← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

(الكتاب الخامس عشر: كتاب اللباس)

стр. 1192

(١٥ - كتاب اللباس) ( [دليل وجوب ستر العورة في الملإ والخلاء] :) (ستر العورة واجب في الملأ والخلاء) ؛ لحديث حكيم بن حزام، عن أبيه، عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه - (١) ، قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها؟ وما نذر؟ فقال: " احفظ عورتك؛ إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك "، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: " إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها "، فقلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: " فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه " (٢) .

стр. 1193

وقد اختلف أهل العلم في حد العورة، وكذلك اختلفت الأدلة، وقد استوفاها الماتن في " شرح المنتقى ". ( [حكم لباس الحرير للذكور والإناث] :) (ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير) ؛ لحديث عمر في " الصحيحين "، وغيرهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". وفيهما نحوه من حديث أنس. وفيهما - وغيرهما - من حديث ابن عمر: أنه رأى عمر حلة من إستبرق، فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ابتع هذه فتجمل بها للعيد وللوفود، فقال رسول الله ﷺ : " إنما هذه لباس من لا خلاق له ". وأخرج أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه من حديث أبي موسى: أن النبي ﷺ قال: " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها "، وفي إسناده سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، قال أبو حاتم: إنه لم يلقه. وقد صححه (١) أيضا ابن حزم. وروي من حديث علي عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، قال: أخذ النبي ﷺ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله

стр. 1194

في شماله، ثم قال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي "، زاد ابن ماجه: " حل لإناثهم "، وهو حديث حسن. وأخرج البيهقي بإسناد حسن نحوه. وأخرج البزار من حديث عمرو بن جرير البجلي (١) نحوه أيضا، وفي إسناده قيس بن أبي حازم. وفي الباب أحاديث. وقد ذكر المهدي في " البحر " أنه مجمع على تحريم الحرير للرجال، وقال فيه: إنه خالف في ذلك ابن علية. وانعقد الإجماع بعده على التحريم. وقال القاضي عياض: إنه حكي عن قوم إباحته. وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسا من الصحابة. ( [الخلاف في جواز لبس الحرير المشوب] :)

стр. 1195

وقد اختلف أهل العلم في الحرير المشوب بغيره. واستدل المانعون من لبسه بما ورد من منعه ﷺ للبس حلة السيراء؛ كما في " الصحيحين " من حديث علي، ولكنه قد وقع الخلاف في تفسير حلة السيراء ما هي؟ فقيل: إنها ذات الخطوط، وقيل: المختلفة الألوان. وهذان التفسيران لا يدلان على مطلوب من استدل بذلك على المنع من لبس المشوب؛ على أنه قد قيل: إنه الحرير المحض. واستدل من لم يقل بتحريم المشوب - بل حرم الخالص فقط - بمثل حديث ابن عباس عند أحمد، وأبي داود، قال: " إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من قز "، وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وفيه ضعف (١) . والمصمت بضم الميم الأولى، وفتح الثانية المخففة؛ وهو: الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره. وهذا البحث طويل الذيول.

стр. 1196

أقول: مسألة تحريم مشوب الحرير من المعارك التي تحتمل البسط. قال الماتن في " حاشية الشفاء ": " وقد طالت المراجعة فيها بيني وبين شيخي المجتهد المطلق السيد عبد القادر بن أحمد الكوكباني ﵀ أيام قراءتي عليه، فكان جميع ما حرره وحررته نحو سبع رسائل، وقد لخصت ما ظهر لي في المسألة في " شرح المنتقى " باختصار، فليرجع إليه ". قلت: وحاصله ترجيح التحريم؛ كما قررته في " هداية السائل إلى أدلة المسائل "؛ فليراجع. قال في " المسوي ": " الحلة السيراء: التي فيها خطوط كالسيور، وهي برود من الحرير، أو الغالب فيها الحرير، والقسي: ثياب مضلعة من الحرير؛ أي: منقوشة بصورة الضلاع (١) وأشباهه، قيل: نسبة إلى قس قرية بساحل البحر، وقيل: إلى القز بالزاي، فأبدل من الزاي السين. وعلى هذا أهل العلم أن الحرير حرام على الرجال دون النساء، ويرخص في موضع إصبع، أو إصبعين، أو ثلاث، أو أربع من أعلام الحرير، ورخص بعضهم في لبسه لأجل الحكة والقمل ". اه. وفي حديث علي عند مالك: نهى رسول الله ﷺ عن لبس القسي،

стр. 1197

وعليه أهل العلم. وفي " الأنوار ": " يجوز لبس الكتان والقطن والصوف والخز وإن كانت نفيسة ". (إذا كان فوق أربع أصابع) ؛ لحديث عمر في " الصحيحين " وغيرهما: أن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ [أصبعيه] (١) الوسطى والسبابة وضمهما. وفي لفظ لمسلم وغيره: نهى عن لبس الحرير؛ إلا موضع أصبعين، أو ثلاثة أو أربعة (٢) . قال في " الحجة البالغة ": " لأنه ليس من باب اللباس، وربما تقع الحاجة إلى ذلك، ونهى عن لبس الحرير والديباج والقسي والمياثر والأرجوان ". اه. ( [جواز لبس الحرير للرجال بقصد التداوي] :) (إلا للتداوي) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما.

