← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله ﷺ : " ما إخالك سرقت ﴿"، قال: بلى - مرتين أو ثلاثا -. وقد روي عن عطاء أنه قال: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قال: لا، وسمى أبا بكر وعمر. أخرجه عبد الرزاق. وفي الباب عن جماعة من الصحابة. ( [يحسم موضع القطع في زيت مغلي] :) (ويحسم موضع القطع) ؛ لئلا يسري فيهلك؛ فإن الحسم سبب عدم السراية؛ لما أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي - وصححه ابن القطان - (١) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله﴾ إن هذا قد سرق، فقال رسول الله ﷺ : " ما إخاله سرق ﴿"، فقال السارق: بلى يا رسول الله﴾ فقال: " اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به "، فقطع؛ فأتي به، فقال: تب إلى الله "، فقال: قد تبت إلى الله، قال: " تاب الله عليك ". ( [يستحب أن تعلق يد السارق في عنقه للعبرة] :) (وتعلق اليد في عنق السارق) ؛ لما أخرجه أهل " السنن " - وحسنه

стр. 1367

الترمذي - من حديث فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق؛ فقطعت يده، ثم أمر بها، فعلقت في عنقه. وفي إسناده الحجاج بن أرطاة؛ قال النسائي: هو ضعيف لا يحتج بحديثه (١) . قال في " الحجة البالغة ": " إنما فعل هذا للتشهير، وليعلم الناس أنه سارق، وفرقا بين ما يقطع اليد ظلما؛ وبين ما يقطع حدا ". ( [يسقط الحد إذا عفا صاحب المال قبل رفعه إلى السلطان] :) (ويسقط بعفو المسروق عليه (٢) قبل البلوغ إلى السلطان لا بعده؛ فقد وجب) ؛ لحديث صفوان المتقدم. وأخرج النسائي (٣) ، وأبو داود، والحاكم - وصححه - من حديث عبد الله ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من

стр. 1368

حد فقد وجب ". قلت: وعليه أهل العلم. ويحرم الشفاعة للسارق - إذا بلغ أمره السلطان - أن لا يقطع يده. ( [لا قطع في أربعة] :) (١ - [الأكل من الثمر ولم يحمل إلى بيته] :) (ولا قطع في ثمر ولا كثر؛ ما لم يؤوه الجرين إذا أكل ولم يتخذ خبنة (١) ؛ وإلا كان عليه ثمن ما حمله مرتين وضرب نكال) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، ورافع بن خديج المتقدمين في أول الباب. والكثر: جمار النخل أو طلعها. وإلزامه بالثمن مرتين تأديب له بالمال، ولم يكتف ﷺ بذلك؛ بل قال: " وضرب نكال "؛ ليجمع له بين عقوبة المال والبدن. والخبنة: ما يحمله الإنسان في حضنه، وقد تقدم ضبطها وتفسيرها. (٢ و ٣ و ٤ -[الخائن] و [المنتهب] و [المختلس] :) (وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع) ؛ لحديث جابر - عند أحمد،

стр. 1369

وأهل " السنن "، والحاكم، والبيهقي، وصححه الترمذي (١) ، وابن حبان -، عن النبي ﷺ ، قال: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ". وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو حديث جابر. وأخرج ابن ماجه أيضا والطبراني من حديث أنس نحوه. قلت: وعلى هذا أهل العلم. ( [جاحد العارية سارق يقام عليه الحد] :) (وقد ثبت القطع في جحد العارية) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث عائشة، قالت: كانت امرأة مخزومية (٢) تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.

стр. 1370

وأخرج أحمد، والنسائي، وأبو داود، وأبو عوانة في " صحيحه " من حديث ابن عمر مثل حديث عائشة. وقد ذهب إلى قطع جاحد العارية؛ من لم يشترط الحرز، وهم من تقدم. وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع يد جاحد العارية؛ قالوا: لأن الجاحد للعارية ليس بسارق لغة، وإنما ورد الكتاب والسنة بقطع السارق. ويرد بأن الجاحد إذا لم يكن سارقا لغة؛ فهو سارق شرعا، والشرع مقدم على اللغة. وقد ثبت الحديث من طريق عائشة، وابن عمر كما تقدم، وكذا من حديث جابر، وابن مسعود (١) ، وغير هؤلاء. وقد وقع في رواية من حديث ابن مسعود (١) عند ابن ماجه، والحاكم - وصححه -: أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ . ووقع في مراسيل حبيب بن أبي ثابت: أنها سرقت حليا.

стр. 1371

فيمكن أن تكون هذه المخزومية قد جمعت بين السرقة وجحد العارية (١) .

