← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ ؛ كذا في " المسوى ". وروى مالك بإسناده أن عبد الله بن رواحة قال ليهود خيبر: فأما ما عرضتم من الرشوة؛ فإنما هي سحت، وإنا لا نأكلها. ( [الهدية حرام على القاضي] :) (والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد (١) ، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان - وصححه -، قال: قال رسول الله ﷺ : " لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم ". وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -، وابن حبان، والطبراني، والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو - كحديث أبي هريرة -. وأخرج أحمد، والحاكم من حديث ثوبان، قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش - يعني: الذي يمشي

стр. 1297

بينهما -، وفي إسناده ليث بن أبي سليم؛ قال البزار: إنه تفرد به. وفي إسناده أيضا أبو الخطاب؛ قيل: وهو مجهول. وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم، وعن عائشة، وأم سلمة - أشار إليهما الترمذي -. وقد أجمع أهل العلم على تحريم الرشوة، وقد استدل على تحريم الرشوة بقوله - تعالى -: ﴿أكالون للسحت﴾ ؛ كما روي عن الحسن، وسعيد بن جبير أنهما فسرا الآية بذلك. وحكي عن مسروق عن ابن مسعود: أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة؟ فقال: لا؛ ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ، و ﴿الظالمون﴾ ، و ﴿الفاسقون﴾ ؛ ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته، فيهدي لك، فإن أهدى لك فلا تقبل. وقد سبق حديث في هذا المعنى في كتاب الهدايا. ويدل على تحريم الهدية التي أهديت للقاضي لأجل كونه قاضيا حديث: " هدايا الأمراء غلول ". أخرجه البيهقي وابن عدي من حديث ابن حميد؛ قال ابن حجر: وإسناده ضعيف. ولعل وجه الضعف أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز. وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث أبي هريرة؛ قال ابن حجر:

стр. 1298

وإسناده أشد ضعفا. وأخرجه سنيد بن داود في " تفسيره " من حديث جابر، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. وأخرجه الخطيب في " تلخيص المتشابه " من حديث أنس، بلفظ: " هدايا العمال سحت ". وأخرج أبو داود من حديث بريدة، عن النبي ﷺ بلفظ: " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا؛ فما أخذه بعد ذلك فهو غلول ". وقد بوب البخاري في أبواب القضاء " باب هدايا العمال "، وذكر فيه حديث ابن اللتبية المشهور (١) . ومما يؤيد ذلك أن الهدية للقاضي لأجل كونه قاضيا نوع من الرشوة عاجلا أو آجلا. قال ابن القيم: " أما الهدية؛ ففيها تفصيل: " فإن كانت بغير سبب الفتوى - كمن عادته يهاديه، أو من لا يعرف أنه مفت - فلا بأس بقبولها، والأولى أن يكافئ عليها.

стр. 1299

وإن كانت بسبب الفتوى؛ فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له؛ لم يجز له قبول هديته؛ لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء. وأما أخذ الرزق من بيت المال؛ فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك. وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان - وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم -؛ فمن ألحقه بعامل الزكاة؛ قال: النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ. وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي؛ بل القاضي أولى بالمنع. وأما أخذ الأجرة؛ فلا يجوز؛ لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه؛ كما لو قال: لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام، فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة، فهذا حرام قطعا، ويلزمه رد العوض ولا يملكه ". انتهى. ( [قضاء القاضي وهو غضبان] :) (ولا يجوز له الحكم حال الغضب) : لحديث أبي بكرة في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان ". ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن الزبير، عن أبيه في " الصحيحين "، وغيرهما: أنه اختصم هو وأنصاري، فقال النبي ﷺ للزبير:

стр. 1300

" اسق يا زبير ﴿ثم أرسل الماء إلى أخيك "، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله﴾ أن كان ابن عمتك؟ ﴿فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: " اسق يا زبير﴾ ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (١) "؛ لأن النبي ﷺ معصوم في غضبه ورضائه، بخلاف غيره؛ فإن الغضب يحول بينه وبين الحق، ويختلط حال الغضب، ويتشوش خاطره، ويتكدر ذهنه، ويذهل عن الصواب. فلا يصلح الاستدلال بقضائه ﷺ حال غضبه لهذا الفرق. فالحق: أن حكم الحاكم حال الغضب حرام. وأما كونه يصح أو لا يصح؛ فينبغي النظر في نفس الحكم، فإن كان واقعا على الصواب فالاعتبار بذلك، ومجرد صدوره حال الغضب لا يوجب بطلانه، وهو صواب، وإن كان واقعا على خلاف الصواب فهو باطل. وإذا التبس الأمر: هل هو صواب أو خطأ؟ - كما يحصل الاشتباه في كثير من مسائل الخلاف - فالاعتبار بما رآه الحاكم صوابا؛ لأنه متعبد باجتهاده، فإن وجد حكمه الواقع حال الغضب بعد سكون غضبه صحيحا موافق لما يعتقده حقا؛ فهو صحيح لازم للمحكوم عليه، وإن كان آثما بإيقاع الحكم حال الغضب - كما تقدم - فلا ملازمة بين الإثم وبطلان الحكم، ثم ظاهر النهي التحريم. وقد ذهب الجمهور إلى أنه يصح حكم الغضبان إن وافق الحق.

