ولو قال: أخطأت إليه من غيره؛ فهو خطأ تجب فيه الدية المخففة، وتكون في ماله؛ لأنه ثبت باعترافه؛ إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم ".
أقول: لا شك أن من تعلم السحر بعد إسلامه؛ كان بفعل السحر كافرا مرتدا، وحدّه حد المرتد، وقد تقدم.
وقد ورد في الساحر بخصوصه أن حده القتل، ولا يعارض ذلك ترك النبي ﷺ لقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره (١) ؛ فقد يكون ذلك قبل أن يثبت أن حد الساحر القتل، وقد يكون ذلك لأجل خشية معرة اليهود - وقد كانوا أهل شوكة - حتى أبادهم الله، وفل شوكتهم، وأقلهم وأذلهم.
وقد عمل الخلفاء الراشدون على قتل السحرة، وشاع ذلك وذاع، ولم ينكره أحد.
(٤ - [الكاهن] :)
(والكاهن؛ لكون الكهانة نوعا من الكفر؛ فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب الكفر.
стр. 1402
وقد ورد أن تصديق الكاهن كفر؛ فبالأولى الكاهن إذا كان معتقدا بصحة الكهانة.
ومن ذلك حديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ قال:
" من أتى كاهنا أو عرافا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ".
وفي الباب أحاديث.
(٥ - [الساب لله أو لرسوله أو للكتاب أو للسنة أو للإسلام] :)
(والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين) ، وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح، ففاعلها مرتد؛ حده حده.
وقد أخرج أبو داود من حديث علي: أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها.
ولكنه من رواية الشعبي، عن علي، وقد قيل: إنه ما سمع منه.
وأخرج أبو داود (١) ، والنسائي من حديث ابن عباس: أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ ، فقتلها، فأهدر النبي ﷺ دمها؛ ورجال إسناده ثقات.
وأخرج أبو داود (٢) ، والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر،
стр. 1403
فتغيظ علي رجل، فاشتد غضبه، فقلت: أتأذن لي يا خليفة رسول الله! أن أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلي، فقال ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله؛ ما كان لبشر بعد محمد ﷺ .
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن من سب النبي ﷺ وجب قتله.
ونقل أبو بكر الفارسي - أحد أئمة الشافعية - في كتاب " الإجماع " أن من سب النبي ﷺ بما هو قذف صريح؛ كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل؛ لأن حد قذفه القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة.
وخالفه القفال؛ فقال: كفر بالسب، فيسقط القتل بالإسلام.
قال الخطابي: لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما. اه.
وإذا ثبت ما ذكرنا في سب النبي ﷺ ؛ فبالأولى من سب الله ﵎؛ أو سب كتابه أو الإسلام، أو طعن في دينه وكفر؛ من فعل هذا لا يحتاج إلى برهان.
أقول: وقريب من هذا: من جعل سب الصحابة شعاره ودثاره؛ فإنه لا مقتضى لسبهم قط، ولا حامل عليه أصلا؛ إلا غش الدين في قلب فاعله، وكراهة الإسلام وأهله، فإن هؤلاء هم أهله على الحقيقة؛ أقاموه بسيوفهم، وحفظوا هذه الشريعة المطهرة، ونقلوها إلينا كما هي.
стр. 1404
فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأقمأ (١) المشتغلين بثلبهم وتمزيق أعراضهم المصونة.
وقد رأينا في التواريخ ما صار يفعله أهل مصر والشام والمغرب؛ من قتل من كان كذلك؛ بعد مرافعته إلى حكام الشريعة، وحكمهم بسفك دمائهم.
وهذا؛ وإن كان عندنا غير جائز - لما عرفناك من عصمة دم المسلم، حتى يقوم الدليل الدال على جواز سفكه -؛ ولكن فيه القيام التام بحقوق أساطين الإسلام.
(٦ - [الزنديق] :)
(والزنديق) ؛ وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويعتقد بطلان الشرائع؛ فهذا كافر بالله وبدينه، مرتد عن الإسلام أقبح ردة؛ إذا ظهر منه ذلك بقول أو فعل.
وقد اختلف أهل العلم؛ هل تقبل توبته أم لا؟
والحق: قبول التوبة.
قال في " المسوى " - " في باب حكم الخوارج والقدرية وأشباههم -: " قال الشافعي: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج، وتجنبوا الجماعات وأكفروهم؛ لم يحل بذلك قتالهم.
стр. 1405
بلغنا أن عليا - رضي الله تعالى عنه - سمع رجلا يقول: (لا حكم إلا لله) في ناحية المسجد، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل! لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال.
وقال أهل الحديث من الحنابلة: يجوز قتلهم.
أقول: الظاهر عندي - دراية ورواية - قول أهل الحديث:
أما رواية؛ فلقوله ﷺ : " فأين (١) لقيتموهم فاقتلوهم ".
وأما قول علي؛ فمعناه: أن الإنكار على الإمام والطعن فيه لا يوجب قتلا؛ حتى ينزع يده من الطاعة، فيكون باغيا أو قاطع طريق، وإذا أنكر ضروريا من ضروريات الدين؛ يقتل لذلك لا للإنكار على الإمام.