стр. 1198

قال في " الحجة البالغة ": " لأنه لم يقصد حينئذ به الإرفاه، وإنما قصد به الاستشفاء ". ( [حكم افتراش الحرير] :) (ولا يفترشه) - أي: الحرير - لحديث حذيفة عند البخاري، قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: " هو لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة ". وفي معنى ذلك أحاديث، وهذا نص في محل النزاع. وأما الاسترواح بالقياس على جواز افتراش ما فيه تصاوير؛ فقياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار. قال ابن القيم: " ولم لم يأت هذا النص؛ لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه؛ كما هو متناول للالتحاف به، وذلك لبس لغة وشرعا؛ كما قال أنس: قمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس. ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي؛ لكان القياس المحض موجبا لتحريمه؛ إما قياس المثل؛ أو قياس الأولى. فقد دل على تحريم الافتراش النص الخاص، واللفظ العام، والقياس الصحيح. ولا يجوز رد ذلك كله بالمتشابه من قوله - تعالى -: ﴿خلق لكم ما في

стр. 1199

الأرض جميعا﴾ ، ومن القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون ظهارته؛ فإن الحكم في ذلك التحريم على أصح القولين، والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها؛ كحشو الفراش. فإن صح الفرق بطل القياس، وإن بطل الفرق منع الحكم. وقد تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء؛ فحرموه على الرجال والنساء، وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي، وقابلهم من أباحه بنوعين. والصواب التفصيل؛ وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه، ومن حرم عليه حرم عليه، وهذا قول الأكثرين، وهي طريقة العراقيين من الشافعية ". اه. وفي " تنبيه الغافلين ": " الجلوس على الحرير والالتحاف به حرام على الرجال. وصحح الرافعي تحريم افتراشه على النساء. وخالفه النووي في ذلك. وحكى ابن الرفعة عن بعض العلماء أنه لا ينعقد النكاح بحضور الجالس على الحرير، واستبعد. وحكم القز (١) في التحريم حكم الحرير على الأصح، إذا كان على صبي

стр. 1200

غير بالغ ثوب حرير؛ قال الغزالي: " الصحيح أن ذلك منكر يجب نزعه عنه إن كان مميزا؛ بعموم قوله ﷺ : " هذان حرامان على ذكور أمتي ". وكما يجب منع الصبي عن شرب الخمر؛ لا لكونه مكلفا؛ ولكن لكونه يأنس به، فإذا بلغ عسر عليه الصبر عنه، كذلك شهوة التزين بالحرير. وأما الصبي الذي لا تمييز له؛ فيضعف - يعني: التحريم - في حقه، ولا تخلو عن احتمال، والعلم فيه عند الله تعالى ". هذا كلام الغزالي. وصحح النووي الجواز مطلقا، والله - تعالى - أعلم ". اه. وروي عن ابن عباس، وأنس: أنه يجوز افتراش الحرير، وإليه ذهب الحنفية، واستدل لهم بأن افتراش الحرير إهانة، وليس هذا مما يستدل به على المسائل الشرعية على فرض عدم المعارض؛ فكيف وقد عارضه الدليل الصحيح الصريح؟ ! ( [لبس الثوب المعصفر حرام] :) (ولا المصبوغ بالعصفر) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وغيره، قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين، فقال: " إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها ". وأخرج مسلم، وغيره - أيضا - من حديث علي، قال: " نهاني رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي،

стр. 1201

وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر ". وفي الباب أحاديث. والعصفر يصبغ الثوب صبغا أحمر على هيئة مخصوصة، فلا يعارضه ما ورد في لبس مطلق الأحمر؛ كما في " الصحيحين " من حديث البراء، قال: " كان رسول الله ﷺ مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه ". وفي الباب أحاديث؛ يجمع بينها بأن الممنوع منه هو الأحمر الذي صبغ بالعصفر، والمباح هو الأحمر الذي لم يصبغ به (١) . ( [لبس ثوب الشهرة حرام] :) (ولا ثوب شهرة) ؛ لحديث ابن عمر: " من لبس ثوب شهرة في الدنيا؛ ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ورجال إسناده ثقات (٢) . والمراد به الثوب الذي يشهر لابسه بين الناس، ويلحق بالثوب غيره من

