عل الرجل بدين له عليه؛ إن أفلس الذي أحيل عليه، أو مات، ولم يدّع وفاء؛ فليس للمحتال على الذي أحاله شيء، وأنه لا يرجع على صاحبه الأول، قال مالك، وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا.
فأما الرجل يتحمل له الرجل بدين له على رجل آخر، ثم يهلك المتحمل، أو يفلس؛ فإن الذي تحمل له يرجع على غريمه الأول؛ كذا في " الموطأ ".
قلت: وعليه الشافعي.
وفي " شرح السنة ":
" إذا قبل الحوالة؛ تحول الدين من المحيل إلى ذمة المحال عليه، ولا رجوع للمحتال على المحيل من غير عذر، فإن أفلس المحال عليه، أو مات، ولم يترك وفاء؛ قال الشافعي: لا رجوع له على المحيل بحال، وقال أبو حنيفة: يرجع إذا أفلس، أو مات، ولم يترك وفاء ".
стр. 1262
(الكتاب الثاني والعشرون: كتاب المفلس)
стр. 1263
(٢٢ - كتاب المفلس)
( [بيان ما يجوز لأهل الدين أخذه من المدين] :)
(يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه) ؛ أي: مع المفلس (إلا ما كان لا يستغنى عنه؛ وهو المنزل، وستر العورة، وما يقيه البرد، ويسد رمقه ومن يعول) ؛ لحديث أبي سعيد عند مسلم، وغيره قال: أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال: تصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: " خذوا ما وجدتم؛ وليس لكم إلا ذلك ".
وأخرج الدارقطني (١) ، والبيهقي، والحاكم وصححه من حديث كعب بن مالك: أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه.
وأخرج سعيد بن منصور، وأبو داود، وعبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا، قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان؛ حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي ﷺ ، فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول
стр. 1264
الله ﷺ ، فباع رسول الله ﷺ لهم ماله؛ حتى قام معاذ بغير شيء.
قال عبد الحق: المرسل أصح، وقال ابن الطلاع في " الأحكام ": هو حديث ثابت (١) .
فأفاد ما ذكرناه أن أهل الدين يأخذون جميع ما يجدونه مع المفلس.
لكنه لم يثبت أنهم أخذوا ثيابه التي عليه، أو أخرجوه من منزله، أو تركوه هو ومن يعول لا يجدون ما لا بد لهم منه، ولهذا ذكرنا أنه يستثنى له ذلك.
( [ما حكم من أدرك ماله عند المدين المفلس ؟] :)
(ومن وجد ماله عنده بعينه؛ فهو أحق به) ؛ لأنه كان في الأصل ماله من غير مزاحمة، ثم باعه ولم يرض في بيعه بخروجه من يده إلا بالثمن، فكان البيع إنما هو بشرط إيفاء الثمن، فلما لم يؤد؛ كان له نقضه ما دام المبيع قائما بعينه، فإذا فات المبيع لم يمكن أن يرد البيع، فصار دينه كسائر الديون.
ودليله حديث حسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: " من وجد متاعه عند مفلس بعينه؛ فهو أحق به "، أخرجه أحمد، وأبو داود (٢) ، وقال ابن حجر في " الفتح ": إسناده حسن؛ ولكن سماع الحسن، عن سمرة فيه مقال معروف.
стр. 1265
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: " من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس؛ فهو أحق به من غيره ".
وفي لفظ لمسلم: أنه ﷺ قال في الرجل الذي يعدم: " إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه؛ أنه لصاحبه الذي باعه ".
وفي لفظ لأحمد: " أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتضى من ماله شيئا؛ فهو له ".
وأخرج الشافعي (١) ، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وصححه - عن أبي هريرة، أنه قال في مفلس أتوه به: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ :
" من أفلس أو مات، فوجد الرجل متاعه بعينه؛ فهو أحق به ".
وأخرج مالك في " الموطأ "، وأبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرسلا: أن النبي ﷺ قال: " أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقتض الذي باعه
стр. 1266
من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه؛ فهو أحق به، وإن مات المشتري؛ فصاحب المتاع أسوة الغرماء " (١) .
وقد وصله أبو داود فقال: عن أبي هريرة، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ولكنه ههنا روى عن الزبيدي (٢) ، وهو شامي، وهو قوي في الشاميين.
وقد ذهب إلى أن البائع أولى بعين ماله الموجود عند المفلس الجمهور، وخالفت في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يكون أولى به، والحديث يرد عليهم.
وقد ذهب الجمهور أيضا إلى أن المشتري إذا كان قد قضى بعض الثمن؛ لم يكن البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه؛ بل يكون أسوة الغرماء؛ كما أفاده ما تقدم في الرواية من قوله: " ولم يكن اقتضى من ماله شيئا " (٣) ، وقال الشافعي: إن البائع أولى به.
وهكذا إذا مات المشتري والسلعة قائمة؛ فذهب مالك وأحمد إلى أنها تكون أسوة الغرماء (٣) وقال الشافعي: البائع أولى بها.
стр. 1267
( [متى يكون صاحب المتاع أسوة كالغرماء ؟] :)
(وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دينه؛ كان الموجود أسوة الغرماء) ؛ لأن ذلك هو العدل؛ لأن الديون اللازمة مستوية في استحقاق قضائها من مال المفلس، وليس بعضها بأولى به من بعض إلا لمخصص، ولا مخصص ههنا.