стр. 1301

قال ابن القيم: " ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل قلب مستول عليه، أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه؛ أمسك عن الفتوى، فإن أفتى في هذه الحال بالصواب صحت فتياه، ولو حكم في هذه الحال؛ فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ؛ وبين أن يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ في مذهب الإمام أحمد ". ( [متى يسوي القاضي بين الخصمين ؟] :) (وعليه التسوية بين الخصمين؛ إلا إذا كان أحدهما كافرا) ؛ لحديث علي عند أبي أحمد الحاكم في " الكنى ": أنه جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي، فقال: لو كان خصمي مسلما جلست معه بين يديك؛ لكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تساووهم في المجالس "، وقد قال أبو أحمد الحاكم بعد إخراجه: إنه منكر. وأورده ابن الجوزي في " العلل " من هذا الوجه، وقال: لا يصح.

стр. 1302

ورواه البيهقي (١) من وجه آخر من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: خرج علي إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعا، فعرف علي الدرع ... وذكر الحديث، وفي إسناده عمرو بن سمرة (٢) ، عن جابر الجعفي، وهما ضعيفان. وأخرج أحمد وأبو داود، والبيهقي، والحاكم - وصححه - من حديث عبد الله بن الزبير، قال: قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم. وفي إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير؛ وهو ضعيف. ( [لا يقتصر على السماع من أحد الخصمين دون الآخر] :) (والسماع منهما قبل القضاء) ؛ لحديث علي عند أحمد، وأبي داود، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان - وصححه -: أن رسول الله ﷺ قال: " يا علي! إذا جلس إليك الخصمان؛ فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما

стр. 1303

سمعت من الأول؛ فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء "؛ وللحديث طرق (١) . ( [على القاضي أن يسهل الدخول عليه] :) (و) يجب عليه (تسهيل الحجاب) ؛ لحديث عمرو بن مرة عند أحمد (٢) ، والترمذي، والحاكم، والبزار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة (٣) والمسكنة؛ إلا أغلق الله باب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته ". وأخرج أبو داود (٤) ، والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي - مرفوعا - بلفظ: " من تولى شيئا من أمر المسلمين؛ فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم؛ احتجب الله عنه دون حاجته "؛ قال ابن حجر في " الفتح ": إن سنده جيد. وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ:

стр. 1304

" أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم؛ احتجب الله عنه يوم القيامة "؛ قال ابن أبي حاتم: هو حديث منكر. (بحسب الإمكان) ؛ لأن لنفسه عليه حقا، ولأهله عليه حقا، فلا يلزمه استيعاب كل أوقاته، فإن ذلك يكدر ذهنه ويشوش فهمه، ولا يحتجب كل أوقاته، فإن ذلك ظلم لأهل الخصومات. وقد ثبت في " الصحيح " من حديث أبي موسى: أنه كان بوابا للنبي ﷺ لما جلس على قف (٢) البئر. وثبت في " الصحيح " أيضا في قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا: أن عمر استأذن له الأسود لما قال له: يا رباح! استأذن لي. وقد ثبت في " الصحيح " أيضا: أنه كان لعمر حاجب يقال له: يرفأ. ( [حكم اتخاذ القاضي للأعوان] :) (ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة) ؛ لما ثبت في " البخاري " من حديث أنس: أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول الله ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. وقد يجب عليه ذلك إذا كان لا يمكنه إنفاذ الحق ودفع الباطل إلا بهم. ( [يجوز للقاضي الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح] :) (و) يجوز للحاكم (الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح) ؛ لحديث هامش (٢) قف البئر - بضم القاف -: هو الدكة التي تجعل حولها.

стр. 1305

كعب بن مالك في " الصحيحين " وغيرهما: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: " يا كعب ﴿" فقال: لبيك يا رسول الله﴾ قال: " ضع من دينك هذا "، وأومأ إليه؛ أي: الشطر، قال: قد فعلت يا رسول الله! قال: " قم فاقضه ". وهذا الحديث فيه دليل على ما ذكرناه من الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح؛ لأنه شفاعة لمن عليه الدين باستيضاع من له الدين بعضه، وفيه إرشاد إلى الصلح أيضا. وقد سبق في كتاب الصلح ما يدل على مشروعيته من الكتاب والسنة، والقاضي داخل في عموم الأدلة. ( [حكم القاضي لا يحلل الحرام] :) (وحكمه ينفذ ظاهرا فقط) ؛ لحديث أم سلمة في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن (١) بحجته من بعض، فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ". وقد حكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحل الحرام. قال النووي: والقول بأن حكم الحاكم يحلل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا

стр. 1306

الحديث الصحيح وللإجماع المذكور. وبالجملة؛ فلا وجه لما ذهبت إليه الحنفية من أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا وباطنا، ويحلل الحرام، وقد جاؤوا في هذا المقام بما لا ينفق على من له في العلم قدم. وتفصيل ذلك في " نيل الأوطار " و " مسك الختام ". واللحن مفتوحة الحاء: الفطنة، يقال: لحنت للشيء - بكسر الحاء - ألحن له لحنا، أي: فطنت، وأما اللحن بسكون الحاء؛ فهو: الخطأ. قال في " المسوى ": " اتفق أهل العلم عن أن القضاء في الدماء والأملاك المطلقة لا ينفذ إلا ظاهرا. واختلفوا في العقود والفسوخ؛ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينفذ القضاء فيها ظاهرا وباطنا؛ حتى لو شهد شاهدان زورا أن فلانا طلق امرأته، فقضى به القاضي؛ وقعت الفرقة بينهما بقضائه، ويجوز لكل من الشاهدين أن ينكحها. وقال الشافعي: لا ينفذ باطنا. وأما المسائل المختلف فيها؛ مثل أن يقضي حنفي بشفعة الجار لرجل لا يعتقد ثبوتها، أو مات رجل عن جد وأخ؛ فقضى القاضي بالميراث للجد على مذهب الصديق - رضي الله تعالى عنه -، والمحكوم له يرى رأي زيد، أو مات رجل عن خال لا يرى توريث ذوي الأرحام؛ فقضى له القاضي بالمال؛ فأكثر أصحاب الشافعي على أنه ينفذ ظاهرا وباطنا؛ لأنه أمر مجتهد فيه لا يتصور

стр. 1307

ظهور الخطأ فيه يقينا في الدنيا. وفي الحديث دليل على أن كل مجتهد ليس بمصيب؛ إنما الإصابة لواحد. وإثم الخطأ موضوع عن الآخر؛ لكونه معذورا فيه؛ وعليه أكثر أهل العلم. وفي الحديث دليل على أن بينة المدعي مسموعة بعد يمين المدعى عليه، وعليه الشافعي (١) ". انتهى. (فمن قضي له بشيء فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقا للواقع) لما تقرر أن حكم الحاكم ظني سواء تعلق بمحكوم فيه قطعي أو ظني - في إيقاع أو وقوع - فلا ينفذ إلا ظاهرا لا باطنا، فلا يحل به الحرام ولا يحرم به الحلال للمحكوم له والمحكوم عليه، ولكنه يجب امتثاله بحكم الشرع. ويجبر من امتنع منه، فإن كان المحكوم له يعلم بأن الحكم له بباطل لم يحلل له قبوله، ولا يجوز له استحلاله بمجرد حكم الحاكم من غير فرق. ومن قال: ينفذ حكم الحاكم ظاهرا وباطنا؛ فمقالته باطلة، وشبهتها داحضة، وقد دفعها الله في كتابه العزيز بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ ، ودفعها رسول الله ﷺ بقوله: " فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار ".

стр. 1308

هذا على تقدير أنهم يعممون المسألة في الأموال وغيرها، والذي في كتبهم تخصيص ذلك بما عدا الأموال. ولا يختلف في هذا من يقول بأن كل مجتهد مصيب! ومن لا يقول بذلك؛ لأن القائل بالتصويب لا يريد بذلك أن المجتهد قد أصاب ما في نفس الأمر، وما هو الحكم عند الله وإنما يريد أن حكمه في المسألة هو الذي كلف به وإن كان خطأ في الواقع، ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب فله أجران "، فجعله مصيبا تارة ومخطئا أخرى، ولو كان مصيبا دائما لم يصح هذا التقسيم النبوي. وبهذا نعرف أن المراد بقول من قال: كل مجتهد مصيب؛ أنه أراد من الصواب الذي لا ينافي الخطأ؛ لا من الإصابة التي تنافيه؛ والله أعلم.

стр. 1309

(الكتاب الخامس والعشرون: كتاب الخصومة)

стр. 1310

(٢٥ - كتاب الخصومة) ( [البينة على المدعي] :) (على المدعي البينة) ؛ لقوله ﷺ : " شاهداك أو يمينه "؛ كما في " الصحيحين " من حديث الأشعث بن قيس. وأخرجه مسلم من حديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ قال للكندي: " ألك بينة؟ "، قال: لا، قال: " فلك يمينه ". ( [اليمين على المنكر] :) (وعلى المنكر اليمين) : لحديث ابن عباس في " الصحيحين ": أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه. وأخرجه البيهقي (١) بإسناد صحيح بلفظ: " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ". وأخرج ابن حبان من حديث ابن عمر نحوه. وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه.

стр. 1311

وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. وروي عن مالك أنه لا يتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط؛ لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل. وهو رد للرواية بمحض الرأي. (١ - [يحكم الحاكم بالإقرار] :) (ويحكم الحاكم بالإقرار) ؛ وليس في ذلك خلاف، ودلالة الكتاب العزيز على لزوم حكم الإقرار للمقر، وفيه من ذلك الكثير الطيب؛ فإن الله سبحانه رتب في كتابه العزيز أحكاما وعقوبات على حصول أمور هي إقرارات؛ وإن لم يذكر فيها لفظ الإقرار، وهو أقوى مستندات الحكم إذا لم يكن معلوم البطلان، ولزوم المقر لما أقر به؛ وجواز الحكم للحاكم بإقراره لا يحتاج إلى إيراد الأدلة عليه؛ فقد كان النبي ﷺ يسفك به الدماء، ويقيم الحدود، ويقطع الأموال؛ بل اكتفى به في أعظم الأمور وهو الرجم؛ كما وقع من المقر عند رسول الله ﷺ ؛ كما في حديث: " واغد يا أنيس! إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها "، وهو في " الصحيح " كما سيأتي؛ فكيف بالإقرار فيما هو أخف من الرجم؟ (٢ - [الحكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين] :) (و) الحكم (بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين) ؛ لنص القرآن الكريم، وليس في ذلك خلاف إذا كان الشهود مرضيين؛ كما قال - تعالى -: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ .

стр. 1312

(٣ - [يحكم الحاكم بشهادة رجل ويمين المدعي] :) (أو رجل ويمين المدعي) ؛ لحديث ابن عباس - عند مسلم وغيره -: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد؛ وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والبيهقي، من حديث جابر: أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد؛ وهو من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر. قد روي من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي: أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق؛ أخرجه أحمد، والدارقطني. وقد صحح حديث جابر أبو عوانة، وابن خزيمة. وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد، ورجال إسناده ثقات، وصححه أبو حاتم وأبو زرعة. وأخرجه ابن ماجه، وأحمد من حديث سرق، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا الراوي له عن سرق؛ فإنه مجهول. وقد ذكر ابن الجوزي في " التحقيق " عدد من روى هذا الحديث - يعني: حكمه ﷺ بالشاهد واليمين من الصحابة -؛ فزاد على عشرين صحابيا (١) . وإليه ذهب الجمهور من الصحابة فمن بعدهم.

стр. 1313

ويروى عن زيد بن علي، والزهري، والنخعي، وابن شبرمة، والحنفية: أنه لا يجوز الحكم بشاهد ويمين. وأحاديث هذا الباب ترد عليهم. قلت: قال مالك في " الموطأ ": مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد؛ يحلف صاحب الحق مع شاهده، ويستحق حقه، فإن نكل أو أبى أن يحلف؛ أُحلف المطلوب؛ فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه. قال مالك: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة، ولا يقع ذلك في شيء من الحدود، ولا في نكاح، ولا في طلاق، ولا في عتاقة، ولا في سرقة، ولا في فرية. قال مالك: ومن الناس من يقول: لا يكون اليمين مع الشاهد الواحد، ويحتج بقول الله ﵎: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ ؛ يقول: فإن لم يأت برجل وامرأتين فلا شيء له، ولا يحلف مع شاهده. قال مالك: فمن الحجة على من قال ذلك القول؛ أن يقال له: أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا؛ أليس يحلف المطلوب: ما ذلك الحق عليه؛ فإن حلف بطل ذلك عنه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق: إن حقه لحق، وثبت حقه على صاحبه؟ فهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس، ولا ببلد من البلدان، فبأي شيء أخذ هذا؟ وفي أي كتاب الله وجده؟ فإذا أقر

стр. 1314

بهذا فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله، وإنه ليكفي ذلك ما مضى من السنة، ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب وموقع الحجة؛ ففي هذا يجيء بيان؛ إن شاء الله تعالى. قال في " المسوى ": " وعلى هذا أهل العلم؛ إلا مسألة القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدعي في الأموال خاصة: قال الشافعي: يجوز ذلك. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. وقد قال - تعالى - في حد القذف: ﴿فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ ، وقال في الطلاق: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ، وقال في الدَّين: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ . وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب - وهو عامل على الكوفة -: أن اقض باليمين مع الشاهد. وإن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا: هل يقضى باليمين مع الشاهد؟ فقالا: نعم. والحاصل: أن شهود الزنا أربعة، وشهود سائر الحقوق اثنان، وشهود

стр. 1315

الأموال رجلان؛ أو رجل وامرأتان، فإن لم يتيسر؛ قضي بيمين المدعي مع الشاهد الواحد ". أقول: الحق: أن الحكم بالشاهد العدل واليمين واجب، وقد ثبت ذلك في السنة ثبوتا لا ينكره إلا من لا يعرف السنة. وجملة من رواه من الصحابة زيادة على عشرين رجلا، وللمانعين من ذلك أجوبة خارجة عن الإنصاف. وأشف ما تمسكوا به: أن الله تعالى أمر بإشهاد رجلين، وقال ﷺ : " شاهداك أو يمينه ". ولا يخفاك أنه ليس في ذلك ما يفيد الحصر؛ بل غاية ما فيه: أن مفهومه يدل على عدم قبول الشاهد الواحد مع اليمين، ولا حكم لهذا المفهوم مع وجود المنطوق؛ وهو القضاء بالشاهد واليمين؛ مع أن هذا المفهوم هو مفهوم لقب؛ وهو مما لا يعمل به نحارير الأصول؛ كما ذلك معروف. وقد استوفى الماتن حجج الجميع في " شرح المنتقى "، فليرجع إليه. (٤ - [يجوز للحاكم أن يحكم بيمين المنكر] :) (و) يجوز الحكم (بيمين المنكر) ؛ لما قدمنا من أن اليمين على المنكر. وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ قال للكندي: " ألك بينة؟ "، قال: لا، قال: " فلك يمينه "، فقال: يا رسول الله! الرجل فاجر؛ لا يبالي على ما حلف

стр. 1316

عليه، وليس يتورع من شيء؟ ! فقال: " ليس لك منه إلا ذلك ". (٥ - [يجوز للحاكم أن يحكم بيمين الرد] :) (و) يجوز الحكم (بيمين الرد) ؛ لأن من عليه الحق قد رضي بها؛ سواء قلنا: إنها تجب على المدعي عند ردها من المنكر؛ أم لا. وقد استدل من لم يجعلها مستندا بمفهوم الحصر في قوله ﷺ : " ولكن اليمين على المدعي عليه "؛ كما في بعض ألفاظ حديث ابن عباس عند مسلم وغيره، ولقوله في حديث وائل: " ليس لك منه إلا ذلك ". ولكن هذا إنما يفيد أنها لا تجب على المدعي إذا ردها المنكر. وأما أنه يفيد عدم جواز الحكم بيمين الرد، إذا طلبها المنكر ورضي بها؛ وقبل ذلك المدعي فحلف؛ فلا. وأما ما رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق: فلو صح؛ لكان صالحا لتخصيص ما تقدم؛ ولكن في إسناده محمد بن مسروق، وهو غير معروف، وفي إسناده أيضا إسحاق بن الفرات، وفيه مقال (١) . وقد أشار القرآن الكريم إلى رد اليمين بقوله: ﴿أن ترد أيمان بعد أيمانهم) (٢) ، ولكن فيه احتمال؛ إذ يمكن أن يكون المراد برد اليمين عدم قبولها.

