← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

العقيقة؟ فقال: " لا أحب العقوق "، وكأنه كره الاسم، فقالوا: يا رسول الله ﴿إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ قال: " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل؛ عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة ". فكان هذا الحديث دليلا على أن الأحاديث الواردة في رهن الغلام بعقيقته ليست على الوجوب؛ بل للاستحباب فقط، ولو كان واجبا لم يكن مفوضا إلى الإرادة (١) ، ولما قال: لمن أحب أن ينسك. والأولى في تفسير قوله: " مرتهن بعقيقته ": أن العقيقة لما كانت لازمة؛ شبهت - باعتبار لزومها للمولود - بالرهن باعتبار لزومه. وقيل: إن معنى كونه مرهونا بعقيقته: أنه لا يسمى، ولا يحلق شعره إلا بعد ذبحها، وبه صرح صاحب " المشارق "، و " النهاية ". وقال أحمد بن حنبل: " إن معناه: إذا مات وهو طفل ولم يعق عنه؛ لم يشفع لأبويه ". قلت: العقيقة سنة عند أكثر أهل العلم؛ إلا عند أبي حنيفة؛ فإنه قال: ليست بسنة. ( [ما يذبح عن الغلام والبنت] :) (وهي شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى) - وبذلك قال الشافعي - لحديث عمرو بن شعيب المذكور؛ ولحديث عائشة عند أحمد، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي - وصححه الترمذي - قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1227

" عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة ". وأخرج نحوه أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم، والدارقطني، وصححه الترمذي من حديث أم كرز الكعبية. والمراد بقوله: " مكافأتان ": المستويتان أو المتقاربتان. ولا يعارض هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه عبد الحق وابن دقيق العيد من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا؛ لأن الأحاديث المتقدمة متضمنة للزيادة، وهي أيضا خطاب مع الأمة، فلا يعارضها فعله ﷺ ؛ كما تقرر في الأصول، والزيادة مقبولة إذا كانت غير منافية. فلا يكون الفاعل للعقيقة متسننا؛ إلا إذا ذبح عن الذكر شاتين لا شاة واحدة. وقد وقع الإجماع على أن العقيقة عن الأنثى شاة. وأما الذكر فذهب الجمهور إلى أن العقيقة عنه شاتان. وقال مالك: شاة. وقال المحلي: " يحصل أصل السنة في عقيقة الذكر بشاة وكمال السنة شاتان. وقال الشافعي: العقيقة في الأكل والتصدق كالأضحية، ويسن طبخها، ولا يكسر عظمها ". اهـ.

стр. 1228

أقول: ليس على شيء مما ذكروه - من عدم الكسر، والفصل من المفاصل، وجميع العظام، ودفنها، وغير ذلك - دليل من كتاب ولا سنة، لا من عقل؛ بل هذه الأمور خيالات شبيهة بما يقع من النساء، ونحوهن من العوام؛ مما لا يعود على فاعله بنفع دنيوي ولا ديني. ( [وقت الذبح] :) (يوم سابع المولود) ؛ لحديث سمرة المتقدم، ولأنه لا بد من فصل بين الولادة والعقيقة، فإن أهله مشغولون بإصلاح الوالدة والولد في أول الأمر، فلا يكلفون حينئذ بما يضاعف شغلهم. وايضاً؛ فرب إنسان لا يجد شاة إلا بسعي، فلو سن كونها في أول يوم لضاق الأمر عليهم، والسبعة أيام مدة صالحة للفصل المعتد به غير الكثير. ( [وقت التسمية، وأحب الأسماء] :) (وفيه يسمى) ، وأحب الأسماء إلى الله - تعالى - عبد الله وعبد الرحمن - كما في الحديث - لأنهما أشهر الأسماء، ولا يطلقان على غيره - تعالى -، بخلاف غيرهما، وأنت تستطيع أن تعلم من هذا سر استحباب تسمية المولود بمحمد وأحمد (١) . فإن طوائف الناس أولعوا بتسمية أولادهم بأسماء أسلافهم المعظمين عندهم، وكان يكون ذلك تنويها بالدين، وبمنزلة الإقرار بأنه من أهله؛ وأصدق الأسماء همام، وحارث، وأخناها ملك الأملاك.