وقد أشار إلى هذا ما تقدم في الرواية من قوله: " فصاحب المتاع أسوة الغرماء ".
( [هل يجوز حبس من تبين إفلاسه ؟] :)
(وإذا تبين إفلاسه فلا يجوز حبسه) ؛ لأنه خلاف حكم الله - سبحانه - قال - تعالى -: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ .
(و) لمفهوم قوله ﷺ : (ليّ الواجد (١) ظلم) ، وهو حديث صحيح قد تقدم في الباب الذي قبل هذا (٢) .
والمفلس ليس بواجد. (يحل عرضه وعقوبته) .
وأما إذا لم يتبين إفلاسه، ولا كونه واجدا؛ فهذا محل اللبس، والواجب
стр. 1268
البحث عن حاله بحسب الإمكان؛ حتى يتبين كونه واجدا؛ فيعاقب بالحبس أو نحوه؛ كما دل عليه حديث: " مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته ".
وفي لفظ: " لي الواجد ظلم "، والكل (١) في " الصحيح "، أو تبين كونه غير واجد فينظر إلى ميسرة.
وأما حبس من تبين إفلاسه؛ فلا يحل بوجه؛ فإنه ظلم بحت.
قال في " الحجة البالغة ": " ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ".
أقول: هو أن يغلظ له في القول، ويحبس، ويجبر على البيع إن لم
стр. 1269
يكن له مال غيره.
وفي " شرح السنة ":
" وهذا قول أهل العلم: إن مال المفلس يقسم بين غرمائه على قدر ديونهم، فإن نفد ماله وفضل الدين ينظر إلى الميسرة.
قال مالك: إذا كان على رجل مال وله عبد لا شيء له غيره، فأعتقه؛ لم يجز عتقه، وعند الشافعي تصرف المديون نافذ ما لم يحجر عليه القاضي، ثم بعد الحجر لا ينفذ تصرفه في ماله ".
وفي " شرح السنة " - أيضا -:
" أما المعسر فلا حبس عليه؛ بل ينظر؛ فإنه غير ظالم بالتأخير، وهذا قول مالك والشافعي؛ فإن كان له مال يخفيه؛ حبس وعزر حتى يظهر ماله.
وذهب شريح إلى أن المعسر يحبس، وهو قول أهل الرأي ".
( [متى يجوز الحجر على المفلس ؟] :)
(ويجوز للحاكم أن يحجره عن التصرف في ماله، ويبيعه لقضاء دينه) ؛ لحجره ﷺ على معاذ كما تقدم، وكذلك يبيع الحاكم مال المفلس لقضاء دينه؛ كما فعله ﷺ في مال معاذ.
( [متى يجوز الحجر على المبذر ؟] :)
(وكذلك يجوز له الحجر على المبذر، ومن لا يحسن التصرف) ؛ لقوله
стр. 1270
- تعالى -: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ ؛ قال في " الكشاف ": السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يد لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء، وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم؛ كما قال - تعالى -: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ ، وقال: ﴿فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ .
والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: ﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ .
ومما يدل على ذلك عدم إنكاره ﷺ على قرابة حبان أن يحجر عليه؛ صح ذلك (١) ، ويدل على ذلك رده ﷺ للبيضة التي تصدق بها من لا مال له؛ كما أخرجه أبو داود (٢) ، وصححه ابن خزيمة من حديث جابر.
وكذلك رده ﷺ صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه؛ كما أخرجه أهل " السنن "، وصححه (٣) الترمذي، وابن حبان من حديث أبي سعيد.
وكذلك رده ﷺ عتق من أعتق عبدا له عن دبر، ولا مال له غيره؛ كما
стр. 1271
أشار إلى ذلك البخاري، وترجم عليه: " باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل، وإن لم يكن حجر عليه الإمام ".
وأخرج الشافعي في " مسنده " (١) ، والبيهقي عن عروة بن الزبير، قال: ابتاع عبد الله بن جعفر بيعا، فقال علي ﵁ لآتين عثمان فلأحجرن عليه، فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير، فقال: أنا شريكك في بيعتك، فأتى عثمان، فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: أأحجر على رجل شريكه الزبير؟ !
ففي هذه القصة دليل على أن الحجر كان عندهم أمرا معروفا ثابتا في الشريعة، ولولا ذلك لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة، ولكان الجواب من عثمان على علي بأن هذا غير جائز، وكذلك الزبير وعبد الله بن جعفر؛ لو كان مثل هذا الأمر غير جائز؛ لكان لهما عن تلك الشركة مندوحة.
وقد ذهب إلى جواز الحجر على السفيه الجمهور، وعليه أهل العلم.
وفي " الوقاية ":
" الحجر: منع نفاذ تصرف قولي، وسببه الصغر والجنون والرق؛ فإن أتلفوا شيئا ضمنوا ".
وفي " المنهاج ":
" ولا يصح من المحجور عليه بسفه بيع ولا شراء ولا عتاق وهبة ونكاح بغير إذن وليه، ويصح بإذن الولي نكاحه؛ لا التصرف المالي في الأصح ".
стр. 1272
( [متى يمكن اليتيم من ماله ؟] :)
(ولا يمكن اليتيم من التصرف في ماله حتى يؤنس منه الرشد) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾ .
في " المنهاج ":
" حجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدا، فلو بلغ غير رشيد دام الحجر ".
وفي " الوقاية ":
" فإن بلغ غير رشيد؛ لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، وصح تصرفه قبله وبعده؛ يسلم إليه ولو بلا رشد ".
( [هل يجوز لولي اليتيم أن يأكل من ماله ؟] :)
(ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ .
وقد ثبت في " الصحيحين "، عن عائشة أنها قالت: " نزلت هذه الآية في ولي اليتيم؛ إذا كان فقيرا أنه يأكل منه بالمعروف ".
وأخرج أحمد (١) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير، وليس لي شيء، ولي يتيم؟ فقال: " كل من مال يتيمك؛ غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل (٢) ".
стр. 1273
والمراد بقوله: " ولا مبادر " ما في قوله - تعالى -: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾ ؛ أي: مسرفين ومبادرين كبر الأيتام، فهذه الآية والحديث مخصصان لقوله - تعالى -: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ .
في " شرح السنة ": " اختلفوا في ذلك؛ فذهب قوم إلى أنه يأكل ولا يقضي، وعليه أحمد، وآخرون إلى أنه يأكل ويرد مثله إذا كبر ".
أقول: اختاره محمد بن الحسن.
والولي يتجر في أموال اليتامى ويضارب، ويفعل ما فيه الغبطة.
قال مالك: قال عمر بن الخطاب: اتجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها الزكاة.
وكانت عائشة تعطي أموال اليتامى من يتجر لهم فيها.
قال مالك: لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى لهم (١) ، وإذا كان الولي مأمونا فلا أرى عليه ضمانا.
قلت: وعليه الشافعي -[كما] في " المنهاج " -: وله - أي: للولي - بيع ماله بقرض ونسيئة للمصلحة، ويزكي ماله، وينفق عليه بالمعروف.
стр. 1274
(الكتاب الثالث والعشرون: كتاب اللقطة)
стр. 1275
(٢٣ - كتاب اللقطة)
( [ما يفعل من وجد لقطة] :)
(من وجد لقطة فليعرف عفاصها) : وهو الوعاء الذي تكون فيه من جلد، أو خرقة، أو غير ذلك؛ من العفص: وهو الثني والعطف، وبه سمي الجلد الذي يكون على رأس القارورة (١) .
(ووكاءها) وهو الخيط الذي يشد به الوعاء، قيل: فائدة المعرفة: أنه لو ادعاها أحد ووصفها دفعها إليه.
وقيل: أن لا تختلط بماله اختلاطا لا يمكن معه التمييز إذا جاء مالكها.
في " شرح السنة ":
" قال الشافعي: إذا عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن، ووقع في نفسه أنه صادق؛ فله أن يعطيه، ولا أجبره عليه إلا ببينة؛ لأنه قد يصيب الصفة بأن يسمع الملتقط يصفها. وفي " الهداية ": فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء ". انتهى (٢) .
стр. 1276
( [كيف تسلم اللقطة إلى صاحبها ؟] :)
(فإن جاء صاحبها دفعها إليه) ؛ لحديث عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ :
" من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، أو ليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها؛ فلا يكتم؛ فهو أحق بها، وإن لم يجيء صاحبها، فهو مال الله يؤتيه من يشاء "، أخرجه أحمد (١) ، وابن ماجه، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان.
وفي " الصحيحين " من حديث زيد بن خالد، قال: سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق؟ فقال: " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه ".
وسأله عن ضالة الإبل؟ فقال: " ما لك ولها؟ ! دعها؛ فإن معها حذاءها وسقاءها؛ ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها ".
وسأله عن الشاة؟ فقال: " خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك (٢) ، أو للذئب ".
وفي لفظ لمسلم: " فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها ووكاءها؛
стр. 1277
فأعطها إياه؛ وإلا فهي لك ".
وفي " مسلم "، وغيره (١) من حديث أبي بن كعب: أن النبي ﷺ قال: " عرفها؛ فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكائها؛ فأعطها إياه؛ وإلا فاستمتع بها ".
فدل ما ذكرناه على أنه إذا جاء صاحبها دفعها إليه.
وفي " إعلام الموقعين ":
" قال: يا رسول الله! فاللقطة يجدها في سبيل العامرة؟ قال: " عرفها حولا؛ فإن وجدت باغيها فأدها إليه؛ وإلا فهي لك " قال: ما يوجد في الخراب؟ قال: " فيه وفي الركاز الخمس ". ذكره أحمد، وأهل السنن ".
قال ابن القيم: " والإفتاء بما فيه متعين وإن خالفه من خالفه، فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه ". انتهى.
( [متى يجوز له صرف اللقطة ؟] :)
(وإلا عرف بها حولا، وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه، ويضمن مع مجيء صاحبها) ؛ يعني: إن جاء صاحبها بعد ذلك عرفها له، إن كان قد أتلفها، وأرجعها بعينها إن كانت باقية؛ كما يفيده قوله ﷺ : " فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه ".
وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب التعريف بعد الحول.