стр. 1202

الملبوس ونحوه مما يشهر به اللابس له لوجود العلة. ( [لبس ثوب الرجل للمرأة حرام، والعكس] :) (ولا ما يختص بالنساء، ولا العكس) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأبي داود، والنسائي (١) : " أن النبي ﷺ لعن الرجل يلبس لبس المرأة، والمرأة تلبس لبس الرجل ". وفي " صحيح البخاري "، وغيره من حديث ابن عباس، قال: " لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء ". وفي الباب أحاديث. ( [التحلي بالذهب للرجل حرام] :) (ويحرم على الرجال التحلي بالذهب لا بغيره) ؛ لما تقدم من الأحاديث الواردة في تحريم الذهب، وهو لا يكون إلا حلية؛ إذ لا يمكن لبسه. وأما ما يخلط في بعض الثياب بالحرير أو بغيره، فهو فضة لا ذهب، وإن سماه الناس ذهبا. ومن الأدلة على ذلك ما ورد في المنع من خاتم الذهب، وما ورد فيمن حلى حبيبا له ولو بخربصيصة (٢) .

стр. 1203

وقد جمع الماتن رسالة مستقلة في تحريم التحلي بقليل الذهب وكثيره. وجمع أيضا رسالة مستقلة في تحلي النساء بالذهب، وهل يجوز ذلك أم لا؟ فليرجع إليهما. قال المجد في " القاموس ": " خربصيصة؛ أي: شيء من الحلي "، ونحوه في " تاج اللغات ". وفي " نهاية الحديث ": " الخربصيصة: الهنة التي تتراءى في الرمل، لها بصيص كأنها عين جرادة. قال في " الحجة البالغة ": " ومن تلك الرؤوس الحلي المترفة وهنا أصلان: أحدهما: أن الذهب هو الذي يفاخر به العجم، ويفضي جريان الرسم بالتحلي به إلى الإكثار من طلب الدنيا - دون الفضة -، ولذلك شدد النبي ﷺ في الذهب وقال: " ولكن عليكم بالفضة؛ فالعبوا بها " (١) . والثاني: أن النساء أحوج إلى التزين ليرغب فيهن أزواجهن، ولذلك جرت عادة العرب والعجم جميعا بأن يكون تزينهن أكثر من تزينهم، فوجب أن يرخص لهن أكثر مما يرخص لهم، ولذلك قال ﷺ : " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها ". وقال ﷺ في خاتم ذهب في يد رجل: " يعمد أحدكم إلى جمر من نار فيجعله في يده "، ورخص ﵇ في خاتم الفضة؛ لا سيما لذي

стр. 1204

سلطان، وقال: " ولا تتمه مثقالا " (١) ؛ ونهى النساء عن غير المقطع من الذهب، وهو ما كان قطعة واحدة كبيرة، قال: " من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه من ذهب ". وذكر على هذا الأسلوب الطوق والسوار. وكذا جاء التصريح بقلادة من ذهب، وسلسلة من ذهب، وبين المعنى في هذا الحكم حيث قال: " أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به " (٢) . وكان لأم سلمة أوضاح (٣) من ذهب، والظاهر أنها كانت مقطعة. وقال ﷺ : " أحل الذهب للإناث "؛ معناه: الحل في الجملة. هذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحاديث، ولم أجد لها معارضا. ومذهب الفقهاء في ذلك معلوم ومشهور، وهو التحليل مطلقا بلا فرق بين المقطع وغيره، والله - تعالى - أعلم بحقيقة الحال ".

стр. 1205

( [حكم التختم باليمين، واليسار، والسبابة، والوسطى] :) أقول: وأما التختم؛ فقد أخرج أبو داود من حديث عمر، والنسائي من حديث أنس: أن النبي ﷺ : كان يتختم في يساره. وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث علي، والترمذي، والنسائي - أيضا - من حديث أبي رافع، أنه ﷺ كان يتختم في يمينه ". فالكل جائز بدون كراهة، ولم يرد النهي إلا عن التختم في السبابة والوسطى؛ كما أخرجه مسلم، وأهل " السنن " من حديث علي بلفظ: نهائي أن أجعل الخاتم في هذه أو في التي تليها، وأشار إلى السبابة.

стр. 1206

(الكتاب السادس عشر: كتاب الأضحية)

стр. 1207

(١٦ - كتاب الأضحية) ( [الباب الأول: أحكام الأضحية] ) ( [مشروعية الأضحية] :) (تشرع لأهل كل بيت) ؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري، قال: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، أخرجه ابن ماجه، والترمذي - وصححه - (١) . وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث أبي سريحة (٢) بإسناد صحيح. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث مخنف (٣) بن سليم: أنه سمع النبي ﷺ يقول: " يا أيها الناس! على كل أهل بيت في كل عام أضحية " (٤) .