стр. 1229

( [وقت الحلق، والأذان في أذن المولود] :) (ويحلق رأسه) ، وإماطة الأذى للتشبيه بالحاج، وقد أذن رسول الله ﷺ في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة (١) . والسر فيه أن الأذان من شعائر الإسلام، وأعلام الدين المحمدي. ومن خاصية الأذان أن الشيطان يفر منه، والشيطان يؤذي الولد في أول نشأته؛ حتى ورد في الحديث أن استهلاله لذلك (٢) . ( [حكم التصدق بوزن شعر المولود ذهبا أو فضة] :) (ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة) ؛ لأمره ﷺ لفاطمة الزهراء ﵍ أن تحلق شعر رأس الحسن، وتصدق بوزنه من الورق. أخرجه أحمد، والبيهقي، وفي إسناده ابن عقيل، وفيه مقال (٣) . ويشهد له ما أخرجه مالك، وأبو داود في " المراسيل "، والبيهقي من حديث جعفر بن محمد - زاد البيهقي - عن أبيه عن جده: " أن فاطمة وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، فتصدقت بوزنه فضة ". وأخرج الترمذي والحاكم من حديث علي، قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن شاة، وقال:

стр. 1230

" يا فاطمة! احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة "، فوزناه، فكان وزنه درهما أو بعض درهم. وأخرج الطبراني في " الأوسط " عن ابن عباس، قال: " سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى، ويختن، ويماط عنه الأذى، ويثقب أذنه، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ بدم عقيقته، ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة "، وفي إسناده رواد بن الجراح، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وفي لفظه ما ينكر؛ وهو ثقب الأذن، والتلطخ بدم العقيقة. وقد أخرج أبو داود (١) ، والنسائي، بإسناد صحيح من حديث بريدة الأسلمي، قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام؛ كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران. وقد أخرج نحوه ابن حبان، وابن السكن، وصححاه من حديث عائشة. وقد ذهب الظاهرية، والحسن البصري إلى وجوب (٢) العقيقة، وذهب الجمهور إلى أنها سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة، وقيل: إنها عنده تطوع.

стр. 1231

(الكتاب السابع عشر: كتاب الطب)

стр. 1232

(١٧ - كتاب الطب) وحقيقته: التمسك بطبائع الأدوية الحيوانية، والنباتية، أو المعدنية، والتصرف في الأخلاط نقصا وزيادة. والقواعد الملية تصححه؛ إذ ليس فيه شائبة شرك، ولا فساد في الدين والدنيا؛ بل فيه نفع كثير، وجمع لشمل الناس. ( [مشروعية التداوي بالحلال] :) (يجوز التداوي) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله ". وأخرج البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء ". وأخرج أحمد، وأبو داود (١) ، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -، وصححه أيضا ابن خزيمة، والحاكم من حديث أسامة: قالت الأعراب: يا رسول

стр. 1233

الله ﴿ألا نتداوى؟ قال: " نعم عباد الله﴾ تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء؛ إلا داء واحدا "، قالوا: يا رسول الله ﴿وما هو؟ قال: " الهرم ". وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي (١) - وحسنه - من حديث أبي خزامة، قال: قلت: يا رسول الله﴾ أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها؛ هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: " هي من قدر الله ". قلت: وعلى هذا اتفق المسلمون؛ لا يرون به بأسا. ( [التوكل مع الصبر أفضل] :) (والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر) ؛ لحديث ابن عباس في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ﷺ أتته امرأة سوداء، فقال: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك "، قالت: أصبر. وفي " الصحيحين " أيضا من حديثه: أن النبي ﷺ قال:

стр. 1234

" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب؛ هم الذي لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ". ولا يخالف هذا ما تقدم من الأمر بالتداوي، فالجمع ممكن بأن التفويض أفضل مع الاقتدار على الصبر؛ كما يفيده قوله: " إن شئت صبرت ". وأما مع عدم الصبر على المرض، وصدور الحرج، والحرد، وضيق الصدر من المرض؛ فالتداوي أفضل؛ لأن فضيلة التفويض قد ذهبت بعدم الصبر (١) . ( [التداوي بالمحرمات حرام] :) (ويحرم بالمحرمات) ؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن الدواء الخبيث، أخرجه مسلم، وغيره. وأخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا

стр. 1235

بحرام "، في إسناده إسماعيل بن عياش (١) . وقد ثبت عنه ﷺ عن التداوي بالخمر؛ كما في " صحيح مسلم "، وغيره. وفي " البخاري " عن ابن مسعود، أنه قال: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ". وقد ذهب إلى تحريم التداوي بالأدوية النجسة والمحرمة الجمهور. ولا يعارض هذا إذنه ﷺ بالتداوي بأبوال الإبل؛ كما في " الصحيح "؛ لأنها لم تكن نجسة ولا محرمة، ولو سلمنا تحريمها؛ لكان الجمع ممكنا ببناء العام على الخاص. قال في " المسوى ": " اختلف أهل العلم في التداوي بالشيء النجس: فأباح كثير منهم التداوي به إلا الخمر؛ لأن النبي ﷺ أباح للرهط العرنيين شرب أبوال الإبل، وأما الخمر فقال: " إنها ليست بدواء، ولكنها داء ". وقال بعضهم: لا يجوز التداوي بالنجس، لنهيه ﷺ عن الدواء الخبيث، والمراد به خبث النجاسة. وقال آخرون: المراد به الخبيث من جهة الطعم والسم ". اه.

стр. 1236

وفي " الحجة البالغة ": " إلا المداواة بالخمر؛ إذ للخمر ضراوة لا تنقطع، والمداواة بالخبيث - أي: السم ما أمكن العلاج بغيره - فإنه ربما يفضي إلى القتل، والمداواة بالكي - ما أمكن بغيره - لأن الحرق بالنار أحد الأسباب التي تنفر منها الملائكة ". اه. وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في كتابي " دليل الطالب إلى أرجح المطالب ". ( [الكي يكره تنزيهاً] :) (ويكره الاكتواء) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري - وغيره (١) -، عن النبي ﷺ قال: " الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي "، وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوي ". وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - من

стр. 1237

حديث عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ نهى عن الكي، فاكتوينا؛ فما أفلحنا ولا أنجحنا. وقد ورد ما يدل على أن النهي عن الكي للتنزيه لا للتحريم؛ كما في حديث جابر عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين. وأخرج الترمذي (١) - وحسنه - من حديث أنس: أن النبي ﷺ كوى سعد ابن زرارة من الشوكة. ووجه الكراهة: أن في ذلك تعذيبا بالنار، ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار، وقد قيل: إن وجه الكراهة غير ذلك. وقد جمع بين الأحاديث بجموعات غير ما ذكرنا. ( [مشروعية الحجامة] :) (ولا بأس بالحجامة) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن كان في شيء من أدويتكم خير؛ ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي ".

стр. 1238

وقد تقدم حديث ابن عباس مثله. وقد ثبت من حديث أنس عند الترمذي، وأبي داود بإسناد صحيح (١) ، قال: كان النبي ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل (٢) ، وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين. وأخرج أبو داود (٣) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من احتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين؛ كان شفاء من كل داء "، ولا بأس بإسناده. وفي الباب أحاديث متضمنة لذكر الأيام التي ينبغي فيها الحجامة. وليس المراد هنا إلا الاستدلال على جوازها. قلت: وعلى هذا عمل المسلمين.

стр. 1239

( [مشروعية الرقية بالوارد] :) (و) لا بأس (بالرقية) ، وحقيقتها: تمسك بكلمات لها تحقق في المثال وأثر. والقواعد الملية لا تدفعها؛ ما لم يكن فيها شرك؛ لا سيما إذا كان من القرآن أو السنة، أو ما يشبههما من التضرعات إلى الله - تعالى -. وكل حديث فيه نهي عن الرقي والتمائم والتولة (١) ؛ فمحمول على ما فيه شرك، أو انهماك في التسبب بحيث يغفل عن الباري جل شأنه. وفي " المسوى ": اختلفت الأحاديث في الاسترقاء، ووجه الجمع: أن تحمل على الأحوال المتغايرة، فالمنهي من الرقى ما كان فيه شرك، أو كان يذكر فيه مردة الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب، ولا يدرى ما هو؟ ولعله يدخل فيه سحر أو كفر. وأما ما كان بالقرآن، وبذكر الله - تعالى - فإنه مستحب. ثم للرقية أنواع؛ بعضها مأثور (٢) عن السلف؛ فقد روي عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسا أن يعوذ في الماء - أي: يقرأ التعوذ، وينفث في الماء - ثم يعالج به المريض. وقال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض.