بيان ذلك: أن المفتي إذا سئل عن بعض أفعال زيد؟ حكم بالجواز، وإذا سئل عن بعضها الآخر؟ حكم بالفسق، ثم إذا سئل عن بعضها الآخر؟ حكم بالكفر؛ فههنا لم يظهر هذا الرجل عنده إلا الإنكار في مسألة التحكيم، فحكم حسبما أظهر، ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة، أو إنكار الحوض [أو] الكوثر، وما يجري مجرى ذلك من الثابت في الدين بالضرورة؛ لحكم بالكفر.
стр. 1406
وأما حديث: " أولئك الذين نهاني الله عنهم "؛ ففي المنافقين دون الزنادقة.
بيان ذلك: أن المخالف للدين الحق؛ إن لم يعترف به، ولم يذعن له لا ظاهرا ولا باطنا؛ فهو الكافر، وإن اعترف بلسانه وقلبه على الكفر؛ فهو المنافق، وإن اعترف به ظاهرا وباطنا؛ لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة؛ فهو الزنديق.
كما إذا اعترف بأن القرآن حق، وما فيه من ذكر الجنة والنار حق؛ لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنار هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار؛ فهو الزنديق؛ وقوله ﷺ : " أولئك الذين نهاني الله عنهم "؛ في المنافقين دون الزنادقة.
وأما دراية؛ فلأن الشرع كما نصب القتل جزاء للارتداد؛ ليكون مزجرة للمرتدين وذبا عن الملة التي ارتضاها؛ فكذلك نصب القتل في هذا الحديث وأمثاله جزاء للزندقة؛ ليكون مزجرة للزنادقة، وذبا عن تأويل فاسد في الدين لا يصح القول به.
ثم التأويل تأويلان:
تأويل لا يخالف قاطعا من الكتاب والسنة واتفاق الأمة.
وتأويل يصادم ما يثبت بقاطع؛ فذلك الزندقة.
فكل من أنكر الشفاعة، أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب - سواء قال: لا أثق بهؤلاء الرواة، أو قال: أثق بهم لكن الحديث مؤول، ثم ذكر تأويلا فاسدا لم
стр. 1407
يسمع ممن قبله -؛ فهو الزنديق.
وكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر - مثلا -: ليسا من أهل الجنة؛ مع تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: إن النبي ﷺ خاتم النبوة، ولكن معنى هذا الكلام: أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنبي، وأما معنى النبوة - وهو كون الإنسان مبعوثا من الله - تعالى - إلى الخلق، مفترض الطاعة - معصوما من الذنوب ومن البقاء على الخطإ فيما يرى -؛ فهو موجود في الأئمة بعده؛ فذلك هو الزنديق.
وقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى، والله - تعالى - أعلم ". اه.
( [متى يقام حد القتل على المستحقين ؟] :)
(بعد استتابتهم) ؛ لحديث جابر عند الدارقطني، والبيهقي: أن امرأة - يقال لها: أم مروان - ارتدت، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام؛ فإن تابت وإلا قتلت.
وله طريقان (١) ضعفهما ابن حجر.
стр. 1408
وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف، عن عائشة: أن امرأة ارتدت يوم أحد، فأمر النبي ﷺ أن تستتاب؛ فإن تابت وإلا قتلت.
وأخرج أبو الشيخ في " كتاب الحدود " عن جابر: أنه ﷺ استتاب رجلا أربع مرات؛ وفي إسناده العلاء بن هلال، وهو متروك.
وأخرجه البيهقي من وجه آخر.
وأخرج الدارقطني، والبيهقي: أن أبا بكر استتاب امرأة - يقال لها: أم قرفة -، كفرت بعد إسلامها، فلم تتب؛ فقتلها.
قال ابن حجر: وفي السير: أن النبي ﷺ قتل أم قرفة (١) يوم قريظة، وهي غير تلك.
وأخرج مالك في " الموطأ " (٢) ، والشافعي: أن رجلا قدم على عمر بن
стр. 1409
الخطاب من قبل أبي موسى، فسأله عن الناس؟ فأخبره، فقال: هل من مغربة خبر (١) ؟ قال: نعم؛ رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا؛ واستتبتموه؟ ﴿لعله يتوب ويراجع أمر الله، اللهم﴾ إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني.
وقد اختلف أهل العلم في وجوب الاستتابة؛ ثم كيفيتها.
والظاهر: أنه يجب تقديم الدعاء إلى الإسلام قبل السيف؛ كما كان رسول الله ﷺ يدعو أهل الشرك، ويأمر بدعائهم إلى إحدى ثلاث خصال، ولا يقاتلهم حتى يدعوهم.
فهذا ثبت في كل كافر، فيقال للمرتد: إن رجعت إلى الإسلام؛ وإلا قتلناك، وللساحر، والكاهن، والساب لله، أو لرسوله، أو للإسلام، أو للكتاب، أو للسنة، أو للطاعن في الدين، أو الزنديق: قد كفرت بعد إسلامك؛ فإن رجعت إلى الإسلام؛ وإلا قتلناك، فهذه هي الاستتابة، وهي واجبة؛ كما وجب دعاء الحربي إلى الإسلام.