стр. 1278
وقد ورد في لفظ للبخاري - من حديث أبيّ - ما يدل على أن التعريف يجب بعد الحول، ولفظه: قال: وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي ﷺ فقال: " عرفها حولا "، فعرفتها، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته ثانيا، فقال: " عرفها حولا "، فلم أجد، ثم أتيته ثالثا، فقال: " احفظ وعاءها وعددها ووكاءها؛ فإن جاء صاحبها؛ وإلا فاستمتع بها "، فاستمتعت بها، فلقيته - بعد - بمكة (١) .
وقد وقع الاختلاف بين الحفاظ في هذه الرواية:
فعن بعضهم: أن الزيادة على العام غلط؛ كما جزم بذلك ابن حزم.
قال ابن الجوزي: والذي يظهر لي أن سلمة أخطأ فيها، ثم ثبت واستمر على عام واحد.
وجمع بعضهم بأن الزيادة على العام محمولة على مزيد الورع.
والكلام في ذلك يطول.
والمراد بقوله في الحديث: " ولتكن وديعة عندك ": أنه يجب ردها، فتجوز بذكر الوديعة عن وجوب الرد؛ لعوضها بعد الاستنفاق بها.
قال في " المسوى ":
стр. 1279
" قوله: " عرف سنة " عليه الشافعي وأبو حنيفة.
وخص منه الحقير؛ لحديث علي: أنه التقط دينارا في عهد النبي ﷺ ولم يعرفه (١) .
وفي " المنهاج ":
" والأصح أن الحقير لا يعرف سنة؛ بل زمنا يظن أن صاحبه يعرض عنه غالبا ".
وفي " الوقاية ": " عرفت مدة لا تطلب بعدها ".
( [المبالغة في تعريف لقطة مكة] :)
(ولقطة مكة) المكرمة زادها الله شرفا (أشد تعريفا من غيرها) ؛ لما ثبت في " الصحيح ": " أنها لا تحل لقطة مكة إلا لمعرف ".
مع أن التعريف لا بد منه في لقطة مكة وغيرها؛ فحمل ذلك على المبالغة في التعريف؛ لأن الحاج قد يرجع إلى بلده ولا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف، وقد قيل غير ذلك.
стр. 1280
( [هل يجوز له أن ينتفع بالشيء الحقير من اللقطة ؟] :)
(ولا بأس بأن ينتفع الملتقط بالشيء الحقير - كالعصا والسوط ونحوهما - بعد التعريف به ثلاثا) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث جابر، قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به.
وفي إسناده المغيرة بن زياد، وفيه مقال، وقد وثقه وكيع، وابن معين، وابن عدي (١) .
وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: " لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ".
وقد أخرج أحمد، والطبراني، والبيهقي من حديث يعلى بن مرة مرفوعا:
" من التقط لقطة يسيرة؛ حبلا أو درهما أو شبه ذلك؛ فليعرفها ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك؛ فليعرفه ستة أيام ".
زاد الطبراني: " فإن جاء صاحبها؛ وإلا فليتصدق بها ".
وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى، وهو ضعيف.
стр. 1281
وأخرج عبد الرزاق من حديث أبي سعيد: أن عليا جاء إلى النبي ﷺ بدينار وجده في السوق؟ فقال النبي ﷺ : " عرفه ثلاثا "، ففعل، فلم يجد أحدا يعرفه، فقال: " كله " (١) .
وأما إذا كان الشيء مأكولا؛ فلا يجب التعريف به؛ بل يجوز أكله في الحال؛ لما تقدم من قوله ﷺ في التمرة.
( [ما يلتقط من الدواب] :)
(وتلتقط ضالة الدواب إلا الإبل) ؛ للحديث المتقدم عن زيد بن خالد، وإلحاق سائر الدواب بالشاة؛ لكونها مثلها في معنى قوله ﷺ : " هي لك أو لأخيك أو للذئب ".
ولا يخرج من ذلك إلا الإبل؛ كما صرح به ﷺ ، ومما يفيد ذلك ما أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد: أن النبي ﷺ قال: " لا يأوي (٢) الضالة إلا ضال ما لم يعرفها "؛ فإن الضالة تصدق على الشاة وغيرها، وقد قيد ذلك بالتعريف؛ فدل على جواز الالتقاط، وخرجت الإبل بالحديث الآخر.
في " المنهاج ":
" والحيوان الممتنع من صغار السباع بقوة؛ أو بعدو أو طيران؛ إن وجد بمفازة فللقاضي التقاطه، ويحرم التقاطه للتملك، وإن وجد بقرية فالأصح جواز التقاطه للتملك، وما لا يمتنع منها - كشاة - يجوز التقاطه في القرية والمفازة، ولا فرق عند أبي حنيفة بين أن يكون بهيمة أو غيرها.
стр. 1282
(الكتاب الرابع والعشرون: كتاب القضاء)
стр. 1283
(٢٤ - كتاب القضاء)
( [من يصح منه القضاء ؟] :)
(إنما يصح قضاء من كان مجتهدا) ؛ لما في الكتاب العزيز من الأمر بالقضاء بالعدل والقسط وبما أراه الله، ولا يعرف العدل إلا من كان عارفا بما في الكتاب والسنة من الأحكام، ولا يعرف ذلك إلا المجتهد؛ لأن المقلد إنما يعرف قول إمامه دون حجته.
وهكذا لا يحكم بما أراه الله إلا من كان مجتهدا؛ لا من كان مقلدا، فما أراه الله شيئا؛ بل أراه إمامه ما يختاره لنفسه.
