← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا، فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. ولا يخفى أن هذا لا يعارض ما تقدم؛ فقد وقع التصريح فيه برفع ذلك إلى النبي ﷺ . وقد اختلف أهل العلم في مقادير الدية، والحق: ما ثبت من تقدير الشارع؛ كما ذكرناه. وفي " الموطأ ": أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى، فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق. قلت: عليه مالك، وهو القول القديم للشافعي؛ إلا أنه قال: يقدر بتقدير عمر بن الخطاب عند إعواز الإبل، والإبل هي الأصل في باب الديات، ثم رجع، وقال: الأصل فيها الإبل، فإذا أعوزت؛ تجب قيمتها بالغة ما بلغت، وتأول حديث عمر على أن قيمة الإبل كانت قد بلغت في زمانه اثني عشر ألف درهم، أو ألف دينار؛ لحديث عمرو بن شعيب المتقدم. وقال أبو حنيفة: الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. وقال صاحباه: على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب

стр. 1437

والورق ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الشاء ألفا شاة، وعلى أهل الحلل ألف حلة ". ( [متى تغلظ الدية ؟] :) (وتغلظ دية العمد وشبهه) ، واتفقوا على أن التغليظ لا يعتبر؛ إلا في الإبل دون الذهب والورق. أقول: قد اختلفت الأحاديث في الديات تغليظا وتخفيفا ولكل قسم: فالدية المغلظة في الخطأ الذي هو شبه العمد، والدية المخففة في الخطأ المحض، والأحاديث مصرحة بذلك، فليرجع إليها، والمذاهب مختلفة. وليس الحجة إلا في الدليل؛ لا في القال والقيل. ( [كيف تغلظ الدية ؟] :) (بأن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها) ، لحديث عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة، فقال: " ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر؛ فيه دية مغلظة مائة من الإبل؛ منها أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة (١) ".

стр. 1438

أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في " تاريخه "، وساق اختلاف الرواة فيه (١) . وأخرجه أيضا الدارقطني. وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: " عقل شبه العمد مغلظ كعقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون دماء في غير ضغينة، ولا حمل سلاح ". وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في " التاريخ "، والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: " ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " وصححه ابن حبان، وابن القطان (٣) . وأخرج هذا الحديث من تقدم ذكره من حديث ابن عمر. وفي الباب أحاديث. وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، وخطأ، وشبه عمد:

стр. 1439

ففي العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد - وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة؛ كالعصا والسوط والإبرة، مع كونه قاصدا للقتل - دية مغلظة، وهي مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. وممن ذهب إلى هذا: زيد بن علي، والشافعية، والحنفية، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك والليث: إن القتل ضربان: عمد وخطأ: فالخطأ ما وقع بسب من الأسباب، أو غير مكلف، أو غير قاصد للمقتول ونحوه، أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة. والعمد ما عداه، والأول لا قود فيه. وقد حكى صاحب " البحر " الإجماع على هذا؛ مع كون مذهب الجمهور على خلافه! ( [مقدار دية الذمي] :) (ودية الذمي نصف دية المسلم) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: " عقل الكافر نصف دية المسلم ". أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه، وابن الجارود وصححه. وأخرجه أيضا ابن ماجه بنحوه. وأخرج ابن حزم من حديث عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1440

" دية المجوسي ثمانمائة درهم ". وأخرجه أيضا الطحاوي، والبيهقي، وابن عدي، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وأخرج الشافعي، والدارقطني، والبيهقي، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة. وقد ذهب إلى كون دية الذمي نصف دية المسلم مالك. وقال الشافعي: إن دية الكافر أربعة آلاف درهم؛ كذا روي عنه. والذي في " منهاج النووي ": " أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم ". قال شارحه المحلي: إنه قال بذلك عمر وعثمان وابن مسعود. وحكى في " البحر " عن زيد بن علي وأبي حنيفة أن دية المجوسي كالذمي. وذهب الثوري والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة: إلى أن دية الذمي كدية المسلم. وروي عن أحمد: أن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا؛ وإلا فنصف الدية. احتج القائلون بتنصيف دية الذمي بالنسبة إلى دية المسلم بما تقدم. واحتج القائلون بأنها كدية المسلم بقوله - تعالى -: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾ .

стр. 1441

ويجاب بأن هذا الإطلاق مقيد بما ثبت عنه ﷺ من كونها على النصف من دية المسلم. وعند الترمذي: " عقل الكافر نصف عقل المؤمن ". قال ابن القيم: " هذا حديث حسن يصحح مثله أكثر أهل الحديث ". وعند أبي داود: " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ: النصف من دية المسلم، فلما كان عمر رفع دية المسلمين، وترك دية أهل الذمة، لم يرفعها فيما رفع من الدية ". انتهى. ( [مقدار دية المرأة، ودية أطرافها] :) (ودية المرأة نصف دية الرجل، والأطراف وغيرها كذلك في الزائد على الثلث) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : " عقل المرأة مثل عقل الرجل؛ حتى يبلغ الثلث من ديته " أخرجه النسائي (١) ، والدارقطني، وصححه ابن خزيمة.