стр. 1208

وفي إسناده أبو رملة، واسمه عامر؛ قال الخطابي: مجهول. ( [حكم الأضحية] :) وقد اختلف في وجوب الأضحية، فذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة، وبه قال مالك، وقال: لا أحب لأحد ممن قوي على ثمنها أن يتركها، وعليه الشافعي. وذهب ربيعة، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والليث، - وبعض المالكية - إلى أنها واجبة على الموسر، وحكي عن مالك، والنخعي. وتمسك القائلون بالوجوب بمثل حديث: " على كل أهل بيت أضحية " المتقدم، وبمثل حديث أبي هريرة عند أحمد، وابن ماجه، وصححه الحاكم - وقال ابن حجر في " الفتح ": " رجاله ثقات؛ لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب؛ قاله الطحاوي وغيره (١) - قال: قال رسول الله ﷺ : " من وجد سعة فلم يضح؛ فلا يقربن مصلانا ". ومن أدلة الموجبين: قوله - تعالى - ﴿فصل لربك وانحر﴾ ، والأمر للوجوب. وقد قيل: إن المراد تخصيص الرب بالنحر لا للأصنام، ومن ذلك حديث جندب بن سفيان البجلي في " الصحيحين " وغيرهما، قال: قال رسول

стр. 1209

الله ﷺ : " من كان ذبح قبل أن يصلي؛ فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا؛ فليذبح باسم الله ". ومن حديث جابر نحوه. وجعل الجمهور حديث أنه ﷺ ضحى عمن لم يضح من أمته بكبش - كما في حديث جابر عند أحمد (١) ، وأبي داود، والترمذي، وأخرج نحوه أحمد، والطبراني، والبزار من حديث أبي رافع بإسناد حسن (٢) - قرينة صارفة لما تفيده أدلة الموجبين. ولا يخفى أنه يمكن الجمع بأنه ضحى عن غير الواجدين من أمته؛ كما يفيده قوله: " من لم يضح من أمته "، مع قوله: " على كل أهل بيت أضحية ". وأما مثل حديث: " أمرت بالأضحى ولم يكتب عليكم " ونحوه؛ فلا تقوم بذلك الحجة؛ لأن في أسانيدها من رمي بالكذب ومن هو ضعيف بمرة.

стр. 1210

( [الشاة تجزئ عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة] :) (وأقلها شاة) ؛ لما تقدم. وقال المحلي: " البعير والبقرة تجزئ عن سبعة، والشاة تجزئ عن الواحد. وإن كان له أهل بيت حصلت بجميعهم، وكذا يقال في كل واحد من السبعة؛ يعني: المشتركين في البدنة والبقرة. فالتضحية سنة كفاية لكل أهل بيت، وسنة عين لمن ليس له بيت. وعند الحنفية: الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، والبقرة والبدنة لا تجزئان إلا عن سبعة سبعة. ولم يفرقوا بين أهل البيت وغيره. وتأويل الحديث عندهم أن الأضحية لا تجب إلى على غني، ولم يكن الغني في ذلك الزمان غالبا إلا صاحب البيت، ونسبت إلى أهل بيته على معنى أنهم يساعدونه في التضحية، ويأكلون لحمها، وينتفعون بها. ويصح اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة، وإن كانوا أهل بيوت شتى، وهو قول العلماء، وقاسوا الأضحية على الهدي، ولا أضحية عن الجنين، وهو قول العلماء ". ( [بيان وقت الأضحية] :) (ووقتها بعد صلاة عيد النحر) ؛ لقوله ﷺ : " من كان ذبح قبل أن نصلي؛ فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا؛ فليذبح باسم الله "، وهو في " الصحيحين " - كما تقدم قريبا -.

стр. 1211

وفي " الصحيحين " من حديث أنس عنه ﷺ ، أنه قال: " من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ". قال ابن القيم: " ولا قول لأحد مع رسول الله ﷺ . سأله أبو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد؟ فقال: " أقبل الصلاة؟ "، قال: نعم، قال: " تلك شاة لحم " الحديث. قال: وهو صحيح صريح في أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ؛ سواء دخل وقتها؛ أو لم يدخل، وهذا الذي ندين الله به قطعا، ولا يجوز غيره ". اه. وفي الباب أحاديث، وفيه التصريح بأن المعتبر صلاة الإمام. ويمتد (إلى آخر أيام التشريق) ؛ لحديث جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ ، قال: " كل أيام التشريق ذبح "، أخرجه أحمد، وابن حبان في " صحيحيه "، والبيهقي، وله طرق يقوي بعضها بعضا (١) . وقد روي أيضا من حديث جابر، وغيره. وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. والخلاف في المسألة معروف. وفي " الموطأ " عن ابن عمر: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى، ومثل ذلك عن علي بن أبي طالب (٢) ، وعليه الحنفية.