ومما يدل على اعتبار الاجتهاد: حديث بريدة، عن النبي ﷺ ، قال: " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة؛ فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق، وجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار "،
أخرجه ابن ماجه، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، والحاكم - وصححه -، وقد جمع ابن حجر طرقه في جزء مفرد (١) .
стр. 1284
ووجه الدلالة منه أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدا.
( [المقلد لا يجوز له أن يتقلد القضاء] :)
وأما المقلد؛ فهو يحكم بما قال إمامه، ولا يدري أحق هو أم باطل؟ فهو القاضي الذي قضى للناس على جهل، وهو أحد قاضيي النار.
ومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله - تعالى -: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ، و ﴿الظالمون﴾ ، و ﴿الفاسقون﴾ ، ولا يحكم بما أنزل الله إلا من يعرف التنزيل والتأويل.
ومما يدل على ذلك حديث معاذ لما بعثه ﷺ إلى اليمن، فقال له: " بما تقضي؟ "، قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد؟ "، قال: فبسنة رسول الله، قال: " فإن لم تجد؟ "، قال: فبرأيي.
قال الماتن: وهو حديث مشهور (١) ، قد بينت طرقه ومن خرجه في بحث مستقل.
ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة، ولا رأي له، بل لا يدري بأن الحكم موجود في الكتاب أو السنة فيقضي به، أو ليس بموجود فيجتهد برأيه.
فإذا ادعى المقلد أنه حكم برأيه؛ فهو يعلم أنه يكذب على نفسه؛
стр. 1285
لاعترافه بأنه لا يعرف كتابا ولا سنة، فإذا زعم أنه حكم برأيه؛ فقد أقر على نفسه أنه حكم بالطاغوت.
وللسيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة مستقلة في تيسير الاجتهاد سماها: " إرشاد النقاد "، فليرجع إليها.
أقول: الحاصل أن المقلد ليس ممن يعقل حجج الله إذا جاءته؛ فضلا عن أن يعرف الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والراجح من المرجوح.
بل لا ينبغي أن ينسب المقلد إلى العلم مطلقا، ولهذا نقل عضد الدين الإجماع على أنه لا يسمى المقلد عالما (١) .
وأما ما صار يستروح إليه من جوز قضاء المقلد من قلة المجتهدين في الأزمنة الأخيرة، وأنه لو لم يل القضاء إلا من كان مجتهدا لتعطلت الأحكام! فكلام في غاية السقوط، فالمجتهدون في كل قطر، ولكنهم في زمان غربة:
فمنهم من يخفي اجتهاده مخافة صولة المقصرين.
ومنهم من يحتقره المقلدون عن أن يكون مجتهدا لضيق أعطانهم، وحقارة عرفانهم، وتبلد أذهانهم، وجمود قرائحهم، وخمود أفكارهم، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهله.
ولقد عرفت مشايخي الذين أخذت عنهم العلم؛ فأكثرهم مجتهدون.
стр. 1286
وفي مدينة صنعاء من المجتهدين من يستغنى به عن القضاة المقلدين في جميع الأقطار اليمنية، مع أنه لا يسلم لهم الاجتهاد إلا من كان مثلهم أو مقاربا لهم.
وأما أسراء التقليد؛ فهيهات أن يذعن واحد منهم لأحد بالاجتهاد مع أن العلوم المعتبرة في الاجتهاد عند هؤلاء المقلدين؛ هي العلوم الخمسة المذكورة في كتب أصول الفقه (١) ، وهي بالنسبة إلى ما يحفظ من وصفناه من المجتهدين شيء يسير.
قال الماتن ﵀: " ومن غريب ما أحكيه لك: أنه لما كثر الخلط من قضاة حضرة الخلافة؛ استأذنت الخليفة - حفظه الله - في جمعهم لقصد ترغيبهم في العدل، وترهيبهم عن الجور، فاجتمع منهم نحو أربعين قاضيا، فسألتهم عن شيء مما يتعلق بشروط القضاء المدونة في كتب الفروع؟ فلم يهتد أحد منهم إلى الجواب على وجه الصواب؛ بل اعترفوا جميعا بالقصور عن فهم دقائق التقليد؛ فضلا عن معرفة علوم الاجتهاد أو بعضها!
وليت أنهم إذا قصروا في العلم لم يقصروا في الورع، فإن الورع يردع صاحبه عن المجازفة، ويرشده إلى أن شفاء العي السؤال، ويكفه عن التسلق لأموال المسلمين، ويرده عن التسرع إليها بأدنى شبهة.
ولعمري أن القاضي إذا جمع بين الجهل وعدم الورع أشد على عباد الله من الشيطان؛ لأنه يقضي بين الناس بالطاغوت؛ موهما لهم أنه إنما يقضي
стр. 1287
بينهم بالشريعة المطهرة، ثم ينصب الحبائل لاقتناص أموالهم، ويأكلها بالباطل؛ ولا سيما أموال اليتامى والنساء.
اللهم ﴿أصلح عبادك، وتداركهم من كل ما لا يرضيك ". انتهى.
فإن قلت: حديث: أن النبي ﷺ بعث عليا إلى اليمن قاضيا، فقال: يا رسول الله﴾ بعثتني بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدري، وقال: " اللهم اهده وثبت لسانه "، قال علي: فوالذي فلق الحبة؛ ما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه أهل " السنن "، وغيرهم (١) ؛ هل يدل على جواز قضاء من ليس بمجتهد؛ لقوله: أنا شاب ولا أدري ما القضاء؟ !