стр. 1240

وأمر ابن عباس رجلا أن يكتب لامرأة تعسر عليها الولادة آيتين من القرآن وكلمات، ثم يغسل وتسقى. وسئل سعيد بن المسيب عن الصحف الصغار يكتب فيها القرآن؛ تعلق على النساء والصبيان؟ فقال: لا بأس بذلك إذا جعل في كبر (١) من ورق، أو شيء من الأديم، أو يخرز عليه. وقد روي النفث في الأحاديث المرفوعة. ( [مشروعية الرقية من العين وغيرها] :) (بما يجوز من العين وغيرها) ؛ لحديث أنس عند مسلم، وغيره، قال: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحمة (٢) والنملة. والمراد بالحمة: السم من ذوات السموم، وبالنملة: القروح تخرج من الجنب. وأخرج مسلم، وغيره من حديث عوف بن مالك، قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: " اعرضوا علي رقاكم؛ لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ". وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر، قال: نهى ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ ،

стр. 1241

فقالوا: يا رسول الله ﴿إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى؟ قال: فعرضوها عليه، فقال: " ما أرى بأسا؛ فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه ". وفي " الصحيحين " من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله؛ نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه؛ جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها أعظم بركة من يدي. وما ورد من الأدلة الدالة على النهي عن الرقى، وأنها من الشرك؛ فهي محمولة على الرقية بما لا يجوز؛ كالتي تكون بأسماء الشياطين والطواغيت، ونحو ذلك. وكذلك يحمل على هذا ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد (١) ، وابن ماجه، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن النبي ﷺ أنه قال: " من اكتوى أو استرقى؛ فقد برئ من التوكل ". وقد ورد في " الصحيحين " من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين. وأخرج أحمد (٢) ، والنسائي، والترمذي - وصححه - من حديث أسماء بنت عميس: " أنها قالت: يا رسول الله﴾ إن بني جعفر تصيبهم العين؛

стр. 1242

أفنسترقي لهم؟ قال: " نعم؛ فلو كان شيء سابق القدر سبقته العين ". وأخرج نحوه مسلم، وغيره من حديث ابن عباس. وفي الباب أحاديث. وفيها ذكر الاستغسال من العين - أي: غسل وجه العائن، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخل (١) إزاره في قدح - ثم يصب الماء على من أصيب بالعين على رأسه وظهره من خلفه. أخرج ذلك أحمد (٢) ، ومالك في " الموطأ "، والنسائي، وصححه ابن حبان. قال الزهري: يؤتى الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على كفه اليمنى في القدح، ثم يغسل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبة اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبة اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة.

стр. 1243

(الكتاب الثامن عشر: كتاب الوكالة)

стр. 1244

(١٨ - كتاب الوكالة) هي أن يكون أحدهما يعقد العقود لصاحبه. ( [مشروعية الوكالة] :) (يجوز لجائز التصرف أن يوكل غيره في كل شيء ما لم يمنع منه مانع) ؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ التوكيل في قضاء الدين؛ كما في حديث أبي رافع: أنه أمره ﷺ أن يقضي الرجل بكره، - وقد تقدم -. وثبت عنه ﷺ التوكيل في استيفاء الحد؛ كما في حديث: " واغد يا أنيس! إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها "، وهو في " الصحيح " (١) - وسيأتي -. وثبت عنه التوكيل في القيام على بدنة، وتقسيم جلالها وجلودها، وهو في " الصحيح " (٢) . وثبت عنه ﷺ التوكيل في حفظ زكاة رمضان؛ كما في " صحيح البخاري " من حديث أبي هريرة. وثبت عنه ﷺ أنه أعطى عقبة بن عامر غنما يقسمها بين أصحابه، وقد