стр. 1212

ومذهب الشافعية: أنه يمتد وقته إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق؛ لحديث الحاكم الدال على ذلك. ( [أفضل الأضحية] :) (وأفضلها) أي: الضحايا (أسمنها) ؛ لحديث أبي رافع: أن النبي ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين ... الحديث، وهو عند أحمد وغيره بإسناد حسن (١) . وأخرج البخاري من حديث أبي أمامة بن سهل، قال: " كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون ". أقول: الحق أن أفضل الأضحية الكبش الأقرن؛ كما ورد الحديث بذلك عن عبادة بن الصامت عند أبي داود (٢) ، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي مرفوعا بلفظ: " خير الأضحية الكبش الأقرن ". وأخرجه أيضا الترمذي. وأخرجه أيضا ابن ماجه، والبيهقي، من حديث أبي أمامة، وفي إسناده عفير بن معدان، وهو ضعيف.

стр. 1213

والأضحية هي غير الهدي، وقد ورد النص فيها، فوجب تقديمه على القياس. وحديث الكبش الأقرن نص في محل النزاع، فإن كان خاصا بالفحل فظاهر، وإن كان شاملا له وللخصي؛ فالأفضلية لا تختص بالخصي، وتضحية النبي ﷺ بالخصي لا تستلزم أن يكون أفضل من غيره؛ بل غاية ما هناك أن الخصي يجزئ. ( [يجزئ في الأضحية جذع من الضأن] :) (ولا يجزئ ما دون الجذع من الضأن) ؛ لحديث جابر عند مسلم، وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تذبحوا إلا مسنة؛ إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " (١) . وأخرج أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " نعم - أو: نعمت - الأضحية الجذع من الضأن (١) " وأخرج أحمد، وابن ماجه، والبيهقي، والطبراني من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها، أن رسول الله ﷺ قال: " يجوز الجذع من الضأن ضحية " (١) . وفي " الصحيحين " من حديث عقبة بن عامر، قال: قسم رسول الله ﷺ ضحايا بين أصحابه، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله! أصابني جذع؟ فقال: " ضح به ".

стр. 1214

وقد ذهب إلى أنه يجزئ الجذع من الضأن الجمهور. ومن زعم أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، أو عن ثلاثة فقط، أو زعم أن غيرها أفضل منها؛ فعليه الدليل. ولا يفيده ما ورد في الهدي، فذلك باب آخر. ( [يجزئ في الأضحية ثني من المعز] :) (و) لا يجزئ دون (الثني من المعز) ، وهو ما استكمل سنتين، وطعن في الثالثة؛ لحديث أبي بردة في " الصحيحين " وغيرهما: أنه قال: يا رسول الله! إن عندي داجنا جذعة من المعز؟ فقال: " اذبحها؛ ولا تصلح لغيرك ". وأما ما روي في " الصحيحين " وغيرهما من حديث عقبة، أن النبي ﷺ أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود، فذكره للنبي ﷺ ، فقال: " ضح به أنت ". والعتود من ولد المعز: ما أتى عليه حول؛ فقد أخرج البيهقي عنه بإسناد صحيح، أنه قال: أعطاني رسول الله ﷺ غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي، فبقي عتود منها؟ فقال: " ضح به أنت، ولا رخصة لأحد فيه بعدك " (١) . وقد حكى النووي الاتفاق على أنه لا يجزئ الجذع من المعز. قلت: اتفقوا على أنه لا يجوز من الإبل والبقر والمعز دون الثني. والجذع من الضأن يجزئ عندهم.

стр. 1215

ولا تجزئ مقطوعة الأذن؛ إلا أن أبا حنيفة قال: إن كان المقطوع أقل من النصف؛ فيجوز. ( [الأضحية التي لا تجزئ] :) (ولا الأعور والمريض والأعرج والأعجف (١) وأعضب القرن والأذن (٢)) ؛ لحديث البراء عند أحمد، وأهل " السنن "، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، قال: قال رسول الله ﷺ : " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها (٣) ، والكسير التي لا تنقي (٤) ؛ أي: التي لا مخ لها.