стр. 1317

وأما النكول؛ فلا يجوز الحكم به؛ لأن غاية ما فيه: أن من عليه اليمين بحكم الشرع لم يقبلها ويفعلها، وعدم فعله لها ليس بإقرار بالحق؛ بل ترك لما جعله الشارع عليه بقوله: " ولكن اليمين على المدعى عليه ". فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد الأمرين: إما اليمين التي نكل عنها؛ أو الإقرار بما ادعاه المدعي، وأيهما وقع؛ كان صالحا للحكم به؛ كما مر. (٦ - [يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه] :) (و) يجوز الحكم (بعلمه) ؛ لأن ذلك من العدل والحق اللذين أمر الله بالحكم بهما، وليس في الأدلة ما يدل عى المنع من ذلك. وحديث: " شاهداك أو يمينه "؛ لا حصر فيه. ومما يؤيد جواز الحكم بعلم الحاكم: ما ثبت من قوله ﷺ للمدعي: " ألك بينة؟ "؛ فإن البينة ما يتبين بالأمر، وليس بعد العلم بيان، بل هو أعلى أنواع البيان؛ فإنه لا يحصل من سائر المستندات للحكم إلا مجرد الظن بأن المقر صادق في إقراره، والحالف بار في يمينه، والشاهد صادق في شهادته، وإذا جاز الحكم بمستند لا يفيد إلا الظن؛ فكيف لا يجوز الحكم بالعلم واليقين؟ وفي هذه المسألة مذاهب مختلفة. وقد احتج أهل كل مذهب بحجج لا تصلح، ولا تنطبق على محل النزاع. وأقربها: ما أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم من حديث أبي هريرة، قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ ، فقال للمدعي: " أقم البينة "، فلم

стр. 1318

يقمها، فقال للآخر: " احلف "، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء، فقال رسول الله ﷺ : " قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاص (لا إله إلا الله) ". وفي رواية الحاكم: " بل هو عندك؛ ادفع إليه حقه " (١) . وأما أقوال الصحابة؛ فلا تقوم بها الحجة؛ إلا إذا أجمعوا على ذلك - عند من يقول بحجية الإجماع -. أقول: حكم القاضي بعلمه؛ هذا هو الحق، ومن منع من ذلك لم يأت بحجة واضحة، وليس في الأدلة المقتضية لوجوب الشاهدين - أو اليمين، أو ما يقوم مقام أحدهما - دليل يدل على انحصار مستند الحكم فيها، ولا ريب أن الحاصل عن مثل الشهادة من عدلين، أو يمين من ثقة، أو نكول، أو إقرار: هو مجرد الظن للحاكم فقط؛ لأن من الجائز أن يكذب الشاهدان، ويفجر الحالف في يمينه، ويكذب المقر في إقراره. وأما العلم؛ فلا يكون إلا عن مشاهدة، أو ما يقوم مقامها، وهو أولى من الظن بلا نزاع. وقد تقرر في الأصول: أن فحوى الخطاب معمول به عند جميع المحققين، وهذا منه؛ فإن العلم أولى من الظن عقلا وشرعا ووجدانا، والأدلة.

стр. 1319

العامة شاملة له - كالآيات التي ذكروها -. وتخصيص الحدود بقول عمر (١) مما لا يرتضيه الإنصاف؛ لأن المقام من مجالات الاجتهاد، واجتهاده ليس بحجة على غيره. ودعوى الإجماع؛ هي من تلك الدعاوى التي قد عرفناك بها غير مرة. وقد حقق الماتن هذا البحث في " شرح المنتقى " (٢) بما لم أجده لغيره. ( [من لا تقبل شهادته] :) (١ - [غير العدل] ) (ولا تقبل شهادة من ليس بعدل) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (٣) ، وقوله - تعالى -: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (٤) ، وقوله - تعالى -:

стр. 1320

﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ الآية. وقد حكى في " البحر " الإجماع على أنها لا تصح شهادة فاسق. قلت: شرط الشاهد كونه مسلما حرا مكلفا؛ أي: عاقلا بالغا ضابطا ناطقا عدلا ذا مروءة؛ ليست به تهمة، وعليه أكثر أهل العلم في الجملة؛ غير أنهم اختلفوا في بعض التفاصيل: فشهادة الذمي لا تقبل عند الشافعي على الإطلاق. وقال أبو حنيفة: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض جائزة، وإن اختلفت مللهم. وشهادة الصبيان لا تقبل عند الأكثرين؛ إلا عند مالك في الجراح فيما بينهم خاصة؛ ما لم يصلوا إلى أهل بيتهم. وأثر عبد الله بن الزبير - أنه كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح؛ معارض بقول ابن عباس: إنها لا تجوز؛ لأن الله - تعالى - يقول: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ . وحد العدالة: أن يكون محترزا عن الكبائر، غير مصر على الصغائر. والمروءة: هي ما تتصل بآداب النفس؛ مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإذا كان الرجل يظهر من نفسه شيا مما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب؛ يعلم به قلة مروءته، وترد شهادته؛ وإن كان ذلك مباحا.