стр. 1245

تقدم في الضحايا. وثبت (١) عنه ﷺ أنه وكل أبا رافع، ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة، وقد تقدم. وثبت عنه (٢) ﷺ أنه قال لجابر: " إذا أتيت وكيلي؛ فخذ منه خمسة عشر وسقا "؛ كما أخرجه أبو داود، والدارقطني. وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ما يفيد جواز الوكالة، فلا يخرج عن ذلك إلا ما منع منه مانع، وذلك كالتوكيل في شيء لا يجوز للموكل أن يفعله ويجوز للوكيل؛ كتوكيل المسلم للذمي في بيع الخمر، أو الخنزير، أو نحو ذلك؛ فإن ذلك لا يجوز، ولا يكون محللا للثمن؛ لما ثبت عنه ﷺ : " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه "، وقد تقدم. وقد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على جواز التوكيل؛ كقوله

стр. 1246

- تعالى -: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾ ، وقوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ . وقد أورد البخاري في الوكالة ستة وعشرين حديثا؛ ستة معلقة، والباقية موصولة، وقد قام الإجماع على مشروعيتها. ( [بيان حكم بيع الوكيل بزيادة على ما أذن به الموكل] :) (وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه موكله؛ كانت الزيادة للموكل) ؛ لما ثبت في " صحيح البخاري "، وغيره من حديث عروة البارقي: أن النبي ﷺ أعطاه دينارا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى التراب لربح فيه. وأخرج الترمذي من حديث حكيم بن حزام: أن النبي ﷺ بعثه ليشتري له أضحية بدينار ... فذكر نحو حديث عروة البارقي، وفي إسناده انقطاع؛ لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم، ولم يسمع منه. وأخرج أبو داود من حديث أبي حصين، عن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم نحو ذلك، وفيه هذا الشيخ المجهول. وقد ذهب إلى ما ذكرنا الجمهور. وقال الشافعي - في الجديد - وأصحابه: إن العقد باطل - أي: عقد البيع الواقع من الوكيل في مثل الصورة المذكورة - لأنه لم يأمره الموكل بذلك.

стр. 1247

( [حكم مخالفة الوكيل للموكل إلى ما هو أنفع] :) (وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو إلى غيره ورضي به؛ صح) ؛ لكون الرضا مناطا مسوغا لذلك ومجوزا له، وإذا لم يرض؛ لم يلزمه ما وقع من الوكيل مخالفا لما رسمه له؛ لعدم المناط المعتبر. وقد ثبت في " البخاري "؛ وغيره من حديث معن بن يزيد، قال: كان أبي خرج بدنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت بها، فخاصمه إلى النبي ﷺ ، فقال: " لك ما نويت يا يزيد ﴿ولك يا معن﴾ ما أخذت ". ولعل هذه الصدقة صدقة تطوع لا صدقة فرض، فقد وقع الإجماع على أنها لا تجزئ في الولد (١) .

стр. 1248

(الكتاب التاسع عشر: كتاب الضمانة)

стр. 1249

(١٩ - كتاب الضمانة) ( [ماذا يجب على من ضمن على حي أو ميت] :) (يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال؛ أن يغرمه عند الطلب) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي من حديث أبي أمامة: أنه ﷺ قال: " الزعيم غارم (١) "، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ولكنه ثقة في الشاميين، وقد رواه هنا عن شامي، وهو شرحبيل بن مسلم، فلم يصب ابن حزم في تضعيف الحديث بإسماعيل بن عياش. وقد أخرجه النسائي من طريقين: إحداهما من طريق أبي عامر الوصابي (٢) ، والأخرى من طريق حاتم بن حريث؛ كلاهما عن أبي أمامة. وقد صححه ابن حبان من طريق حاتم هذه، وحاتم قد وثقه الدارمي.