стр. 1442

وأخرج البيهقي من حديث معاذ عن النبي ﷺ ، قال: " دية المرأة نصف دية الرجل "؛ قال البيهقي: إسناده لا يثبت مثله (١) . وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن علي، أنه قال: دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل (٢) . وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن عمر. وقد أفاد الحديث المذكور: أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، وأن أرشها (٣) إلى الثلث من الدية مثل أرش الرجل، وقد وقع الخلاف في ذلك بين السلف والخلف. وأخرج مالك في " الموطأ "، والبيهقي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: فكم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، قلت: فكم في ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل، قلت: فكم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل، قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم، قال: هي السنة يا ابن أخي! (٤)

стр. 1443

( [مقدار دية الأعضاء والشّجاج] :) (وتجب الدية كاملة في العينين والشفتين واليدين والرجلين والبيضتين، وفي الواحدة منها نصفها، وكذلك تجب كاملة في الأنف واللسان والذكر والصلب، وأرش المأمومة والجائفة ثلث دية المجني عليه، وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشرها، وفي الهاشمة عشرها، وفي كل سن نصف عشرها، وكذا في الموضحة) (١) ؛ لحديث عمرو بن حزم الذي تقدم تخريجه وتصحيحه، وفيه: " أن في الأنف إذا أوعب جدعة الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل ". وأخرج أحمد (٢) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قضى في الأنف إذا جدع كله بالعقل كاملا، وإذا جدعت

стр. 1444

أرنبته فنصف العقل، وقضى في العين نصف العقل، والرّجل نصف العقل، واليد نصف العقل، والمأمومة ثلث العقل، والمنقلة خمسة عشر من الإبل. وقد أخرجه أبو داود، وابن ماجه بدون ذكر العين والمنقلة، وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد تكلم فيه جماعة، ووثقه جماعة (١) . وأخرج الترمذي (٢) - وصححه - من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " دية أصابع اليدين والرجلين سواء؛ عشر من الإبل لكل أصبع ". وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي موسى. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : " في كل أصبع عشر من الإبل، وفي كل سن خمس من الإبل، والأصابع سواء، والأسنان سواء ". وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، وابن خزيمة، وابن الجارود - وصححاه - من حديث عمرو بن شعيب أيضا، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: " في المواضح خمس من الإبل ". وفي " البخاري "، وغيره من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " هذه وهذه - يعني: الخنصر والإبهام - سواء ".

стр. 1445

وأخرج أبو داود (١) ، وابن ماجه من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " الأسنان سواء؛ الثنية والضرس سواء ". والمراد بالمأمومة: الجناية التي بلغت أم الدماغ، أو الجلدة الرقيقة التي عليه. وإلى إيجاب ثلث الدية فيها؛ ذهب علي وعمر والحنفية والشافعية. والمراد بالجائفة: الجناية التي تبلغ الجوف. وإلى إيجاب ثلث الدية فيها ذهب الجمهور. والمراد بالمنقلة: الجناية التي تنقل العظام عن أماكنها. وقد ذهب إلى إيجاب خمسة عشر ناقة فيها علي وزيد بن ثابت والشافعية والحنفية. والمراد بالهاشمة: التي تهشم العظم. وقد أخرج الدارقطني، والبيهقي، وعبد الرزاق من حديث زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ أوجب في الهاشمة عشرا من الإبل.

стр. 1446

وقد قيل: إنه موقوف؛ لكن لذلك حكم الرفع في المقادير. والمراد بالموضحة: التي تبلغ العظم ولا تهشم. وقد اختلف في المنقلة والهاشمة والموضحة؛ هل هذا الأرش هو بالنسبة إلى الرأس فقط أم في الرأس وغيره؟ والظاهر: أن عدم الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال؛ كما تقرر في الأصول. ( [مقدار أرش الجروح غير المسماة] :) (وما عدا هذه المسماة فيكون أرشه بمقدار نسبته إلى أحدها تقريبا) ؛ لأن الجناية قد لزم أرشها بلا شك؛ إذ لا يهدر دم المجني عليه بدون سبب، ومع عدم ورود الشرع بتقدير الأرش لم يبق إلا التقدير بالقياس على تقدير الشارع. وبيان ذلك: أن الموضحة إذا كان أرشها نصف عشر الدية - كما ثبت عن الشارع - نظرنا إلى ما هو دون الموضحة من الجنايات، فإن أخذت الجناية نصف اللحم، وبقي نصفه إلى العظم؛ كان أرش هذه الجناية نصف أرش الموضحة، وإن أخذت ثلثه؛ كان الأرش ثلث أرش الموضحة، ثم هكذا. وكذلك إذا كان المأخوذ بعض الأصبع كان أرشه بنسبة ما أخذ من الأصبع؛ إلى جميعها، فأرش نصف الأصبع عشر الدية، ثم كذلك. وهكذا الأسنان؛ إذا ذهب نصف السن؛ كان أرشه نصف أرش السن.