стр. 1216

وقد وقع في رواية: العجفاء، بدل: الكسيرة. وأخرج أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث علي، قال: " نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن "، قال قتادة: العضب: النصف فأكثر من ذلك. وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبخاري في " تاريخه " (١) قال: " إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسيرة، فالمصفرة: التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة: التي ذهب قرنها من أصله، والبخقاء: التي تبخق عينها (٢) ، والمشيعة: التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا، والكسيرة: التي لا تنقي "، وهذا التفسير هو أصل الرواية. وفي الباب أحاديث. وأما مسلوبة الألية؛ فأخرج أحمد، وابن ماجه، والبيهقي من حديث أبي سعيد، قال: اشتريت كبشا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي ﷺ ؟ فقال: " ضح به "، وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف جدا.

стр. 1217

( [كيف يوزع لحم الأضحية ؟] :) (ويتصدق منها ويأكل ويدخر) ؛ لحديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: " كلوا وادخروا وتصدقوا "، وهو في " الصحيحين ". وفي الباب أحاديث. ( [مكان ذبح الأضحية:) (والذبح في المصلى أفضل) إظهارا لشعائر الدين؛ لحديث ابن عمر عند البخاري، عن النبي ﷺ : أنه كان يذبح وينحر بالمصلى. ( [ما يسن لمن أراد أن يضحي] :) (ولا يأخذ من له أضحية من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي) ؛ لحديث أم سلمة عند مسلم، وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فليسمك عن شعره وأظفاره ". وفي لفظ لمسلم، وغيره - أيضا -: " من كان له ذبح يذبحه؛ فإذا أهل هلال ذي الحجة؛ فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي ".

стр. 1218

وقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود، وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية. وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه. وحكى المهدي في " البحر " عن الشافعي وغيره: أن ترك الحلق والتقصير لمن أراد التضحية مستحب. وقال أبو حنيفة: لا يكره.

стр. 1219

(٢ - باب الوليمة) ( [الفصل الأول: أحكام وليمة العرس] ) ( [حكم الوليمة في العرس] :) (هي مشروعة) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بعد عوف: " أوْلم ولو بشاة "، وقد أولم النبي ﷺ على نسائه، فأولم على صفية بتمر وسويق؛ كما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان من حديث أنس. وأخرج مسلم، وغيره من حديثه: " أنه جعل وليمتها التمر والأقط والسمن "، وهو في " الصحيحين " بنحو هذا. وفيه التصريح بأنه ما كان فيها من خبز ولا لحم. وفي " الصحيحين " أيضا: أن النبي ﷺ ما أولم على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة. وقد قال بوجوب وليمة العرس مالك، وقيل: إن المشهور عنه أنها مندوبة.

стр. 1220

وروي الوجوب عن أحمد، وبعض الشافعية، وأهل الظاهر، وهو الحق. ولم يأت في الأحاديث ما يشعر بصرف الأوامر بالوليمة عن المعنى الحقيقي (١) . وأما كونها بشاة فأكثر، فيمكن أن يكون فعله ﷺ صارفا للوجوب على فرض عدم الاختصاص به، ويمكن أن يكون الأمر بالشاة فما فوقها مقيدا بالتمكن من ذلك، فيكون واجبا مع التمكن. وذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة. ( [حكم إجابة الداعي إلى وليمة العرس] :) (ويجب الإجابة إليها) ، لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما: " شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ". وفيهما من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها ". وفي لفظ لهما من حديثه: " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ". وفي آخر لمسلم، وغيره من حديثه: " من دعي فلم يجب؛ فقد عصى الله ورسوله ".

стр. 1221

وفي " مسلم "، وغيره من حديث جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك ". وفي لفظ من حديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره: " إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم ". وقد نقل ابن عبد البر والقاضي عياض والنووي الاتفاق على وجوب الإجابة إلى وليمة العرس. قال في " الفتح ": وفيه نظر. نعم؛ المشهور من أقوال العلماء الوجوب. وصرح جمهور الشافعية، والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن بعض الشافعية، والحنابلة أنها مستحبة. وحكى في " البحر " عن الشافعي أن الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة كغيرها. والأدلة المذكورة تدل على الوجوب؛ لا سيما بعد التصريح بأن من لم يجب فقد عصى الله ورسوله. أقول: أحاديث الأمر بإجابة دعوة الوليمة معناها حقيقة الوجوب، مقيدة بعدم المانع من منكر، أو مباهاة، أو حضور الأغنياء فقط، أو نحو ذلك. ولم يأت ما يدل على صرف تلك الأوامر عن معناها الحقيقي، ووقع

