( [ما هي شروط المعترف ؟] :)
(ومن أقر بشيء - عاقلا بالغا غير هازل ولا بمحال عقلا أو عادة -؛ لزمه ما أقر به كائنا ما كان) ؛ لما تقدم.
وأما تقييده بكون المقر عاقلا بالغا؛ فلأن المجنون والصبي ليسا بمكلفين؛ فلا حكم لإقرارهما.
وأما تقييده بكونه غير هازل؛ فلكون إقرار الهازل ليس هو الإقرار الذي يجوز أخذه به.
وهكذا إذا أقر بما يحيله العقل أو العادة؛ لأن كذبه معلوم، ولا يجوز الحكم بالكذب.
(ويكفي مرة واحدة من غير فرق بين موجبات الحدود وغيرها؛ كما سيأتي) ؛ لكون المقر بالشيء على نفسه قد لزمه إقراره.
واعتبار التكرار في الحدود سيأتي أنه لم يثبت عليه دليل يوجب المصير إليه.
стр. 1332
(الكتاب السادس والعشرون: كتاب الحدود)
стр. 1333
(٢٦ - كتاب الحدود)
(١ - باب حد الزاني)
والزنا من أكبر الكبائر في جميع الأديان؛ قال - تعالى -: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ ، وعلى هذا اتفق المسلمون؛ وإن كان لهم في حد الزنا اختلاف.
( [حد البكر الزاني] :)
(إن كان بكرا حرا جلد مئة جلدة) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ .
وفي قوله: ﴿لا تأخذكم بهما رأفة﴾ : نهي عن تعطيل الحدود، وقيل: نهي عن تخفيف الضرب؛ بحيث لا يحصل وجع معتد به، وقوله: ﴿ليشهد عذابهما﴾ ؛ قيل: يجب حضور ثلاثة فما فوقهم، وقيل: أربعة بعد شهود الزنا، وقال أبو حنيفة: الإمام والشهود إن ثبت الزنا بالشهود.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
(وبعد الجلد يغرب عاما) ؛ لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد في
стр. 1334
" الصحيحين "، وغيرهما: أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﴿أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم؛ فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : " قل "، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا؛ فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم؟ فأخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده؛ لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس﴾ - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمهما "، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ ؛ فرجمت.
قال مالك: العسيف: الأجير.
وفي " البخاري "، وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن؛ بنفي عام وإقامة الحد عليه.
وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر؛ جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم ".
وقد ذهب إلى تغريب الزاني الذي لم يحصن: الجمهور؛ حتى ادعى محمد بن نصر في كتاب " الإجماع " الاتفاق على نفي الزاني البكر؛ إلا عن الكوفيين.
стр. 1335
وقد حكى ابن المنذر أنه عمل بالتغريب: الخلفاء الراشدون، ولم ينكره أحد؛ فكان إجماعا.
ولم يأت من لم يقل بالتغريب بحجة نيرة، وغاية ما تمسكوا به؛ عدم ذكره في بعض الأحاديث، وذلك لا يستلزم العدم.
واختلف من أثبت التغريب؛ هل تغرب المرأة أم لا؟ فقال مالك والأوزاعي: لا تغريب على المرأة؛ لأنها عورة، وظاهر الأدلة عدم الفرق.
قلت: والتغريب من جملة الإيذاء الذي أمر به القرآن، قال: ﴿فآذوهما﴾ ، وعليه الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يغرب.
( [حد الثيب الزاني] :)
(وإن كان ثيبا جلد كما يجلد البكر) ؛ بما تقدم من الأدلة وبغيرها؛ كرجمه ﷺ لماعز، ورجمه ﷺ لليهودي واليهودية، ورجمه للغامدية (١) ، والكل في " الصحيح ".
(ثم يرجم حتى يموت) ؛ والرجم كان متلوا ثم نسخت تلاوته.
وأيضا يتناوله الإيذاء، وعلى هذا أكثر أهل العلم.
وتكلموا في ترتيب هذه الدلائل مع حديث عبادة: " الثيب بالثيب جلد
стр. 1336
مئة والرجم "، وجمع علي - كرم الله وجهه - بين الرجم والجلد:
فقالوا: الجلد منسوخ فيمن وجب عليه الرجم؛ لأن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية واليهوديين، ولم يجلد واحدا منهم، وقال لأنيس الأسلمي: " فإن اعترفت فارجمها "، ولم يأمر بالجلد، وهذا آخر الأمرين؛ لأن أبا هريرة قد رواه، وهو متأخر الإسلام، فيكون ناسخا لما سبق من الحدين: الجلد والرجم، ثم رجم الشيخان أبو بكر، وعمر في خلافتهما، ولم يجمعا بين الرجم والجلد.
قال في " المسوى ":
" في حديث عبادة ما يدل على أنه من آخر أحكام النبي ﷺ ؛ لأن لفظه: " خذوا عني " إلخ؛ فيه إشارة إلى قوله - تعالى -: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ ، فهو متأخر عن هذه الآية، وهذه الآية في سورة النساء، وهي من آخر ما نزل، فلا تدل رواية أبي هريرة إياه على النسخ.