стр. 1321

(٢ و ٣ -[الخائن] و [العدو] :) (ولا) تقبل شهادة (الخائن ولا ذي العداوة) ؛ وإن كان مقبول الشهادة على غيره؛ لأنه متهم في حق عدوه، ولا يؤمن أن تحمله عداوته على إلحاق ضرر به، فإن شهد لعدوه تقبل؛ إذا لم يظهر في عداوته فسق. (٤ و ٥ -[المتهم] و [القانع] :) (والمتهم والقانع لأهل البيت) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - عند أحمد (١) ، وأبي داود، والبيهقي -، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر (٢) على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت "، والقانع: الذي ينفق عليه أهل البيت. ولأبي داود في رواية: " ولا زان ولا زانية ". قال ابن حجر في " التلخيص ": " وسنده قوي ". والغمر - بكسر المعجمة، وسكون الميم، بعدها راء مهملة -: الحقد؛ أي: لا تقبل شهادة العدو على العدو. وأخرج الترمذي، والدارقطني، والبيهقي من حديث عائشة مرفوعا؛ بلفظ: " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر لأخيه، ولا ظنين (٣) ،

стр. 1322

ولا قرابة "، وفي إسناده يزيد بن زياد الشامي، وهو ضعيف. وقد أخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عمر نحوه، وفي إسناده عبد الأعلى، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي، وهما ضعيفان. وأخرج أبو داود في " المراسيل " من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف: أن رسول الله ﷺ بعث مناديا: أنها لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين. ورواه البيهقي من طريق الأعرج مرسلا: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة (١) "، يعني: الذي بينك وبينه عداوة. ورواه الحاكم من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه مثله؛ قال ابن حجر: وفي إسناده نظر (٢) . والمراد بالمتهم: هو من يظن به أنه يشهد زورا لمن يحابيه؛ كالقانع، والعبد لسيده. وقد حكى في " البحر " الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده. قال في " المسوى ": " ولا تجوز شهادة الوالد لولده (٣) ولا الولد لوالده، ويجوز عليهما.

стр. 1323

وكذا لا تقبل شهادة من جر إلى نفسه نفعا؛ كمن شهد لرجل بشراء دار وهو شفيعها، أو شهد للمفلس واحد من غرمائه بدين على رجل، أو شهد على رجل أنه قتل مورثه؛ فهذه كلها مواضع التهمة. واتفقوا على قبول شهادة الأخ للأخ وسائر الأقارب. واختلفوا في شهادة أحد الزوجين لصاحبه؛ فلم يجزها أبو حنيفة، وأجازها الشافعي. أقول: الحق: أن القرابة - بمجردها - ليست بمانعة؛ سواء كانت قريبة أو بعيدة؛ إنما المانع التهمة، فإذا كان القريب ممن تأخذه حمية الجاهلية، ولا يردعه عن العصبية دين ولا حياء؛ فشهادته غير مقبولة. وإن كان على العكس من ذلك؛ فشهادته مقبولة (١) . والأصل في المنع من قبول شهادة المتهم حديث: " لا تقبل شهادة ذي الظنة والحنة "؛ والظنة: هي التهمة، ولم يرد ما يدل على منع شهادة القريب لأجل القرابة. (٦ - [القاذف] :) (والقاذف) : لقوله - تعالى -: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ ، بعد قوله: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ ، وقد وقع الخلاف في كتب التفسير والأصول في

стр. 1324

حكم التوبة المذكورة في آخر الآية: قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن الذي يجلد الجلد ثم تاب وأصلح؛ تجوز شهادته، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك. قلت: وعليه الشافعي. وذهب أبو حنيفة إلى أن شهادة القاذف لا ترد بالقذف، فإذا حد فيه؛ ردت شهادته على التأبيد؛ وإن تاب. وأصل المسألة: أن الاستثناء يعود إلى الفسق فقط في قول أهل العراق، وإلى الفسق وعدم قبول الشهادة جميعا في قول أهل الحجاز. وقال الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات، فكيف تردونها في أحسن حاليه وتقبلونها في شر حاليه؟ ﴿وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدا؛ كيف لا تقبلون توبة القاذف؛ وهو أيسر ذنبا؟﴾ قيل: معنى قول أبي حنيفة؛ أن القاذف ما لم يحد يحتمل أن يكون صادقا وأن يكون معه شهود تشهد بالزنا، فإذا لم يأت بالشهداء وأقيم عليه الحد؛ صار مكذبا بحكم الشرع؛ لقوله - تعالى -: ﴿فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ (١) ، فوجب رد شهادته. ثم رد شهادة المحدود في القذف تأبيدي عنده؛ لقوله - تعالى -: ﴿ولا

стр. 1325

تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ ، والتأبيد ينافي التعليق؛ فلا يجري فيه القياس. وقال الواحدي: أبد كل إنسان؛ مقدار مدته فيما يتصل بقصته، يقال: الكافر لا يقبل منه شيء أبدا؛ معناه: ما دام كافرا. كذلك القاذف لا تقبل شهادته أبدا ما دام قاذفا، فإذا زال عنه الكفر زال عنه أبده، وإذا زال عنه الفسق زال أبده؛ لا فرق بينهما في ذلك (١) . (٧ - [البدوي على صاحب القرية] :) (ولا) تقبل شهادة (بدوي على صاحب قرية) ؛ لحديث أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ". أخرجه أبو داود (٢) ، وابن ماجه، والبيهقي. قال المنذري: رجال إسناده احتج بهم مسلم في " صحيحيه ". قال في " النهاية ":

стр. 1326

" إنما كره شهادة البدوي؛ لما فيه من الخفاء في الدين، والجهالة بأحكام الشرع، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ". وبنحو هذا قال الخطابي. وروي نحوه عن أحمد بن حنبل، وذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب أحمد، وبه قال مالك وأبو عبيد، وذهب الأكثر إلى القبول. قال ابن رسلان: " وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو، والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم ". انتهى. وهذا توجيه قوي، ومحمل سوي. ( [حكم من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة] :) (وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة) ؛ لأنه لم يرد ما يمنع من ذلك حتى يخصصه من عموم الأدلة. وأيضا حديث قبول خبر المرضعة، وقوله ﷺ بعد خبرها: " كيف وقد قيل؟ "، ورتب على خبرها التحريم - وقد تقدم في الرضاع -؛ وهي شهدت على تقرير فعلها كما لا يخفى. ولم يستدل المانع إلا على (١) أن الشاهد إذا شهد على تقرير قوله أو فعله؛ لم يخل من تهمة، وقد قيدنا ذلك بانتفاء التهمة.

стр. 1327

وأما تحليف الشهود عند الريبة؛ فالظاهر أنه من جملة التثبت المأمور به؛ ولا سيما مع فساد الزمان، وتواثب كثير من الناس على شهادة الزور، وكثيرا ما يتحرج بعض المتساهلين في الشهادة عن اليمين الفاجرة، والبعض بالعكس من ذلك. ولم يرد دليل على المنع من تحليف الشهود. وأما الاستدلال بقوله - تعالى -: ﴿فيقسمان بالله﴾ ؛ ففي انطباقه على محل النزاع خلاف. وأما تفريق الشهود؛ فهو من أعظم ما يستعان به على الفرق بين صدق الشهادة وكذبها؛ ولا سيما إذا سألهم الحاكم عن بعض الأحوال التي لا يجوز تواطؤهم عليها. قال الماتن ﵀ في " حاشية الشفاء ": " ولقد انتفعت بتفريق الشهود، وتنويع سؤالهم، وقل ما تصح شهادة بعد ذلك، والحاكم لا يحل له التساهل؛ بل يجب عليه إكمال البحث عن كل ما يتوصل به إلى كشف الحقيقة، وهذا منه ". ( [شهادة الزور من أكبر الكبائر] :) (وشهادة الزور من أكبر الكبائر) ؛ لحديث أنس - في " الصحيحين "، وغيرهما - قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، أو سئل عن الكبائر؟ فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين "، وقال: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ! قول الزور - أو قال: شهادة الزور - ".

стр. 1328

وفي " الصحيحين " أيضا من حديث أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ﴿"، قلنا: بلى يا رسول الله﴾ قال: " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين "، وكان متكئا؛ فجلس وقال: " ألا وقول الزور؛ وشهادة الزور "، فما زال يكررها؛ حتى قلنا: ليته سكت! ثم أقول: المراد بالشهادة: الإخبار بما يعلمه الشاهد عند التحاكم بأي لفظ كان، وعلى أي صفة وقع، ولا يعتبر إلا أن يأتي بكلام مفهوم يفهمه سامعه، فإذا قال مثلا: رأيت كذا وكذا، أو: سمعت كذا وكذا؛ فهذه شهادة شرعية. وقد أحسن المحقق ابن القيم ﵀ حيث قال في " فوائده ": " ليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل؛ لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ". انتهى. وقد تقرر في محله: أن اشتراط الألفاظ إنما هو صنيع من لم يمعن النظر في حقائق الأشياء، ولا وصل إلى أن يعقل أن الألفاظ غير مرادة لذاتها، وإنما هي قوالب للمعاني تؤدى بها، فإذ قد حصلت التأدية للمعنى المراد؛ فاشتراط زيادة على ذلك لم تدل عليه رواية ولا دراية. ( [ما يلزم إذا تعارضت البينتان] :) (وإذا تعارض البينتان، ولم يوجد وجه ترجيح؛ قسم المدعى) ؛ لحديث أبي

стр. 1329

موسى - عند أبي داود (١) ، والحاكم، والبيهقي -: أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث كل واحد منهما بشاهدين، فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين. وقد أخرج نحوه ابن حبان من حديث أبي هريرة (٢) - وصححه -. وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث تميم بن طرفة. ووصله الطبراني عن جابر بن سمرة. وقد ثبت عنه ﷺ قسمة المدعى؛ إذا لم يكن للخصمين بينة: فأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي من حديث أبي موسى: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في دابة ليس لواحد منهما بينة؛ فجعلها بينهما نصفين. وثبتت قسمة المدعى عنه ﷺ في حديث أبي موسى المذكور أولا؛ بزيادة ذكرها النسائي، فقال: ادعيا دابة وجداها عند رجل، فأقام كل منهما شاهدين،