стр. 1447

ويسلك هذا في الأمور التي تلزم فيها الدية كاملة كالأنف، فإذا كان الذاهب نصفه؛ ففيه نصف الدية، والذكر، ونحو ذلك. فهذا أقرب المسالك إلى الحق، ومطابقة العدل، وموافقة الشرع. أقول: اعلم أن كل جناية فيها أرش مقدر من الشارع - كالجنايات التي في حديث عمرو بن حزم الطويل، وفي غيره مما ورد في معناه - فالواجب الاقتصار في المقدار على الوارد في النص. وكل جناية ليس فيها أرش من الشارع - بل ورد تقدير أرشها عن صحابي أو تابعي، أو من بعدهما - فليس في ذلك حجة على أحد. بل المرجع في ذلك نظر المجتهد، وعليه أن ينظر في مقدار نسبتها من نسبة الجناية، التي ورد فيها أرش مقدر من الشارع، فإذا غلب في ظنه مقدار النسبة؛ جعل لها من الأرش مقدار نسبتها. مثلا الموضحة ورد في الشرع تقدير أرشها، فإذا كانت الجناية دون الموضحة كالسِّمحاق والمتلاحمة والباضعة والدامية (١) ؛ فعليه أن ينظر - مثلا - مقدار ما بقي من اللحم إلى العظم، فإن وجده مقدار الخمس، والجناية قد قطعت من اللحم أربعة أخماس؛ جعل في الجناية أربعا من الإبل، أو أربعين مثقالا؛ لأن مجموع أرش الموضحة خمس من الإبل، أو خمسون مثقالا، وإن وجد الباقي من اللحم ثلثا؛ جعل أرش الجناية بمقدار الثلثين من أرش

стр. 1448

الموضحة، ثم كذلك إذا بقي النصف أو الربع أو الخمس أو العشر، وهكذا في سائر الجنايات التي لم يرد تقدير أرشها، فإنه ينبغي النسبة بينها وبين ما ورد تقدير أرشه من جنسها، وحينئذ لا يحتاج الحاكم العالم إلى تقليد غيره من المجتهدين كائنا من كان. ولا يبقى تقسيم للجناية إلى ما يجب فيه أرش مقدر، وما تجب فيه حكومة. ( [مقدار دية الجنين إذا خرج ميتا] :) (وفي الجنين إذا خرج ميتا الغرة) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين ": أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة: عبد أو أمة، وهو ثابت في " الصحيحين " بنحو هذا من حديث المغيرة ومحمد بن مسلمة. والغرة - بضم المعجمة وتشديد الراء -: أصلها البياض في وجه الفرس، وهنا هي (١) العبد أو الأمة، كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله. وأما إذا خرج الجنين حيا ثم مات من الجناية؛ ففيه الدية أو القود. وهذا إنما هو في الجنين الحر. والخلاف في الغرة طويل؛ قد استوفاه الماتن في " شرح المنتقى ". ( [مقدار دية العبد وأرشه] ) (وفي العبد قيمته، وأرشه بحسبها) ، لا خلاف في ذلك، وإنما اختلفوا إذا

стр. 1449

جاوزت قيمته دية الحر؛ هل تلزم الزيادة أم لا؟ والأولى اللزوم. وأرش الجناية عليه منسوب من قيمته؛ فما كان فيه في الحر نصف الدية، أو ثلثها أو عشرها، أو نحو ذلك؛ ففيه في العبد نصف القيمة، أو ثلثها، أو عشرها، أو نحو ذلك. أقول: وجه قول من قال: " إنها تجب قيمة العبد وإن جاوزت دية الحر ": أن العبد عين من الأعيان التي يصح تملكها، فكما يجب على متلف العين قيمتها وإن جاوزت دية الحر؛ كذلك يجب على متلف العبد. ووجه قول من قال: " إنه لا يلزم ما زاد على دية الحر ": أن العبد من نوع الإنسان، وهو دون الحر في جميع الصفات المعتبرة، فغاية ما ينتهي إليه أن يكون إنسانا حرا في الكمال، فتجب فيه الدية. وأما الزيادة على ذلك فلا؛ لأن دية الحر هي نهاية ما يجب في الفرد من هذا النوع الإنساني، والأول أرجح من حيث الرأي. وأما من طريق الرواية؛ فلم يصح عن النبي ﷺ في ذلك شيء. وقد روي عن علي مثل القول الأول، وروي عنه مثل القول الثاني. ( [بيان حكم قتل الدابة والجناية عليها] ) وأما الدابة إذا قتلها قاتل؛ ففيها قيمتها، وإذا جنى عليها؛ كان الأرش مقدار نقص قيمتها بالجناية.

стр. 1450

وهذا وإن لم يقم عليه دليل بخصوصه؛ فهو معلوم من الأدلة الكلية؛ لأن العبد وسائر الدواب من جملة ما يملكه الناس، فمن أتلفه كان الواجب عليه قيمته، ومن جنى عليه جناية تنقصه؛ كان الواجب عليه أرش النقص، كما لو جنى على عين مملوكة من غير الحيوانات؛ وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر الدواب؛ يجب في الجناية عليه نقص القيمة.