بل الظاهر عندي؛ أنه يجوز للإمام أن يجمع بين الجلد والرجم، ويستحب له أن يقتصر على الرجم؛ لاقتصار النبي ﷺ على الرجم.
والحكمة في ذلك: أن الرجم عقوبة تأتي على النفس، فأصل الرجم المطلوب حاصل به، والجلد زيادة عقوبة رخص في تركها، فهذا هو وجه الاقتصار على الرجم عندي، والعلم عند الله تعالى ".
( [يثبت الزنا بالإقرار مرة والتربيع فيه للتثبت] :)
(ويكفي إقراره مرة، وما ورد من التكرار في وقائع الأعيان فلقصد
стр. 1337
الاستثبات) ؛ لأن أخذ المقر بإقراره هو الثابت في الشريعة.
فمن أوجب تكرار الإقرار في فرد من أفراد الشريعة؛ كان الدليل عليه، ولا دليل ههنا بيد من أوجب تربيع الإقرار؛ إلا مجرد ما وقع من ماعز من تكرار الإقرار، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه أمره أو أمر غيره بأن يكرر الإقرار، ولا ثبت عنه ﷺ أن إقرار الزنا لا يصح إلا إذا كان أربع مرات.
وإنما لم يقم على ماعز الحد بعد الإقرار الأول؛ لقصد التثبت في أمره، ولهذا قال له ﷺ : " أبك جنون؟ "، ووقع منه ﷺ السؤال لقوم ماعز عن عقله؟ وقد اكتفى ﷺ بالإقرار مرة واحدة.
كما ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من قوله ﷺ : " واغد يا أنيس ﴿إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها ".
وثبت عنه ﷺ : أنه رجم الغامدية، ولم تقر إلا مرة واحدة؛ كما في " صحيح مسلم "، وغيره.
وكما أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج، عن أبيه: أن النبي ﷺ رجم رجلا أقر مرة واحدة (١) .
стр. 1338
ومن ذلك: حديث الرجل الذي ادعت المرأة أنه وقع عليها، فأمر برجمه، ثم قام آخر فاعترف أنه الفاعل، فرجمه.
وفي رواية: أنه عفا عنه، والحديث في " سنن النسائي " و " الترمذي " (١) .
ومن ذلك رجم اليهودي واليهودية؛ فإنه لم ينقل أنهما كررا الإقرار، فلو كان الإقرار أربع مرات شرطا في حد الزاني؛ لما وقع منه ﷺ المخالفة له في عدة قضايا.
فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد - بعد صدور الإقرار مرة - على من كان أمره ملتبسا في ثوب العقل وعدمه، والصحو والسكر؛ ونحو ذلك.
وأحاديث إقامة الحد - بعد الإقرار مرة - على من كان معروفا بصحة العقل ونحوه.
وأما اعتبار كون الشهود أربعة؛ فذلك لمزيد الاحتياط في الحدود؛ لكونها تسقط بالشبهة، ولا وجه للاحتياط بعد الإقرار؛ فإن إقرار الرجل على نفسه لا يبقى بعده ريبة؛ بخلاف شهادة الشهود عليه، وهذا أمر واضح.
стр. 1339
وقد ذهب إلى ما ذكرنا جماعة من أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم.
وحكاه صاحب " البحر " عن أبي بكر، وعمر، والحسن البصري، ومالك، وحماد، وأبي ثور، والبتي، والشافعي.
وذهب الجمهور إلى التربيع في الإقرار.
أقول: هذه المسألة من المعارك.
والحق: أن الإقرار الذي يستباح به الجلد والرجم؛ لا يشترط فيه أن يكون زيادة على مرة، وقد ثبت عنه ﷺ أنه رجم وأمر بالرجم، وجلد بمجرد الإقرار مرة واحدة؛ كما ثبت ذلك في عدة أحاديث.
وأما سكوته ﷺ في مثل قضية ماعز حتى أقر أربعا؛ فليس فيها أن ذلك شرط؛ بل غاية ما فيها أن الإمام إذا تثبت في بعض الأحوال حتى يقع الإقرار مرات؛ كان له ذلك.
وقد بسط الماتن المسألة في " شرح المنتقى "، فليرجع إليه، فالمقام حقيق بالتحقيق.
( [أو يثبت الزنا بأربعة شهداء] :)
(وأما الشهادة فلا بد من أربعة) ؛ ولا أعلم في ذلك خلافا، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.
قال في " المسوى ":
стр. 1340
" يثبت الزنا بالإقرار وبأربعة شهداء؛ قال الله - تعالى -: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ ".
قلت: على هذا أهل العلم.
(ولا بد أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج) ؛ لقوله ﷺ لماعز: " لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ ﴿"، فقال: لا؛ يا رسول الله﴾ قال: " أفنكتها؟ " - لا يكني - قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه.
أخرجه البخاري، وغيره من حديث ابن عباس.
