فيه: إنه خالف في ذلك ابن علية. وانعقد الإجماع بعده على التحريم. وقال القاضي عياض: إنه حكي عن قوم إباحته. وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسا من الصحابة. ( [الخلاف في جواز لبس الحرير المشوب] :)

стр. 1195

وقد اختلف أهل العلم في الحرير المشوب بغيره. واستدل المانعون من لبسه بما ورد من منعه ﷺ للبس حلة السيراء؛ كما في " الصحيحين " من حديث علي، ولكنه قد وقع الخلاف في تفسير حلة السيراء ما هي؟ فقيل: إنها ذات الخطوط، وقيل: المختلفة الألوان. وهذان التفسيران لا يدلان على مطلوب من استدل بذلك على المنع من لبس المشوب؛ على أنه قد قيل: إنه الحرير المحض. واستدل من لم يقل بتحريم المشوب - بل حرم الخالص فقط - بمثل حديث ابن عباس عند أحمد، وأبي داود، قال: " إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من قز "، وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وفيه ضعف (١) . والمصمت بضم الميم الأولى، وفتح الثانية المخففة؛ وهو: الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره. وهذا البحث طويل الذيول.
следующие страницы →