وأما كونه يقال للمرتد بأي نوع من تلك الأنواع مرتين أو ثلاثة، أو في ثلاثة أيام، أو أقل أو أكثر؛ فلم يأت ما تقوم به الحجة في ذلك.
بل يقال لكل واحد من هؤلاء: ارجع إلى الإسلام، فإن أبى قتل مكانه.
стр. 1410
قال في " المسوى ":
" اختلفت الروايات عن أبي حنيفة والشافعي في ذلك:
في " المنهاج ": ويجب استتابة المرتد والمرتدة، وفي قول: يستحب وهي في الحال، وفي قول: ثلاثة أيام؛ فإن أصرّا قتلا.
وفي " الهداية ": " إذا ارتد المسلم عن الإسلام؛ عرض عليه الإسلام، فإن كانت له شبهة؛ كشفت عنه، ويحبس ثلاثة أيام؛ فإن أسلم وإلا قتل.
وفي " الجامع الصغير ": يعرض عليه الإسلام؛ فإن أبى قتل.
قيل: تأويل الأول؛ أنه إن استمهل يمهل ثلاثة أيام.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يستحب أن يؤجله؛ طلب ذلك أو لم يطلب ". اه.
أقول: الأدلة الصحيحة المصرحة بقتل المرتد؛ لم يثبت في شيء منها الاستتابة؛ بل فيها الأمر بالقتل للفور.
وما ورد عن بعض الصحابة من إنكار قتل المرتدين قبل الاستتابة؛ فليس بحجة، ولا يصلح لتقييد ما ثبت عن الشارع، ودعوى أن ذلك إجماع - بواسطة عدم الإنكار - دعوى باطلة.
فالحق: أن المرتد يقال له: ارجع إلى الإسلام، فإن أجاب وجب حقن دمه، وإن لم يجب تعين قتله في ذلك الوقت، وقد حصل الدعاء المشروع بمجرد قولنا له: ارجع إلى الإسلام.
стр. 1411
(والزاني المحصن واللوطي مطلقا والمحارب) ، وقد تقدم الكلام فيهم.
( [لم يصح في قتل الديوث شيء] :)
وأما الديوث؛ فلم يصح في قتله شيء.
وأصل دم المسلم العصمة، وليس كل معصية مبيحة للقتل؛ بل معاصي مخصوصة ورد الشرع بها، ولا سيما بعد ورود الحصر في حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم؛ إلا بإحدى ثلاث "؛ وليس هذا منها.
فالحاصل: أن الديوث من أعظم العصاة؛ مع ما في ذلك من الهجنة المنافية للدين والمروءة.
وأما أنه يقتل؛ فلا؛ ولا كرامة.
( [حكم الإسلام في الباطنية] :)
وأما قتل الباطنية؛ فالحق أنهم - مع تسترهم بالكفر -؛ لا يحل قتل أحد منهم؛ إلا بعد أن يفعل أو يقول ما هو كفر بدون تأويل؛ ولا سيما والمشهور عنهم؛ أنهم يظهرون لعوامهم الإسلام والصلاح، ويوهمونهم أنهم على الحق.
فإن صح هذا؛ فجميع عوامهم لا يعلمون أنهم على الكفر؛ بل يعتقدون أنهم على الحق؛ فهم إلى تعريفهم بالحق أحوج منهم إلى القتل، فلا يجوز قتل أحد من الباطنية - وهم البواهر في أرض الهند - إلا بعد أن يظهر منه كفر بواح؛ لأن كلمتهم إسلامية، ودعوتهم نبوية؛ وإن كانوا على شفا جرف هار من أمور الدين.
стр. 1412
(الكتاب السابع والعشرون: كتاب القصاص)
стр. 1413
(٢٧ - كتاب القصاص)
( [الدليل على وجوب القصاص] :)
ووجوبه بنص الكتاب العزيز: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ، ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ ، وبمتواتر السنة كحديث: " لا يحل دم امرئ مسلم؛ إلا بإحدى ثلاث "؛ منها: " والنفس بالنفس "، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن مسعود.
وفي " مسلم "، وغيره من حديث عائشة.
وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال:
" من قتل له قتيل؛ فهو بخير النظرين؛ إما أن يفتدي؛ وإما أن يقتل ".
وأخرجه أحمد (١) ، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح -؛ فهو بالخيار بين إحدى
стр. 1414
ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة؛ فخذوا على يده ".
وفي إسناده سفيان بن أبي العوجاء السلمي، وفيه مقال، وفيه أيضا محمد بن إسحاق، وقد عنعن.
وقد أخرج البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله - تعالى - لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر﴾ الآية، ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ ، قال: فالعفو: أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف: أن يتبع الطالب بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ : فيما كتب على من كان قبلكم، ولا خلاف بين أهل الإسلام في وجوب القصاص عند وجود المقتضي وانتفاء المانع.
( [على من يجب القصاص ؟] )
(يجب على المكلف المختار) ، وقد تقدم وجهه (العامد) ؛ لما أخرجه أبو داود (١) ، والنسائي، والحاكم - وصححه - من حديث عائشة بلفظ:
" لا يحل قتل مسلم؛ إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله ورسوله؛ فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض ".
стр. 1415
وأخرج الترمذي (١) ، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ بلفظ: " من قتل متعمدا؛ أسلم إلى أولياء المقتول؛ فإن أحبوا قتلوا ... " الحديث.