قلت: من تمسك بهذا؛ فليأتنا برجل يدعو للقاضي الذي لا علم له بالقضاء بمثل هذه الدعوة النبوية؛ حتى لا يشك بعدها كما لم يشك علي - كرم الله وجهه - بعد تلك الدعوة، فإذا فعل هذا فنحن لا نخالفه.
والكلام على هذه المسألة يحتمل البسط، وقد قضينا عنها الوطر في كتابنا: " ظفر اللاضي (٢) بما يجب في القضاء على القاضي "؛ فليراجع، فإن فيه ما يشفي العليل، ويهدي إلى سواء السبيل.
( [ما هي صفات القاضي ؟] :)
(متورعا عن أموال الناس، عادلا في القضية، حاكما بالسوية) ؛ لكون من
стр. 1288
لم يتورع عن أموال الناس لا يتورع عن الرشوة، وهي تحول بينه وبين الحق؛ كما سيأتي.
وهكذا من لم يكن عادلا - لجرأة فيه أو مداهنة أو محاباة - فهو يترك الحق وهو يعلم به، فهو أحد قضاة النار؛ لأنه عرف الحق وجار في الحكم.
قال في " الحجة البالغة ":
" أقول: لا يستوجب القضاء إلا من كان عدلا بريئا من الجور والميل، وقد عرف منه ذلك، وعالما يعرف الحق؛ لا سيما في مسائل القضاء.
والسر في ذلك واضح، فإنه لا يتصور وجود المصلحة المقصودة إلا بها ".
أقول: وأما توليه القضاء من جهة الظلمة؛ فالسلطان الذي أوجب الله طاعته في كتابه العزيز، وتواترت الأحاديث الصحيحة بذلك؛ هو من كان مسلما لم يفعل ما يوجب كفرا بواحا (١) ، وكان مقيما لأعظم أركان الإسلام وأجل شعائره؛ وهو الصلاة؛ فهذا هو السلطان الذي تجب على الناس طاعته، وامتثال أوامره، ويحرم عليهم أن ينزعوا أيديهم من طاعته، ولكن بشرط أن لا يكون ما يأمر به معصية؛ لما ثبت أن: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، وأن " الطاعة في المعروف "، فإذا أمر بما هو من الطاعة وجب الامتثال، وأمره للعالم بأن يكون قاضيا هو أمر بطاعة يجب امتثاله بنص الكتاب والسنة.
стр. 1289
ولا يقدح في ذلك كونه مرتكبا لشيء مما لا يحل له، أو يظلم الرعية في بعض ما لا يحل له، فإن ذلك أمر آخر لا يوجب سقوط طاعته، ونعم القدوة السلف الصالح، فقد كانوا يعملون لسلاطين بني أمية الأعمال، ويلون لهم القضاء؛ مع كونهم في العلم والعمل بمكان لا يجهله أحد، وسلاطين تلك الأزمنة فيهم من يستحل الدماء بغير حقها، والأموال بدون حلها (١) .
نعم؛ القضاء قد ورد فيه ما يدل على الترغيب تارة والترهيب أخرى، بل ورد في الإمارة - التي هي أعم من القضاء - ما يشعر بأن تجنبها أولى.
( [الجمع بين أحاديث الترغيب في القضاء والترهيب منه] :)
والجمع بين الأحاديث - فيما يظهر لي - يرجع إلى الأشخاص:
فمن علم من نفسه القيام بالحق، والصدع به، وعدم الضعف في الأمر، وقوة الصلابة في القضاء والعفة عن الأموال، والتسوية بين القوي والضعيف؛ فالدخول في القضاء أولى له إن لم يكن واجبا عليه؛ بشرط أن يكون في العلم على الصفة التي قدمنا ذكرها.
ومن كان يضعف عن هذه الأوصاف؛ فالترك أولى به، وقد يجب عليه الترك.
ومما يرشد إلى هذا قوله ﷺ لأبي ذر: " إني أراك ضعيفا "، ثم أرشده إلى عدم الدخول في الإمارة؛ كما ثبت ذلك في الحديث المشهور (٢) .
стр. 1290
وقد أوضحت المقام في رسالتي في القضاء، وبسطت المقال على مسائل الإمامة في كتابي " إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة "، وهما هما في هذين البابين، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وهو المستعان، وبه التوفيق.
( [ما حكم من يحرص على القضاء ؟] :)
(ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه) ؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: قال رسول الله ﷺ : " يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ".
وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه - (١) من حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ :
" من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه ينزل عليه ملك يسدده ".
وأخرج البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال:
" إنكم ستحرصون على الإمارة؛ وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة ".
стр. 1291
ولا ينافي هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود بإسناد لا مطعن فيه (١) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال:
" من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره؛ فله الجنة، ومن غلب جوره عدله؛ فله النار "؛ لأن إثم الطلب قد لزمه بالطلب، وحصل له الثواب بعد ذلك بالعدل الغالب على الجور.
قال الماتن في " نيل الأوطار ":
" وقد كثر التتابع من الجهلة في هذا المنصب الشريف، واشتروه بالأموال ممن هو أجهل منهم؛ حتى عمت البلوى بهم جميع الأقطار اليمنية ". اه.