стр. 1451

(٢ - باب القسامة) ( [بيان صورة القسامة] :) صورة القسامة: أن يوجد قتيل، وادعى وليه على رجل أو على جماعة، وعليهم لوث ظاهر. واللوث: ما يغلب على القلب صدق المدعي بأن وجد فيما بين قوم أعداء لا يخالطهم غيرهم؛ كقتيل خيبر (١) وجد بينهم، والعداوة بين الأنصار وبين أهل خيبر ظاهرة، أو اجتمع جماعة في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو وجد في ناحية قتيل وثم رجل مختضب بدمه، أو يشهد عدل واحد على أن فلانا قتله، أو قاله جماعة من العبيد والنسوان جاؤوا متفرقين؛ بحيث يؤمن تواطؤهم (٢) ، ونحو ذلك من أنواع الموت، فيبدأ بيمين المدعي؛ فيحلف خمسين يمينا، ويستحق دعواه، فإن نكل المدعي عن اليمين؛ ردت إلى المدعى عليه؛ فيحلف خمسين يمينا على نفي القتل. ويجب بها الدية المغلظة، فإن لم يكن هناك لوث؛ فالقول قول المدعى

стр. 1452

عليه مع يمينه، كما في سائر الدعاوى. ثم يحلف يمينا واحدا أو خمسين يمينا؛ قولان؛ أصحهما الأول. فإن كان المدعون جماعة؛ توزع الأيمان عليهم على قدر مواريثهم على أصح القولين، ويجبر الكسر. والقول الثاني: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا، وإن كان المدعى عليهم جماعة، ووزع على عدد رؤوسهم على أصح القولين؛ إن كان الدعوى في الأطراف - سواء كان اللوث أو لم يكن - فالقول قول المدعى عليه مع يمينه. هذا كله بيان مذهب الشافعي. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يبدأ بيمين المدعي؛ بل يحلف المدعى عليه، وقال: إذا وجد قتيل في محلة؛ يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها، ويحلفهم على أنهم ما قتلوه، ولا عرفوا له قاتلا، ثم يأخذ الدية من أرباب الخطة (١) ، فإن لم يعرفوا؛ فمن سكانها. أقول: اعلم أن هذا الباب قد وقع فيه لكثير من أهل العلم مسائل عاطلة عن الدلائل، ولم يثبت في حديث صحيح ولا حسن قط ما يقتضي الجمع بين

стр. 1453

الأيمان والدية، بل بعض الأحاديث مصرح بوجوب الأيمان فقط، وبعضها مصرح بوجوب الدية فقط. والحاصل: أنه قد كثر الخبط والخلط في هذا الباب إلى غاية، ولم يتعبدنا الله بإثبات الأحكام العاطلة عن الدلائل، ولا سيما إذا خالفت ما هو شرع ثابت، وكانت تستلزم أخذ المال الذي هو معصوم إلا بحقه، ولهذا ذهب جماعة من السلف - منهم أبو قلابة، وسالم بن عبد الله، والحكم بن عتيبة، وقتادة، وسليمان بن يسار، وإبراهيم ابن علية، ومسلم بن خالد، وعمر بن عبد العزيز - إلى أن القسامة غير ثابتة؛ لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه؛ قد ذكرها الماتن ﵀ في " شرح المنتقى "، وذكر ما أجيب به عنها من طريق الجمهور، فليراجع. ( [بم تثبت القسامة ؟] :) (إذا كان القاتل من جماعة محصورين ثبتت، وهي خمسون يمينا) لقوله ﷺ : " فتبرئكم اليهود بخمسين يمينا "؛ وهو في " الصحيحين " من حديث سهل بن أبي حثمة. ( [يخير المدعى عليهم بين أن يحلفوا خمسين يمينا أو يسلموا الدية] :) (يختارهم ولي القتيل، والدية إن نكلوا عليهم، وإن حلفوا سقطت) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.

стр. 1454

وقد ثبت أنهم في الجاهلية كانوا يخيرون المدعى عليهم، بين أن يحلفوا خمسين يمينا أو يسلموا الدية؛ كما في القسامة التي كانت في بني هاشم - كما أخرجه البخاري، والنسائي من حديث ابن عباس - وهي قصة طويلة، وفيها: أن القاتل كان معينا، وأن أبا طالب قال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل؛ فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فأخبرهم، فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم،؛ كانت قد ولدت منه، فقالت: يا أبا طالب ﴿أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تصبر (١) يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب﴾ أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، فيصيب كل رجل منهم بعيران، هذان البعيران فاقبلهما مني، ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده؛ ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف. ( [على من تكون الدية إذا التبس الأمر ؟] :) (وإن التبس الأمر كانت من بيت المال) ؛ لحديث سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة أبناء