وهي معلوم - بالأدلة والإجماع من أهل الإسلام -: أن القصاص لا يجب إلا مع العمد، ولا بد أن يكون عدوانا؛ لأن من قتل - عمدا مقتولا يستحق القتل شرعا -: لم يجب القصاص عليه.
( [أنواع القتل ثلاثة] :)
(١ - [عمد محض] :)
قلت: عند الشافعي: القتل على ثلاثة أنواع:
عمد محض: وهو أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا؛ سواء كان بمحدد أو مثقل؛ فيجب فيه القصاص عند وجود المكافئ، أو الدية مغلظة في مال الجاني حالة.
(٢ - [شبه العمد] :)
والثاني: شبه العمد: وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا؛ بأن ضربه بعصا خفيفة - أو حجر صغير - ضربة أو ضربتين فمات؛ فلا يجب فيه القصاص، ويجب به الدية مغلظة على عاقلته،
стр. 1416
مؤجلة إلى ثلاث سنين، فإن كان المضروب صغيرا أو مريضا يموت منه غالبا، أو كان قويا - غير أن الضارب والى عليه بالضرب حتى مات -: يجب القَوَد.
(٣ - [الخطأ المحض] :)
والثالث: الخطأ المحض: وهو أن لا يقصد ضربه، وإنما قصد غيره فأصابه، أو حفر بئرا فتردى فيه إنسان، أو نصب شبكة حيث لا يجوز، فتعلق بها رجل ومات؛ فلا قود عليه، وتجب الدية مخففة على العاقلة في ثلاث سنين.
ثم القتل ينقسم باعتبار المقتولين إلى أقسام، ولكل قسم حكم يخصه؛ إما في القود، وإما في الدية، وإما فيهما جميعا: قتل الحر، وقتل العبد، وقتل الذكر، وقتل الأنثى، وقتل المسلم، وقتل الكافر، وقتل الجنين.
ولا اعتبار لكون المقتول شريفا أو وضيعا، جميلا أو دميما، صغيرا أو كبيرا؛ غنيا أو فقيرا.
وإذا وجب القود على إنسان، فترك له شيء من الدم - بأن عفا أحد الورثة -: صار موجبه الدية للآخرين، وسيأتي تفصيلها.
( [لا دليل على إنكار القصاص في دار الحرب] :)
وأما إنكار القصاص في دار الحرب مطلقا؛ فلا وجه له من كتاب، ولا سنة، ولا قياس صحيح، ولا إجماع؛ فإن أحكام الشرع لازمة للمسلمين في أي مكان وجدوا، ودار الحرب ليست بناسخة للأحكام الشرعية أو لبعضها،
стр. 1417
فما أوجبه الله - تعالى - على المسلمين من القصاص؛ ثبت في دار الحرب كما هو ثابت في غيرها؛ مهما وجدنا إلى ذلك سبيلا، ولا فرق بين القصاص وثبوت الأرش؛ إلا مجرد الخيال المبني على الهباء؛ فإن كل واحد منهما حق لآدمي محض، يجب الحكم له به على خصمه، وهو مفوض إلى اختياره.
وغاية ما ثبت في هذا: ما وقع منه ﷺ من وضع الدماء التي وقعت في أيام الجاهلية، وليس في هذا تعرض لدماء المسلمين؛ فهي على ما ورد فيها من أحكام الإسلام، ولا يرفع شيئا من هذه الأحكام إلا دليل يصلح للنقل؛ وإلا وجب البقاء على الثابت في الشرع؛ من لزوم القصاص ولزوم الأرش.
( [من حق الورثة التنازل عن القصاص وطلب الدية] :)
(إن اختار ذلك الورثة؛ وإلا فلهم طلب الدية) ؛ لما تقدم من قوله ﷺ : " من قتل له قتيل؛ فهو بخير النظرين ".
( [اتفاق العلماء في قتل المرأة بالرجل والعبد بالحر والكافر بالمسلم] :)
(وتقتل المرأة بالرجل، والعكس، والعبد بالحر، والكافر بالمسلم) ؛ لما أخرج مالك، والشافعي من حديث عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ كتب في كتابه إلى أهل اليمن: أن الذكر يقتل بالأنثى.
ورواه أبو داود، والنسائي؛ من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري. . مرسلا.
стр. 1418
ورواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي - موصولا مطولا - من حديث الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.
وفي هذا الحديث كلام طويل، وقد صححه ابن حبان، والحاكم (١) ، والبيهقي.
وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، يستغنى بشهرته عن الإسناد؛ لأنه أشبه بالمتواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالقبول.
وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم.
وقال الحاكم: " قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره - الزهري - بالصحة لهذا الكتاب " (٢) .
ومما استدل به على ذلك: ما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث
стр. 1419
أنس: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به، فاعترف، فأمر به النبي ﷺ ، فرضّ رأسه بين حجرين.
وقد استوفى الماتن ذلك البحث في " شرح المنتقى ".
وإلى ذلك: ذهب الجمهور، واختلفوا؛ هل تستوفي ورثة الرجل من ورثة المرأة نصف الدية أم لا؟
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على قتل الرجل بالمرأة؛ إلا رواية عن علي، وعن الحسن، وعطاء.