стр. 1250

وقد أخرج الحديث ابن ماجه، والطبراني من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أنس. وأخرجه ابن عدي من حديث ابن عباس، وضعفه بإسماعيل بن زياد السكوني، ورواه أبو موسى المديني في " الصحابة " من طريق سويد بن جبلة. قال الدارقطني: لا تصح له صحبة، وحديثه مرسل؛ قال: وبعضهم يقول: له صحبة. ورواه الخطيب في " التلخيص " من طريق ابن لهيعة، عن عبد الله بن حبان الليثي (١) ، عن رجل، عن آخر منهم. وأخرج البخاري، وغيره من حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي ﷺ امتنع من الصلاة على من عليه الدين، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله! وعلي دينه، فصلى عليه. وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي قتادة، وصححه. وأخرجهما أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم من حديث جابر. وفي لفظ من حديث جابر هذا: أن النبي ﷺ قال لأبي قتادة: " قد أوفى الله حق الغريم، وبرئ منه الميت "، قال: نعم، فصلى عليه، فلما

стр. 1251

قضاها قال له النبي ﷺ : " الآن بردت عليه جلده ". أخرج ذلك أحمد، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، وصححه ابن حبان، والحاكم. (ويرجع على المضمون عنه إن كان مأمورا من جهته) (١) ؛ لكون الدين عليه، والأمر منه للضمين بالضمانة؛ كالأمر له بالتسليم، فيرجع عليه لذلك. ( [ماذا يجب على من ضمن بإحضار شخص ؟] :) (ومن ضمن بإحضار شخص؛ وجب عليه إحضاره؛ وإلا غرم ما عليه) ؛ لعموم قوله ﷺ : " الزعيم غارم ". والخلاف في الضمانة معروف، وهذا خلاصة ما ورد به الشرع.

стр. 1252

(الكتاب العشرون: كتاب الصلح)

стр. 1253

(٢٠ - كتاب الصلح) ( [مشروعية الصلح] :) (هو جائز بين المسلمين) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ . ( [متى يحرم الصلح ؟] :) (إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا) ؛ لحديث عمرو بن عوف عند أبي داود، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم، وابن حبان، أن النبي ﷺ قال: " الصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما "، وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، وهو ضعيف جدا؛ وقد صحح الحديث الترمذي! فلم يصب. وقد اعتذر له ابن حجر، فقال: كأنه اعتبر بكثرة طرقه؛ وذلك لأنه رواه أبو داود، والحاكم من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة؛ قال الحاكم: " على شرطهما (١) ".

стр. 1254

وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي. وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس، ومن حديث عائشة. [وكذلك] أخرجه الدارقطني. ( [دليل جواز الصلح عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول] :) (ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول) ؛ لحديث أم سلمة عند أحمد (١) ، وأبي داود، وابن ماجه، قالت: جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ ، في مواريث بينهما قد درست؛ ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : " إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن (٢) بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار؛ يأتي بها إسطاما (٣) في عنقه يوم القيامة "، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ : " أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما (٤) ، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه "، وفي إسناد هذا الحديث أسامة بن زيد بن أسلم المدني، وفيه مقال، ولكن أصل الحديث في " الصحيحين ".

стр. 1255

وقد استدل به على جواز الصلح، والإبراء من المجهول. وأخرج البخاري من حديث جابر: أن أباه قُتل يوم أحد شهيداً وعليه دَين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، قال: فأتيت النبي ﷺ ، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي، وقال: " سنغدو عليك "، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل، ودعا في ثمرها بالبركة، فجددتها (١) ، فقضيتها، وبقي لنا من ثمرها. وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول. أقول: إسقاط الشيء فرع العلم به، فمن جهل ما يريد إسقاطه؛ فإما أن يعلمه بوجه من الوجوه، أو يجهله من جميع الوجوه، فإن علمه بوجه من الوجوه على صورة تتميز عنده بعض تميز - بحيث يغلب في ظنه أنه من الجنس الفلاني، وأن مقداره لا يجاوز كذا - فهذا يصح إسقاطه. وإن كان مجهولا من جميع الوجوه - بحيث لا يعرف جنسه، ولا مقداره كيفا ولا كما - فهذا لا يصح إسقاطه؛ لأنه قد يكون على صفة لو علم بها لم تطب نفسه بالإسقاط. ( [دليل جواز الصلح في حد القتل] :) (وعن الدم كالمال بأقل من الدية أو أكثر) ؛ لكون اللازم في الدم مع عدم القصاص هو المال، فهو صلح بمال عن مال يدخل تحت عموم قوله - تعالى -:

стр. 1256

﴿أو إصلاح بين الناس﴾ ، وتحت قوله ﷺ : " الصلح جائز ". وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: " من قتل متعمدا دُفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة (١) وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وذلك عقل العمد، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك تشديد العقل "، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه مقال (٢) . ( [دليل جواز الصلح عن إنكار وسكوت] :) (ولو عن إنكار) ؛ لعموم الأدلة، واندراج الصلح عن إنكار تحتها، ولم يأت من منعه ببرهان. وقد ذهب إلى جوازه الجمهور، وحكى في " البحر " عن الشافعي، وابن أبي ليلى أنه لا يصح الصلح عن إنكار. وقد ثبت في " الصحيح " عن كعب في قصة المتخاصمين في المسجد في

стр. 1257

دين، فأشار النبي ﷺ إلى صاحب الدَّين أن يضع شطر دينه، ويتعجل الباقي، وهو دليل على جواز الصلح مع الخصام، ووضع البعض واستيفاء البعض. قال في " الحجة البالغة ": ومنه وضع جزء من الدين؛ كقصة ابن أبي حدرد (١) ، وهذا الحديث أحد الأصول في باب المعاملات. أقول: الظاهر أنها تجوز المصالحة عن إنكار؛ نحو أن يدعي رجل على آخر مائة دينار، فينكره في جميعها، فيصالحه على النصف من ذلك المقدار؛ لأن مناط الصلح التراضي، والمنكر قد رضي بأنه يكون عليه بعض ما أنكره، وأي مقتض يمنع هذا؟ ! وإن كان مثل حديث: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه "، فهذا قد سلم بعضا مما أنكره طيبة به نفسه، وإن كان غير ذلك فما هو؟ ثم حديث كعب المتقدم المشتمل على وقوع التنازع بين الرجلين؛ إن كان التنازع بينهما في المقدار؛ فهو أيضا صلح عن إنكار، وقد جوزه الشارع. وإن كان التنازع بينهما في التعجيل والتأجيل؛ فهو أيضا صلح عن إنكار؛ لأن منكر الأجل قد صولح، على أن يتعجل البعض من دينه، ويسقط الباقي إلى مقابل دعوى صاحبه للأجل.

стр. 1258

(الكتاب الحادي والعشرون: كتاب الحوالة)

стр. 1259

(٢١ - كتاب الحوالة) وهي جائزة، وعليه أهل العلم. ( [دليل مشروعيتها] :) (من أحيل على مليء فليحتل) ، ويقبل ذلك لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: " مطل الغني ظلم، ومن أحيل على مليء فليحتل "، وفي لفظ لهما: " وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ". وقد أخرج نحوه ابن ماجه، وأحمد، والترمذي من حديث ابن عمر، وفي إسناد ابن ماجه إسماعيل بن توبة (١) ، وهو صدوق، وبقية رجاله رجال " الصحيح ". وفي " شرح السنة ": " قوله: " أتبع أحدكم " بالتخفيف معناه: إذا أحيل أحدكم على مليء

стр. 1260

فليتبع؛ أي: فليحتل؛ أي: فليقبل الحوالة، يقال: أتبعت غريمي على فلان، فتبعه؛ أي: أحلته، فاحتال، وقوله: " فليتبع ": ليس ذلك على طريق الوجوب (١) ؛ بل على طريق الإباحة؛ أي: الندب؛ إن اختار قبل الحوالة، وإن شاء لم يقبل ". انتهى. وقد قيل: إنه يشترط في صحتها رضا المحيل - بلا خلاف -، والمحتال - عند الأكثر -، والمحال عليه - عند بعض أهل العلم -. قال في " الحجة ": " هذا أمر استحباب لأن فيه قطع المناقشة. ( [هل تبرأ ذمة المحيل بالحوالة ؟] :) (وإذا مطل المحال أو أفلس؛ كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه) لكون الدين باقيا بذمة المحيل لا يسقط عنه؛ إلا بتسليمه إلى المحتال من المحال عليه، فإذا لم يحصل التسليم؛ كان دينه باقيا كما كان قبل الحوالة (٢) ، ويستفاد ذلك من قوله: " على مليء "، فإن من مطل أو أفلس؛ ليس بالمليء الذي أرشد ﷺ صاحب الدين أن يقبل الحوالة عليه. قال يحيى: سمعت مالكا يقول: الأمر عندنا في الرجل يحيل الرجل