قلت: ومثل ذلك وقع في الحرمين الشريفين من جهة الترك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
( [هل يحل للإمام تولية من طلب القضاء ؟] :)
(ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك) ؛ أي: حريصا على القضاء أو طالبا له؛ لحديث أبي موسى في " الصحيحين "، قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله ﴿أمِّرنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: " إنا - والله - لا نولي هذا العمل أحدا يسأله؛ أو أحدا يحرص عليه ".
стр. 1292
والسر فيه: أن الطالب لا يخلو غالبا من داعية نفسانية؛ من مال أو جاه، أو التمكن من انتقام عدو، ونحو ذلك، فلا يتحقق منه خلوص النية الذي هو سبب نزول البركات.
( [حكم أخذ الأجر على القضاء] :)
أقول: وأما أخذ الرزق على القضاء؛ فمال الله موضوع لمصالح المسلمين، ولهذا قيل له: بيت مال المسلمين.
ومن أعظم مصالح دينهم ودنياهم القاضي العادل في أحكامه، العارف من الشريعة المطهرة بما يحتاج إليه في حله وإبرامه؛ بل ذلك هو المصلحة التي لا توازنها مصلحة؛ لأنه يرشدهم إلى مناهج الشرع، ويفصل خصوماتهم بأحكام الله، فهو المتحمل لأعباء الدين، المترجم عنه لمن يحتاج إليه من المسلمين، فرزقه من بيت المال من أهم الأمور؛ ولا سيما إذا استغرق أوقاته في فصل خصوماتهم، فقد كان رسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدون، ومن بعدهم من السلف الصالح يقسمون أموال الله بين المسلمين، ويجعلون للعلماء نصيبا موفرا.
فالقاضي إذا كان متورعا عن أموال العباد، قائما بمصالح الحاضر منهم والباد؛ فقد استحق ما يكفيه من بيت المال من جهات؛ منها كونه من المسلمين، ومنها كونه عالما، ومنها كونه قاضيا.
وأما ما اعتاده جماعة من القضاة من أخذ الأجرة من الخصوم على الرقوم، فمن كان مكفيا من بيت مال المسلمين؛ لا يحل له ذلك! لأنه قد
стр. 1293
قبض أجرته من بيت المال، وإن أظهر من يأتيه أن نفسه طيبة به، فالذي أوجب طيبها كونه قاضيا، وكون الأعراف قد جرت بمثل ذلك، وإلا فهو لا يسمح له بماله لو لم يكن كذلك، وهذا مما لا شك فيه ولا شبهة.
وأما إذا لم يكن مكفيا من بيت المال؛ فشرط الحل أن يأخذ مقدار أجرته بطيبة من نفس من يقصده، ويكون كالأجير له حكمه؛ لكونه غير مؤجر من بيت مال المسلمين.
( [القاضي المتأهل على خطر عظيم] :)
(ومن كان متأهلا للقضاء؛ فهو على خطر عظيم) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني، وحسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، قال: قال رسول الله ﷺ : " من جعل قاضيا بين الناس؛ فقد ذبح بغير سكين (١) ".
قال في " الحجة البالغة ":
стр. 1294
" هذا بيان أن القضاء حمل ثقيل، وأن الإقدام عليه مظنة للهلاك؛ إلا أن يشاء الله ". انتهى.
وأخرج أحمد (١) ، وابن ماجه، والبيهقي من حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ :
" ما من حاكم يحكم بين الناس؛ إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله فإن قال: ألقه، ألقاه في مهوي، فهوى أربعين خريفا "، وفي إسناده عثمان بن محمد الأخنسي، وفيه مقال (٢) .
وأخرج ابن ماجه، والترمذي وحسنه، والحاكم في " المستدرك "، وابن حبان من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكله إلى نفسه ".
وفي لفظ الترمذي: " فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان ".
وفي الباب أحاديث مشتملة على الترهيب، وأحاديث مشتملة على الترغيب، وقد استوفاها الماتن في " شرح المنتقى ".
стр. 1295
( [إذا أصاب القاضي له أجران، وإذا أخطأ له أجر] :)
(وله مع الإصابة أجران، ومع الخطأ أجر؛ إن لم يأل جهدا في البحث) ؛ يعني: بذل طاقته في اتباع الدليل؛ وذلك لأن التكليف بقدر الوسع، وإنما وسع الإنسان أن يجتهد، وليس في وسعه أن يصيب الحق البتة.
ودليله حديث عمرو بن العاصي الثابت في " الصحيحين "، وغيرهما عنه ﷺ : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر ".
وقد ورد في روايات (١) : " أنه إذا أصاب فله عشرة أجور ".
( [الرشوة حرام وخاصة على القاضي] :)
(وتحرم عليه الرشوة) ؛ وفي " الأنوار " في تفسير الرشوة وجهان:
الأول: أن الرشوة هي التي يشترط على قابلها الحكم بغير الحق، أو الامتناع عن الحكم بالحق.
والثاني: بذل المال لأحد ليتوسل بجاهه إلى أغراضه، إذا كان جاهه بالقضاء والعمل، فذلك هو الرشوة.
ويحرم على الرعية إعطاء الرشوة للحاكم ليتوسلوا بذلك إلى ظلم، ويحرم على الحاكم أخذها؛ قال الله - تعالى -: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم
стр. 1296
بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ ؛ كذا في " المسوى ".
وروى مالك بإسناده أن عبد الله بن رواحة قال ليهود خيبر: فأما ما عرضتم من الرشوة؛ فإنما هي سحت، وإنا لا نأكلها.
( [الهدية حرام على القاضي] :)
(والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد (١) ، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان - وصححه -، قال: قال رسول الله ﷺ :
" لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم ".
وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -، وابن حبان، والطبراني، والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو - كحديث أبي هريرة -.
وأخرج أحمد، والحاكم من حديث ثوبان، قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش - يعني: الذي يمشي
стр. 1297
بينهما -، وفي إسناده ليث بن أبي سليم؛ قال البزار: إنه تفرد به.
وفي إسناده أيضا أبو الخطاب؛ قيل: وهو مجهول.
وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم، وعن عائشة، وأم سلمة - أشار إليهما الترمذي -.
وقد أجمع أهل العلم على تحريم الرشوة، وقد استدل على تحريم الرشوة بقوله - تعالى -: ﴿أكالون للسحت﴾ ؛ كما روي عن الحسن، وسعيد بن جبير أنهما فسرا الآية بذلك.
وحكي عن مسروق عن ابن مسعود: أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة؟ فقال: لا؛ ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ، و ﴿الظالمون﴾ ، و ﴿الفاسقون﴾ ؛ ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته، فيهدي لك، فإن أهدى لك فلا تقبل.
وقد سبق حديث في هذا المعنى في كتاب الهدايا.
ويدل على تحريم الهدية التي أهديت للقاضي لأجل كونه قاضيا حديث: " هدايا الأمراء غلول ".
أخرجه البيهقي وابن عدي من حديث ابن حميد؛ قال ابن حجر: وإسناده ضعيف.
ولعل وجه الضعف أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز.
وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث أبي هريرة؛ قال ابن حجر:
стр. 1298
وإسناده أشد ضعفا.
وأخرجه سنيد بن داود في " تفسيره " من حديث جابر، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف.
وأخرجه الخطيب في " تلخيص المتشابه " من حديث أنس، بلفظ: " هدايا العمال سحت ".
وأخرج أبو داود من حديث بريدة، عن النبي ﷺ بلفظ: " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا؛ فما أخذه بعد ذلك فهو غلول ".
وقد بوب البخاري في أبواب القضاء " باب هدايا العمال "، وذكر فيه حديث ابن اللتبية المشهور (١) .
ومما يؤيد ذلك أن الهدية للقاضي لأجل كونه قاضيا نوع من الرشوة عاجلا أو آجلا.
قال ابن القيم:
" أما الهدية؛ ففيها تفصيل:
" فإن كانت بغير سبب الفتوى - كمن عادته يهاديه، أو من لا يعرف أنه مفت - فلا بأس بقبولها، والأولى أن يكافئ عليها.
стр. 1299
وإن كانت بسبب الفتوى؛ فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له؛ لم يجز له قبول هديته؛ لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.
وأما أخذ الرزق من بيت المال؛ فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك.
وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان - وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم -؛ فمن ألحقه بعامل الزكاة؛ قال: النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ.
وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي؛ بل القاضي أولى بالمنع.
وأما أخذ الأجرة؛ فلا يجوز؛ لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه؛ كما لو قال: لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام، فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة، فهذا حرام قطعا، ويلزمه رد العوض ولا يملكه ". انتهى.
( [قضاء القاضي وهو غضبان] :)
(ولا يجوز له الحكم حال الغضب) : لحديث أبي بكرة في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان ".
ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن الزبير، عن أبيه في " الصحيحين "، وغيرهما: أنه اختصم هو وأنصاري، فقال النبي ﷺ للزبير:
стр. 1300
" اسق يا زبير ﴿ثم أرسل الماء إلى أخيك "، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله﴾ أن كان ابن عمتك؟ ﴿فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: " اسق يا زبير﴾ ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (١) "؛ لأن النبي ﷺ معصوم في غضبه ورضائه، بخلاف غيره؛ فإن الغضب يحول بينه وبين الحق، ويختلط حال الغضب، ويتشوش خاطره، ويتكدر ذهنه، ويذهل عن الصواب.
فلا يصلح الاستدلال بقضائه ﷺ حال غضبه لهذا الفرق.
فالحق: أن حكم الحاكم حال الغضب حرام.
وأما كونه يصح أو لا يصح؛ فينبغي النظر في نفس الحكم، فإن كان واقعا على الصواب فالاعتبار بذلك، ومجرد صدوره حال الغضب لا يوجب بطلانه، وهو صواب، وإن كان واقعا على خلاف الصواب فهو باطل.
وإذا التبس الأمر: هل هو صواب أو خطأ؟ - كما يحصل الاشتباه في كثير من مسائل الخلاف - فالاعتبار بما رآه الحاكم صوابا؛ لأنه متعبد باجتهاده، فإن وجد حكمه الواقع حال الغضب بعد سكون غضبه صحيحا موافق لما يعتقده حقا؛ فهو صحيح لازم للمحكوم عليه، وإن كان آثما بإيقاع الحكم حال الغضب - كما تقدم - فلا ملازمة بين الإثم وبطلان الحكم، ثم ظاهر النهي التحريم.
وقد ذهب الجمهور إلى أنه يصح حكم الغضبان إن وافق الحق.