ورواه البخاري عن أهل العلم؛ هذا في قتل الرجل بالمرأة.
وأما قتل المرأة بالرجل؛ فالأمر واضح، وهكذا قتل العبد بالحر، والكافر بالمسلم، والفرع بالأصل، وليس في ذلك خلاف.
( [اختلاف العلماء في قتل الرجل بالمرأة، والحر بالعبد والمسلم بالكافر] :)
وأما العكس من هذه الصور الثلاث؛ فقد قيل: إنه يقتل الحر بالعبد، وهو محكي عن الحنفية، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري؛ هذا إذا كان العبد مملوكا لغير القاتل.
وأما إذا كان مملوكا له؛ فقد حكى في " البحر " الإجماع على أنه لا يقتل السيد بعبده؛ إلا عن النخعي.
وهكذا حكى الخلاف - عن النخعي وبعض التابعين -: الترمذي.
стр. 1420
واستدل المثبتون بما أخرجه أحمد، وأهل " السنن " - وحسنه الترمذي - من حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: " من قتل عبده قتلناه، ومن جدع (١) عبده جدعناه "، وفي إسناده ضعف؛ لأنه من رواية الحسن، عن سمرة، وفي سماعه منه خلاف مشهور.
واستدل المانعون بقوله - تعالى -: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ .
وفي الاستدلال بالآية إشكال كالإشكال في استدلال من استدل بقوله - تعالى -: ﴿النفس بالنفس﴾ .
واستدلوا أيضا بما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي ﷺ ، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقد به، وأمره أن يعتق رقبة.
وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ولكنه رواه عن الأوزاعي، وهو شامي، وإسماعيل قوي في الشاميين.
وفي إسناده أيضا محمد بن عبد العزيز الشامي، وهو ضعيف.
وأخرج البيهقي، وابن عدي من حديث عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده "؛ وفي إسناده عمر بن عيسى الأسلمي، وهو منكر الحديث؛ كما قال البخاري.
стр. 1421
وأخرج الدارقطني والبيهقي، من حديث ابن عباس مرفوعا: " لا يقتل حر بعبد "؛ وفي إسناده جويبر، وغيره من المتروكين.
وأخرج البيهقي عن علي قال: من السنة: أن لا يقتل حر بعبد؛ وفي إسناده جابر الجعفي، وهو متروك.
وأخرج البيهقي من حديث علي نحو حديث عمرو بن شعيب.
وفي الباب أحاديث تشهد لهذه وتقويها (١) .
( [الدليل على عدم قتل المؤمن بالكافر] :)
(لا العكس) ؛ أي: لا يقتل مؤمن بكافر؛ لحديث علي، أن النبي ﷺ قال: " ألا لا يقتل مؤمن بكافر ".
وأخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم - وصححه -.
وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه.
وأخرجه ابن حبان في " صحيحيه " من حديث ابن عمر.
وأخرج البخاري وغيره عن علي: أنه قال له أبو جحيفة (٢) : هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛
стр. 1422
إلا فهماً يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال:
" المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ".
وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقتل المسلم بالكافر الحربي.
وأما بالذمي؛ فذهب إلى ذلك الجمهور، وبه قال أبو حنيفة (١) .
ولم يأت من ذهب إلى قتل المسلم بالذمي بما يصلح للاستدلال به.
قال مالك: الأمر عندنا: أن لا يقتل مسلم بكافر؛ إلا أن يقتله المسلم قتل غيلة؛ فيقتل به (٢) .
قلت: وعليه الشافعي؛ إلا أنه أسقط هذا الاستثناء؛ لأن الأحاديث الصحيحة في هذا الباب - مثل حديث علي وعبد الله بن عمر - ساكتة عنه.
( [لا يقتل الأصل بالفرع] :)
(والفرع بالأصل لا العكس) ؛ أي: لا يقتل الأصل بالفرع؛ لحديث: " لا يقتل الوالد بالولد ".
стр. 1423
أخرجه الترمذي من حديث عمر، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة (١) .
ولكن له طريق أخرى عند أحمد، والبيهقي، والدارقطني، ورجال إسنادها ثقات.
وأخرج نحوه الترمذي أيضا من حديث سراقة، وفي إسنادها ضعف.
وأخرجه أيضا من حديث ابن عباس.
وقد أجمع أهل العلم على ذلك، لم يخالف فيه؛ إلا البتي ورواية عن مالك.
( [يثبت القصاص في الأعضاء والجروح ؟] :)
(ويثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾ ، وهي - وإن كانت حكاية عن بني إسرائيل -؛ فقد قرر ذلك النبي ﷺ ؛ كما في حديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن الربيع كسرت ثنية جارية، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص.
وأما تقييد ذلك بالإمكان؛ فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها؛ كعدم إمكان الاقتصار على مثل ما في المجني عليه، وخطاب الشرع
стр. 1424
محمول على الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجني عليه، فإذا كان لا يمكن إلا بمجاوزة للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار؛ فالأدلة الدالة على تحريم دم المسلم، وتحريم الإضرار به - بما هو خارج عن القصاص - مخصصة لدليل الاقتصاص.