стр. 1261

عل الرجل بدين له عليه؛ إن أفلس الذي أحيل عليه، أو مات، ولم يدّع وفاء؛ فليس للمحتال على الذي أحاله شيء، وأنه لا يرجع على صاحبه الأول، قال مالك، وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا. فأما الرجل يتحمل له الرجل بدين له على رجل آخر، ثم يهلك المتحمل، أو يفلس؛ فإن الذي تحمل له يرجع على غريمه الأول؛ كذا في " الموطأ ". قلت: وعليه الشافعي. وفي " شرح السنة ": " إذا قبل الحوالة؛ تحول الدين من المحيل إلى ذمة المحال عليه، ولا رجوع للمحتال على المحيل من غير عذر، فإن أفلس المحال عليه، أو مات، ولم يترك وفاء؛ قال الشافعي: لا رجوع له على المحيل بحال، وقال أبو حنيفة: يرجع إذا أفلس، أو مات، ولم يترك وفاء ".

стр. 1262

(الكتاب الثاني والعشرون: كتاب المفلس)

стр. 1263

(٢٢ - كتاب المفلس) ( [بيان ما يجوز لأهل الدين أخذه من المدين] :) (يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه) ؛ أي: مع المفلس (إلا ما كان لا يستغنى عنه؛ وهو المنزل، وستر العورة، وما يقيه البرد، ويسد رمقه ومن يعول) ؛ لحديث أبي سعيد عند مسلم، وغيره قال: أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال: تصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: " خذوا ما وجدتم؛ وليس لكم إلا ذلك ". وأخرج الدارقطني (١) ، والبيهقي، والحاكم وصححه من حديث كعب بن مالك: أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو داود، وعبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا، قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان؛ حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي ﷺ ، فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول

стр. 1264

الله ﷺ ، فباع رسول الله ﷺ لهم ماله؛ حتى قام معاذ بغير شيء. قال عبد الحق: المرسل أصح، وقال ابن الطلاع في " الأحكام ": هو حديث ثابت (١) . فأفاد ما ذكرناه أن أهل الدين يأخذون جميع ما يجدونه مع المفلس. لكنه لم يثبت أنهم أخذوا ثيابه التي عليه، أو أخرجوه من منزله، أو تركوه هو ومن يعول لا يجدون ما لا بد لهم منه، ولهذا ذكرنا أنه يستثنى له ذلك. ( [ما حكم من أدرك ماله عند المدين المفلس ؟] :) (ومن وجد ماله عنده بعينه؛ فهو أحق به) ؛ لأنه كان في الأصل ماله من غير مزاحمة، ثم باعه ولم يرض في بيعه بخروجه من يده إلا بالثمن، فكان البيع إنما هو بشرط إيفاء الثمن، فلما لم يؤد؛ كان له نقضه ما دام المبيع قائما بعينه، فإذا فات المبيع لم يمكن أن يرد البيع، فصار دينه كسائر الديون. ودليله حديث حسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: " من وجد متاعه عند مفلس بعينه؛ فهو أحق به "، أخرجه أحمد، وأبو داود (٢) ، وقال ابن حجر في " الفتح ": إسناده حسن؛ ولكن سماع الحسن، عن سمرة فيه مقال معروف.

стр. 1265

وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: " من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس؛ فهو أحق به من غيره ". وفي لفظ لمسلم: أنه ﷺ قال في الرجل الذي يعدم: " إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه؛ أنه لصاحبه الذي باعه ". وفي لفظ لأحمد: " أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتضى من ماله شيئا؛ فهو له ". وأخرج الشافعي (١) ، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وصححه - عن أبي هريرة، أنه قال في مفلس أتوه به: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ : " من أفلس أو مات، فوجد الرجل متاعه بعينه؛ فهو أحق به ". وأخرج مالك في " الموطأ "، وأبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرسلا: أن النبي ﷺ قال: " أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقتض الذي باعه
следующие страницы →