وأخرج أبو داود، والنسائي، والدارقطني من حديث أبي هريرة، قال: جاء الأسلمي رسول الله ﷺ يشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما - أربع مرات -؛ كل ذلك يعرض عنه، فأقبل عليه في الخامسة، فقال: " أنكتها؟ "، قال: نعم، قال: " كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ "، قال: نعم ... الحديث، وفي إسناده ابن الهصهاص (١) .
قال البخاري: حديثه في أهل الحجاز؛ ليس يعرف إلا بهذا الواحد (٢) .
وقد وقع من عمر بمحضر من الصحابة في استفصال شهود المغيرة بنحو هذا، والقصة معروفة.
стр. 1341
( [الشبهات مسقطة للحد] :)
(ويسقط) الحد (بالشبهات المحتملة) ؛ لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " ادرأوا الحدود على المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة "، أخرجه الترمذي.
وقد رواه الترمذي أيضا من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وقد أعل الحديث بالوقف (١) .
وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا؛ بلفظ: " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " (٢) .
وقد روي من حديث علي مرفوعا: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (٣) .
وروي نحوه عن عمر، وابن مسعود بإسناد صحيح.
وفي الباب من الروايات ما يعضد بعضه ويقويه.
ومما يؤيد ذلك؛ قوله ﷺ : " لو كنت راجما أحداً بغير بينة لرجمتها "؛ يعني: امرأة العجلاني؛ كما في " الصحيحين " من حديث ابن عباس.
стр. 1342
( [الرجوع عن الإقرار مسقط للحد] :)
(وبالرجوع عن الإقرار) ؛ لحديث أبي هريرة - عند أحمد، والترمذي -: أن ماعزا لما وجد مس الحجارة فر يشتد؛ حتى مر برجل معه لحي (١) جمل؛ فضربه به، وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ؟ فقال: " هلا تركتموه ﴿".
قال الترمذي: " إنه حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ". انتهى.
ورجال إسناده ثقات.
وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث جابر نحوه، وزاد: أنه لما وجد مس الحجارة صرخ: يا قوم﴾ ردوني إلى رسول الله ﷺ ؛ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه؛ قال: " فهلا تركتموه وجئتموني به! ".
وقد أخرج البخاري، ومسلم طرفا من هذا الحديث.
وفي الباب روايات.
وقد ذهب إلى ذلك أحمد، والشافعية، والحنفية، وهو مروي عن مالك في قوله له.
стр. 1343
وقد ذهب ابن أبي ليلى، والبتي، وأبو ثور، ورواية عن مالك، وقول للشافعي أنه لا يقبل منه الرجوع عن الإقرار.
( [تبطل الشهادة ويندفع الإقرار لوجود مانع النكاح في المرأة أو الرجل] :)
(وبكون المرأة عذراء (١) أو رتقاء (٢) ، وبكون الرجل مجبوبا أو عنينا) : لكون المانع موجودا، فتبطل به الشهادة أو الإقرار؛ لأنه قد علم كذب ذلك قطعا، وقد روي أنه ﷺ بعث عليا لقتل رجل كان يدخل على مارية القبطية، فذهب فوجده يغتسل في ماء، فأخذ بيده، فأخرجه من الماء ليقتله، فرآه مجبوبا؛ فتركه، ورجع إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، والقصة مشهورة، وهذا معناه.
قلت: وقد أخرج مسلم وغيره ما حكاه الماتن، وذكره جمع من أهل السير.
( [تحرم الشفاعة في الحدود] :)
(وتحرم الشفاعة في الحدود) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم - وصححه - من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ قال:
" من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فهو مضاد لله في أمره ".
وفي " الصحيحين " من حديث عائشة في قصة المرأة المخزومية التي
стр. 1344
سرقت لما شفع فيها أسامة بن زيد، فقال النبي ﷺ له:
" أتشفع في حد من حدود الله؟ ﴿".
وفي لفظ: " لا أراك تشفع في حد من حدود الله ".
وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، وصححه الحاكم، وابن الجارود (١) : أن النبي ﷺ قال له - لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه -: " هلا كان قبل أن تأتيني به﴾ ".
وفي الباب أحاديث.
( [مشروعية الحفر للمرجوم] :)
(ويحفر للمرجوم إلى الصدر) ؛ لكونه ﷺ أمر بأن يحفر للغامدية إلى صدرها، وهو في " صحيح مسلم "، وغيره: أنه حفر لماعز حفرة، ثم أمر به فرجم؛ كما في حديث عبد الله بن بريدة في قصة ماعز.
وأخرجها أحمد، وزاد: فحفر له حفرة، فجعل فيها إلى صدره.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج، عن أبيه: أنه اعترف رجل بالزنا، فقال له رسول الله ﷺ : " أحصنت؟ "، قال: نعم، فأمر برجمه، فذهبنا فحفرنا له؛ حتى أمكننا، ورميناه بالحجارة حتى هدأ.
وقد ثبت في " مسلم "، وغيره من حديث أبي سعيد، قال: لما أمرنا
стр. 1345
رسول الله ﷺ أن نرجم ماعز بن مالك؛ خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه.