стр. 1455

مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: " كبر كبر "، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما، فقال: " أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ "، فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ ﴿قال: " فتبرئكم اليهود بخمسين يمينا؟ " فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. وفي لفظ: فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة. وقد اختلف أهل العلم في كيفية القسامة اختلافا كثيرا، وما ذكره الماتن هو أقرب إلى الحق، وأوفق لقواعد الشريعة المطهرة. وقد وقع في رواية من حديث سهل المذكور: أن النبي ﷺ قال: " تقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته "، فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟﴾ وقد أخرج أحمد والبيهقي، عن أبي سعيد، قال: وجد رسول الله ﷺ قتيلا بين قريتين، فأمر رسول الله ﷺ ، فذرع ما بينهما، فوجد أقرب إلى أحد الجانبين بشبر، فألقى ديته عليهم. قال البيهقي: تفرد به أبو إسرائيل عن عطية، ولا يحتج بهما. وقال العقيلي: هذا الحديث ليس له أصل. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن الشعبي: أن قتيلا وجد بين وادعة وشاكر، فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى وادعة أقرب، فأحلفهم خمسين يمينا؛ كل رجل: ما قتلته، ولا

стр. 1456

علمت قاتلا، ثم أغرمهم الدية، فقالوا: يا أمير المؤمنين ﴿لا أيماننا دفعت عن أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا، فقال عمر: كذلك الحق. وأخرج نحوه الدارقطني، والبيهقي، عن سعيد بن المسيب، وفيه: أن عمر قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ . قال البيهقي: رفعه إلى النبي ﷺ منكر، وفيه عمر بن صبيح (١) ؛ أجمعوا على تركه. وقال الشافعي: ليس بثابت؛ إنما رواه الشعبي، عن الحارث الأعور. وهذا لا تقوم به حجة؛ لضعف إسناده - على فرض رفعه -. وأما مع عدم الرفع؛ فليس في ذلك حجة؛ سواء ورد بإسناد صحيح أو غير صحيح، والرجوع إلى قسامة الجاهلية التي قررها النبي ﷺ هو الصواب، وقد تقدم ذكرها. وقد أخرج أبو داود (٢) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجل من الأنصار: أن النبي ﷺ قال لليهود - وبدأ بهم -:

стр. 1457

" يحلف منكم خمسون رجلا "، فأبوا، فقال للأنصار: " استحقوا "، فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ ! فجعلها رسول الله ﷺ دية على اليهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم. وهذا - إذا صح - لا يخالف ما ذكرناه من وجوب الدية على المتهمين إذا لم يحلفوا، ولكنه مخالف لما ثبت في " الصحيحين " إن كانت هذه القصة هي تلك القصة. وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا الحديث ضعيف لا يلتفت إليه (١) .

стр. 1458

(الكتاب التاسع والعشرون: كتاب الوصية)

стр. 1459

(٢٩ - كتاب الوصية) ( [متى تجب الوصية ؟] :) (تجب على من له ما يوصي فيه) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما: أن رسول الله ﷺ قال: " ما حق امريء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه؛ إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ". وقد ذهب إلى الوجوب: عطاء، والزهري، وأبو مجلز، وطلحة بن مصرف، وآخرون، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق، وداود، وأبو عوانة، وابن جرير. وذهب الجمهور إلى أن الوصية مندوبة وليست بواجبة، ويجاب عنه بقوله - تعالى -: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف﴾ . ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين لا يستلزم نسخ وجوبها في غير ذلك، ويجاب عنه أيضا بحديث الباب، فإنه يفيد الوجوب. قال في " المسوى ": " وعليه أهل العلم، قال محمد: وبهذا نأخذ، هذا حسن جميل.

стр. 1460

قال النووي: قال الشافعي: معنى الحديث: الجزم والاحتياط، وأن المستحب تعجيل الوصية، وأن يكتبها في صحته ". ( [متى تحرم الوصية ؟] :) (ولا تصح ضرارا) ؛ لحديث أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: " إن الرجل ليعمل - أو المرأة - بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار "، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله﴾ إلى قوله: ﴿وذلك الفوز العظيم﴾ . أخرجه أبو داود والترمذي. وأخرج أحمد وابن ماجه معناه، وقالا فيه: " سبعين سنة "، وقد حسنه الترمذي (١) ، وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال، وقد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وأخرج سعيد بن منصور موقوفا بإسناد صحيح عن ابن عباس: " الإضرار في الوصية من الكبائر ". وأخرجه النسائي مرفوعا (٢) بإسناد رجاله ثقات.

стр. 1461

والآية الكريمة مغنية عن غيرها؛ ففيها تقييد الوصية المأذون بها بعدم الضرار. وقد روى جماعة من الأئمة الإجماع على بطلان وصية الضرار. والحاصل: أن وصية الضرار ممنوعة بالكتاب السنة. ( [أمثلة على أنواع الضرار بالوصية] :) ومن جملة أنواع الضرار: تفضيل بعض الورثة على بعض؛ فإن النبي ﷺ سمى ذلك جورا؛ كما في حديث النعمان بن بشير الصحيح. ومن جملتها: أن تكون لإخراج المال مضارة للورثة؛ فإن من أوصى بماله؛ أو جزء منه لقربة من القرب؛ مريدا بذلك إحرام الورثة جميع ميراثهم أو بعضه؛ فوصيته باطلة؛ لأنه مضار. وظاهر الأدلة: أنه لا ينفذ من وصية الضرار شيء؛ سواء كانت بالثلث أو بما دونه أو بما فوقه؛ بل هي رد على فاعلها، فتكون أحاديث الإذن بالثلث مقيدة بعدم الضرار، وقد جمع الماتن ﵀ في هذا رسالة مختصرة. ( [الدليل على أن الوصية لا تصح لوارث] :) (ولا) تصح (لوارث) ؛ لحديث عمرو بن خارجة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث ". أخرجه أحمد، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي، والدارقطني،