стр. 1222

الخلاف في إجابة دعوة غير العرس؛ هل تجب أم لا؟ فمن قال بالوجوب استدل بالرواية المطلقة المذكورة. ومن قال بعدم الوجوب قال: المطلقة محمولة على المقيدة. وقد أوضح الماتن ما هو الحق (١) في " شرح المنتقى ". قال البغوي: " من كان له عذر؛ وكان الطريق بعيدا يلحقه المشقة؛ فلا بأس أن يتخلف ". وفي " الأنوار ": " من شروط وجوب الإجابة إلى الوليمة أن يعم عشيرته، أو جيرانه، أو أهل حرفته؛ أغنياءهم وفقراءهم، فإن خص الأغنياء فلا يجب، ولو دعا أهل حرفته - وهم أغنياء - لزمتهم الإجابة ". قال في " المسوى ": " في كونه شرطا لوجوب الإجابة نظر؛ لأن معنى كلام أبي هريرة إثبات الشرية لهذا الطعام بوجه من الوجوه، وإثبات المعصية لمن لم يأتها وذلك صادق بأن يكون تخصيص الأغنياء مكروها للداعي، ولا يكون مانعا لتأكد الإجابة ". ( [من يجيب إذا اجتمع الداعيان ؟] :) (ويقدم السابق ثم الأقرب بابا) ؛ لحديث حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن رجل من الصحابة: أن النبي ﷺ قال:

стр. 1223

" إذا اجتمع الداعيان؛ فأجب أقربهما بابا؛ فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وفي إسناده زيد (١) بن عبد الرحمن الدالاني، وقد وثقه أبو حاتم، وضعفه ابن حبان (٢) . وأخرج البخاري، وغيره من حديث عائشة: أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إن لي جارين؛ فإلى أيهما أهدي؟ فقال: " إلى أقربهما منك بابا "، فهذا يشعر باعتبار القرب في الباب. ( [شروط وجوب إجابة الدعوة] :) (ولا يجوز حضورها إذا اشتملت على معصية) ؛ لحديث علي عند ابن ماجه (٣) بإسناد رجاله رجال الصحيح، قال: صنعت طعاما؛ فدعوت رسول الله ﷺ فجاء، فرأى في البيت تصاوير، فرجع. وأخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم من حديث ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل وهو منبطح على بطنه "، وفي إسناده انقطاع (٤) .

стр. 1224

وقد ورد النهي عن القعود على المائدة التي تدار عليها الخمر من حديث عمر عند أحمد بإسناد ضعيف (١) ، ومن حديث جابر عند الترمذي - وحسنه -. وأخرجه أيضا أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم من حديثه مرفوعا. وفي الباب غير ذلك. ويؤيده أدلة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر؛ ومن ذلك: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ". وهو في " الصحيحين "، وغيرهما.

стр. 1225

( [الباب الثاني: أحكام العقيقة] ) ( [حكم العقيقة] :) (والعقيقة مستحبة) ، يدل على مشروعيتها حديث سلمان بن عامر الضبي عند البخاري، وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : " مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى ". وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، وصححه الترمذي، والحاكم، وعبد الحق من حديث الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " كل غلام رهينة بعقيقته؛ يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه ". وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا هذا الحديث (١) . وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله ﷺ عن

стр. 1226

العقيقة؟ فقال: " لا أحب العقوق "، وكأنه كره الاسم، فقالوا: يا رسول الله ﴿إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ قال: " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل؛ عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة ". فكان هذا الحديث دليلا على أن الأحاديث الواردة في رهن الغلام بعقيقته ليست على الوجوب؛ بل للاستحباب فقط، ولو كان واجبا لم يكن مفوضا إلى الإرادة (١) ، ولما قال: لمن أحب أن ينسك. والأولى في تفسير قوله: " مرتهن بعقيقته ": أن العقيقة لما كانت لازمة؛ شبهت - باعتبار لزومها للمولود - بالرهن باعتبار لزومه. وقيل: إن معنى كونه مرهونا بعقيقته: أنه لا يسمى، ولا يحلق شعره إلا بعد ذبحها، وبه صرح صاحب " المشارق "، و " النهاية ". وقال أحمد بن حنبل: " إن معناه: إذا مات وهو طفل ولم يعق عنه؛ لم يشفع لأبويه ". قلت: العقيقة سنة عند أكثر أهل العلم؛ إلا عند أبي حنيفة؛ فإنه قال: ليست بسنة. ( [ما يذبح عن الغلام والبنت] :) (وهي شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى) - وبذلك قال الشافعي - لحديث عمرو بن شعيب المذكور؛ ولحديث عائشة عند أحمد، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي - وصححه الترمذي - قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1227

" عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة ". وأخرج نحوه أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم، والدارقطني، وصححه الترمذي من حديث أم كرز الكعبية. والمراد بقوله: " مكافأتان ": المستويتان أو المتقاربتان. ولا يعارض هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه عبد الحق وابن دقيق العيد من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا؛ لأن الأحاديث المتقدمة متضمنة للزيادة، وهي أيضا خطاب مع الأمة، فلا يعارضها فعله ﷺ ؛ كما تقرر في الأصول، والزيادة مقبولة إذا كانت غير منافية. فلا يكون الفاعل للعقيقة متسننا؛ إلا إذا ذبح عن الذكر شاتين لا شاة واحدة. وقد وقع الإجماع على أن العقيقة عن الأنثى شاة. وأما الذكر فذهب الجمهور إلى أن العقيقة عنه شاتان. وقال مالك: شاة. وقال المحلي: " يحصل أصل السنة في عقيقة الذكر بشاة وكمال السنة شاتان. وقال الشافعي: العقيقة في الأكل والتصدق كالأضحية، ويسن طبخها، ولا يكسر عظمها ". اهـ.

стр. 1228

أقول: ليس على شيء مما ذكروه - من عدم الكسر، والفصل من المفاصل، وجميع العظام، ودفنها، وغير ذلك - دليل من كتاب ولا سنة، لا من عقل؛ بل هذه الأمور خيالات شبيهة بما يقع من النساء، ونحوهن من العوام؛ مما لا يعود على فاعله بنفع دنيوي ولا ديني. ( [وقت الذبح] :) (يوم سابع المولود) ؛ لحديث سمرة المتقدم، ولأنه لا بد من فصل بين الولادة والعقيقة، فإن أهله مشغولون بإصلاح الوالدة والولد في أول الأمر، فلا يكلفون حينئذ بما يضاعف شغلهم. وايضاً؛ فرب إنسان لا يجد شاة إلا بسعي، فلو سن كونها في أول يوم لضاق الأمر عليهم، والسبعة أيام مدة صالحة للفصل المعتد به غير الكثير. ( [وقت التسمية، وأحب الأسماء] :) (وفيه يسمى) ، وأحب الأسماء إلى الله - تعالى - عبد الله وعبد الرحمن - كما في الحديث - لأنهما أشهر الأسماء، ولا يطلقان على غيره - تعالى -، بخلاف غيرهما، وأنت تستطيع أن تعلم من هذا سر استحباب تسمية المولود بمحمد وأحمد (١) . فإن طوائف الناس أولعوا بتسمية أولادهم بأسماء أسلافهم المعظمين عندهم، وكان يكون ذلك تنويها بالدين، وبمنزلة الإقرار بأنه من أهله؛ وأصدق الأسماء همام، وحارث، وأخناها ملك الأملاك.

стр. 1229

( [وقت الحلق، والأذان في أذن المولود] :) (ويحلق رأسه) ، وإماطة الأذى للتشبيه بالحاج، وقد أذن رسول الله ﷺ في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة (١) . والسر فيه أن الأذان من شعائر الإسلام، وأعلام الدين المحمدي. ومن خاصية الأذان أن الشيطان يفر منه، والشيطان يؤذي الولد في أول نشأته؛ حتى ورد في الحديث أن استهلاله لذلك (٢) . ( [حكم التصدق بوزن شعر المولود ذهبا أو فضة] :) (ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة) ؛ لأمره ﷺ لفاطمة الزهراء ﵍ أن تحلق شعر رأس الحسن، وتصدق بوزنه من الورق. أخرجه أحمد، والبيهقي، وفي إسناده ابن عقيل، وفيه مقال (٣) . ويشهد له ما أخرجه مالك، وأبو داود في " المراسيل "، والبيهقي من حديث جعفر بن محمد - زاد البيهقي - عن أبيه عن جده: " أن فاطمة وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، فتصدقت بوزنه فضة ". وأخرج الترمذي والحاكم من حديث علي، قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن شاة، وقال:

стр. 1230

" يا فاطمة! احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة "، فوزناه، فكان وزنه درهما أو بعض درهم. وأخرج الطبراني في " الأوسط " عن ابن عباس، قال: " سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى، ويختن، ويماط عنه الأذى، ويثقب أذنه، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ بدم عقيقته، ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة "، وفي إسناده رواد بن الجراح، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وفي لفظه ما ينكر؛ وهو ثقب الأذن، والتلطخ بدم العقيقة. وقد أخرج أبو داود (١) ، والنسائي، بإسناد صحيح من حديث بريدة الأسلمي، قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام؛ كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران. وقد أخرج نحوه ابن حبان، وابن السكن، وصححاه من حديث عائشة. وقد ذهب الظاهرية، والحسن البصري إلى وجوب (٢) العقيقة، وذهب الجمهور إلى أنها سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة، وقيل: إنها عنده تطوع.
следующие страницы →