ويؤيد هذا؛ ما وقع في حديث غيره أنه هرب؛ كما تقدم، ولكن ترك الحفر له لا ينافي ثبوت مشروعية الحفر.
قال ابن القيم - بعد تخريج حديث ماعز المتقدم بألفاظ -:
" وكل هذه الألفاظ صحيحة، وفي بعضها أنه أمر فحفرت له حفيرة؛ ذكرها مسلم، وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر (١) ؛ وإن كان مسلم روى له في " الصحيح "؛ فالثقة قد يغلط، على أن أحمد وأبا حاتم قد تكلما فيه.
وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية، فسرى إلى ماعز، والله تعالى أعلم ". انتهى.
أقول: وجمع بين الحديثين؛ بأنه قد كان حفر له حفرة صغيرة، ثم خرج منها، ورجموه وهو قائم؛ كما تدل عليه رواية أبي سعيد.
وأما الحفر للمرأة فثابت.
وقد اختلف في مشروعيته، والحق أنه مشروع.
стр. 1346
( [متى يقام الحد على الحبلى من الزنا ؟] :)
(ولا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها؛ إن لم يوجد من يرضعه) ؛ لحديث سليمان بن بريدة، عن أبيه - عند مسلم، وغيره -: أن النبي ﷺ جاءته امرأة - من غامد من الأزد -، فقالت: طهرني يا رسول الله ﴿فقال: " ويحك﴾ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه "، فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ ﴿قال: " وما ذاك؟ "، قالت: إني حبلى من الزنا، قال: " أنت؟ "، قالت: نعم، فقال لها: " حتى تضعي ما في بطنك "، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ ، فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: " إذن؛ لا نرجمها وندع ولدها صغير السن، ليس له من يرضعه "، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله﴾ قال: " فارجمها ".
وأخرج مسلم، وغيره من حديث عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: " أحسن إليها؛ فإذا وضعت فأتني "، ففعل، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ... الحديث.
وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وابن عباس.
وأحاديثهم عند مسلم.
стр. 1347
وقد اختلفت الروايات؛ ففي بعضها ما تقدم في حديث بريدة، وفي بعضها: أن النبي ﷺ أخر رجمها إلى الفطام، فجاءت بعد ذلك فرجمت، وقد جمع بينهما بجموعات.
( [جواز الجلد بعثكال للزاني الضعيف] :)
(ويجوز الجلد حال المرض بعثكال (١) ونحوه) ؛ لحديث أبي أمامة بن سهل، عن سعيد بن سعد بن عبادة، قال: كان بين أبياتنا رجل ضعيف مخدج، فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ ؛ وكان ذلك الرجل مسلما، فقال: " اضربوه حده "، قالوا: يا رسول الله! إنه أضعف مما تحسب؛ لو ضربناه مئة قتلناه، فقال: " خذوا له عثكالا فيه مئة شمراخ (٢) ، ثم اضربوه به ضربة واحدة "، قال: ففعلوا.
رواه أحمد (٣) ، وابن ماجه، والشافعي، والبيهقي.
ورواه الدارقطني، عن فليح، عن أبي سالم، عن سهل بن سعد.
ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري.
стр. 1348
ورواه أبو داود من حديث رجل من الأنصار.
وأخرجه النسائي من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه.
وإسناد الحديث حسن.
وقد أخرج مسلم (١) ، وغيره من حديث علي، قال: إن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فأتيتها؛ فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن [أنا جلدتها] (٢) أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: " أحسنت؛ اتركها حتى تماثل ".
وقد جمع بين هذا الحديث والحديث الأول؛ بأن المريض إذا كان مرضه مرجوا أمهل، كما في الحديث الآخر، وإن كان مأيوسا جلد؛ كما في الحديث الأول.
وقد حكى في " البحر " الإجماع على أنه تمهل البكر: حتى تزول شدة الحر والبرد والمرض المرجو.
فإن كان مأيوسا؛ فقال أصحاب الشافعي: إنه يضرب بعثكول؛ إن احتمله.
( [حد اللواط: القتل للفاعل والمفعول به بكرا أم محصنا] :)
(ومن لاط بذكر قتل ولو كان بكرا؛ وكذلك المفعول به إذا كان مختارا) ؛ لحديث ابن عباس - عند أحمد (٣) ، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي،
стр. 1349
والحاكم، والبيهقي -، قال: قال رسول الله ﷺ : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به ".
قال ابن حجر: رجاله موثقون؛ إلا أن فيه اختلافا.
وأخرج ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به؛ أحصنا أو لم يحصنا "، وإسناده ضعيف.
قال ابن الطلاع في " أحكامه ":
" لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به "، رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة (١) ". انتهى.
وأخرج البيهقي (٢) ، عن علي: أنه رجم لوطيا.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ؛ نرجم اللوطي؛ محصنا كان أو غير محصن.
وأخرج البيهقي أيضا عن أبي بكر (٣) : أنه جمع الناس في حق رجل
стр. 1350
ينكح كما تنكح النساء، فسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب، قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة؛ صنع الله بها ما قد علمتم؛ نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار.