стр. 1372

(٣ - باب حد القذف) رمي المحصنات بالزنا كبيرة؛ قال الله - تعالى -: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ ، واتفق على ذلك المسلمون. ( [حد القاذف ثمانون جلدة] :) (من رمى غيره بالزنا؛ وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة) ؛ لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ . وقد أجمع أهل العلم على ذلك، واختلفوا هل ينصف للعبد أم لا؟ فذهب الأكثر إلى الأول، وروى مالك (١) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء - هلم جرا -؛ فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين. وذهب ابن مسعود والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وابن حزم إلى أنه لا ينصف؛ لعموم الآية. أقول: الآية الكريمة عامة يدخل تحتها الحر والعبد، والغضاضة بقذف

стр. 1373

العبد للحر أشد منها بقذف الحر للحر، وليس في حد القذف ما يدل على تنصيفه للعبد؛ لا من الكتاب ولا من السنة. ومعظم ما وقع التعويل عليه هو قوله - تعالى - في حد الزنا: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ ، ولا يخفى أن ذلك في حد آخر غير حد القذف، فإلحاق أحد الحدين بالآخر فيه إشكال؛ لا سيما مع اختلاف العلة، وبكون أحدهما حقا لله محضا، والآخر مشوبا بحق آدمي. قال في " المسوى ": " من رمى إنسانا بالزنا؛ فإن كان المقذوف محصنا؛ يجب على القاذف جلد ثمانين إن كان حرا، فإن كان عبدا فجلد أربعين، فإن كان المقذوف غير محصن؛ فعلى قاذفه التعزير. وكذا لا حد في النسبة إلى غير الزنا؛ إنما فيه التعزير ". ( [شرائط الإحصان] :) وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة من الزنا. حتى إن من زنى في أول بلوغه، ثم تاب وحسنت حالته، وامتد عمره، فقذفه قاذف؛ لا حد عليه. وعلى هذا أهل العلم. وإذا عفا المقذوف؛ لم يجلد قاذفه، وإذا قذف أبوا رجل وقد هلكا؛

стр. 1374

فله المطالبة بالحد. وفي " الأنوار ": " حد القاذف وتعزيره حق الآدمي، يورث عنه، ويسقط بعفوه وعفو وارثه؛ إن مات أو قذفه ميتا، وهو حق جميع الورثة ". وفي " الهداية ": " لا يصح عفو المقذوف عندنا، وفيها لو قال: يا ابن الزانية! وأمه ميتة محصنة، فطالب الابن بحد القذف؛ حد القاذف؛ لأنه قذف محصنة، ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه، وهو الوالد والولد. ومذهب الشافعية والحنفية: أن الوالد لا يجلد بقذف ولده. وإذا قذف جماعة؛ جلد حدا واحدا، وعليه أبو حنيفة. وقال الشافعي: إذا اختلف المقذوف فلا تداخل، والتعريض الظاهر ملحق بالصريح، وعليه مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلحق به ولا يحد إلا بالصريح ". أقول: التحقيق: أن المراد من رمي المحصنات المذكور في كتاب الله : هو أن يأتي القاذف بلفظ يدل - لغة، أو شرعا، أو عرفا - على الرمي بالزنا، ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يرد إلا ذلك، ولم يأت بتأويل

стр. 1375

مقبول يصح حمل الكلام عليه، فهذا يوجب حد القذف بلا شك ولا شبهة. وكذلك لو جاء بلفظ لا يحتمل الزنا، أو يحتمله احتمالا مرجوحا، وأقر أنه أراد الرمي بالزنا؛ فإنه يجب عليه الحد. وأما إذا عرض بلفظ محتمل، ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لا يسوغ إيلامه بمجرد الاحتمال. ( [يثبت حد القذف بأمرين] :) (١ - [إقرار القاذف] :) (ويثبت ذلك بإقراره مرة) ؛ لكون إقرار المرء لازما له. ومن ادعى أنه يشترط التكرار مرتين؛ فعليه الدليل، ولم يأت في ذلك دليل من كتاب ولا سنة. (٢ - [شهادة عدلين] :) (أو بشهادة عدلين) ؛ كسائر ما تعتبر فيه الشهادة؛ كما أطلقه الكتاب العزيز. ( [القاذف ساقط العدالة حتى يتوب] :) (وإذا لم يتب لم تقبل شهادته) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ ، ثم ذكر بعد ذلك التوبة.

стр. 1376

( [يسقط الحد عن القاذف بأمرين] :) (١ - [إذا جاء القاذف بأربعة شهود] ) (فإن جاء بعد القذف بأربعة شهود) ؛ يشهدون على المقذوف بأنه زنى (سقط عنه الحد) ؛ لأن القاذف لم يكن حينئذ قاذفا؛ بل قد تقرر صدور الزنا بشهادة الأربعة، فيقام الحد على الزاني. (٢ - [إذا أقر المقذوف بالزنا] :) (وهكذا إذا أقر المقذوف بالزنا) ؛ فلا حد على من رماه به؛ بل يحد المقر بالزنا. وقد ثبت عنه ﷺ أنه جلد أهل الإفك؛ كما في " مسند أحمد "، و " أبي داود "، و " ابن ماجه "، و " الترمذي " - وحسنه -، وأشار إلى ذلك البخاري في " صحيحه ". فثبت حد القذف بالسنة كما ثبت بالقرآن. ووقع في أيام الصحابة جلد من شهد على المغيرة بالزنا؛ حيث لم تكمل الشهادة، وذلك معروف ثابت.

стр. 1377

(٤ - باب حد الشرب) شرب الخمر كبيرة، وعليه أهل العلم. ( [شروط وجوب الحد] :) (من شرب مسكرا مكلفا مختارا) ؛ وقد تقدم دليله. ( [كم حد شارب الخمر، وبم يضرب ؟] :) (جلد على ما يراه الإمام؛ إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر؛ ولو بالنعال) ؛ لما ثبت في " الصحيحين " من حديث أنس: أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين. وفي " مسلم " من حديثه: أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر؛ استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. وفي " البخاري " وغيره من حديث عقبة بن الحارث، قال: جيء بالنعيمان - أو ابن النعيمان (١) - شاربا، فأمر رسول الله ﷺ من كان في البيت أن يضربوه، فكنت فيمن ضربه بالنعال والجريد.

стр. 1378

وفيه أيضا من حديث السائب بن يزيد، قال: كنا نؤتى بالشارب - في عهد رسول الله ﷺ ، وفي إمرة أبي بكر، وصدرا من إمرة عمر -؛ فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا؛ حتى كان صدرا من إمرة عمر؛ فجلد فيها أربعين؛ حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين (١) . وفيه أيضا من حديث أبي هريرة نحوه. وفي الباب أحاديث يستفاد من مجموعها: أن حد السكر لم يثبت تقديره عن الشارع، وأنه كان يقام بين يديه على صور مختلفة؛ بحس ما يقتضيه الحال. فالحق: أن جلد الشرب غير مقدر؛ بل الذي يجب فعله؛ هو إما الضرب باليد، أو بالعصا، أو النعل، أو الثوب على مقدار يراه الإمام؛ من قليل أو كثير، فيكون على هذا من جملة أنواع التعزير. وفي " الصحيحين "؛ عن علي أنه قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت، وأجد في نفسي شيئا؛ إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه. قلت: وعليه أهل العلم؛ إلا أن الشافعي يقول: أصل حد الخمر أربعون، وما زاده عمر على الأربعين كان تعزيرا (٢) ؛ لما روي: أن النبي ﷺ

стр. 1379

أتي بشارب، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، فلما كان أبو بكر سأل من حضر ذلك المضروب؛ فقومه أربعين، فضرب أربعين حياته، ثم عمر، حتى تتايع الناس، فاستشار عمر؛ فضرب ثمانين، ثم قال علي - حين أقام الحد على وليد بن عقبة لما بلغ أربعين -: حسبك؛ جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. قال في " الحجة البالغة ": " ثم قال: - أي النبي ﷺ : " بكتوه "، فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله؟ ﴿ما خشيت الله؟﴾ ما استحييت من رسول الله (١) ؟ ! وروي أنه ﷺ أخذ ترابا من الأرض، فرمى به وجهه ". انتهى. وروى مالك، عن ابن شهاب: أنه سئل عن حد العبد في الخمر؟ فقال: بلغني أن عليه نصف الحد في الحر، وأن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر قد جلدوا عبيدهم نصف حد الحر في الخمر. ولا يجوز للإمام أن يعفو عن حد. قال سعيد بن المسيب: ما من شيء؛ إلا يحب الله أن يعفو عنه؛ ما لم يكن حدا. قلت: وعليه أهل العلم.

стр. 1380

( [يثبت الحد على شارب الخمر بالإقرار أو بشهادة عدلين] :) (ويكفي إقراره مرة أو شهادة عدلين) ؛ لمثل ما تقدم، ولعدم وجود دليل يدل على اعتبار التكرار. (ولو على القيء) ؛ لكون خروجها من جوفه يفيد القطع بأنه شربها، والأصل عدم المسقط، ولهذا حد الصحابة الوليد بن عقبة لما شهد عليه رجلان؛ أحدهما أنه شربها؛ والآخر أنه تقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها؛ كما في " مسلم "، وغيره. ( [قتل شارب الخمر في الرابعة: منسوخ] :) (وقتله في الرابعة منسوخ) ؛ لما رواه الترمذي (١) ، والنسائي، عن جابر، عن النبي ﷺ : " إن شرب الخمر فاجلدوه؛ فإن عاد في الرابعة فاقتلوه "، ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة؛ فضربه ولم يقتله. ومثله ما أخرج أبو داود، والترمذي من حديث قبيصة (٢) بن ذؤيب، وفيه: ثم أتي به - يعني: في الرابعة -؛ فجلده ورفع القتل.

стр. 1381

وفي رواية لأحمد (١) من حديث أبي هريرة: فأتي رسول الله ﷺ بسكران في الرابعة؛ فخلى سبيله. أقول: قد وردت الأحاديث بالقتل في الثالثة في بعض الروايات، وفي الرابعة في بعض، وفي الخامسة في بعض (٢) ، وورد ما يدل على النسخ من فعله ﷺ ، وأنه رفع القتل عن الشارب، وأجمع على ذلك جميع أهل العلم، وخالفه فيه بعض أهل الظاهر (٣) . ( [جواز التعزير في المعاصي التي لا توجب حدا] :) (والتعزير في المعاصي التي لا توجب حدا ثابت؛ بحبس أو ضرب أو نحوهما، ولا يجاوز عشرة أسواط) ؛ لحديث أبي بردة بن نيار في " الصحيحين "، وغيرهما -، أنه سمع النبي ﷺ يقول: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله ".

стр. 1382

وأخرج أحمد (١) ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وحسنه -، وقال الحاكم: " صحيح الإسناد " -؛ من حديث بهز بن حكيم [، عن أبيه، عن جده] (٢) : أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة يوما وليلة. وقد ثبت أن عمر أمر أبا عبيدة بن الجراح أن يربط خالد بن الوليد بعمامته (٣) ، لما عزله عن إمارة الجيش - كما في كتب السير -؛ وسبب ذلك أنه استنكر منه إعطاء شيء من أموال الله. وتقدم في باب السرقة: أن النبي ﷺ قال: " وضرب نكال ". أقول: هذا الفصل يراد به كل عقوبة ليست بحد من الحدود المتقدمة والآتية؛ فمنها الضرب، ولكن يكون عشرة أسواط فما دون؛ لحديث أبي بردة المتقدم، ولا تجوز الزيادة على ذلك. ولكن ليس في هذا الحديث ما يدل على وجوب التعزير؛ بل غاية ما فيه الجواز فقط، وقد اطلع رسول الله ﷺ على جماعة ارتكبوا ذنوبا لا توجب حدا؛ فلم يضربهم، ولا حبسهم، ولا نعى ذلك عليهم؛ كالمجامع في نهار رمضان، والذي لقي امرأة فأصاب منها ما

стр. 1383

يصيب الرجل من زوجته؛ غير أنه لم يجامعها، وغير ذلك كثير. ومن أنواع التعزير: الحبس، ويجوز الحبس مع التهمة، وهكذا يجوز حبس من كان يخشى على المسلمين من معرته وإضراره بهم لو كان مطلقا؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بقدر الإمكان، ولا يمكن القيام بهما في حق من عرف بذلك؛ إلا بالحيلولة بينه وبين الناس بالحبس. ومنها: النفي؛ كما فعله ﷺ بجماعة من المخنثين. ومنها ترك المكالمة، كما فعله ﷺ بالثلاثة الذين تخلفوا عنه؛ حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. ومنها: الشتم الذي لا فحش فيه؛ كقول الله - تعالى - حاكيا عن موسى ﵇: ﴿فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين﴾ ، ومن ذلك: قول يوسف ﵇ لإخوته: ﴿أنتم شر مكانا﴾ ؛ لما نسبوه إلى السرقة. وقال ﷺ لأبي ذر: " إنك امرؤ فيك جاهلية " - كما في " البخاري " (١) - لما سمعه ﷺ يسب امرأة. وفي " مسلم: أن رجلا أكل بشماله عند رسول الله ﷺ ، فقال: " كل بيمينك "، فقال: لا أستطيع، فقال: " لا استطعت! ما منعه إلا الكبر "، قال: فما رفعها إلى فيه.

стр. 1384

وفي " مسلم ": " من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد؛ فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا ". وفي " مسلم " أيضا: أن النبي ﷺ قال له: " لا وجدت ". وفي " الترمذي ": " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد؛ فقولوا: لا أربح الله تجارتك ". وقال ﷺ للخطيب: " بئس خطيب القوم أنت "؛ أخرجه مسلم، وغيره. ووقع منه ﷺ من هذا الجنس شيء كثير. وكذلك وقع من الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح - من ذلك - ما يرشد إلى جوازه؛ إذا ظن فاعله تأثيره في المرتكب للذنب.

стр. 1385

(٥ - باب حد المحارب) ( [عقوبة الحرابة] :) (هو أحد الأنواع المذكورة في القرآن: القتل، أو الصلب، أو قطع اليد والرجل من خلاف، أو نفي من الأرض) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ . قلت: أكثر أهل العلم على أن هذه الآية نزلت في أهل الإسلام لا الكفار؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ ، والإسلام يحقن الدم؛ سواء أسلم قبل القدرة عليه أو بعدها. وإنما أضاف الحرب إلى الله ورسوله؛ إيذانا بأن حرب المسلمين كأنه حرب الله - تعالى - ورسوله. أقول: ظاهر القرآن الكريم: أن من صدق عليه أنه محارب لله ورسوله، ساع في الأرض فسادا؛ فإن عقوبته: إما القتل، أو الصلب، أو القطع من خلاف، أو النفي من الأرض؛ من غير فرق بين كونه قتل أو لم يقتل. والظاهر: أنه لا يجمع له بين هذه الأنواع، ولا بين اثنين منها، ولا

стр. 1386

يجوز تركه عن أحدها؛ هذا معنى النظم القرآني. فإن قلت: كيف عقوبة الصلب؟ هل يفعل به ما يصدق عليه مسمى الصلب ولو كان قليلا؟ قلت: يفعل به ما يصدق عليه أنه صلب عند أهل اللغة؛ فإن كان الصلب عندهم هو الذي يفضي إلى الموت فذاك، وإن كان أعم منه؛ فالامتثال يحصل بفرد من أفراده (١) . وقال الشافعي: المكابرون في الأمصار قطاع. وقال أبو حنيفة: لا. وظاهر مذهب الشافعي في صفة الصلب: أنه يقتل ويغسل ويصلى عليه، ثم يصلب ثلاثا، ثم ينزل ويدفن. وقيل: يصلب حيا، ثم يطعن حتى يموت مصلوبا. وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى على قاطع الطريق. ومعنى النفي عند الحنفية: الحبس حتى يرى عليه أثر الصلاح. وعند الشافعي: للإمام أن يحبس أو يغرب أو يطلبه للتعزير، والطلب نفي أيضا؛ لأنه حامل على هربه.

стр. 1387

( [الإمام مخير في الحكم على المحاربين بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي] :) (يفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحا لكل من قطع طريقا - ولو في المصر - إذا كان قد سعى في الأرض فسادا (١)) ؛ هذا ظاهر ما دل عليه الكتاب العزيز؛ من غير نظر إلى ما حدث من المذاهب (٢) ؛ فإن الله - سبحانه - قال: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾ ، فضم إلى محاربة الله ورسوله - أي: معصيتهما - السعي في الأرض فسادا، فكان ذلك دليلا على أن من عصى الله ورسوله بالسعي في الأرض فسادا؛ كان حده ما ذكره الله في الآية. ولما كانت الآية الكريمة نازلة في قطاع الطريق - وهم العرنيون -؛ كان دخول من قطع طريقا تحت عموم الآية دخولا أوليا. ثم حصر الجزاء في قوله: ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ ، فخير بين هذه الأنواع؛ فكان للإمام أن يختار ما رأى فيه صلاحا منها. فإن لم يكن إمام؛ فمن يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات. فهذا ما يقتضيه نظم القرآن الكريم، ولم يأت من الأدلة النبوية ما

стр. 1388

يصرف ما يدل عليه القرآن الكريم عن معناه الذي تقتضيه لغة العرب. وأما ما روي عن ابن عباس؛ كما أخرجه الشافعي في " مسنده ": أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا الأموال؛ صلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال؛ قتلوا ولم يصلبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا؛ نفوا من الأرض: فليس هذا الاجتهاد مما تقوم به الحجة على أحد. ولو فرضنا أنه في حكم التفسير للآية - وإن كان مخالفا لها غاية المخالفة -: ففي إسناده ابن أبي يحيى؛ وهو ضعيف جدا (١) ، لا تقوم بمثله الحجة. وأما ما روي عن ابن عباس أيضا: أن الآية نزلت في المشركين - كما أخرجه أبو داود، والنسائي عنه (٢) -: فذلك مدفوع بأنها نزلت في العرنيين، وقد كانوا أسلموا؛ كما في الأمهات.

стр. 1389

ولو سلمنا ما روي عن ابن عباس؛ لم تقم به حجة من قال باختصاص ما في الآية بالمشركين؛ لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ؛ لا بخصوص السبب. على أن في إسناد ذلك: علي بن الحسين بن واقد، وهو ضعيف. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبنا إليه جماعة من السلف؛ كالحسن البصري، وابن المسيب، ومجاهد. وأسعد الناس بالحق: من كان معه كتاب الله. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في العرنيين: أنه فعل بهم أحد الأنواع المذكورة في الآية، وهو القطع؛ كما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أنس. والمراد بالصلب المذكور في الآية: هو الصلب على الجذوع أو نحوها حتى يموت؛ إذا رأى الإمام ذلك، أو يصلبه صلبا لا يموت فيه؛ فإن اسم الصلب يصدق على الصلب المفضي إلى الموت، والصلب الذي لا يفضي إلى الموت. ولو فرضنا أنه يختص بالصلب المفضي إلى الموت؛ لم يكن في ذلك تكرار بعد ذكر القتل؛ لأن الصلب هو قتل خاص. وأما النفي من الأرض؛ فهو طرده من الأرض التي أفسد فيها. وقد قيل: إنه الحبس؛ وهو خلاف المعنى العربي.

стр. 1390

( [توبة المحارب قبل القدرة عليه] :) (فإن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ذلك) ؛ لنص القرآن بذلك، وهو قوله - تعالى -: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ . قلت: معناه عند الشافعي: إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه؛ يسقط عنه من العقوبة ما يختص بقطع الطريق. فإن كان قتل يسقط تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص، فالولي فيه بالخيار؛ إن شاء استوفاه، وإن شاء عفا عنه. وإن كان قد أخذ المال؛ سقط عند قطع اليد والرجل، وقيل في سقوط قطع اليد: حكمه حكم السارق في البلد إذا تاب. وإن كان قد قتل وأخذ المال؛ سقط عنه تحتم القتل والصلب. وإذا تاب بعد القدرة؛ لا يسقط عنه شيء من العقوبات. ولا يسقط سائر الحدود بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أظهر قولي الشافعي. والقول الثاني: أن كل عقوبة تجب حقا لله تعالى - مثل عقوبات قاطع الطريق، وقطع السرقة، وحد الزنا، والشرب -؛ تسقط بالتوبة؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (١) .

стр. 1391

وأقول: الآية ليس فيها إلا الإشارة إلى عفو الله ورحمته لمن تاب قبل القدرة، وليس فيها القطع بحصول المغفرة والرحمة لمن تاب. ولو سلم القطع؛ فذلك في الذنوب التي أمرها إلى الله، فيسقط بالتوبة الخطاب الأخروي والحد الذي شرعه الله. وأما الحقوق التي للآدميين - من دم، أو مال، أو عرض -: فليس في الآية ما يدل على سقوطها. ومن زعم أن ثم دليلا يدل على السقوط؛ فما الدليل على هذا الزعم؟ !

стр. 1392

(٦ - باب من يستحق القتل حدا) (١ - [الحربي] :) (هو الحربي) ، ولا خلاف في ذلك؛ لأوامر الله بقتل المشركين في مواضع من كتابه العزيز، ولما ثبت عنه ﷺ ثبوتا متواترا من قتالهم، وأنه كان يدعوهم إلى ثلاث، ويأمر بذلك من يبعثه للقتال. ((٢) [المرتد] ) (والمرتد) ؛ لقوله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه "؛ وهو للبخاري وغيره من حديث ابن عباس. وحديث: " لا يحل دم امرئ مسلم؛ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان ... " الحديث؛ وهو في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن مسعود. ولحديث أبي موسى في " الصحيحين " أيضا: أن النبي ﷺ قال له: " اذهب إلى اليمن "، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه؛ ألقى له وسادة، وقال: انزل؛ وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء الله ورسوله!

стр. 1393

قال في " المسوى ": " من ارتد عن الإسلام؛ إن كان في منعة من قومه؛ جمع الإمام - المسلمين - وقاتلهم؛ قال - تعالى -: ﴿من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ ؛ وفي هذه الآية إخبار عما علم الله - تعالى - وقوعه. وقد ارتد أكثر العرب في زمن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه -؛ فبعث إليهم المسلمين؛ وقاتلهم حتى رجعوا. وعلى هذا أهل العلم. ومن ارتد عن الإسلام وليس له منعة؛ قتل. وعليه أهل العلم؛ إذا كان المرتد رجلا ". ( [أقوال العلماء في المرتدة] :) واختلفوا في المرتدة؛ قال الشافعي: تقتل، وقال أبو حنيفة: لا تقتل؛ ولكن تحبس حتى تسلم. أقول: الأدلة الدالة على قتل المرتد عامة، ولم يرد ما يقتضي تخصيصها. وأما حديث النهي عن قتل النساء؛ فذلك إنما هو في حال الحرب؛ فإن

стр. 1394

النساء المشركات لا يقتلن، وليس ذلك محل النزاع. ثم قد ثبت عنه ﷺ : أنه قتل عدة نساء؛ كاللاتي أمر بقتلهن يوم الفتح؛ لما كان يقع منهن السب له، وكذلك قتل امرأتين من بني قريظة، وغير ذلك. ثم ليس النهي عن قتل النساء مستلزما لتركهن على الكفر؛ إذا امتنعن من الإسلام والجزية؛ فإنه لا يجوز التقرير على الكفر. فإذا قالت امرأة: لا أسلم أبدا، ولا أعطي الجزية، وصممت على ذلك؛ كان تركها حينئذ كافرة غير جائز لأحد من المسلمين. ومن ههنا؛ يلوح لك أن النهي عن قتل النساء؛ إنما هو لأجل كونهن مستضعفات، يحصل منهن الانقياد للإسلام بدون ذلك، وليس عندهن غناء في القتال. ولهذا كان سبب النهي عن قتلهن: أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة؛ فقال: " ما كانت هذه لتقاتل ﴿"، ثم نهى عن قتلهن. فانظر كيف جعل النهي عن قتلهن معللا بعدم المقاتلة؟﴾ ( [بيان خطإ من قال: إن المتأول كالمرتد] :) وأما قول بعض أهل العلم: إن المتأول كالمرتد؛ فههنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله، بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين؛ من الترامي بالكفر لا بسنة ولا قرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان.

стр. 1395

بل لما غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين؛ لقنهم الزمان بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء، والسراب في البقيعة (١) . في الله وللمسلمين من هذه الفاقرة (٢) التي هي أعظم فواقر الدين، والرزية التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين! وأنت - إن بقي فيك نصيب من عقل، وبقية من مراقبة الله ، وحصة من الغيرة الإسلامية -: علمت - وعلم كل من له علم بهذا الدين - أن النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام؟ قال - في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه -: إنه إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والأحاديث بهذا المعنى متواترة. فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام؛ فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك؛ كائنا من كان، فمن جاءك بما يخالف هذا - من ساقط القول، وزائف العلم بالجهل -؛ فاضرب به في وجهه، وقل له: قد تقدم هذيانك هذا: برهان محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه -: (دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر)

стр. 1396

وكما أنه تقدم الحكم من رسول الله ﷺ لمن قام بهذه الأركان الخمسة بالإسلام؛ فقد حكم لمن آمن - بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره - بالإيمان، وهذا منقول عنه نقلا متواترا. فمن كان هكذا؛ فهو المؤمن حقا، وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين، والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه: ما يدل - بفحوى الخطاب - على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية؟ ﴿فإن هذه جناية لا تعدلها جناية، وجرأة لا تماثلها جرأة﴾ وأين هذا المجترئ على تكفير أخيه من قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في " الصحيح " أيضا -: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه "؟ ﴿ ومن قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في " الصحيح " أيضا -: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "؟﴾ ومن قول رسول الله ﷺ : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم؛ عليكم حرام "؟ ﴿وهو أيضا في " الصحيح ". وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية؟﴾ والهداية بيد الله : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ ": هذا ما أفاده الماتن العلامة في " السيل ". وقال أيضا: " اعلم أن الحكم على الرجل المسلم - بخروجه من دين

стр. 1397

الإسلام ودخوله في الكفر -؛ لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه؛ إلا ببرهان أوضح من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة - المروية من طريق جماعة من الصحابة - أن: " من قال لأخيه: يا كافر ﴿فقد باء بها أحدهما "؛ هكذا في " الصحيح ". وفي لفظ آخر في " الصحيحين "، وغيرهما: " من دعا رجلا بالكفر؛ أو قال: عدو الله﴾ وليس كذلك؛ إلا حار عليه "؛ أي: رجع. وفي لفظ في " الصحيح ": " فقد كفر أحدهما ". ففي هذه الأحاديث - وما ورد موردها - أعظم زاجر، وأكبر واعظ عن السراع في التكفير. وقد قال : ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا﴾ ؛ فلا بد من شرح الصدر بالكفر، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه. فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك؛ لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام. ولا اعتبار بصدور فعل كفري؛ لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر. ولا اعتبار بلفظ يلفظ به المسلم يدل على الكفر؛ وهو لا يعتقد معناه. فإن قلت: قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام، وورد في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلما؛ كما تقدم،

стр. 1398

وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلا يخالف الشرع؛ كما في حديث: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض "، ونحوه مما ورد مورده، وكل ذلك يفيد أن صدور شيء من هذه الأمور يوجب الكفر؛ وإن لم يرد قائله أو فاعله به الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر ﴿ قلت: إذا ضاقت عليك سبل التأويل، ولم تجد طريقا تسلكها في مثل هذه الأحاديث؛ فعليك أن تقرها كما وردت، وتقول: من أطلق عليه رسول الله ﷺ اسم الكفر؛ فهو كما قال. ولا يجوز إطلاقه على غير من سماه رسول الله ﷺ من المسلمين كافرا؛ إلا من شرح بالكفر صدرا، فحينئذ تنجو من معرة الخطر، وتسلم من الوقوع في المحنة؛ فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه، ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة. فكيف إذا كان على نفسه - إذا أخطأ - أن يكون في عداد من سماه رسول الله ﷺ كافرا؟﴾ أفهذا يقود إليه العقل؛ فضلا عن الشرع؟ ! ومع هذا؛ فالجمع بين أدلة الكتاب والسنة واجب، وقد أمكن هنا بما ذكرناه، فتعين المصير إليه. فحتم على كل مسلم؛ أن لا يطلق كلمة الكفر؛ إلا على من شرح به صدرا، ويقصر ما ورد مما تقدم على مورده:

стр. 1399

(وهذا الحق لي به خفاء ... فدعني عن بنيات (١) الطريق) و (يأبى (٢) الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح) وكيف يحكم بالكفر على من حكى قولا كفريا صدر من كافر؟ ! فإن القرآن الكريم قد اشتمل على ما يأبى عنه الحصر؛ من حكاية ما هو كفر بواح من أقوال الكفار. وهكذا؛ لا يحكم بكفر من كفر مكرها؛ فقد استثناه القرآن الكريم بقوله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ ؛ وكفى به ". اه. (٣ - [الساحر] :) (والساحر) ؛ لكون عمل السحر نوعا من الكفر؛ ففاعله مرتد يستحق ما يستحقه المرتد. وقد روى الترمذي، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم من حديث جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : " حد الساحر ضربة بالسيف ". قال الترمذي: " والصحيح عن جندب موقوفا ".

стр. 1400

قال: " والعمل على هذا عند بعض أهل العلم؛ من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس. وقال الشافعي: " إنما يقتل الساحر؛ إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملا دون الكفر؛ لم نر عليه قتلا ". اه. وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. وأخرج أحمد، وعبد الرزاق، والبيهقي: أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. والأرجح ما قاله الشافعي؛ لأن الساحر إنما يقتل لكفره، فلا بد أن يكون ما عمله من السحر موجبا للكفر. قال في " المسوى ": " السحر كبيرة "؛ قال - تعالى -: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ ، واختلف في ذلك أهل العلم. فقال مالك وأحمد: يقتل الساحر. وقال الشافعي ما تقدم. ولو قتل الساحر رجلا بسحره، وأقر: إني سحرته، وسحر يقتل غالبا؛ يجب عليه القود عند الشافعي، ولا يجب عند أبي حنيفة. ولو قال: سحري قد يقتل وقد لا يقتل؛ فهو شبع عمد.

стр. 1401

ولو قال: أخطأت إليه من غيره؛ فهو خطأ تجب فيه الدية المخففة، وتكون في ماله؛ لأنه ثبت باعترافه؛ إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم ". أقول: لا شك أن من تعلم السحر بعد إسلامه؛ كان بفعل السحر كافرا مرتدا، وحدّه حد المرتد، وقد تقدم. وقد ورد في الساحر بخصوصه أن حده القتل، ولا يعارض ذلك ترك النبي ﷺ لقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره (١) ؛ فقد يكون ذلك قبل أن يثبت أن حد الساحر القتل، وقد يكون ذلك لأجل خشية معرة اليهود - وقد كانوا أهل شوكة - حتى أبادهم الله، وفل شوكتهم، وأقلهم وأذلهم. وقد عمل الخلفاء الراشدون على قتل السحرة، وشاع ذلك وذاع، ولم ينكره أحد. (٤ - [الكاهن] :) (والكاهن؛ لكون الكهانة نوعا من الكفر؛ فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب الكفر.

стр. 1402

وقد ورد أن تصديق الكاهن كفر؛ فبالأولى الكاهن إذا كان معتقدا بصحة الكهانة. ومن ذلك حديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ قال: " من أتى كاهنا أو عرافا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". وفي الباب أحاديث. (٥ - [الساب لله أو لرسوله أو للكتاب أو للسنة أو للإسلام] :) (والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين) ، وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح، ففاعلها مرتد؛ حده حده. وقد أخرج أبو داود من حديث علي: أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها. ولكنه من رواية الشعبي، عن علي، وقد قيل: إنه ما سمع منه. وأخرج أبو داود (١) ، والنسائي من حديث ابن عباس: أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ ، فقتلها، فأهدر النبي ﷺ دمها؛ ورجال إسناده ثقات. وأخرج أبو داود (٢) ، والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر،

стр. 1403

فتغيظ علي رجل، فاشتد غضبه، فقلت: أتأذن لي يا خليفة رسول الله! أن أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلي، فقال ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله؛ ما كان لبشر بعد محمد ﷺ . وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن من سب النبي ﷺ وجب قتله. ونقل أبو بكر الفارسي - أحد أئمة الشافعية - في كتاب " الإجماع " أن من سب النبي ﷺ بما هو قذف صريح؛ كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل؛ لأن حد قذفه القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة. وخالفه القفال؛ فقال: كفر بالسب، فيسقط القتل بالإسلام. قال الخطابي: لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما. اه. وإذا ثبت ما ذكرنا في سب النبي ﷺ ؛ فبالأولى من سب الله ﵎؛ أو سب كتابه أو الإسلام، أو طعن في دينه وكفر؛ من فعل هذا لا يحتاج إلى برهان. أقول: وقريب من هذا: من جعل سب الصحابة شعاره ودثاره؛ فإنه لا مقتضى لسبهم قط، ولا حامل عليه أصلا؛ إلا غش الدين في قلب فاعله، وكراهة الإسلام وأهله، فإن هؤلاء هم أهله على الحقيقة؛ أقاموه بسيوفهم، وحفظوا هذه الشريعة المطهرة، ونقلوها إلينا كما هي.

стр. 1404

فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأقمأ (١) المشتغلين بثلبهم وتمزيق أعراضهم المصونة. وقد رأينا في التواريخ ما صار يفعله أهل مصر والشام والمغرب؛ من قتل من كان كذلك؛ بعد مرافعته إلى حكام الشريعة، وحكمهم بسفك دمائهم. وهذا؛ وإن كان عندنا غير جائز - لما عرفناك من عصمة دم المسلم، حتى يقوم الدليل الدال على جواز سفكه -؛ ولكن فيه القيام التام بحقوق أساطين الإسلام. (٦ - [الزنديق] :) (والزنديق) ؛ وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويعتقد بطلان الشرائع؛ فهذا كافر بالله وبدينه، مرتد عن الإسلام أقبح ردة؛ إذا ظهر منه ذلك بقول أو فعل. وقد اختلف أهل العلم؛ هل تقبل توبته أم لا؟ والحق: قبول التوبة. قال في " المسوى " - " في باب حكم الخوارج والقدرية وأشباههم -: " قال الشافعي: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج، وتجنبوا الجماعات وأكفروهم؛ لم يحل بذلك قتالهم.

стр. 1405

بلغنا أن عليا - رضي الله تعالى عنه - سمع رجلا يقول: (لا حكم إلا لله) في ناحية المسجد، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل! لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. وقال أهل الحديث من الحنابلة: يجوز قتلهم. أقول: الظاهر عندي - دراية ورواية - قول أهل الحديث: أما رواية؛ فلقوله ﷺ : " فأين (١) لقيتموهم فاقتلوهم ". وأما قول علي؛ فمعناه: أن الإنكار على الإمام والطعن فيه لا يوجب قتلا؛ حتى ينزع يده من الطاعة، فيكون باغيا أو قاطع طريق، وإذا أنكر ضروريا من ضروريات الدين؛ يقتل لذلك لا للإنكار على الإمام. بيان ذلك: أن المفتي إذا سئل عن بعض أفعال زيد؟ حكم بالجواز، وإذا سئل عن بعضها الآخر؟ حكم بالفسق، ثم إذا سئل عن بعضها الآخر؟ حكم بالكفر؛ فههنا لم يظهر هذا الرجل عنده إلا الإنكار في مسألة التحكيم، فحكم حسبما أظهر، ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة، أو إنكار الحوض [أو] الكوثر، وما يجري مجرى ذلك من الثابت في الدين بالضرورة؛ لحكم بالكفر.
следующие страницы →