стр. 1462

والبيهقي، وصححه الترمذي. وأخرجه أيضا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه من حديث أبي أمامة، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وهو قوي إذا روى عن الشاميين، وهذا الحديث من روايته عنهم؛ لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وقد حسنه الحافظ أيضا. وأخرجه أيضا الدارقطني، من حديث ابن عباس؛ قال ابن حجر: رجاله ثقات، ولفظه: " لا تجوز وصية لوارث؛ إلا أن تشاء الورثة " (١) . وأخرج الدارقطني، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: " لا وصية لوارث؛ إلا أن تجيز الورثة " (١) . قال في " التلخيص ": إسناده واه. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه. وعن جابر عند الدارقطني. وعن علي عنده أيضا. وقد قال الشافعي: " إن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم - من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم - لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: " لا وصية لوارث "، ويأثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من

стр. 1463

أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد ". انتهى. فيكون هذا الحديث مقيدا لقوله - تعالى -: ﴿من بعد وصية يوصي بها﴾ ، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. قال مالك في " الموطأ ": السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها: أنه لا يجوز وصية لوارث؛ إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت ". قلت: وعليه أهل العلم. ( [الدليل على أن الوصية لا تصح في المعصية] :) [ولا] تصح (في معصية) ؛ لحديث أبي الدرداء عند أحمد، والدارقطني، عن النبي ﷺ ، قال: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم؛ ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم " (١) . وأخرجه ابن ماجه (٢) والبزار، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وفي إسناده ضعف. وأخرجه أيضا الدارقطني، والبيهقي، من حديث أبي أمامة، وإسناده ضعيف. وأخرجه العقيلي في " الضعفاء " من حديث أبي بكر الصديق، وفيه متروك. وأخرجه ابن السكن، وابن قانع، وأبو نعيم، والطبراني، من حديث

стр. 1464

خالد بن عبد الله السلمي، وهو مختلف في صحبته. وهي تنتهض بمجموعها، وقد دلت على أن الإذن بالوصية بالثلث إنما هو لزيادة الحسنات، والوصية في المعصية معصية؛ قد نهى الله عباده عن معاصيه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . فلو لم يرد ما يدل على تقييد الوصية بغير المعصية؛ لكانت الأدلة الدالة على المنع من معصية الله مفيدة للمنع من الوصية في المعصية. ( [بيان مقدار الوصية في القرب] :) (وهي في القرب من الثلث) ؛ لحديث ابن عباس في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: لو أن الناس غضوا من الثلث؛ فإن رسول الله ﷺ قال: " الثلث والثلث كثير ". ومثله حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ قال له: " الثلث والثلث كثير - أو كبير - " لما قال: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: " لا "، قال: فالشطر؟ قال: " لا "، قال: فالثلث؟ قال: " الثلث والثلث كثير - أو كبير -؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس "، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. وقد ذهب الجمهور إلى المنع من الزيادة على الثلث، ولو لم يكن للموصي وارث. وجوز الزيادة مع عدم الوارث: الحنفية، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية، وهو قول علي، وابن مسعود.

стр. 1465

واحتجوا بأن الوصية مطلقة في الآية، فقيدتها السنة بمن له وارث، فبقي من لا وارث له على الإطلاق. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، من حديث أبي زيد الأنصاري: أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله ﷺ ، فأعتق اثنين وأرق أربعة. وفي لفظ لأبي داود، أنه قال ﷺ : " لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين ". وقد أخرج الحديث مسلم وغيره من حديث عمران بن حصين. وفي لفظ لأحمد: أنه جاء ورثته من الأعراب، فأخبروا رسول الله ﷺ بما صنع، فقال: " أو فعل ذلك؟ ! لو علمنا - إن شاء الله - ما صلينا عليه ". اعلم أن الثلث المأذون به لكل أحد هو باعتبار ما يفعله الميت لنفسه من القرب المقربة، التي لم تكن قد وجبت عليه بإيجاب الله - تعالى -، فما كان من هذا القبيل؛ فهو من الثلث المأذون به، وأما ما كان قد تقدم له وجوب على الميت - سواء كان حقا لله كالزكاة والكفارات التي يعتقد الميت وجوبها والحج، أو حق الآدمي كالديون - فإنه يجب إخراجه من رأس المال قبل كل شيء، ولا وجه للتفصيل الذي ذكروه بين ما يتعلق بالمال ابتداء وما يتعلق به انتهاء؛ فإن ذلك لا تأثير له أصلا. فالحاصل: أن الميت إذا مات وجب إخراج ما قد وجب عليه من حقوق الله، وحقوق الآدميين من رأس تركته، ثم ينظر فيما بقي، فإن كان الميت قد أوصى بقرب - لم يتقدم لها وجوب عليه؛ بل أراد التقرب بها؛ إخراجها من