وأخرج أبو داود (١) ، عن سعيد بن جبير ومجاهد، عن ابن عباس: في البكر يوجد على اللوطية؛ يرجم.
وأخرج البيهقي (٢) ، عن ابن عباس أيضا: أنه سئل عن حد اللوطي؟ فقال: ينظر أعلى بناء في القرية؛ فيرمى به منكسا، ثم يتبع الحجارة.
وقد اختلف أهل العلم في عقوبة اللواط - بعد اتفاقهم على تحريمه، وأنه من الكبائر -:
فذهب من تقدم من الصحابة إلى أن حده القتل ولو كان بكرا؛ سواء كان فاعلا أو مفعولا به، وإليه ذهب الشافعي.
стр. 1351
وحكى صاحب " شفاء الأوام " إجماع الصحابة على القتل.
وحكى البغوي عن الشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق: أنه يرجم محصنا كان أو غير محصن.
وروي عن النخعي أنه قال: لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين؛ لرجم اللوطي.
وقال المنذري: حرق اللوطية بالنار أبو بكر وعلي وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك (١) .
وذهب من عدا من تقدم إلى أن حد اللوطي حد الزاني.
وقال الشافعي: في الأظهر أن حد الفاعل حد الزنا؛ إن كان محصنا رجم؛ وإلا جلد وغرب، وحد المفعول به الجلد والتغريب، وفي قول: كالفاعل، وفي قول: يقتل الفاعل والمفعول به.
وقال أبو حنيفة: يعزز باللواط، ولا يجلد ولا يرجم (٢) .
أقول: قد صح عن النبي ﷺ الأمر بقتل الفاعل والمفعول به، وصح عن الصحابة امتثال هذا الأمر، وقتلهم لمن ارتكب هذه الفاحشة العظيمة من غير
стр. 1352
فرق بين بكر وثيب، ووقع ذلك في عصرهم مرات، ولم يظهر في ذلك خلاف من أحد منهم؛ مع أن السكوت في مثل إراقة دم امرئ مسلم لا يسوغ لأحد من المسلمين، وكان في ذلك الزمن: الحق مقبول من كل من جاء به؛ كائنا من كان.
فإن كان اللواط مما يصح اندراجه تحت عموم أدلة الزاني؛ فهو مخصص بما ورد فيه من القتل لكل فاعل؛ سواء كان محصنا أو غير محصن.
وإن كان غير داخل تحت أدلة الزنا؛ ففي أدلته الخاصة له ما يشفي ويكفي.
( [حد ناكح البهيمة: التعزير] :)
(ويعزز من نكح بهيمة) ؛ لكون (١) الحديث المروي عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " من وقع على بهيمة؛ فاقتلوه واقتلوا البهيمة ".
أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
فقد روى الترمذي، وأبو داود من حديث أبي رزين، عن ابن عباس، أنه قال: من أتى بهيمة فلا حد عليه.
وقال: إنه أصح من الحديث الأول (٢) .
стр. 1353
قال: والعمل على هذا عند أهل العلم.
وقد روى أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة نحو حديث ابن عباس في القتل؛ ولكن في إسناده عبد الغفار (١) ؛ قال ابن عدي؛ إنه رجع عنه، وذكر أنهم كانوا لقنوه.
وقد وقع الإجماع على تحريم إتيان البهيمة؛ كما حى ذلك صاحب " البحر ".
ووقع الخلاف بين أهل العلم.
فقيل: يحد كحد الزاني.
وقيل: يعزر فقط؛ إذ ليس بزنا.
وقيل: يقتل.
ووجه ما ذكرنا من التعزير: أنه فعل محرما مجمعا عليه، فاستحق العقوبة بالتعزير، وهذا أقل ما يفعل به.
والحاصل: أن من وقع على بهيمة؛ فقد ورد ما يدل على أنه يقتل، ولكن لم يثبت ثبوتا تقوم به الحجة، ولا وقع من الصحابة مثل ما وقع في اللواط، وفي النفس شيء من دخوله تحت أدلة الزنا العامة.
فالظاهر التعزير فقط؛ من غير فرق بين بكر وثيب.
стр. 1354
( [حد المملوك نصف حد الحر] :)
(ويجلد المملوك نصف جلد الحر) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ ، ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد؛ كما حكى ذلك صاحب " البحر ".
وقد أخرج عبد الله بن أحمد في " المسند " (١) من حديث علي، قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة سوداء زنت؛ لأجلدها الحد، فوجدتها في دمها، فأخبرت بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " إذا تعالت من نفاسها؛ فاجلدها خمسين "، وهو في " صحيح مسلم "؛ كما تقدم بدون ذكر الخمسين.
وأخرج مالك في " الموطإ " عن عبد الله بن عياش المخزومي (٢) ، قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا.
وذهب ابن عباس إلى أنه لا حد على مملوك حتى يتزوج؛ تمسكا بقوله - تعالى -: ﴿فإذا أحصن﴾ الآية.
وأجيب بأن المراد بالإحصان هنا: الإسلام.