стр. 1330

فلما أقام كل واحد منهما شاهدين؛ نزعت من يد الثالث ودفعت إليهما (١) . ( [حكم يمين المنكر في حال انعدام بينة المدعي] .) (وإذا لم يكن للمدعي بينة؛ فليس له إلا يمين صاحبه ولو كان فاجرا) ؛ لحديث الأشعث بن قيس - في " الصحيحين "، وغيرهما -، قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " شاهداك أو يمينه "، فقلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي ﴿فقال: " من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان ". وأخرج مسلم، وغيره من حديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ قال للكندي: " ألك بينة؟ "، قال: لا، قال: " فلك يمينه "، فقال: يا رسول الله﴾ الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء ﴿فقال: " ليس لك منه إلا ذلك ". ( [حكم بينة المدعي بعد يمين المنكر] :) (ولا تقبل البينة بعد اليمين) ؛ لما يفيده قوله ﷺ : " شاهداك أو يمينه ". فاليمين إذا كانت تطلب من المدعي؛ فهي مستند للحكم صحيح، ولا يقبل المستند المخالف لها بعد فعلها؛ لأنه لا يحصل بكل واحد منهما إلا مجرد ظن، ولا ينتقص الظن بالظن. وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، والخلاف معروف.

стр. 1331

( [ما هي شروط المعترف ؟] :) (ومن أقر بشيء - عاقلا بالغا غير هازل ولا بمحال عقلا أو عادة -؛ لزمه ما أقر به كائنا ما كان) ؛ لما تقدم. وأما تقييده بكون المقر عاقلا بالغا؛ فلأن المجنون والصبي ليسا بمكلفين؛ فلا حكم لإقرارهما. وأما تقييده بكونه غير هازل؛ فلكون إقرار الهازل ليس هو الإقرار الذي يجوز أخذه به. وهكذا إذا أقر بما يحيله العقل أو العادة؛ لأن كذبه معلوم، ولا يجوز الحكم بالكذب. (ويكفي مرة واحدة من غير فرق بين موجبات الحدود وغيرها؛ كما سيأتي) ؛ لكون المقر بالشيء على نفسه قد لزمه إقراره. واعتبار التكرار في الحدود سيأتي أنه لم يثبت عليه دليل يوجب المصير إليه.

стр. 1332

(الكتاب السادس والعشرون: كتاب الحدود)

стр. 1333

(٢٦ - كتاب الحدود) (١ - باب حد الزاني) والزنا من أكبر الكبائر في جميع الأديان؛ قال - تعالى -: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ ، وعلى هذا اتفق المسلمون؛ وإن كان لهم في حد الزنا اختلاف. ( [حد البكر الزاني] :) (إن كان بكرا حرا جلد مئة جلدة) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ . وفي قوله: ﴿لا تأخذكم بهما رأفة﴾ : نهي عن تعطيل الحدود، وقيل: نهي عن تخفيف الضرب؛ بحيث لا يحصل وجع معتد به، وقوله: ﴿ليشهد عذابهما﴾ ؛ قيل: يجب حضور ثلاثة فما فوقهم، وقيل: أربعة بعد شهود الزنا، وقال أبو حنيفة: الإمام والشهود إن ثبت الزنا بالشهود. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. (وبعد الجلد يغرب عاما) ؛ لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد في

стр. 1334

" الصحيحين "، وغيرهما: أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﴿أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم؛ فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : " قل "، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا؛ فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم؟ فأخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده؛ لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس﴾ - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمهما "، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ ؛ فرجمت. قال مالك: العسيف: الأجير. وفي " البخاري "، وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن؛ بنفي عام وإقامة الحد عليه. وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر؛ جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم ". وقد ذهب إلى تغريب الزاني الذي لم يحصن: الجمهور؛ حتى ادعى محمد بن نصر في كتاب " الإجماع " الاتفاق على نفي الزاني البكر؛ إلا عن الكوفيين.

стр. 1335

وقد حكى ابن المنذر أنه عمل بالتغريب: الخلفاء الراشدون، ولم ينكره أحد؛ فكان إجماعا. ولم يأت من لم يقل بالتغريب بحجة نيرة، وغاية ما تمسكوا به؛ عدم ذكره في بعض الأحاديث، وذلك لا يستلزم العدم. واختلف من أثبت التغريب؛ هل تغرب المرأة أم لا؟ فقال مالك والأوزاعي: لا تغريب على المرأة؛ لأنها عورة، وظاهر الأدلة عدم الفرق. قلت: والتغريب من جملة الإيذاء الذي أمر به القرآن، قال: ﴿فآذوهما﴾ ، وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يغرب. ( [حد الثيب الزاني] :) (وإن كان ثيبا جلد كما يجلد البكر) ؛ بما تقدم من الأدلة وبغيرها؛ كرجمه ﷺ لماعز، ورجمه ﷺ لليهودي واليهودية، ورجمه للغامدية (١) ، والكل في " الصحيح ". (ثم يرجم حتى يموت) ؛ والرجم كان متلوا ثم نسخت تلاوته. وأيضا يتناوله الإيذاء، وعلى هذا أكثر أهل العلم. وتكلموا في ترتيب هذه الدلائل مع حديث عبادة: " الثيب بالثيب جلد
следующие страницы →