стр. 1466

ثلث الباقي؛ لأن الله - سبحانه - قد أذن له أن يتصرف بثلث ماله كيف شاء؛ بشرط عدم الضرار؛ كتفضيل بعض الورثة على بعض، أو إخراج المال عنهم لا لمقصد ديني؛ بل لمجرد إحرامهم. ثم ينظر في تلك القرب التي جعلها الميت لنفسه عند الموت، فإن استغرقت ثلث الباقي، من دون زيادة ولا نقصان؛ فإنفاذها واجب، وإن زادت لم ينفذ الزائد؛ إلا بإذن من الورثة. فإذا أذنوا؛ فقد رضوا على أنفسهم بخروج جزء مما يملكونه؛ سواء كان قليلا أو كثيرا، وإن نقصت عن استغراق الثلث؛ كان الفاضل من الثلث للورثة. فهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه. وأما جعل بعض حقوق الله الواجبة من الثلث، وبعضها من رأس المال؛ فلا أصل لذلك؛ إلا مجرد خيالات مختلة. ثم اعلم أن الظاهر عندي: أنه لا فرق بين حقوق الله الواجبة، وحقوق الآدميين في مخرجها من التركة، وأنه لا يجب تقديم حقوق الآدمي على حقوق الله؛ بل جميعها مستوية في ذلك؛ لأنها قد اشتركت في وجوبها على الميت، ولا فرق بين واجب وواجب. ومن زعم أن بعضها أقدم من بعض؛ فعليه الدليل. على أنه لو قال قائل: إن حقوق الله أقدم من حقوق بني آدم؛ مستدلا على ذلك بقوله ﷺ : " فدين الله أحق أن يقضى "؛ لم يكن بعيدا من الصواب، لولا أن المراد بقوله: " يقضى "؛ أي: يفعله الفاعل؛ كالقريب يحج

стр. 1467

عن قريبه ويصوم عنه، لا أن المراد أنه يدفع المال ليفعل ذلك فاعل آخر؛ فإن ذلك يحتاج إلى دليل يدل على أنه يصح؛ فضلا عن أنه يجب. ( [قضاء الديون مقدم على الوصية وجوبا] :) (ويجب تقديم قضاء الديون) ؛ لحديث سعيد الأطول (١) عند أحمد، وابن ماجه، بإسناد رجاله رجال الصحيح (٢) : أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال رسول الله ﷺ : " إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه "، فقال: يا رسول الله ﴿قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة؛ وليس لها بينة﴾ قال: " فأعطها؛ فإنها محقة ". وليس في ذلك خلاف، وقد دل عليه قوله - تعالى -: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين (٣) ﴾ .

стр. 1468

( [السلطان يقضي دين من مات ولم يترك ما يقضي دينه] :) (ومن لم يترك ما يقضي دينه؛ قضاه السلطان من بيت المال) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما: أنه ﷺ قال في خطبته: " من خلف مالا أو حقا فلورثته، ومن خلف كلا (١) أو دينا (٢) ؛ فكله إلي ودينه علي ". وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، من حديث جابر (٣) . وأخرجه أيضا البيهقي، والدارقطني، من حديث أبي سعيد. وأخرجه أيضا الطبراني، من حديث سلمان. وأخرجه ابن حبان في " ثقاته "، من حديث أبي أمامة.

стр. 1469

(الكتاب الثلاثون: كتاب المواريث)

стр. 1470

(٣٠ - كتاب المواريث) ( [المواريث واضحة في كتاب الله] :) (هي مفصلة في الكتاب العزيز) ، ومعلومة لأهل العلم والتمييز. قال الماتن: " لم نتعرض ههنا لذكرها، واقتصرنا على ذكر ما ثبت في السنة أو الإجماع، ولم نذكر ما كان لا مستند له إلا محض الرأي؛ كما جرت به عادتنا في هذا الكتاب، فليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين، فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل، ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر. وإذا عرفت هذا؛ اجتمع لك مما في الكتاب العزيز، وما ذكرناه ههنا جميع علم الفرائض الثابت بالكتاب والسنة، فإن عرض لك من المواريث ما لم يكن فيهما؛ فاجتهد فيه برأيك؛ عملا بحديث معاذ المشهور (١) ". انتهى. ( [مراتب الورثة: أصحاب الفروض أولا ثم العصبات ثانيا] :) (ويجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة، وما بقي فللعصبة) (٢) لحديث ابن

стр. 1471

عباس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى (١) رجل ذكر ". والمراد بالفرائض هنا: الأنصباء المقدرة. وأهلها: هم المستحقون لها بالنص. وما بقي بعد إعطاء ذوي الفرائض فرائضهم؛ فهو لأولى رجل ذكر. ( [مثال على العصبة] :) (والأخوات مع البنات عصبة) ؛ أي: يأخذن ما بقي من غير تقدير؛ كما يأخذه الرجل بعد فروض أهل الفروض؛ لحديث ابن مسعود عند البخاري وغيره: أن النبي ﷺ قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، بأن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس؛ تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. وقد أفاد هذا أن ل بنت الابن مع البنت السدس؛ تكملة الثلثين. ( [المستحقون للسدس] :) (١ -[بنت الابن مع البنت] :) (ولبنت الابن مع البنت السدس؛ تكملة الثلثين) ، وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه.