стр. 1355
قلت: الإحصان في كلام العرب: المنع، ويقع في القرآن والسنة على الإسلام والحرية والعفاف والتزوج؛ لأن الإسلام يمنعه عما لا يباح له، وكذلك الحرية والعفاف والتزوج.
وقوله - تعالى -: ﴿والمحصنات من النساء﴾ ؛ أراد: المزوجات.
وقوله - تعالى -: ﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم﴾ ؛ أراد به: الحرائر.
وقوله - تعالى -: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ ؛ أراد: العفاف.
وقوله - تعالى -: ﴿محصنين غير مسافحين﴾ ؛ أراد: المتزوجين.
وقوله - تعالى -: ﴿فإذا أحصن﴾ ؛ أي: تزوجن.
وعلى هذا أهل العلم (١) .
стр. 1356
( [من يحد المملوك ؟] :)
(ويحده سيده أو الإمام) ؛ لعموم الأدلة الواردة في مطلق الحد.
ولحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: " إذا زنت أمة أحدكم؛ فتبين زناها؛ فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت؛ فليجلدها الحد ولا يثرب (١) عليها، ثم إن زنت الثالثة؛ فليبعها ولو بحبل من شعر ".
وقد ذهب إلى أن السيد يجلد مملوكه: جماعة من السلف.
قال الشافعي: للسيد إقامة الحد على مملوكه دون السلطان.
وقال أبو حنيفة: يرفعه المولى إلى السلطان، ولا يقيمه بنفسه.
стр. 1357
(٢ - باب السرقة)
(١ - [من شروط القطع أن يكون السارق مكلفا] :)
(من سرق مكلفا مختارا) ، وقد تقدم وجه اشتراط التكليف والاختيار.
(٢ - [أن يكون المسروق من حرز] :)
(من حرز) ؛ أي: مال محرز، واستدل على ذلك بما أخرجه أبو داود (١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ وقد سأله رجل عن الحريسة التي تؤخذ من مراتعها؟ قال: " فيها ثمنها مرتين وضرب نكال، وما أخذ من عطنه ففيه القطع؛ إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن " قال: يا رسول الله! فالثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: " من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة؛ فليس عليه شيء (٢) ، ومن احتمل؛ فعليه ثمنه
стр. 1358
مرتين وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه؛ ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن ".
وقد أخرجه - أيضا - أحمد، والنسائي، والحاكم - وصححه -، وحسنه الترمذي.
والحريسة (١) : التي ترعى وعليها حرس.
وكذا حديث: " لا قطع في ثمر ولا كثر (٢) " - عند أحمد (٣) ، وأهل " السنن "، والحاكم، وصححه ابن حبان، والبيهقي من حديث رافع بن خديج.
وقد ذهب إلى اعتبار الحرز: الأكثر.
وذهب أحمد وإسحاق والظاهرية وطائفة من أهل الحديث إلى عدم اعتباره، واستدلوا على عدم الاعتبار -؛ وإن كان قيامهم مقام المنع يكفيهم -؛
стр. 1359
بما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، ومالك في " الموطإ " (١) ، والشافعي، والحاكم - وصححه - (٢) من حديث صفوان بن أمية، قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي؛ فسرقت، فأخذنا السارق، فرفعناه إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله! أفي خميصتي ثمن ثلاثين درهما؟ أنا أهبها له، قال: " فهلا كان قبل أن تأتيني به؟ ".
وأخرج أحمد (٣) ، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قطع يد سارق سرق برنسا من صفة النساء؛ ثمنه ثلاثة (٤) دراهم.
وقد أخرج مسلم معناه.
وقد روي نحو حديث صفوان؛ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وضعف إسناده ابن حجر.
ويجاب عن الاستدلال بهذه الأحاديث على عدم اعتبار الحرز؛ بأن المساجد حرز لما دخل إليها، ولو كان على صاحبه، فيكون الحرز أعم مما وقع تبيينه في كتب الفقه، ولكنه يشكل على من اعتبر الحرز حديث قطع جاحد الوديعة، وسيأتي.
стр. 1360
ويمكن أن يكون ذلك خاصا بما ورد فيه، فلا يعارض ما ورد في اعتبار الحرز في غيره.
قال في " المسوى ":
" ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا قطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة، ولا الخشب، ولا الحشيش؛ عملا بعموم حديث رافع.
وتأوله الشافعي على معنى اشتراط الحرز، وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها؛ فلا تكون محرزة، وإنما خرج الحديث مخرج العادة، يوضح ذلك حديث الجرين، وقطع عثمان في أترجة (١) ".
قال في " الحجة البالغة ":
" قال رسول الله ﷺ : " لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين (٢) ؛ فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ".
أقول: أفهم النبي ﷺ أن الحرز شرط القطع، وسبب ذلك: أن غير المحرز يقال فيه: الالتقاط، فيجب الاحتراز عنه ".
قلت: والحرز ما يعده الناس حرزا لمثل ذلك المال، فالمتبن حرز للتبن، والإصطبل للدواب، والمراح للغنم، والجرين للثمار.