قلت: إن كل طرف له مفصل معلوم، فقطعه ظالم من مفصله من إنسان اقتص منه؛ كالإصبع يقطعها من أصلها، أو اليد يقطعها من الكوع، أو من المرفق، أو الرجل يقطعها من المفصل؛ يقتص منه.
وكذلك لو قلع سنه، أو قطع أنفه، أو أذنه، أو فقأ عينه، أو جب ذكره، أو قطع أنثييه؛ يقتص منه.
وكذلك لو شجه موضحة (١) في رأسه أو وجهه؛ يقتص منه.
ولو جرح رأسه دون الموضحة، أو جرح موضعا آخر من بدنه، أو هشم العظم؛ فلا قود فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه.
وكذلك لو قطع يده من نصف الساعد؛ فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله أن يقتص من الكوع، ويأخذ حكومة لنصف الساعد.
وعلى هذا أكثر أهل العلم في الجملة، وفي التفاصيل لهم اختلاف.
( [يسقط القصاص بإبراء أحد الورثة] :)
(ويسقط بإبراء أحد الورثة، ويلزم نصيب الآخرين من الدية) : لما تقدم من
стр. 1425
كون أمر القصاص والدية إلى الورثة، وأنهم بخير النظرين، فإذا أبرأوا من القصاص سقط، وإن أبرأ أحدهم سقط؛ لأنه لا تبعض، ويستوفي الورثة نصيبهم من الدية.
وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: " وعلى المقتتلين أن ينحجزوا؛ الأول فالأول؛ وإن كانت امرأة ".
وأراد بالمقتتلين: أولياء المقتول.
وينحجزوا؛ أي: ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كانت امرأة (١) .
وقوله: " الأول فالأول "؛ أي: الأقرب فالأقرب.
هكذا فسر الحديث أبو داود.
وفي إسناده حصن بن عبد الرحمن - ويقال: ابن محصن - أبو حذيفة الدمشقي؛ قال أبو حاتم الرازي: لا أعلم من روى عنه غير الأوزاعي، ولا أعلم أحدا نسبه (٢) .
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قضى: أن يعقل (٣) عن المرأة
стр. 1426
عصبتها (١) من كانوا، ولا يرثوا منها إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها.
وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد (٢) .
فقوله: وهم يقتلون قاتلها: يفيد أن ذلك حق لهم؛ يسقط بإسقاطهم أو إسقاط بعضهم.
وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه.
( [متى يؤخر القصاص ؟] :)
(فإذا كان فيهم صغير ينتظر في القصاص بلوغه) ؛ دليله: ما قدمنا من أن ذلك حق لجميع الورثة، ولا اختيار للصبي قبل بلوغه (٣) .
( [متى يهدر القصاص ؟] :)
(ويهدر ما سببه من المجني عليه) ؛ لحديث عمران بن حصين في " الصحيحين "، وغيرهما: أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: " يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل؟ ! لا دية لك ".
وفيهما أيضا من حديث يعلى بن أمية (٤) .
стр. 1427
وإلى ذلك ذهب الجمهور.
( [ما حكم من أمسك رجل ليقتله آخر] )
(وإذا أمسك رجل وقتل آخر؛ قتل القاتل وحبس الممسك) ؛ لحديث ابن عمر - عند الدارقطني (١) -، عن النبي ﷺ ، قال:
" إذا أمسك الرجل الرجل، وقتله الآخر؛ يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك "، وهو من طريق الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر.
ورواه معمر، وغيره، عن إسماعيل؛ قال الدارقطني: والإرسال أكثر.
وأخرجه أيضا البيهقي، ورجح المرسل، وقال: إنه - موصولا - غير محفوظ.
قال ابن حجر: ورجاله ثقات، وصححه ابن القطان.
وأخرج الشافعي، عن علي: أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا، وأمسكه آخر، قال: يقتل القاتل، ويحبس الآخر في السجن حتى يموت.
وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية والشافعية، ويؤيده قوله - تعالى -: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ .
وبالجملة: فقتل القاتل مندرج تحت الأدلة المثبتة للقصاص.
وأما حبس الممسك؛ فذلك نوع من التعزير استحقه بسبب إمساكه للمقتول.
وقد روي عن النخعي، ومالك، والليث: أنه يقتل الممسك كالمباشر للقتل؛ لأنهما شريكان.
стр. 1428
وفي " الموطإ ": أن عمر بن الخطاب قتل نفرا - خمسة أو سبعة - برجل واحد قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء؛ لقتلتهم جميعا.
قال مالك: الأمر عندنا: أنه يقتل في العمد الرجال الأحرار بالرجل الحر الواحد، والنساء بالمرأة كذلك، والعبيد (١) بالعبد كذلك أيضا.
في " المسوى ":
" والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ قالوا: إذا اجتمع جماعة على قتل واحد يقتلون به قصاصا ". اه.
أقول: إذا اشترك جماعة من الرجال - أو الرجال والنساء في قتل رجل عمدا بغير حق -؛ قتلوا به كلهم، وهذا هو الحق؛ لأن الأدلة القرآنية والحديثية لم تفرق بين كون القاتل واحدا أو جماعة.
والحكمة التي شرع القصاص لأجلها - وهي حقن الدماء وحفظ النفوس -: مقتضية لذلك.