стр. 1472

(٢ - [الأخت لأب مع الأخت لأبوين] :) (٣ - [الجدة مع عدم الأم] :) (وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين، وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم) ؛ لحديث قبيصة بن ذؤيب عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وصححه وابن حبان، والحاكم؛ قال: " جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها؟ فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر، فسألته ميراثها؟ فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها (١) . قال ابن حجر: وإسناده صحيح لثقة رجاله؛ إلا أن صورته مرسل؛ فإن قبيصة لا يصح سماعه من الصديق، ولا يمكن شهوده القصة؛ قاله ابن عبد البر، وقد اختلف في مولده، والصحيح: أنه ولد عام الفتح، فيبعد شهوده القصة. وأخرج عبد الله بن أحمد في " مسند أبيه "، وابن منده في " مستخرجه "، والطبراني في " الكبير "، من حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما، وهو من رواية إسحاق بن يحيى عن عبادة، ولم يسمع منه (٢) .

стр. 1473

وأخرج أبو داود والنسائي، من حديث بريدة: أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم. وصححه ابن السكن، وابن خزيمة، وابن الجارود، وقواه ابن عدي، وفي إسناده عبيد الله العتكي، وهو مختلف فيه. وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن يزيد - مرسلا -، قال: أعطى رسول الله ﷺ ثلاث جدات السدس؛ ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم " (١) . وأخرجه أيضا أبو داود في " المراسيل " عن إبراهيم النخعي. وأخرجه أيضا البيهقي من مرسل الحسن. وأخرجه الدارقطني من طرق عن زيد بن ثابت. وفي الباب آثار غير ما ذكر. قال في " البحر ": مسألة: فرضهن - يعني: الجدات - السدس وإن كثرن إذا استوين، وتستوي أم الأم وأم الأب؛ لا فضل بينهما، فإن اختلفن سقط الأبعد بالأقرب، ولا يسقطهن إلا الأمهات. والأب يسقط الجدات من جهة، والأم من الطرفين. أقول: التفاصيل والتفاريع المذكورة في الكتب ينبغي إمعان النظر في

стр. 1474

مستنداتها، ومجرد اجتهاد فرد من أفراد الصحابة ليس بحجة على أحد، وكذلك اجتهاد جماعة منهم لم يبلغوا حد الإجماع. (٤ - [للجد مع من لا يسقطه] :) (وهو للجد مع من لا يسقطه) ؛ لحديث عمران بن حصين: أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: إن ابن ابني مات؛ فما لي من ميراثه؟ قال: " لك السدس "، فلما أدبر دعاه، قال: " لك سدس آخر "، فلما أدبر دعاه، فقال: " إن السدس الآخر طعمة " (١) . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي - وصححه -. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن الحسن: أن عمر سأل عن فريضة رسول الله ﷺ في الجد؟ فقام معقل بن يسار المزني، فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ ، قال: ماذا؟ قال: السدس، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت؛ فما تعني إذن؟ ! وهو منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر (٢) . وقد أخرج البخاري ومسلم في " صحيحيهما " حديث الحسن عن معقل. وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم اختلافا كثيرا، ورويت عنهم قضايا متعددة.

стр. 1475

وقد دل الدليل على أنه يستحق السدس، وأنه فرضه، فإذا صار إليه زيادة عليه؛ فهو طعمة، وذلك كما في حديث عمران. وإنما قيدنا استحقاقه للسدس بعدم المسقط؛ لأنه إذا كان معه من يسقطه كالأب؛ فلا شيء له، وهكذا إذا كان مع الجد؛ من يسقطه الجد فله بالميراث كله. أقول: ليس في الأحاديث المتقدمة ذكر من كان معه من الورثة، ولم يبق بعد ذلك إلا مجرد روايات من علماء الصحابة ومن بعدهم، وتمثيلات وتشبيهات ليست من الحجة في شيء، ولا يبعد أن يقال: بأنه أحق الميراث من الأخوة والأخوات مطلقا؛ لأنه إن لم يكن والدا حقيقة، فهو بمنزلة الوالد، والأب يسقط الأخوة والأخوات مطلقا. ومن زعم أنه وجد في الأب من المزايا ما لا يشاركه فيها الجد؛ فعليه الدليل، ومن قال: إن ثم دليلا يقتضي أن الجد يقاسم الأخوة، ويأخذ الباقي بعد الأخوات؛ فعليه أيضا الدليل. ( [بيان أنه لا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب] :) (ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب) ، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. ( [بيان الخلاف في ميراث الإخوة والأخوات مع الجد] :) (وفي ميراثهم مع الجد خلاف) ؛ لعدم ورود الدليل الذي تقوم به الحجة:
следующие страницы →