стр. 1361
وأما إذا كان المال في صحراء أو في مسجد؛ فإنما حرزه أن يكون له ناظر؛ بحسب ما جرت العادة من النظر، وعليه أهل العلم في الجملة.
(٣ - [أن يبلغ المسروق ربع دينار] :)
(ربع دينار فصاعدا) ؛ لحديث عائشة - في " الصحيحين " وغيرهما -، قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا.
وفي رواية لمسلم، وغيره: أن النبي ﷺ قال: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ".
وفي لفظ لأحمد (١) : " اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا في ما هو أدنى من ذلك "، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما.
وفي رواية للنسائي؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن "، قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار.
وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عمر، قال: " قطع رسول الله ﷺ في مجن؛ ثمنه ثلاثة دراهم.
وقد عرفت أن الثلاث الدراهم هي صرف ربع دينار؛ كما تقدم في رواية أحمد.
قال الشافعي: وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله ﷺ اثني عشر درهما بدينار، وهو موافق لما في تقدير
стр. 1362
الديات من الذهب بألف دينار، ومن الفضة باثني عشر ألف درهم.
وقد ذهب - إلى كون نصاب القطع ربع دينار أو ثلاثة دراهم -: الجمهور من السلف والخلف، ومنهم الخلفاء الأربعة.
وفي المسألة اثنا عشر مذهبا؛ قد أوضحها الماتن في " شرح المنتقى ".
وأما ما روي من حديث أبي هريرة - في " الصحيحين " وغيرهما -، قال: قال رسول الله ﷺ : " لعن الله السارق يسرق البيضة؛ فتقطع يده، ويسرق الحبل؛ فتقطع يده ":
فقد قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي ثلاثة دراهم؛ كذا في " البخاري "، وغيره.
قال في " الحجة البالغة ":
" الحاصل: أن هذه التقديرات الثلاث كانت منطبقة على شيء واحد في زمانه ﷺ ثم اختلف بعده، ولم يصلح المجن للاعتبار لعدم انضباطه، فاختلف المسلمون في الحديثين الأخيرين:
فقيل: ربع دينار.
وقيل: ثلاثة دراهم.
وقيل: بلوغ المال إلى أحد القدرين، وهو الأظهر عندي.
وهذا شرعه النبي ﷺ ؛ فرقا بين التافه وغيره؛ لأنه لا يصلح للتقدير
стр. 1363
جنس دون جنس؛ لاختلاف الأسعار في البلدان، واختلاف الأجناس - نفاسة وخساسة - بحسب اختلاف البلاد.
فمباح قوم وتافههم؛ مال عزيز عند آخرين، فوجب أن يعتبر التقدير في الثمن.
وقيل: لا يعتبر فيها، وأن الحطب - وإن كان قيمته عشرة دراهم - لا يقطع فيه ".
قال في " المسوى ":
" ذهب الشافعي إلى حديث عائشة؛ أن نصاب السرقة ربع دينار.
وذهب مالك إلى حديث ابن عمر.
والجواب من قبل الشافعي عن حديث ابن عمر: أن الشيء التافه قد جرت العادة بتقويمه بالدراهم، وكانت الثلاثة دراهم تبلغ قيمتها ربع دينار.
يوضح ذلك حديث عثمان (١) ؛ فإنه يدل على أن العبرة بالذهب، ومن أجل ذلك ردت قيمة الدراهم إليه بعد ما قومت الأترجة بالدراهم.
ويوضح ذلك أيضا: وقوع اثني عشر ألف درهم موضع ألف دينار في الدية.
وقال أبو حنيفة: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم ".
стр. 1364
أقول: أصح ما روي: أن ثمن المجن ثلاثة دراهم، وهي ربع دينار، وقد ورد التقدير بربع دينار في الروايات الصحيحة، والنهي عن القطع فيما دونه، فنصاب السرقة: إما ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ هذا هو الحق.
وما روي من زيادة ثمن المجن؛ فقد بين سقوط الاستدلال به في " شرح المنتقى ".
( [يقطع الكف الأيمن للسارق] :)
(قطعت كفه اليمنى) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ .
قلت: اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة؛ تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا بعد قطع يده ورجله؛ فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى (١) ، ثم إذا سرق أيضا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق أيضا يعزر ويحبس.
وعليه الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ ولكن يعزر ويحبس.
( [تثبت السرقة بأحد أمرين] :)
(١ - [إقرار السارق مرة واحدة] :)
(ويكفي الإقرار مرة واحدة) ؛ لما قدمنا في الباب الأول.
стр. 1365
وقد قطع النبي ﷺ يد سارق المجن، وسارق رداء صفوان، ولم ينقل أنه أمره بتكرار الإقرار.
وأما ما وقع منه ﷺ من قوله للسارق الذي اعترف بالسرق: " ما إخالك سرقت! "، قال: بلى - مرتين أو ثلاثا -؛ فهذا هو من باب الاستثبات؛ كما تقدم.
وقد ذهب إلى أنه يكفي الإقرار مرة واحدة: مالك والشافعية والحنفية.
وذهب ابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى اعتبار المرتين.
والحق: هو الأول.
(٢ - [شهادة عدلين] :)
(أو شهادة عدلين) ؛ لكون السرقة مندرجة تحت ما ورد من أدلة الكتاب والسنة في اعتبار الشاهدين.
( [لا بأس بتلقين السارق ما يسقط عنه الحد] :)
(ويندب تلقين المسقط (١)) ؛ لحديث أبي أمية المخزومي - عند أحمد، وأبي داود، والنسائي بإسناد رجاله ثقات (٢) -: أن النبي ﷺ أتي بلص اعترف
стр. 1366
اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله ﷺ : " ما إخالك سرقت ﴿"، قال: بلى - مرتين أو ثلاثا -.
وقد روي عن عطاء أنه قال: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قال: لا، وسمى أبا بكر وعمر.
أخرجه عبد الرزاق.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة.
( [يحسم موضع القطع في زيت مغلي] :)
(ويحسم موضع القطع) ؛ لئلا يسري فيهلك؛ فإن الحسم سبب عدم السراية؛ لما أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي - وصححه ابن القطان - (١) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله﴾ إن هذا قد سرق، فقال رسول الله ﷺ : " ما إخاله سرق ﴿"، فقال السارق: بلى يا رسول الله﴾ فقال: " اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به "، فقطع؛ فأتي به، فقال: تب إلى الله "، فقال: قد تبت إلى الله، قال: " تاب الله عليك ".
( [يستحب أن تعلق يد السارق في عنقه للعبرة] :)
(وتعلق اليد في عنق السارق) ؛ لما أخرجه أهل " السنن " - وحسنه
стр. 1367
الترمذي - من حديث فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق؛ فقطعت يده، ثم أمر بها، فعلقت في عنقه.
وفي إسناده الحجاج بن أرطاة؛ قال النسائي: هو ضعيف لا يحتج بحديثه (١) .
قال في " الحجة البالغة ":
" إنما فعل هذا للتشهير، وليعلم الناس أنه سارق، وفرقا بين ما يقطع اليد ظلما؛ وبين ما يقطع حدا ".
( [يسقط الحد إذا عفا صاحب المال قبل رفعه إلى السلطان] :)
(ويسقط بعفو المسروق عليه (٢) قبل البلوغ إلى السلطان لا بعده؛ فقد وجب) ؛ لحديث صفوان المتقدم.
وأخرج النسائي (٣) ، وأبو داود، والحاكم - وصححه - من حديث عبد الله ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من
стр. 1368
حد فقد وجب ".
قلت: وعليه أهل العلم.
ويحرم الشفاعة للسارق - إذا بلغ أمره السلطان - أن لا يقطع يده.
( [لا قطع في أربعة] :)
(١ - [الأكل من الثمر ولم يحمل إلى بيته] :)
(ولا قطع في ثمر ولا كثر؛ ما لم يؤوه الجرين إذا أكل ولم يتخذ خبنة (١) ؛ وإلا كان عليه ثمن ما حمله مرتين وضرب نكال) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، ورافع بن خديج المتقدمين في أول الباب.
والكثر: جمار النخل أو طلعها.
وإلزامه بالثمن مرتين تأديب له بالمال، ولم يكتف ﷺ بذلك؛ بل قال: " وضرب نكال "؛ ليجمع له بين عقوبة المال والبدن.
والخبنة: ما يحمله الإنسان في حضنه، وقد تقدم ضبطها وتفسيرها.
(٢ و ٣ و ٤ -[الخائن] و [المنتهب] و [المختلس] :)
(وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع) ؛ لحديث جابر - عند أحمد،
стр. 1369
وأهل " السنن "، والحاكم، والبيهقي، وصححه الترمذي (١) ، وابن حبان -، عن النبي ﷺ ، قال: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ".
وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو حديث جابر.
وأخرج ابن ماجه أيضا والطبراني من حديث أنس نحوه.
قلت: وعلى هذا أهل العلم.
( [جاحد العارية سارق يقام عليه الحد] :)
(وقد ثبت القطع في جحد العارية) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث عائشة، قالت: كانت امرأة مخزومية (٢) تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.
стр. 1370
وأخرج أحمد، والنسائي، وأبو داود، وأبو عوانة في " صحيحه " من حديث ابن عمر مثل حديث عائشة.
وقد ذهب إلى قطع جاحد العارية؛ من لم يشترط الحرز، وهم من تقدم.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع يد جاحد العارية؛ قالوا: لأن الجاحد للعارية ليس بسارق لغة، وإنما ورد الكتاب والسنة بقطع السارق.
ويرد بأن الجاحد إذا لم يكن سارقا لغة؛ فهو سارق شرعا، والشرع مقدم على اللغة.
وقد ثبت الحديث من طريق عائشة، وابن عمر كما تقدم، وكذا من حديث جابر، وابن مسعود (١) ، وغير هؤلاء.
وقد وقع في رواية من حديث ابن مسعود (١) عند ابن ماجه، والحاكم - وصححه -: أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ .
ووقع في مراسيل حبيب بن أبي ثابت: أنها سرقت حليا.