ولم يأت من قال بعدم جواز قتل الجماعة بالواحد بحجة شرعية؛ بل غاية ما استدلوا به على المنع تدقيقات ساقطة ليست من الشرع في قبيل ولا دبير (٢) ؛ كما فعله الجلال في " ضوء النهار "، والمقبلي.
стр. 1429
وقد نقض الماتن ذلك في أبحاث أجاب بها على بعض علماء العصر، واستوفى جميع الحجج.
وقوله: قتلوه غيلة؛ أي: حيلة، يقال: اغتالني فلان: إذا احتال حيلة يتلف بها ماله.
ويقال: الغيلة؛ هي أن يخدعه؛ حتى يخرجه إلى موضع يخفى فيه، ثم يقتله.
تمالأ عليه أهل صنعاء؛ أي: تعاونوا عليه، واجتمعوا إليه.
قال في " الهدي ":
" وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا؛ فلا يسقط العفو، ولا نعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا وأفتى به ". اه.
وقال قبل هذا ما لفظه:
" وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرتهم؛ فإنه من المعلوم: أن كل واحد منهم - يعني: العرنيين - لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك ". اه.
( [ما هي عقوبة قتل الخطإ] :)
(وفي قتل الخطإ الدية والكفارة) ؛ لنص الكتاب العزيز؛ على ما في النظم القرآني من القيود والتفاصيل.
стр. 1430
وقد وقع الإجماع على وجوب الدية والكفارة في الجملة، وإن وقع الخلاف في بعض الصور؛ كوجوب الكفارة من مال الصغير إذا قتل؛ لأن عمده خطأ.
والخلاف في وجوب الكفارة من ماله معروف، فمن لم يوجبها؛ جعل إيجابها من باب التكليف، فقال: لا تجب إلا على مكلف، ومن أوجبها؛ جعله من خطاب الوضع، وهكذا المجنون.
والكفارة هي ما ذكر الله - سبحانه -: من تحرير الرقبة وما بعده من الإطعام الصوم.
وأما الدية؛ فسيأتي بيانها، وبيان الخطإ المحض، والخطإ الذي هو شبه العمد.
( [ما هو قتل الخطإ ؟] :)
(وهو ما ليس بعمد أو من صبي أو مجنون) ؛ قال مالك في " الموطإ ": " الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه لا قود بين الصبيان، وأن عمدهم خطأ؛ ما لم تجب عليهم الحدود ويبلغوا الحلم، وأن قتل الصبي لا يكون إلا خطأ ".
قلت: وعلى هذا أكثر أهل العلم.
( [على من تجب دية قتل الخطأ ؟] )
(وهي على العاقلة، وهم العصبة (١)) ؛ لحديث أبي هريرة - في
стр. 1431
" الصحيحين " - قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان - سقط ميتا - بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة (١) توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها.
وفي لفظ لهما: وقضى بدية المرأة على عاقلتها.
وفي " مسلم "، وغيره من حديث جابر، قال: كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقولة (٢) .
وأخرج أبو داود، وابن ماجه (٣) : أن امرأتين - من هذيل - قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله ﷺ : " ميراثها لزوجها وولدها ".
وصححه النووي؛ وفي إسناده مجالد، وهو ضعيف (٤) .
وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب - قريبا - وفيه: أن النبي ﷺ قضى أن تعقل عن المرأة عصبتها ... الحديث.
стр. 1432
وقد أجمع العلماء على ثبوت العقل، وإنما اختلفوا في التفاصيل، وفي مقدار ما يلزم كل واحد من العاقلة.
أقول: الأدلة قد وردت بما يستفاد منه: أن القبيلة تعقل عن الجاني منها، وأن البطن يعقل عن الجاني منه، والقرابة يعقلون عن القريب الجاني.
ولا منافاة بين هذه الأحاديث؛ بل يجمع بينها؛ بأن القرابة إذا قدروا على تسليم ما لزم؛ فهم أخص من غيرهم، وإن احتاج اللازم إلى زيادة عليهم، ولم يقدروا على الوفاء؛ لزم البطن (١) ، ثم القبيلة.
وبمجموع ما ورد في العقل: يرد على من قال: إنه غير ثابت في الشريعة، مستدلا بمثل قوله - تعالى -: ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ، وبمثل قوله ﷺ : " لا يجني جان إلا على نفسه "؛ لأن أدلة العقل أخص مطلقا؛ فالعمل بها واجب.
والظاهر: أن العقل لازم في كل جنايات الخطإ؛ من غير فرق بين الموضحة وما دونها وما فوقها.
стр. 1433
(الكتاب الثامن والعشرون: كتاب الديات)
стр. 1434
(٢٨ - كتاب الديات)
(١ - أحكام الدية والشّجاج)
الأصل في الدية أنها تجب أن تكون مالا عظيما يغلبهم وينقص من مالهم، ويجدون له ألما عندهم، ويكون بحيث يؤدونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر، وهذا القدر يختلف باختلاف الأشخاص.
( [مقدار دية الرجل المسلم] :)
(دية الرجل المسلم مائة من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، أو مائتا حلة) ؛ تقدير الدية بذلك؛ لحديث عطاء بن أبي رباح، عن النبي ﷺ ، وفي رواية: عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ قال:
" فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة "، رواه أبو داود، مسندا ومرسلا، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق.
وأخرج أحمد (١) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو
стр. 1435
ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: " قضى رسول الله ﷺ : أن من كان عقله في البقر؛ على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاء؛ ألفي شاة "، وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد تكلم فيه غير واحد، ووثقه جماعة.
وفي حديث عمرو بن حزم: " أن في النفس الدية مائة من الإبل ".
وهو حديث صحيح - قد تقدم تخريجه في قتل الرجل بالمرأة، وفيه أيضا -: " وعلى أهل الذهب ألف دينار ".
وأخرج أبو داود (١) من حديث ابن عباس: أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا.
وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا.
وأخرج أبو داود (٢) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:
стр. 1436
كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا، فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
ولا يخفى أن هذا لا يعارض ما تقدم؛ فقد وقع التصريح فيه برفع ذلك إلى النبي ﷺ .
وقد اختلف أهل العلم في مقادير الدية، والحق: ما ثبت من تقدير الشارع؛ كما ذكرناه.
وفي " الموطأ ": أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى، فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم.
قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق.
قلت: عليه مالك، وهو القول القديم للشافعي؛ إلا أنه قال: يقدر بتقدير عمر بن الخطاب عند إعواز الإبل، والإبل هي الأصل في باب الديات، ثم رجع، وقال: الأصل فيها الإبل، فإذا أعوزت؛ تجب قيمتها بالغة ما بلغت، وتأول حديث عمر على أن قيمة الإبل كانت قد بلغت في زمانه اثني عشر ألف درهم، أو ألف دينار؛ لحديث عمرو بن شعيب المتقدم.
وقال أبو حنيفة: الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم.
وقال صاحباه: على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب
стр. 1437
والورق ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الشاء ألفا شاة، وعلى أهل الحلل ألف حلة ".
( [متى تغلظ الدية ؟] :)
(وتغلظ دية العمد وشبهه) ، واتفقوا على أن التغليظ لا يعتبر؛ إلا في الإبل دون الذهب والورق.
أقول: قد اختلفت الأحاديث في الديات تغليظا وتخفيفا ولكل قسم:
فالدية المغلظة في الخطأ الذي هو شبه العمد، والدية المخففة في الخطأ المحض، والأحاديث مصرحة بذلك، فليرجع إليها، والمذاهب مختلفة.
وليس الحجة إلا في الدليل؛ لا في القال والقيل.
( [كيف تغلظ الدية ؟] :)
(بأن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها) ، لحديث عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة، فقال:
" ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر؛ فيه دية مغلظة مائة من الإبل؛ منها أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة (١) ".
стр. 1438
أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في " تاريخه "، وساق اختلاف الرواة فيه (١) .
وأخرجه أيضا الدارقطني.
وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال:
" عقل شبه العمد مغلظ كعقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون دماء في غير ضغينة، ولا حمل سلاح ".
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في " التاريخ "، والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال:
" ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " وصححه ابن حبان، وابن القطان (٣) .
وأخرج هذا الحديث من تقدم ذكره من حديث ابن عمر.
وفي الباب أحاديث.
وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، وخطأ، وشبه عمد:
стр. 1439
ففي العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد - وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة؛ كالعصا والسوط والإبرة، مع كونه قاصدا للقتل - دية مغلظة، وهي مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها.
وممن ذهب إلى هذا: زيد بن علي، والشافعية، والحنفية، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك والليث: إن القتل ضربان: عمد وخطأ:
فالخطأ ما وقع بسب من الأسباب، أو غير مكلف، أو غير قاصد للمقتول ونحوه، أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة.
والعمد ما عداه، والأول لا قود فيه.
وقد حكى صاحب " البحر " الإجماع على هذا؛ مع كون مذهب الجمهور على خلافه!
( [مقدار دية الذمي] :)
(ودية الذمي نصف دية المسلم) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال:
" عقل الكافر نصف دية المسلم ".
أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه، وابن الجارود وصححه.
وأخرجه أيضا ابن ماجه بنحوه.
وأخرج ابن حزم من حديث عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1440
" دية المجوسي ثمانمائة درهم ".
وأخرجه أيضا الطحاوي، والبيهقي، وابن عدي، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
وأخرج الشافعي، والدارقطني، والبيهقي، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة.
وقد ذهب إلى كون دية الذمي نصف دية المسلم مالك.
وقال الشافعي: إن دية الكافر أربعة آلاف درهم؛ كذا روي عنه.
والذي في " منهاج النووي ": " أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم ".
قال شارحه المحلي: إنه قال بذلك عمر وعثمان وابن مسعود.
وحكى في " البحر " عن زيد بن علي وأبي حنيفة أن دية المجوسي كالذمي.
وذهب الثوري والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة: إلى أن دية الذمي كدية المسلم.
وروي عن أحمد: أن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا؛ وإلا فنصف الدية.
احتج القائلون بتنصيف دية الذمي بالنسبة إلى دية المسلم بما تقدم.
واحتج القائلون بأنها كدية المسلم بقوله - تعالى -: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾ .